“تعالَ اتبعني”: التلمذة والكهنوت في إنجيل مرقس
ديمتريوس رئيس أساقفة أبرشية أميركا لكنيسة القسطنطينية
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

فكرة التلمذة هي أحد أكثر مساهمات العهد الجديد أهمية لفهم ملائم لطبيعة ووظيفة الكهنوت. فالتلمذة، كمفهوم أساسي يتكرّر دائماً في الأناجيل، وهي تنطبق على أي مجهود لتقديم وصف كامل ودقيق لمعنى أن يكون الإنسان مسيحياً حقيقياً ورسولاً حقيقياً. الكاهن، الكاهن الأصيل، يلخّص صفات المسيحي الفعلي، وفي الوقت نفسه يشكّل بطريقة خاصّة رسولاً. قد تشكّل دراسة فكرة التلمذة في العهد الجديد مسعى مثمراً يقدّم معلومات مهمة لإعادة تقييم الجودة الكهنوتية واعتبار. تهدف هذه الدراسة إلى هذا النوع من الدراسة. تجد المناقشة الواقعية للتلمذة عدداً من مصادرها في العهد الجديد ويشكّل إنجيل مرقس، الذي سوف نركّز عليه، أحد أغنى هذه المصادر وأكثرها عمقاً.

التلمذة كدعوة
تبدأ التلمذة بدعوة من يسوع. إنها حدث، منزِلة، حالة، يستهلّها المسيح بذاته. تظهر التلمذة باكراً جداً في إنجيل مرقس، فنجد المثال الرئيسي الأول في الإصحاح الافتتاحي: “َفِيمَا هُوَ (يسوع) يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ:«هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ النَّاسِ». فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ.” (مرقس 16:1-18). وتقترن هذه الدعوة الأولى، بدون أي فصل، في الرواية المرقسية بدعوة ثانية: “ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَهُمَا فِي السَّفِينَةِ يُصْلِحَانِ الشِّبَاكَ. فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ. فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ.” (مرقس 19:1-20).
في الإصحاح الثاني من إنجيله، يقدّم مرقس حالة مميزة: “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْبَحْرِ. وَأَتَى إِلَيْهِ كُلُّ الْجَمْعِ فَعَلَّمَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ.” (مرقس 13:2-14). في كل هذه الشواهد، الرواية مكثفة جداً ومختزلة إلى الحد الأدنى. إنها تحفظ فقط ما هو أساسي. يُقَدَّم مشهد الدعوة بسرعة وبترابط نحوي شديد البساطة من دون إشارات متوقعة من أي نوع. كنتيجة، تبزغ التلمذة كحالة محصور خَلقُها بيسوع دون سواه وتبدأ بدعوة منه. ما يؤكّد بشدةٍ هذه الدعوة هو غياب كل أشكال الحوار وهيمنة صيغة الأمر في أسلوب التعبير عن الدعوة. بالواقع، الدعوات في كل من مرقس 16:1-20 و14:2 تبدو مثل أوامر أكثر منها دعوات، لكن الإطار يشير إلى أنه مجرّد طريقة للصياغة تهدف إلى التشديد على مبادرة يسوع.
في الوقت نفسه، يصف مرقس، باختصار وبعبارات مصقولة، تجاوب التلاميذ مع الدعوة: “فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ.” (مرقس 18:1)، “فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ.” (مرقس: 20:1)، “فَقَامَ (لاوي) وَتَبِعَهُ.” (مرقس: 14:2). في كل الحالات، الجواب للدعوة فوري وجذري ويتضمّن قراراً من حجم غير اعتيادي والتزاماً شخصياً من أعلى الدرجات. تقوم الدعوة إلى التلمذة على يسوع بشكل مطلق وتصدر عنه، لكنها بدورها تقتضي بالضرورة قرارات من جهة المزمِع أن يكون تلميذاً. ومع ذلك، الموضوع المهيمن جوهرياً هو الدعوة، والصوت المهيمن هو صوت يسوع داعياً الناس إلى مرتبة التلمذة. يقدم مرقس هذا الوجه مجدداً في حادثة الشاب الغني (17:10-22).
هنا تظهر البراعة في وصف دور يسوع على أنّه مَن يوجّه الدعوة إلى التلمذة بمقابل خلفية البحث عن الحياة الأبدية. انقلاب الأحداث غير المتوقّع عند نهاية الحادثة يعيد التشديد على أهمية الاستجابة البشرية للدعوة. قرار الغني بعدم اتّباع يسوع يصير مذكّراً بأنّ دعوة يسوع إلى التلمذة، مهما قويت، لا تحذف الحرية والمسؤولية البشريتين في الجواب عليها.

