التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماسi

للمتروبوليت باسيليوس كريڤوشاينii

ترجمة الراهبة إيوانّا كعدي

حتّى يومنا هذا، لا يزال قسم كبير من أعمال القدّيس غريغوريوس پالاماس غير منشور أو غير معروف. كما أنّ نشر أعماله الكاملة (وتلك الّتي كتبها تلاميذه أو خصومه) قد تكون مقدّمة لمتابعة دراسة تعاليمه، وحياته ونشاطاته. لا ندّعي إطلاقاً، في هذا العمل الذي بين أيدينا، تقديم بحث تامٍّ وشاملٍ ومستنفذا.عن القديس غريغوريوس پالاماس.

القاعِدة النسكيّة-المعرفيّة gnoséologiqueiii لتعليم القديس غريغوريوس پالاماس

يمكن وصف الحياة الدينيّة، سواءٌ أفهمناها كاتّحادِ الإنسان مع الله أم كإدراكٍ لله من قِبَل الإنسان. بأنّها علاقة متبادلة وتفاعليّة بين الله والإنسان، بين الخالق وخليقته. فلذلك، إذا أردنا أن نفهم تعليم كلّ معلّمٍ روحيّ، وهنا غريغوريوس پالاماس (1296-27 تشرين الثاني 1359)، يجب أن نكتشف أوّلا كيف يَفْهَم هذا المُعَلِّم إمكانيّة الاتّحاد بين الله والإنسان، وكيف يُفكِّر بوسائل مقاربة الله وقدرة الإنسان على مثل هذا التصوّر. وما يراه من الطرائق لفَهم اللهٌ وقدرة الإنسان على مثل هذا الإدراك. هذا ما سيُشكِّل، إن أمكن القول، الركيزة النسكيّة-المعرفيّة لمنهج اللاهوت الذي يهمّناiv. فلنتفحّص إذاً الخطوط الرئيسة لهذا القسم من تعليم القديس غريغوريوس پالاماس، قبل أن نعالج عقائده اللاهوتيّة البحتةv.

إنّ مسألة إمكانيّة ووسائل مقاربة الله تحتلّ مكانة هامّة نِسبيّاً في أعمال غريغوريوس پالاماس. ما يجدر ذكره في البداية، هو أنّ غريغوريوس يبدأ بتأكيد استحالة إدراك الله بواسطة العقل، والتعبير عنه بوساطة الكلمات. فكرة أنّ الله لا يمكن معرفته بطريقة عقليّة هي مرتبطة بتعليم القديس غريغوريوس پالاماس حول طبيعة الله، لكنّنا سنقتصر هنا على البعد المعرفيّ للمسألة. على كل حال، لا شيء جديداً في هذا التأكيد. فإنّ غريغوريوس يَتمَوْضَعُ- وهذا ما يميّز تماماً الأرثوذكسيّة الشرقيّة – على صعيد اللاّهوت التنزيهيّ Apophatique، في الخطِّ المستقيم لتقليد القديس غريغوريوس النيصصي وديونيسيوس الاريوپاجي. فهو مِثلَهم يؤكّد استحالة تحديد الله، والتعبير عنه بأيّ اسم. هكذا، فالقول إنّ الله “لجّة نِعَمvi” abîme de grâce، يستدعي مباشرة تصحيحاً. “لكن بدقّة أكبر، فإنّ هذا الذي يحتوي هذه اللّجة abîme، يتسامى على كلّ ما يمكن أن نفكّر فيه أو أن نسمّيه”vii. إنَّ معرفة الله الحقّة لا يمكن الحصول عليها، لا بوساطة دراسة العالم المخلوق والمنظور، ولا بالجهد العقلي للنفس البشريّة. وحتّى الخطاب الفلسفيّ اللّاهوتيّ الأكثر تجريداً وذكاءً لا يمنكه أن يوفِّر رؤية حقيقيّة عن الله أو عن الاتّحاد به. “وحتّى عندما نفكّر لاهوتيّاً أو فلسفيّاً بمسائل منفصلة كليّاً عن المادّة”، يكتب القديس غريغوريوس پالاماس،” فإنّنا نقترب من الحقيقة ولكنّنا نبقى مع ذلك بعيدين جدّاً عن رؤية الله، وأيضًا غرباءَ عن الاتّحاد به بما أنّ الامتلاك (الله) يتميّز عن المعرفة. التكلّم على الله، والشركة معه [συντυγχάνειν، ليسا الشيء نفسهviii. هذا ما يفسّر موقفه تجاه شتّى أشكال الأنظمة العلميّة، منطقيّة كانت أم تجريبيّة؛ إنّه يعترف بقيمتها النسبيّة فيما يتعلّق بدراسة العالم المخلوق. وفي هذا المجال، يبرّر أساليبه– القياس العقليّ، والبراهين المنطقيّة، والأمثلة المأخوذة من العالم المرئيّ. أمّا في ما يتعلّق بمعرفة الله، فهو يؤكّد عدم كفايتها، ويعتقد أنّه يجب حتى ألّا تستخدم أبداًix.

