عصاب العِطَل

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية ينال ابراهيم

اليوم وقد مر الاثنا عشر يوماً، أي أيام عيدي الميلاد والظهور الإلهي، علينا تذكّر وجهة نظر الطبيب النفسي الشهير فيكتور فرانكل، وهي مثيرة للاهتمام وترتبط بأنواع مختلفة من العصاب وخاصة العصاب النوولوجي (noögenic)[1].

يميز الطبيب الكبير في أعماله بين العصابات ذات المنشأ النفسي والتي تقع في ميدان علم النفس، وبين العصابات ذات المنشأ النووسي [2] والتي ترتبط بالبعد النوولوجي (الذهني) للوجود الإنساني أو ما يسمّى اكتساب معنى للحياة. إنه يستعرض حقيقة أن الناس اليوم يعانون بشكل أساسي لأنهم يفتقدون معنى حياتهم وهذا يتجلى بنواحٍ عدة.

ويحكي فرانكل عن عدة أنواع من العصابات ومن بينها عصاب الأحد، وهو عندما يدرك الشخص فراغه الوجودي، تحديداً عندماينتهي عبء الأسبوع المزدحم بالأشغال بيوم الأحد، ويطهر الفراغ فجأة في داخله“. أي عندما يحاول الإنسان طوال الأسبوع تناسي هذا الفراغ الوجودي بالانشغال والعمل باستمرار، متناسياً أن حياته بلا معنى. وهكذا عندما يتوقف هذا النشاط، يغمره الكآبة والألم مع عواقب رهيبة.

بإمكاننا تعزيز هذا الجانب لدى فرنكل بالقول أننا نلاحظ مرات كثيرة الناس من حولنا واقعين في عصاب العطَل. وما قد تمّ التحقق منه في أيام الأحد، يمكن تبيانه خلال العطل الرئيسية عند المسيحيين كعطل الميلاد والفصح وغيرها.

وبصرف النظر عما يتحدّث عنه الدكتور فرانكل على أنه يحدث في أيام الآحاد والعطل الكبرى، فإننا نلاحظ الحالات نفسها. فالناس (وخاصة هنا في اليونان) يتجهّزون للأعياد الكبرى كالميلاد والفصح. إنهم يعتقدون أنهم سيجدون ما يشبع جوعهم وعطشهم الوجوديين.لكنهم لا يبحثون عنه في أعماق قلوبهم ولا يقاربون المعنى الحقيقي والأكثر عمقاً لأحداث هذه العطلة، كالتوبة والتواضع والاستعداد الفكري، والاعتراف والمناولة. بالمقابل، إنهم يركّزون على الأوجه الخارجية كشراء السلع المختلفة والرحلات والزيارات ومائدة العيد. بالطبع إن هذه الأعمال النموذجية الخارجية لا تفي بحاجة الحالة الروحية عند الأشخاص، وبالتالي يبقى الخواء الوجودي والفراغ.

لذلك وبينما يتوقع المرء أن تجيب العطلة على أسئلته الوجودية حول شؤون الحياة والموت، لا يتحقق ذلك لأنه يبقى على السطح ولا يغوص في عمق الأحداث. هذا يقوده فقط إلى الاكتئاب واليأس والفراغ. وقد لاحظ كثيرون أنّ خلال مواسم الأعياد تقع المشاحنات ضمن العائلات، وتزداد جرائم القتل، وتنمو الصدمات النفسية. وكل هذا يتّضح ضمن هذا المنظور، لأن الإنسان يفشل في هذه الأيام المهمّة بإعطاء السكينة لروحه، رغم بحثه وحنينه المتّقدين.

أحدى الطرق لتجنّب ألم عصاب العطَل هي في اتّباع تعليم الكنيسة عن هذه الأعياد مع أيام التهيئة الأربعين، وبالطبع بالاشتراك قدر المستطاع في الخدم الكنسية.

[1] العصاب النوولوجي noögenic: هو أحد أشكال العصاب التي تبدأ على شكل إحباط وجودي (existential frustration) يتبع فترة العطلة أو الراحة. لم نجد مرادفاً لكلمة النوولوجي في اللغة العربية فارتأينا ترك الكلمة كما هي. أول من حدد هذا العصاب هو فيكتور فرانكل في كلامه عن العلاج باللوغو (logothérapie) وهو علاج نفسي قوامه تمكين الفرد لتحديد معنى حياته حيث يستخدم فيكتور فرانكل نهجاً شمولياً للفرد لجعله يدرك معنى الحياة. العلاج باللوغو يختلف جذرياً مع التحليل النفسي في عدم اعتبار الجنس أساساً مسبباً للعصابات كما على مسألة الدين، حيث يرى أن للإيمان دور أساسي في شفاء الإنسان.

[2] إن التحليل الأتيمولوجي (المتعلّق بدراسة أصل الكلمات) للكلمة فعلى الأرجح أن يعيدها إلى كلمة نوس (νους – nous) اليونانية، والتي تُترجم بالذهن أو العقل خارج الإطار اللاهوتي الآبائي لاستعمال هذه العبارة. وبالتالي كلمة noögenic هي صفة مشتقة من Noogenesis.

أول مَن أشار إلى كلمة (Noogenesis) هو بيار تيار دو شاردان في كتابه ظاهرة الإنسان (The Phenomenon of Man) الذي نشره سنة 1955 من دون أن يحدد بالضبط معنى الكلمة، ما فتح باب التأويل أمام دارسيه. لكن يبقى أن التفسير الأكثر انتشاراً هو المستند إلى ملام لدو شاردان بأن Noogenesis هي نشوء العقل، الذي تبع نشوء الأرض (geogenesis) ونشوء الكائنات (biogenesis) ونشوء الإنسان (anthropogenesis).