حقيقة أنّ الله لا يمكن أن يـُعرف عقليّاً، لا تقود مع ذلك القديس غريغوريوس پالاماس إلى الاستنتاج أنّ الله غير معروف كليّاً وليس بمتناول الإنسان. إنّه يؤسّس لإمكانيّة اتّحاد الإنسان بالله، على خصائص الطبيعة البشرية. وعلى مكانة الإنسان في الكون. فلنَتَفَحَّص قليلاً عن كثب تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان. فكرته الأساسيّة، التي غالباً ما نجدها في أعماله، هي أنّ الإنسان خُلِق على صورة الله ومِثاله، وأنّه يحتلّ مكانة مركزيّة في الكون. الإنسان، المخلوق على صورة الله والجامع في ذاته العالم الماديّ وغير الماديّ(بما أنه مكوّن من نفس وجسد)، يظهر للقديس كنوعٍ من عالَمٍ مُختزَل، وعالم صغير يعكس الكونَ ويوحِّده معه في كلٍّ واحدٍ. ويكتب “الإنسان، هذا العالم الأوسع والمضمون في عالم أصغر، يجمع كل ما هو موجود في كلٍّ كامل، ويتوّج خليقة الله. لذلك خُلِق بعد الخلائق كلّها، كأنّنا نضع خاتمة في نهاية الكلام. ويمكننا أن نُسمِّيَ هذا الكون عمل الكلمة الاقنوميّx.” هذا التعليم عن الإنسان (الذي توجد عناصره عند غريغوريوس النصَصي) موسَّعٌ لدى غريغوريوس پالاماس، ومرتبط بمسألة الصلة بين الطبائع الملائكيّة والبشريّة، ومسألة قيمة الجسد البشريّ. خلافاً للفكرة السائدة التي تقول إنّ الملاك، كونه روحاً مجرّدة، أسمى من الإنسان، فهو يعلّم أن الإنسان يمتلك المثال الإلهي بمقدار أسمى من الملاك. ويكتب أيضاً “على الرغم من أنّ الملائكة هم أسمى منّا من نواح عديدة… غير أنّهم أدنى منّا … ذلك يعني أنّنا قد خُلِقنا على مِثال الله بمقدار أكبرxi. كون الإنسان لديه تشابه أكبر مع الله، يظهر أولاً في ما يلي، بينما تنحصر خدمة الملائكة بتنفيذ أوامر الله، فإنّ الإنسان، بصفته تحديدا كائناً أرضيّاً ونفسيّاً- فيزيولوجيّاً (بسيكو- فيزيولوجي)، مُعَدٌّ لأن يكونَ سيد الخليقة كلّها وأن يملِكَ عليها. “بينما الملائكة معيّنون لخدمة الخالق، ورسالتهم الوحيدة أن يَخضَعوا للسلطة (لم يعطَ لهم أن يسودوا على كائنات أدنى، إلاّ عندما يُرسلون لهذا الأمر من قبل مُخَلِّص الكل)، أمّا الإنسان، فهو مُعدّ ليس فقط ليكون خاضِعاً، بل ليَحكُم كلّ ما هو على الارضxii. فكرة كون الإنسان موهوباً بشَبَهٍ إلهيّ بدرجة عالية، موسّعة في التّعليم المتعلّق بالجسد البشريّ وما يعنيه في حياة الإنسان الروحيّة. يجدر بنا أن نُـنـَوِّه إلى أن غريغوريوس پالاماس كان معادياً شديداً للنظرية القائلة إنّ الجسد هو بحدّ ذاته مبدأٌ سيّئ ومصدر للخطيئة. إن رأياً كهذا يبدو له إفتراءً على الله، خالق الجسد، ومتأّتياً عن تحقير مانويّ، ثنائيّ للمادة . وقد ألّف أيضا حواراً طريفاً مكتوباً بأسلوبٍ مُبهِرٍ ضدّ الروحانيّة المانويّة الأُحاديّة الجانب، والتي بموجبها تنقاد الروح إلى الخطيئة عن طريق الجسد، وأنّ صِلاتَها بالجسد قد تكون سبب الخطيئة. في هذا الحوارِ، يُـشدِّد بقوّةٍ على أنَّ الجسدَ ، كما النفس، قد خلقه الله، وأنّ الإنسان ليس نفساً فقط، ولكنّه اتّحاد الجسد والنفس. “ليس الإنسان نفسا فقط ولا جسدا فقط، إنّما هو الإثنان معاً، فهما مخلوقانِ على صورة اللهxiii.” غالباً ما نجد هذه الفكرة عند غريغوريوس پالاماس. الجسد يعكس الصورة الإلهيّة كما تعكسها النفس، هذا ما يثبت نظرته بأنّ الإنسان، وتحديدا لأنّ له جسداً، هو في الواقع ممهورٌ بخاتـَم الشَبَه الإلهي أكثر من الطبائع الملائكيّة الروحيّة البحتة. فالإنسان أقرب إلى الله (وذلك كونه مخلوقاً، أكثر ممّا هو فكرة إلهيّة)، على الرغم من أنّه قد فـَقـَد هذا الشـَبه بعد السقوط، بمعنى أنّه سقط أدنى من الملائكة. إنّ واقع امتلاك الإنسان جسداً، يسمح له بالتواصل مع الله بطريقة تستحيل على الملائكة. فالقديس غريغوريوس يتساءل “أيّ ملاك باستطاعته الاقتداء بآلام وموت المسيح كما فعل الإنسان”xiv. وهو يكتب أيضاً “أُنعِمَ على الطبيعة الملائكيّة بالذّكاء، كما بالنُطق الّذي ينشأ عن هذا الذكاء وندعوها روحا، لكن هذه الروح لا تعطي الحياة لأنّها غير مُقترَنة بجسد، فهي إذاً لم تتلقَّ القدرة على إعطاء الحياة والحفاظ عليها. لكنّ الروح، المخلوقة بجسد ماديّ، تلقى من الله القوة لتعطيَ الحياة، كونها الوحيدة الموهوبة بالذهن [νοῦν]، والكلمة [λόγον]، والقوة الواهبة للحياة. هي وحدَها، أكثر من الملائكة، مخلوقة على صورة اللهxv“. بالتأكيد، الصورة الإلهية لا تعتبر في الجسد بذاته، لكن في الروح المعطي الحياة الذي ينتمي إلى الإنسان. لكنّ الجسد، بعيداً عن أن يكون عقبة، يتيح الفرصة لهذه الروح في الظهور. في حين أنَّ الملائكة، ككائنات غير ملموسة، هم عادمو هذه الروح. في هذا المعنى، فإنّ الشّبَهَ الإلهي لم يُفقَد حتّى بعد السقوط. “بعد خطيئة أجدادنا، توقّفنا عن أن نكون مثل الله. لكنّنا لم نتوقّف عن أن نَعكِس صورة الله”xvi. وبصفة عامّة، يناسب الهراطقة، أن يرَوا مبدأ الشرِّ في الأجساد.” يقولون إنّ الجسد هو سيِّئٌ ومن خـَلق الشريرxvii. لكن بالنسبة للأرثوذكس هذا الجسد هو “هيكل الروح القدس” و”مسكن الله”xviii. وهكذا يمكن أن نفهم، وَفْقا لغريغوريوس پالاماس، كيف أنّ الجسد تحت تأثير الروح يمكن أن يكون “مستعدّاً روحيّاً” xix، وكيف أن عدم التأثّر ليس ببساطة قتل الأهواء الماديّة، لكنّه “أفضل طاقة مُبدِعة” للجسدxx. وبشكل عام، الجسد يشارك بالحياة الفائقة الطبيعة للروح، ليس فقط بعد القيامة، لكن منذ الآن. “إذا كان على الجسد أن يتقاسم غنى الروح اللّامتناهي، فممّا لا شكّ فيه أنّ باستطاعته المشاركة بها منذ الآن، وأنَ تكون لديه خبرة إلهيّة. ولكن أهواء الروح يجب أوَّلاً أن تتحوّلَ وتتطهّر من دونِ إزالتهاxxi.

بالإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة، في سياق تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان، إلى الدور الذي يعطيه للقلب في الحياة الفكريّة والروحيّة. فهو يعتبر القلب مركز الحياة الروحيّة للإنسان، بوصفه العضو الذي تستخدمه الروح لمراقبة الجسد، وحتى كمصدر ودعم للنشاط الفكريّ البشريّxxii. “نحن نعرف على وجه اليقين أنّ القلب هو آلة الفكر. عَلِمْنا هذا ليس من الإنسان بل من خالق الإنسان، الذي يقول في الإنجيل. “الأفكار تأتي من القلب”. القلب إذاً هو “كنز الأفكار”xxiii ومركز الجسد في الوقت نفسه.

التعليم أنّ الإنسان هو على صورة الله، وأنّه يُظهر هذا التشابه الالهي في كيانه النفس-مادي، وأنّه نوع من عالم صغير، والذي يشرح كيف أنّ تواصلاً حقيقيّاً بينه وبين الله ممكن الحدوث، وإمكانيّة التوصّل إلى معرفة أعمق عن الله، من تلك التي تأتي من النشاط الفكري الوحيد أو دراسة العالم الخارجي. إنّ هذا التعليم نفسه ينطلق بالحقيقة، من مبدإ الشَّبَه الإلهيّ في الإنسان، يؤكد القديس غريغوريوس أنّ الإنسان يمكن أن يحقّق الشركة مع الله بحَفظِه وصاياه قبل كلّ شيء؛ فمن خلال ذلك، يجدّد الصورة الإلهيّة الموجودة فيه، والتي أظلَمت بالخطيئة، ويقترب من الاتّحاد بالله ومن معرفته على مقدار قدرته كخليقة. هذه الطريقة (لحفظ الوصايا) يجب أن تُتَّبع من الجميع، ويمكن باختصار وصفها بأنّها محبّة الله والقريب. فكرة أنّ الوصايا لها قيمة عالميّة وأنَّ كلَّ البشر لا بدّ لهم من حفظها، هي النقطة المركزيّة في التعليم النسكي عند غريغوريوس (حتّى أنّه كتب تعليقا عن الوصايا العشر )xxiv. فهو يؤكّدها بدرجة جَلِّية حتى أنه غالبا ما يكررها بكلام واضح في أجزاء من تعليمه حول سبل الحياة الداخلية. لكن في تفسيره للوصايا وكيف يجب على المرء عيشها، فإنّ القديس غريغوريوس، ككلّ المفكّرين الذين يؤلّفون المرجِعيّة{الأكثر عمقا} في الكنيسة الأرثوذكسية، يعلّق أهمية قصوى على التطهير الداخلي من الأهواء وليس على العمل الخارجي، أو اكتساب هذه الفضيلة أو تلك. لكن ولتحقيق طهارة القلب هذه، يجب أن ننخرط في طريق التوبة والتواضع، مُظهرين كراهيةً للخطيئة، ومحبّة للربّ الذي أحبّنا أوّلا. “لنلبس أعمال التوبة، وانسحاق الأفكار، التواضع والحزن الروحي، وقلباً وديعاً رحيماً، والمحبّة الحقيقيّة، ناشدين الطهارة […] لأنّ ملكوت الله – ليس مَلِكَ السماء – […] إنّه في داخلنا، وعلينا أن نرتبط به بأعمال التوبة، محبّين الله بكلِّ قدرتنا، هو الذي أحبّنا بهذا المقدارxxv.

لدى القديس غريغوريوس، وسيلةٌ أكثرُ فاعليّةً للتطهيرِ الداخليّ وتعبيرٌ أكثرُ وضوحاً عن محبّتنا لله والقريب، يوجد في الصلاة، (متصلة، هذا مفهوم تماما، ببقيّة النشاط الداخلي للإنسان، وعموما على كلّ حياته). الصلاة بالنسبة له، أسمى من ممارسة أي فضيلة على الإطلاق. مع علمه أنّ الاتّحاد بالله يمكن أن يتحقّق إمّا من خلال الفضيلة xxvi أو من خلال الصلاة xxvii، غريغوريوس يُعطي أهمّيةً كُبرى للصلاة ويؤكّد أنّه فقط بقوّتها تستطيع الخليقة أن تتّحِد بخالقها. “إن قوة الصلاة تُحقّق سِرِّياً هذا الاتّحاد، بما أنها الصلة بين الخليقة العاقلة واللهxxviii“. علاوة على ذلك، فإنّ القديس غريغوريوس، كما ديونيسيوس الآريوپاجي، يتحدّث عن عمل ثلاثيّ للنفس من خلاله ترتقي إلى الله. في نفس المقالة عن الصلاة، نقرأ “عندما أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً، حينها يدخل الروح في شركة مع الألوهة الثالوثية”xxix . هذا العمل الثالوثي يرتكز على ما يلي، النفس، التي عادة تتأمّل الأشياء الخارجيّة (العمل الأوّل)، تدخل إلى ذاتها (العمل الثاني) وترتقي إلى الله بالصلاة (العمل الثالث). “أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً عندما تعود الروح إلى ذاتها ومن هناك ترتفع نحو الله”xxx.

العملان الاخيران نسمّيهما أيضا ” إلتفافا enroulement” كما يُـلفُّ الرِّق، ونسمّيهما أيضاً “إمتداداً إلى العُلىxxxi “. نوضح أن حقيقة عودة الروح إلى ذاتها، هي التي تحفظها، في حين أنّ صعودها نحو الله يتحقّق بالصلاةxxxii. في هذه الحالة، الروح البشريّة “تبلغ ما لم يُسمَعْ به” و”تتذوّق العالم الآتي”xxxiii. لكن لا ينبغي أن نُعطي أهمّيةً كبيرة للاستنارة التي يَتِمُّ التوصّل إليها في البداية، لأنَّها من الممكن أن تكون مُضِلَّة، كونها غير مصحوبة بتنقية كاملة للروح. يجب أن نتوقَّف في بداية الحياة النسكيّة عند رؤية حالة الخطيئة في قلبنا بالذات، والموحى بها لنا بوساطة استنارة الروح هذه. لكنّ التنقية الكاملة للكائن البشريّ لا تتحقّق إلا عندما تحوز قوى الروح كلُّها على العلاج الروحيّ الملائم.

“فقط عندما يُطَهِّر الإنسان قدرته الفاعلة بالأعمال، وقدرته الإدراكيّة بالمعرفة، وقدرته التأمليّة بالصلاة”xxxiv يصبح حينئذٍ قادراً على الوصول إلى الطهارة الضرورية لمعرفة الله. “لا أحد يستطيع أن يَحصُلَ على الطهارة الكافية لمعرفة الله، لا أحد يستطيع الحصول عليها إلا بكمال الأعمال، وبالمثابرة في الطريق النسكي، وبالتأمل والصلاة التأمليةxxxv. وكذلك، يجب أن ندرك أنّه من الضروري والمُخصِب للروح ليس فقط إدراك هذا العمل الثلاثي، بل الثبات في هذا النشاط الذي يُنتج “حسّاً ذهنيّاً ” sens intellectuel [αἴσθησις νοερά] والمثابرة طويلاً عليهxxxvi. في الوقت نفسه، يصّر القديس غريغوريوس على ضرورة إبقاء الروح دائما في حدود الجسد. ودعما لهذه القاعدة النسكية، يستشهد بعبارة معروفة جدّاً للقديس يوحنا السُّلّميّ:” الإنسان الصامت هو من يطمح إلى حصر اللّاجسدي (الروح) في مسكن جسديxxxvii. “ومثله، فإنه يرى في سكنى الروح في الجسد سِمة أساسية من سِمات الهدوئي Hesychaste الحقيقي. من ناحية أخرى، فإنّ بقاء الروح خارج الجسد، يبدو له سبب كلّ الأوهام. ” إطلاق الروح خارج الجسد، للبحث بعيدا عن رؤى فكريّة، هو أكبر وَهْمْ من الأوهام الهلّينية، وأصل كل فكر كاذب ومصدرهxxxviii. “القديس غريغوريوس يتصوّر أن عقيدته في إبقاءِ الروح في الجسد، وحتى في”إرسالها” إلى هذا الجسد، قد تُـثير اعتراضات من جانب أولئك الذين يعتقدون أنَّ هذه المَهمَّة غير مفيدة، بل ومستحيلة، بما أنّ الروح، هي بطبيعتها، متّحدة بالنفس التي تقيم في الجسد، وتتواجد هناك بالفعل حتى دون تعاون إرادتنا. لكن غريغوريوس يقول إنّ هناك لُـبسا بين جوهر الروح ونشاطهاxxxix. جوهريّاً، إنَّ الروح، هذا مفهوم تماما، مقتَرنة بالجسد، ولكن مهمة الهدوئي hesychaste هي توجيه نشاطها في هذا الاتجاه .

هذه الطريقة في المحافظةِ على الروح بالصلاة، تتطلّب الكثير من الجهد والتركيز والعناء. كتب القديس غريغوريوس: “إن ممارسة أيّ فضيلة أخرى هي خفيفة وسهلة جدّاً مقارَنة بذلكxl. “نحن نرى مدى خطإ أولئك الذين يَرَون في الصلاة العقليّة لدى الهدوئيين، محاولة لإيجاد وسيلة سهلةٍ للخلاص، وتجنّب ممارسة الفضائل، وهكذا يمكن الوصول، إلى حالة من الحماس الصوفي، ” آلياً ودون عناء.” وبالحقيقة، ليس الامر متعلّقاً بطريقة سهلة، فغريغوريوس يُشير إلى أنّ الصلاة العقليّة هي الطريق الأصعب، والأضيق والأكثر إيلاما للخلاص، ولكنّها تلك التي تؤدّي إلى أعلى مستويات الكمال الروحي، شريطة أن تكون ممارسة الصلاة في انسجام مع بقيّة نشاطات الإنسان (هذا الشرط المطلق لنجاح الصلاة يبيّن جيدا أنّه لا يوجد فيها شيء من “الآلية”. لذلك، على الرغم من تقديم النصح لجميع الذين يرغبون في الخلاص بواسطة هذه الطريقة، والاعتقاد أنها متاحة للجميع، يؤكد غريغوريوس أن الحياة الرهبانية فقط، بعيداً عن العالم كما هو حالها، توفِّر الظروف المؤَاتية لها. ” إنه، بالطبع ، من الممكن لأولئك الذين يعيشون في حالة الزواج، العمل من أجل تحقيق هذه الطهارة، ولكن فقط بثمن كبير جدّاً من الصعوبات والمحن”xli.

لقد قدَّمنا عَمْداً حَيِّزاً كبيراً لأفكار غريغوريوس پالاماس عن مكانة القلب والجسد في الحياة الروحيّة للإنسان بشكل عام ( أفكارٌ نجدها بالفعل عند الكتّاب النسكيين السابقين، إلا أنَّ غريغوريوس توسَّع بها بكثير من الوضوح وبطريقة منهجيّة فلسفيّة مميّزة جَّداً) هكذا يمكننا الفهم بأكثرَ سهولة للمعنى الحقيقي للجانب الأكثرِ أصالةً من عقيدته النسكية، التي تتناول الصلاة العقليّة التي يُزعم أنَّها ” فَنّية” وأساليبهاxlii. ليس هناك عمليّاً أيّ دليل على أساليب الصلاة الفنية عند الآباء القدماء، على الرغم من أننا يمكن أن نجد مؤشّرات مُبكِرة عند يوحنا السلمي (القرن السادس-السابع)xliii. أو Hesychius إيسيخوس السينائي (القرن السابع _ الثامن)xliv. الوصف الأكثر اكتمالا يمكن العثور عليه في المقالة عن الطرق الثلاثة للصلاة عند سمعان اللاهوتيّ الجديد (أوائل القرن الحادي عشر)، عند نيكيفوروس الراهب {المتوحد في جبل آثوس} (حوالي القرن الثالث عشر)، وعند القدّيس غريغوريوس السينائي (القرن الثالث عشر)xlv. يمكننا أن نفسِّر صمت الآباء عن هذا الموضوع بطرق مختلفة (أن تكون هذه الطرق قد وُجدت أم لم توجد، أو كانت موضوع تعليم شخصيّ من الشيوخ للتلاميذ، وبالتالي لم تكن موضوعة كتابة حتى – مع الاختفاء التدريجي للشيوخ – ظهر خطر نسيانها عندئذ وُضعت كتابة من قِبَل أولئك الذين عاشوا هذه الخِبرات. ولكن هناك شيء واضح، هذه الطرائق كانت منتشرة على نطاق واسع جدّاً في الشرق الأرثوذكسي وكانت جزءاً من التقليد النسكي قبل فترة طويلة من غريغوريوس پالاماس والهدوئيين في جبل آثوس في القرن الرابع عشر. فمن المُحتمل جدّاً، سواء من الناحية التاريخية أو من وجهة نظر دينيّة- نفسيّة، أن هذه الطرائق كانت “اختراعا” شخصيّاً لبعض الأفراد، من المحتمل تقريبا أن يكونوا معاصرين للقدّيس غريغوريوس (كما يعتقد البعض). أمَّا في ما يتعلّق بسوء فَهم معناها، والأكثر شيوعا بين العلماء الأرثوذكس، فهو متأتٍّ أساسا من كون أنَّ ما هو في الحقيقة يؤلِّف عمليات ثانوية وملحقات اعتُمد كجزءٍ أساسيٍّ في هذا النوع من الصلاةxlvi. هنا أيضاً، علينا أن نتذكّر أنَّ هؤلاءِ الكتّاب النسكيين الذين تعاملوا مع الصلاة الفنّية لم يحاولوا أن يقدّموا دراسة شاملة عن عقيدة النسك الأرثوذكسي في مجملها، ولكنهم اقتصروا على تقديم أجزاء لم يتناولها الآخرون بشكل واضح بما فيه الكفاية من قِبَل الآخرين أو الذين لسبب ما أثارت تساؤلات. في أيّ حال، سيكون من الخطإ أن نتصوَّر أنَّ هذه القواعد المُحَدّدة ( في هذه الحالة الصلاة الفنية) قد يحمل في نظرهم بُعداً يَشمل مُجمَل التعاليم النسكية للكنيسة. في الواقع، إنّهم كانوا يجمعون عامة على ما هو مَعروف عن هذا التعليم الذي يُشكِّلُ كُلّاً مُتناسقا، ولم يفكّروا أبداً أنّه كان من الضروريّ الإشارة إلى ذلك باستمرار عند تناول قضيَّة معيَّنة تهمّهمxlvii. وأخيرا ، يجب أن نذكرَ أنَّ التناقضات الظاهرة بين هذه أو تلك المقالة النسكية غالبا ما يعود ذلك إلى حقيقة أنّها كانت مكتوبةً لأناسٍ كانوا على مستوياتٍ مختلفة من النمو الروحي .

فلننتقل الأن من هذه الملاحظات العامة، الى تعليم القديس غريغوريوس پالاماس نفسِهِ عن طرائق الصلاة الفنية. يجب أن نلاحظ، مع ذلك، أنه لا يُعطي في أي مكان عرضا مُفَصَّلاً كما نجد في أعمال مَن سبقوه (كالقديس سمعان اللّاهوتيّ الجديد ، نيكيفورس الراهب أو غريغوريوس السينائي). وهذا ما لم يبدُ له ضروريّا ربّما، حيث كان هذا التعليم في ذلك الوقت معروفاً على نطاق واسع في الأوساط الرهبانية. ومع ذلك، نجد عند القديس غريغوريوس، دفاعا نسكيا-فلسفيّاً رائعاً، من الأكثر إفادة، لبعض من هذه الطرائق الممارَسة في الصلاة. المناسبة الفوريّة لصياغة هذا الدفاع كانت الهجوم الذي شنّه برلعام ضدّ الهدوئيين الآثوسيين، والذي بسبب الاهتمام الذي يبديه هؤلاءِ الهدوئيون للصلاة العقلية، دعاهم omphalo-psychique xlviiiبمعنى أنهم أشخاص مُعتبرون أنهم يعلمون أنًّ الروح موجودة في الصِرّة.

ولكن على الرغم من أنه اصبح ضروريّاً بدافع احتياجات العصر، فإنَّ عمل غريغوريوس الدفاعي قد حصل على مكانة خاصّة بالنسبة لبقية مواقفه النسكية. ويستند هذا الدفاع على هذه الفكرة، التي سبق ذكرها، وهو أن الجسد ليس سيّئاً بحدّ ذاته ولكن الله خَلَقَه ليكون هيكلاً للروح الساكن فينا، فمن الطبيعي جدّاً أن نلجأ لعونه كمُكمِّل لتسهيلِ عمل الصلاة. من هذه الطرق الفرعية المتصلة بالطبيعة الفيزيائية للإنسان، غريغوريوس يدرس خصوصاً ناحيتين :

1) العَلاقة بين الصلاة والتنفس (ἀναπνοή) – على نحو أدقّ الشهيق الذي يساعد على إبقاء الروح في الداخل واتّحادها بالقلب.

2) وضعيّة الجسد في الصلاة (τὸ ἔξω σχῆμα)xlix، بصورة عامّة وضعيّة الجلوس، مع إحناء الرأس وتوجيه النظر نحو الصدر أو اسفل بقليل حتى الصِرّةl.

وفي ما يتعلق بالطريقة الأولى التي تقوم على الشهيقli، القدّيس غريغوريوس يُعلّم أنَّ دورها هو ثانويّ تماما. الغَرَض منه هو مساعدة الإنسان (وبخاصّةٍ المبتدئ ) للحفاظ على روحه في الداخل، من دون تَـشَتُّـت، في القلب الذي يحتلّ، ونحن نَعلَم، مكانة رئيسة في حياته الروحية بأكملها. يجوز الشك في جدوى إنشاء مثل هذه العلاقة بين التنفس والصلاة من أجل تحقيق التركيز. نلاحظ، مع ذلك، أنه يبدو من الناحية النظرية أن لا شيء مستحيل هنا. حتى أنه يبدو، واقعيّاً جدّاً نظراً للارتباط بين الظواهر الفيزيائية والظواهر النفسيةlii، التي نعرفها في حياة كلّ يوم والتي أكدّها علم النفس. أمّا من جهة ما يحدث في الواقع، فلا يمكن أن يُعرف ذلك إلَّا من خلال التجربة في الصلاة. وها القديس غريغوريوس يشير، ” متسائلا لماذا الاستمرار في الحديث حول هذا الموضوع، أولئك الذين لديهم الخبرة، ألا يضحكون من أولئك الذين يُعارِضون بدون خبرة ؟ لأنَّ المِعيار في ذلك ليس الكلام، ولكن العمَل والخِبرة المُكتَسبة مِن العملliii. “وهكذا، بناءً على هذه التجربة التي هي أيضا شخصيّة كما وأيضاً كنسيّة، يقول غريغوريوس أنه” ليس عبثا، وخصوصا عندما يتعلّق الأمر بالمبتدئين، تعليمهم أن يُصغوا ويبحثوا داخل أنفسهم ويركّزوا أذهانهم الى الداخل عن طريق التنفسliv. ” وبخلاف ذلك، فإن الروح عند المبتدئين ستَـشرُد باستمرار حُكماً وتكون مُشَتّـتة، وبالتالي نَنزَع عنها خصوبتها الروحية. ولذلك ينصح بربط الصلاة بالتنفس، وخاصة في البداية، طالما أنَّ الهدوئي hesychaste ليس مُتجذِّراً بعد بنعمة الله في جمع حواسّه وأفكاره والتأمّل الإلهي؛ وبعبارة أخرى، ” حتى، بعون الله، يُتقِن ما هو أفضل، ويحافظ على روحه ثابتة بلا تغير في نفسه ومُجَرّدة عن الكلّ، تصبح موحَّدة في ذاتها ومع الله”lv(ἑνοιδῆ συνέλεξιν – مصطلح لديونيسيوس الآريوباجي). بعد أن يصل إلى هذه الحالة من التأمل، فالهدوئي يحافظ عليها بسهولة بنعمة الله، ولكن الوصول الى ذلك يتطلب عملاً كبيراً والكثير من الصبر، كدليل ونتيجة لحبنا الله. لقد كتب غريغوريوس : “ما من مبتدإٍ novice يقدر أن يحقّق هذه الأمور من دون جَهد وكدّ”lvi. لكن بالنسبة للمتقدّمين و” الذين قد توحَدّت نفسهم تماما، يحدث كلّ هذا بالضرورة من دون جَهد ولا همّ”lvii. ما قيل ينبغي أن يكون كافياً لشرح موقف غريغوريوس تجاه “طريقة التنفّس” في الصلاة.

وأخيرا، نلاحظ في الختام :

1 – أن هذه الطريقة ليست مُلزِمة لجميع أولئك الذين يرغبون في الوصول الى الكمال في الصلاة، ولكن من المستحسن فقط وبخاصّة للمبتدئينlviii

2 – يؤكد غريغوريوس أنَّ هذا الأسلوب هو ثانويّ تماما، وهو مخصّص لتسهيل التأمّل . 3 – نجاح الصلاة يعتمد في نهاية المطاف على الله ( σὺν Θεῷ ἐπί τῷ χρεῖττον προϊόντες ) ، وليس فقط على جهودنا.

4 – جهودُنا تظهر محبّتنا لله.

5 – هذه الطريقة في الصلاة صعبة جدّاًlix

هناك طريقة أخرى للصلاة الفنّية، التي وصفت بأنها “omphaloscopie”، من قِبَل القدّيس غريغوريوس أسهب في شرحِها أكثر. وكما سبق أن قلنا، هذه الطريقة تعرَضّت للهجوم والسُخرية من برلعام وأتباعه بكثيرٍ من العدائية. هذه الهجمات لا تزال مستمرة اليوم ايضا. ويُتَهم الهدوئيون بأنهم يجعلون الصلاة العقلية فقط تأملٌا في الصِرّة (“omphaloscopie”)، وأنهم يعتقدون أنَّ روح الإنسان هي في الصِرّة (من هنا اسم السخرية “omphaloscopes” التي اخترعها برلعام واستُخدِمَت من قِبَل ليون ألّلاتيوس Allatiuslx Léo. ولكن إذا تركنا جانباً هذه الخلافات، ونظرنا اليها بموضوعيّة، نُدرِك أن “omphaloscopie” كان لها معنىً مختلفاً تماماً في ممارسة الحياة الرهبانية الشرقية. أولّاً، قد يكون من الصعب أن نرى فيها جزءاً أساسيّاً من الصلاة العقلية، وذلك بسبب أن هذه الممارسة نادراً ما تُذكر في الكتابات النسكية، إلا سهواً، لا تذكر omphaloscopie، بصرف النظر عن غريغوريوس پالاماس، إلا عند سمعان اللّاهوتيّ الجديد، في مقالته في الطرائق الثلاث للصلاةlxi. لا نيكيفور الراهب ولا القديس غريغوريوس السينائي، اللَّذين درسا بالتفصيل طريقة التنفس، لم يأتيا على ذكرِها. ومع ذلك، كان نساك ذلك الوقت يمارسون omphaloscopie بالتأكيد، كوسيلة ثانويّة للصلاة، وهذا هو السبب الذي من اجله رأى القديس غريغوريوس بالاماس أنه من الضروري الدفاع عنه ضد هجمات برلعام. واستَنَد هذا الدفاع على نفس المفاهيم الأساسية لتلك التي تكمن وراء دفاعه عن طريقة “التنفس” (على الرغم من أن الحجج تَمّ تطويرها بطريقة مختلفة تماما). الفكرة المركزيّة هي أيضاً العلاقة بين النفسي والمادي، وأهمية هذه العلاقة في التركيز والحفاظ على الانتباه. فهو يكتب، “نظراً لحقيقة أنَّه منذ السقوط، من الطبيعي أنَّ الإنسان الداخلي يتوافق من النواحي كافة مع الأشكال الخارجية، فإنّه يمكن أن يكون من المفيد جدّاً للذي يريد التأمّل، بدلاً من السماح لبصره أن يتَـشَتَّـت هنا وهناك. أن يُثَـبتَه كنوع من الدَعم على الصدر أو الصِرّة”lxii. هذا النص يُعَبِّر بجدارة عن المعنى الحقيقي لل omphaloscopie ، فإنّه يدلّ على أن الهدف من ذلك هو التركيز وأنّ الحفاظ على البصر ثابتاً على نقطة ما (بدلا من السماح له بالتشتت) هي وسيلة تخدم هذا الغرض. لاحظ عبارة “مفيدة”(συντελέσειε)، مما يدلّ بوضوح على الأهميّة الثانويّة – لا القصوى – التي تتعلّق بهذه الطريقة. وبالتالي فإنّ حقيقة حفظ أنظارنا ثابتة على المعدة يأتي بعد عبارة ” على صدره “، مما يدلّ بوضوح على أنّه بديل. نلاحظ أيضاً أنّه بالنسبة الى غريغوريوس پالاماس، خارجا عن اتّجاه النظر، وضْعيّة الجسد، المائل والمتواضع، لها دلالة كبرى؛ فبالصلاة على هذا الشكل، يُحاكي الانسان ظاهريّا على الأقل العشار الذي لم يجرؤ على رَفعِ بَصَره، أو مع النبي إيليا الذي كان يصلّي، واضعاً رأسه بين ركبتيه lxiii.

وبالمثل، هناك شيء من هذا الموقف الذي يتوافق مع الحركة الدورية للروح التي يتكلم عليها ديونيسيوس الآريوپاجيlxiv. في ضوء ذلك، فإن “الشكل الخارجي” (τὸ ἔξω σχῆμα)، أي الوضعية التي نتّخِذها في أثناء الصلاة، تبدو للقديس غريغوريوس، حسب خبرته، مفيدة ليس فقط للمبتدئين، ولكن أيضاً للذين هم أكثر تقدّماً. فهو يكتب. ” ناهيك بالمبتدئين، فان البعض حتى بين الأكثر تقدّما، وذلك باستخدامهم هذا النوع من الصلاة استجاب الله لهمlxv. “(لاحظ” بعض “[τῶν τελειωτέρων οἱ]، اذا ليس الجميع). مُفَسِّرا هكذا معنى الصلاة الفنية، غريغوريوس يدحض الخُرافة السخيفة التي نُشرت عن طريق برلعام، مُدَّعِياً أنّه وَفقا للهدوئيين hesychastes الصِرّة هي مقر للروح. داحضاً البرلعاميين barlaamites الذين يُلقبون الهدوئيين ب omphalo-psychiques. يقول “[هذه التسمية] من الواضح أنها افتراء لأنه مَن مِنَ [الهدوئيين] ادّعى قط أن الروح كان في الصِرّةlxvi؟ “

هذا، اختصار، لتعليم غريغوريوس پالاماس عن طرق الصلاة العقلية ” الفنية” . في بعض النصوص المكتوبة في الدفاع عن رهبان جبل آثوس، هذه الطرائق فـُصـِّلت باسهاب، بينما في حالات أخرى، ذات الطابع النسكي والمعنوي الأكثر عمومية (مثل الرسائل إلى الراهبة كسينيا Xénia، والعظات {الميامر} ، الخ ) ، لم يأت على ذكرهم على الإطلاق. ونحن نعتقد أنّه إذا أعطى غريغوريوس الكثير من الاهتمام للوصف والدفاع عن مثل هذا النوع من الصلاة، كان ردّاً على الهجمات التي قُدِّمَت في ذلك الوقت من قـِبَل خصوم الحياة التأملية. كان من الضروريّ الدفاع عن الحق و محاربة التشوهات المُغرِضة .

ولكن كتابات غريغوريوس پالاماس عن الصلاة النسكية لها قيمة خاصة بها بِغَض النظر عن الحاجات الآنيّة؛ نجد لأول مرة في الأدب النسكي وصفاً لاهوتيّاً ونفسيّاً مُنَظّماً عن هذه الطرائق التي بلا شك كانت تمارس قَـبلـَه بوقت طويل.

هذه الأعمال الدفاعية هي من بين المساهمات الأكثر أصالة لغريغوريوس پالاماس في الأدب النسكي الأرثوذكسي. ولكن سيكون من الخطإ الجسيم أن نعتقد أنّ هذه الطرائق للقدّيس غريغوريوس – الثانوية ، وعلى الرغم من انها مفيدة جدّاً – هي الجوهر والمضمون الرئيس للصلاة العقلية. فليس تلك او ذاك العمل النسكي بحد ذاته، ولكن “ارتفاع العقل نحو الله وعلاقته معه ” هو هدف ومضمون كل صلاة روحيّة حقيقيّة كما اعتبرها غريغوريوس والصوفيون الأرثوذكس الآخرون عبر التاريخ. فبالنسبة لغريغوريوس أنَّ اتّحاد الروح بالله هو الأساس وقِمة الحياة الروحية للإنسان كله، وانفصاله عنه يبدو السبب في كلّ سقطاطه. يكتب بحيويته {بهمته،} المميزة ” الروح التي تنفصل عن الله تصبح إمّا حيوانيّة، أما شيطانيّة”lxvii.

“في حالة الاتّحاد المباشَر هذه بالخالق، عندما تخرج روحنا من نطاق أنشطتنا العادية وتبقى، إذا جاز التعبير، خارجاً عن ذاتها، حينئذ يُدرِك الإنسان معرفة الله الحقيقيّة، ” هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة. مقارنة بهذه اللامعرفة، كل فلسفتنا وكل معارفنا العادية، انطلاقا من مفهوم العالم المخلوق، تبدو غير كافية وجزئية. ” ويقول غريغوريوس أيضا : ” إنّه حقّاً لمستحيل أن نَتَّحِد بالله (Θεῷ συγγενέσθαι)، إلا إذا، بعد تـَطهيرنا، نجد أنفسنا، خارج – أو بالاحرى فوق – ذواتنا، بعد أن نكون قد تخلّينا عَمّا يتعلق بالعالم المحسوس وارتفعنا فوق الأفكار، وأسلوب التفكير وكل معرفة، وحتى فوق العقل نفسه. فنصبح حينئذ بكُلّيتنا تحت تأثير الذهن، بحيث قد نكون بلغنا حينئذ هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة، وبذات الفعل، فوق كل انواع الفلسفةlxviii. “

هذه الحالة الروحية الفائقة، عندما ينفصل الإنسان عن كلّ ما هو مَخلوق ومُتحوِّل، غير ثابت، وبفعل اتّحاده بالألوهة، هو مستنير بنور الله، ويُسميه القدّيس غريغوريوس” الصمت “أو الهدوء hesychia. ويضيف قائلا، “الهدوء يعني توقف أنشطة الروح، والتجرد عن العالم، ونسيان ما هو دون ذلك، والمعرفة السريّة لِما هو أسمى، واستبدال الأفكار بما هو أفضل منها؛ هذا هو النشاط الحقيقي، والارتفاع إلى التأمّل الحقيقي وإلى رؤية الله […]. وهذا وحده هو علامة نفسٍ سليمةٍ، اجل فإنّ أيّة فضيلة أخرى ما هي إلا علاج لشفاء وَهْنِ النفس […]، في حين أن التأمّل هو ثمرة النفس السليمة […]، فبه يتأله الانسان، وليس بالارتفاع عن طريق العقل والعالم المنظور، أو بلعبة حدسيات {توقعات} التشابه، […] ولكن بالارتفاع بوساطة الهدوء […] أجل فبهذه الطريقة ندخل بمعنى ما في علاقة مع طبيعة الله المبارَكة والمتعذِّر بلوغها .

وهكذا، بعد ان نكون طهّرنا قلوبنا بالهدوء المقدس ومزجناها بشكل لا يوصف بالنور الذي يفوق كلّ إحساس وكلّ فكر، فنرى الله في ذواتنا كما في مرآةlxix. “

هذا التعليم على الهدوء المقدّس، إذ هو الحالة النفسية الأرفع، والوسيلة لبلوغ معرفة الله والاتحاد به، قد عرَضه بالشكل الأوضح القدّيس غريغوريوس في عظته الرائعة حول “تقدّمة والدة الله القديسة الى الهيكلlxx، والتي سبق فذكرناها مرّات عديدة، بحسب غريغوريوس، فالكليّة الطوبى العذراء مريم، التي مَكثَـت منذ الثالثة من عمرها في الهيكل وحدها مع الله، مكرِّسة نفسَها للصلاة الدائمة والتأمّل، منفصلة عن البشريّة والعالم، حقـّقـَت في ذاتها الهدوء المقدس والصلاة العقلية بالطريقة الأسمى والأكمل. ويضيف قائلاً، ” إنّ روح والدة الإله تتّحد بالله من خلال التأمل والانتباه والصلاة الإلهية {الدائمة}[التي لا تنقطع..]. مرتفعة فوق الأفكار المتنوّعة وفوق أيّ تصّور {صورة}. تشقُّ طريقا جديدا نحو السماء ، لم يُسمع به قط، […] الهدوء العقلي [νοητὴν σιγήν] […].انها ترى مجد الله وتتأمّل بالنعمة الإلهية من دون ان تخضَع إطلاقا لسلطان الأحاسيس، مع كونها هي بالذات إناءً مقدَّسا أهلاً لمحبّة الأرواح والنفوس غير الفاسدةlxxi. “وعلاوة على ذلك، فالقديس غريغوريوس يربط التجسد بالذات، بمجرد أن والدة الإله قد دخلت هكذا في طريق الصلاة الصامتة منذ طفولتها المُبّكِرة. “هي وحدها من البشريّة جمعاء كانت هكذا صامتة بشكل فائق الطبيعة منذ طفولتها الأولى؛ هي وحدها قد استحقت ان تَحْبَل بلا دنس ببشرية الكلمة الإلهيةlxxii “في شخص والدة الإله، اذا، فالصمت لم يجد تحقيقا وتبريرا مقدسَين فقط، لكنه يُظهر عظمة سلطانه في توحيد الإنسان باللهlxxiii.

في خلاصة عرضنا للتعليم النسكي المعرفيّ للقديس غريغوريوس پالاماس، نود ان نشير الى النقاط الآتية. أوّلاً، الأهميّة التي يُعلِّقها على دور الجسد في العمل الضروري لإيصال الإنسان إلى معرفة الله والاتحاد به. مفهوم الإنسان هذا ككلّ، مُعبـَّر عنه بطريقة صارخة في تعليم القديس غريغوريوس حول الشَّبَه الإلهي الذي يتمتّع به الإنسان، أكثر من الملائكة، والذي ينعكس في كلّ كيانه النفسي والجسدي.

في مجال النُسك، يُعبَّر عن هذه الفكرة في العقيدة عن تعاون الجسد في الحياة الروحية، وقدرته على أن يكون مُستنيراً بالألوهة ويكون مُتّحدا معها في عمليّة تأمليّة واحدة تضمّ الإنسان

من وجهة نظر معرفيّة، القدّيس غريغوريوس يعارض الإدراك الفكري الجزئي الذي لا طائل منه في معرفة الله، الى معرفة فائقة-العقل في متناول الانسان عندما يكون كيانه كله مُستنيرا وحقّق الاتحاد بالله بكلّيته. هذه الفكرة عن الإنسان ككلّ، يشارك في المعرفة الإلهية هو سِمَة تعليم غريغوريوس. سِمة نموذجية أخرى عنده هي الاتّحاد الذي يجعل بين فكرة الألوهية غير المفهومة والمتعَذّر الوصول إليها وإمكانيّة الاتّحاد بالله بالنعمة والرؤية المباشرة له. نجد هنا، لأول مرة في مجال النسك ونظرية المعرفة، التعارض antinomismelxxiv التي هي من سمات {فكر} غريغوريوس پالاماس. ويكفي أن نشير هنا إلى أن التعارض الواضح عند غريغوريوس بين فكرته عن الله، وكيفية معرفته ليست حالة معزولة في الأدب الآبائي الشرقي. والأقرب إليه في هذا الصدد هو القديس غريغوريوس النيصصي. نادرون همُ الآباءُ القديسون الذين أصّروا مثله، على الطبيعة غير المفهومة والتي لا توصف عند الله، وعدد قليل جدّاً منهم الذين درسوا لاهوتيا بهذا العمق، طبيعته غير المدركة…

i– نشر هذا المقال (باللغة الروسية) فيSeminarium Kondakovianum، مجموعة من الدراسات . علم الآثار وتاريخ الفن، الدراسات البيزنطية، المجلد VIII.((1936، براغ ، ص. 99-154 ، وأدرج في Messager البطريركي الروسي في أوروبا الغربية، رقم 115 (1987 )، ص. 109-174 – تُرجم الى الفرنسية في Messager البطريركي، المرجع نفسه، ص. 45-108

ii- عَرَفَت الأوساط العلميّة، الأخ الصغير باسيليوس من دير القديس بندلايمون في جبل آُوس، في عام 1936، من خلال نشر “التعليم النسكيّ واللّاهوتي للقدّيس غريغوريوس پالاماس”، الأول من ضمن سلسلة طويلة من المقالات والبحوث. بعدها انكبّ على دراسة غريغوريوس النيصصي، باسيليوس الكبير وغيرهم كثيرون، ونشر الأسقف Krivochéine تباعا ” تعاليم ” القدّيس سمعان اللّاهوتي الجديد، في مجموعة “Sources Chrétiennes” ثم كتبَ السيرة الأساسية للصوفي البيزنطي(سمعان اللّاهوتي). في مرحلةٍ ابتدأنا فيها نكتشف بجهدٍ كنوز تراث آباء الكنيسة، منتفعاً من الخزانة الاستثنائية التي أتاحتها له “الجمهورية الرهبانية “(آثوس). هذا المقال هو جزء بسيط من الدراسات الآبائية والروحية التي ألّفها ” الأسقف المثقف الأمثل” L’ évêque cultivé idéal ( التعبير هو لألكسندر شميمن )، والذي أُمكن أن يقال إن “الوطن الحقيقيّ هنا على الأرض، هو إيمان الآباء ” …

iii- لفظة يونانية مؤلفة من Gnosis معرفة وLogos علم أي علم المعرفة

iv-التعليم النسكي واللاهوتي عند القديس غريغوريوس بالاماس هو، بمعنى ما متصل بالتيار الروحي للرهبنة الشرقية المعروفة باسم ” الهدوئية ” hésychasme. ونعتقد أنه من الضروري قول بعض الكلمات حول هذا الموضوع. فالهدوئية، أو الصمت، تشير بصفة عامة إلى تيار الحياة الروحي بين الرهبان الأرثوذكس الشرقيين الموجه كليا إلى التأمل النقي والاتحاد بالله في الصلاة. هذا التيار بلغ أوج توسُّعِه خلال حياة القديس غريغوريوس بالاماس، كان متمركزاً لدى جبل آثوس المقدّس ورهبانه. لكن يجب ألَّا نعتقد أن الهدوئية في جبل آثوس في القرن الرابع عشر، كانت ظاهرة جديدة تماما في تاريخ الرهبنة الشرقية، لأنه منذ العصور القديمة ( منذ بدء الرهبنة في مصر في القرنين الثالث والرابع)، كانت موجودة جنباً إلى جنب مع الشركات الرهبانية التي كانت مزدهرة جدّاً (والتي تمَّ التعبير الأمثل عنها في قوانين القديس باسيليوس الكبير وأعمال القديس ثيودوروس الستوديتي Théodore Studite)، وهو ميل، تأمليّ في الصلاة النقية والصمت. ويتجلى هذا ليس فقط في حياة العديد من القديسين في تاريخ الكنيسة، ولكن أيضا في كتابات النسّاك ذوي الميل الهدوئي hesychaste التي وصلت لنا مثل القديسين أنطونيوس الكبير، إيڤاغريوس البنطي، مكاريوس المصري (القرن الرابع)، نيلوس السينائي، مرقص الناسك والمغبوط ذياذوخوس فوتيكيس (القرن الخامس)، اسحق السرياني (القرن السابع)، إيسيخيوس وفيلوثاوس وHesychius Philotheus السينائيين (القرن السابع- التاسع). بالإضافة إلى ذلك، من قِبَل القديس سمعان اللّاهوتي الجديد، وNicetas Stétathos نيكيتاس ستيتاتوس (القرن الحادي عشر) ونيكيفورس الراهب (القرن الثالث عشر)، هذا التقليد أدى إلى الهدوئية hesychastes في جبل آثوس (القرن الرابع عشر)، مع القديس غريغوريوس السينائي († 1346) والقديس غريغوريوس پالاماس.

ولكن سيكون من الخطإ الاعتقاد بأن التقليد الرهباني “الشركوي” cénobitiques والنسكي érémitiques يعارض بعضُها بعضا وتمثل طرقا مختلفة كليا في الحياة الروحية. هذا ما عبّر عنه الأب إيريناوس هاوسر اليسوعي Irénée HAUSHERR، في طريقة الصلاة الهدوئية (Orientaliachristiana، المجلد التاسع-2، 1927) وحياة الصوفي البيزنطي الكبير، سمعان اللاهوتي الجديد (Orient. Christ. t. XII, 1928). فالحياة المشتركة و”الهدوء” لا يناقض بعضها بعضا، وهذا ما يتضح من كتابات الناسك القديس يوحنا السلمي حيث نجد مزيجا متناغما لهذين النموذجين المثالين (VI-VII)؛ ونحن نعلم، أنه يصف في بعض فصول كتابه السلم الى الله حياة الشركة المرتكزة على أساس الطاعة والتخلي عن الإرادة الذاتية، بينما يتعاطى البعض الآخر طريق الهدوء والتأمل وهي الدرجات الأسمى(الدرجة 27). وحدة الكتاب لا تتأثر بذلك أبدا. نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن عمل القديسَين بارسانوفيوس Barsanuphius ويوحنا الغزاوييَن (القرن السادس).

وبصفة عامة، الحياة المشتركة والهدوء يعتبران في الأدب النسكي (كما في كتابات حياة القديسين hagiographiques ) ليسا متباينين في ما بينهم، ولا يعزل أحدهما الآخر، ولكن كدرجات توافق التقدم الروحي للراهب. وقد اعتبر الهدوء دائما بصورة تقريبية كأسمى نمط في الحياة الروحية. وأخيرا، فالحياة النسكية فُهِمت عادة، كاعتزال داخلي وليس كمسكن “جغرافي ” خارج أراضي الدير في الصحراء. لنذكر أن أبرز ممثل للحياة المستيكيّة mystique في الكنيسة البيزنطية – سمعان اللاهوتي الجديد (949-1022) – قضى معظم حياته في أديرة رهبانية “شركوية”. يتوجه القسم الكبير من كتاباته النسكية الى رهبان يعيشون في الشركة، وعلى الرغم من ذلك تم صياغتها وفقا للروح الهدوئية “hesychaste”. مزيج متناغم من الاتجاهات الشركوية والهدوئية hesychastes هو نتيجة طبيعية للوحدة العضوية في الحياة الروحية الأرثوذكسية، حيث يرتبط التعليم النسكي، ارتباطا وثيقا جدا بالعقيدة ويمتلك{تحوز} وحدةً داخلية قوية جدا، على الرغم من تنوع التعبير الخارجي. ولكن في تاريخ الرهبنة الأرثوذكسية، كانت هناك أوقات يسود فيها الواحد على الآخر. يمكننا القول بصفة عامة أنه عندما تنمو روح الجماعة على حساب الهدوئية (ويرجع ذلك أساسا إلى نمو الأديرة الكبرى) كان يُؤَدّي إلى إضعاف الحياة الروحية الرهبانية حيث تمتصهم المصالح الخارجية التي غالبا ما تكون منزلية {تدبيرية}. ويظهر التجديد الروحي، بوضوح في العودة إلى الحياة الداخلية، وروح الصمت والتأمل، واستعادة “الهدوئية”. في جبل آثوس، الحياة التأملية ( التي اندثرت تقريبا في فترة معينة، عادت بفضل عمل غريغوريوس السينائي، الذي قامت قبله شخصيّات تأمليّة بارزة كنيكيفورس الراهب. حياة غريغوريوس السينائي تحتوي وصفا رائعا لأنشطته في جبل آثوس (I POMIALOVSKI Βίος καὶ πολιτεία τοῦ ἐν ἁγίοις πατρὸς ἡμῶν Γρηγορίου τοῦ Σιναίτου [حياة وأعمال أبينا في القديسين غريغوريوس السينائي]، Saint-Pétersbourg.، 1894).

v- . بطبيعة الحال، تَمَّ العثور على هذه العناصر المعرفية في معظم أعمال الآباء ( في هذه الحالة أعمال القديس غريغوريوس پالاماس). ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الكتّاب الدينيين عادة ما كان لديهم هدف يعمل للبنيان، وحين يدخلون في مناقشات مجردة بحتة، كان ذلك فقط لدحض هجمات الهراطقة هذه. ونتيجة لذلك، فإنَّ أيّ محاولة لتنظيم ” نظرية المعرفة ” لديهم، تصبح بطريقة أو بأخرى ” تنميقا “. وأخيرا، يتمّ استخدام مصطلح ” نظرية المعرفة ” من قبلنا بأسلوب رخو جدّاً إلى حد ما (نقصد هنا كل ما يمتُّ إلى المعرفة، تحديداً معرفة الله و طرقه ) .

vi- « ἄβυσσος χρηστότητος », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

vii- المرجع نفسه

viii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

ix- المرجع نفسه

x- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

xi- Κεφ., PG 150, col. 1152 BC (κεφ. 43

xii- Κεφ., PG 150, col. 1152 C (κεφ. 44

xiii- PG 150, col. 1361 C

xiv- المرجع نفسه، PG 150, col. 1370 B

xv- Κεφ., PG 150, col. 1145 D-1148 B (κεφ. 38-39

xvi- Κεφ., PG 150, col. 1148 B (κεφ. 39

xvii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1104 B

xviii- المرجع نفسه، PG 150 ، العمود . 1104 AB .

xix- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 BD

xx- في نفس Tomos الجبل المقدس -المقصود بذلك توموس الجبل المقدس الذي أنشأه غالبا غريغوريوس بالاماس في العام 1341 ووقعه رؤساء أديرة جبل أثوس ومنهم رئيس دير السوريين-، نجد مناقشة حول رأي برلعام الذي يتضمن عدم الهوى في إماتة الأهواء. (في المفهوم الأرثوذكسي في التوموس نفسه نحن لا نميت الأهواء بل نحولها). « τὴν τοῦ παθητικού καθ ‘ ἕξιν νέκρωσιν ἀπάθειαν φησί ، ἀλλά μὴ τὴν ἐπί τὰ κρείττω καθ ‘ ἕξιν ἐνέργειαν » ( Ἁγ . Τομ ، PG 150 ، العمود . 1233 B ) .

xxi- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 C

xxii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1105 C

xxiii- Ibid., PG 150, col. 1105 D

xxiv- « Δεκάλογος τῆς κατὰ Χριστὸν νομοθεσίας ἢτοι τῆς Νέας Διαθήκης », PG 150, col. 1089-1101. في هذا العمل يتحدث غريغوريوس عن وصايا العهد القديم في ضوء الوحي الإنجيلي .

xxv- Κεφ., PG 150, col. 1161 D (κεφ., 57

xxvi- « τῇ κοινωνία τῶν ὁμοίων ἀρετῶν », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

xxvii- « τῇ κοινωνίᾳ τῆς κατὰ τῆν εὐχὴν πρὸς τὸν Θεὸν δεήσεώς τε καὶ ἐνώσεώς », ibid

xxviii- المرجع نفسه.

xxix- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 C

xxx- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1120 A

xxxi- المرجع نفسه.

xxxii- المرجع نفسه.

xxxiii- المرجع نفسه.

xxxiv- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1121 A

xxxv- المرجع نفسه.

xxxvi- PG 150, col. 1120 A

xxxvii- « ἡσυχαστῆς ἐστιν ὁ τὸ ἀσώματον ἐν σώματι περιορίζειν σπέυδων », Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων، (PG 150, col. 1109 B).، هذا الاستشهاد، مأخوذ من الدرجة ال27 لكتاب يوحنا السلمي، ليس حرفيا ولكن أعطى المعنى الصحيح بدقة.، المرجع نفسه.صلاة 2 والروحيةء نسيط

xxxviii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1108 C

xxxix- « ἀγνοοῦσί … ὅτι ἄλλο μέν οὐσία νόος, ἄλλο δὲ ἐνέργεια », PG 150, col. 1108 CD

xl- PG 150, col. 1180 CB

xli- PG 150, col. 1056 A

xlii- Ἐπιστημονική”” ترجمها هاوسر ب”العلمي”. في الواقع، هذه الكلمة تعني جيدا علمي” في اليونانية الحديثة، ولكن يبدو أن المصطلح المتّفق عليه في ترجمة الكنيسة السلافية (وبالتالي الروسية) “الفنية يعبِّر بشكل أفضل مما استعمله الكتاب النسكيون. (تقنية téchnique)

xliii- « Λόγος, 27. Περὶ τῆς ἱερᾶς σώματος καὶ ψυχῆς ἡσυχίας », PG 88, col. 1096-1117; « Λόγος 28. Περὶ τῆς ἱερᾶς προσευχῆς », PG 88, col. 1129-1140

xliv- « Λόγος πρὸς Θεόδουλον… περὶ νήψεως καὶ ἀρετῆς », PG 93, col. 1480-1544

xlv- Περὶ τῆς ἀναπνοῆς, PG 150, col. 1316 C-1317 A ; Περὶ τοῦ πῶς δεῖ καθέζεσθαι, PG 150, col. 1329 A-1333 A

xlvi- هذا الخطأ، ارتكبه هاوسر Hausherr، في كتابه La Méthode، فهو يخلط طرائق الصلاة العقلية مع جوهرها. فهو يكتب عن موضوع الصلاة العقلية، “باختصار اذاً، موضوعان يؤلفان الطريقة. التفتيش عن مركز القلب، الذي أعطى للهدوئية hesychastes اسم “omphalo-psychiques” والتكرار المستمرّ ل”صلاة يسوع”. حيث نصل ​​إلى رؤية “ما لا نعرفه”، وهذا يعني، من الناحية اللاهوتية، وفقا لپالاماس “نور تابور” … “(المرجع المشار اليه، III). في أماكن أخرى من الكتاب نفسه، نتفّحص الطرق الخارجية في مزيد من التفاصيل – والomphaloscopie، وتيرة التنفس، الخ – ويصر على أنَّ الهدوئيين hesychastes “من خلال المثابرة على هذه الصلاة العقلية، سوف يجدون في نهاية المطاف ما كانوا يبحثون عنه، مكان القلب، ومعه وفيه كلّ أنواعٍ من العجائب والمعرفة” (المرجع نفسه. ص 102). باختصار، الوصول الى حالات روحية عالية يبدو له (في تفسيره “صلاة الهدوئيين) تكون النتيجة الحتمية، التي لا مفرّ منها (“نجد في نهاية المطاف”) من المثابرة في ممارسة الصلاة العقلية، وليس ثمرة الاتحاد الداخلي للإنسان بالله وعمل النعمة الإلهية الحرّ، وهذا ما علّمه في الواقع جميع أولئك الذين مارسوا هذه الصلاة.

xlvii- في رأينا، إن بعض الكتّاب ك Jugie، Hausherr، لأنهم لم ينجحوا في رؤية الصلاة الفنية بوصفها جزءا عضويا من التعليم النسكي الكنسي العام، يعتقدون أن الهدوئيين استبدالوا الطريق الصعب أي حفظ الوصايا، بالوسيلة السهلة، و”الميكانيكية” للصلاة. في الواقع، الصلاة لم تكن أبدا منفصلة عن الصلاة، وضعها في تعارض مع الوصايا، هو في حدّ ذاته، خطأ لأنها ليس شيئا آخر غير كمال الشريعة الأساسية لمحبة الله والناس.

xlviii- كان الرهبان الآتوسيون يجلسون على كرسي صغيرة ويحنون رؤوسهم وينظرون الى الصرة ويرددون صلاة يسوع وذلك كوسيلة لجمع قوى النفس وتركيزها حول اسم ربنا يسوع المسيح وبذلك تجتمع الروح والجسد في كتلة واحدة (المعرّب)

xlix- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

l- Ibid., PG 150, col. 1112 C.

li- يتحدث القديس غريغوريوس عن طرائق الشهيق، في traité نفسها Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων. هذه المسألة بالذات دقّقها المجمع المنعقد سنة 1341.

lii-هذه الطريقة المسمّاة نفسا-جسدانيّة technique psycho-somatique

liii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

liv- PG 150, col. 1109 B

lv- PG 150, col. 1109 D

lvi- PG 150, col. 1112 A

lvii- المرجع نفسه.

lviii .(حاشية : القديس ثيوفان الحبيس اطلق العنان لمن يصلّي صلاة يسوع ليصليها كيف ما كان حاله واقفا، او نائما او ماشيا…)

lix- نظرة پالاماس تعتمد على رؤية نفسية جسدية psycho- somatique مهمّة جدّاً الجسد يؤثر بالروح كما أنّ الروح تؤثر في الجسد . بسبب الخطيئة نصاب بشرود الذهن. نستعمل دقة وظائف الجسد لحصر الشرود. فالتنفس وحركة الدم وكل وظائف خلايا الجسد تتمتع بدقة كبيرة إن لم يشوشها (فلتان) الإنسان. پالاماس يقيد شرود الذهن بهذه السلاسل الدقيقة.(المعرّب)

lx- L’appellation ὀμφαλοψύχοι ou umbilicanimi est utilisée à l’égard des hésychastes

par Léo ALLATIUS dans son De Ecclesia Occidentatis et Orientalis perpetuaconcensione (PG 150, col. 898 D).

lxi- HAUSHERR, La Méthode, p. 164; voir aussi PG 150, col. 899 AB (chez ALLATIUS)

lxii- PG 150, col. 1112 B

lxiii- PG 150, col. 1113 CD

lxiv- PG 150, col. 1109 A

lxv- PG 150, col. 1113 C

lxvi- PG 150, col. 1116 A

lxvii- Ὁμιλ. Σοφ., p. 114

lxviii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 169-170عظة القديس غريغوريوس پالاماس، دخول والدة الإله القديسة الى الهيكل.

lxix- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 170-171

lxx- Ὁμιλ. Σοφ., p. 131-180

lxxi- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 176

lxxii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 171

lxxiii- هناك موضوع مماثل في عظة للقديس غريغوريوس بالاماس عن حياة القديس بطرس الآثوسي الرائعة. هذا النص هو دفاعٌ حيٌ ولامعٌ عن الطريقة الهدوئية للخلاص. والدليل إن هذا الطريق هو مقبول من الله هو المعجزات التي تمّمها القديس بطرس في جبل آثوس – فهو هدوئي بامتياز. بحسب هذا البحث (traité)، كل إدانةٍ للهدوئية لمصلحة حياةٍ أكثر نشاطا، هي مستوحاة من عدو خلاصنا(الشيطان). ونحن نعلم أن غريغوريوس پالاماس ليس هو مَن ألـَّف حياة القديس بطرس الآثوسي، الذي عاش قبله في الزمن. ما فعله ما كان إلّا أعطاءه شكلا أدبيا بالأكثر، وأعطاه أيضا “إنشاء” هدوئيا hesychaste (دون إجراء تغييرات كبيرة). النص الأصلي من حياته (من المحتمل مؤلفة في القرن التاسع.)،

lxxiv- Kirsopp LAKE, The Early Days of Monasticism of Mount Athos, Oxford, 1909, p. 18-39.