التلمذة كرسالة
الرسالة هي أحد المكوّنات التي من صلب التلمذة في إنجيل مرقس. فدعوة يسوع إلى التلمذة هي تعيين في مركز، مهمّة، رسالة. النص الذي يصف تحديد رسالة الإثني عشر (13:3-19) هو أحد الدلائل. يبدأ النص بمدخل قصير ومهيب يقدّم سلطة يسوع المطلَقة في دعوة البشر إلى التلمذة: “ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ.” من ثمّ يأتي التعيين أو تحديد الرسالة: “وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا، وَيَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى شِفَاءِ الأَمْرَاضِ وَإِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ.” (مرقس 14:3-15).
للرسالة المذكورة سابقاً ثلاث عناصر. العنصر الأول هو أن أوّل واجبات المدعوين الذين صاروا تلاميذ أن يكونوا مع يسوع حيثما يذهب أو يمكث. البقاء مع يسوع هو جزء جوهري من حقيقة الرسالة التي يصفها مرقس. العنصر الثاني الذي يُكشَف في 14:3-15 هو أنّ الكرازة جزء لا غنى عنه من مهمة الرسالة. تُفهَم التلمذة هنا على أنها تكليف بالكرازة. الفعل نفسه يتكرر في أهم المقاطع التصويرية في مرقس 14:1-15: “جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ:«قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ».” يخدم فحوى عبارة “يكرز” في هذا الاستشهاد ومعناها كدليل تفسيري لفهم العبارة نفسها في 14:3. العنصر الأساسي الثالث في هذا المقطع هو أنّ الكرازة هي سلطان “عَلَى إِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ.” (15:3). ملء التلمذة يتضمّن التكليف المحدد بالغرق في سلسلة من المهمات التي فيها تُخرَج الشياطين وتُطرَد وتُقهَر. تبدو هذه المهمة للوهلة الأولى وكأنّها تتعلّق بالناس الممسوسين. ومع ذلك، فالمهمة أكثر شمولاً وعمقاً. وهكذا، “إخراج الشياطين” يصير نوعاً من الشفرة أو البيان المختَصَر الذي يدلّ ضمناً على عدد كبير من المهمات المتنوّعة. القاسم المشترك بين كل هذه المهمات هو تحرير الوجود البشري من كل قوة شيطانية شريرة معذِّبة.
إلى هذا، يقدّم مرقس في 7:6-13 الرسالة كشيء فوري، أي كعمل تلقائي يعتمد كلياً على ما يمنحه الله من حماية وتدبير في شؤون المأكل والملبَس وسبل العيش بشكل عام. يترافق التكليف بالرسالة مع إخبار مرقس أن الإثني عشر بدؤوا، بدون تعويق، مهمتهم الكرازية طاردين الشياطين وشافين المرضى. بالجوهر، تبدو رسالة التلاميذ في 13:3-18 و7:6-13 وكأنها استمرار مباشر لرسالة يسوع.

التلمذة كخدمة
منذ زمن طويل، أدركت الدراسات حول مرقس المكانة الفريدة التي تحتلها الوحدة الطويلة 27:8-52:10 في هذا الإنجيل. تأتي التعابير الخريستولوجية ذات الأهمية الكبيرة ضمن هذه الوحدة ذات البنية الثلاثية التي يسهل استبيانها. السمة المميزة لهذه البنية هي تعليم يسوع الواضح المتّقَن حول التلمذة، المرتبط بكل من التنبوءات الرئيسية الثلاثة عن الآلام. موضوع الكلام المهيمن في هذا التعليم هو فكرة التلمذة كخدمة.
بحسب الرواية المبنية ببراعة في مرقس 9، يسوع – بعد الإعلان عن آلامه وموته الوشيكين – انتبه بألم إلى أنّ التلاميذ لا يفهمون ما يقول. والأسوأ أنّه فيما هو يكشف عن موته الذي يدنو بقوة، هم يناقشون أموراً تكشف رغباتهم الذاتية وتوقهم إلى أعلى رتبة ممكنة (“تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ.” مرقس 34:9). عند هذه النقطة بالتحديد كشف يسوع الحقيقة الجذرية المدهشة المتعلّقة بالتلمذة باسمه، وهي حقيقة سوف تبقى مبدأ أساسياً وحيوياً ضمن الجماعة المسيحية: “فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:«إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ»” (مرقس 35:9).
هنا تُكشَف طبيعة التلمذة من خلال تغيير عنيف في الرؤية. الاهتمام بامتلاك المكان الأول، الشغف بالمواقع العليا، يتحوّل إلى قرار طوعي بالتحوّل إلى الأخير، وكنتيجة طبيعية ضرورية بشكل مطلَق، قرار بالتحوّل إلى خدمة البشر الآخرين. التلمذة في جماعة المسيح تعني رغبة آكلة بالخدمة، أي الخدمة المجاهدة التي لا تفتر. الرؤية التي يقدمها يسوع ليست موقفاً بل وظيفة. الدعوة إلى التلمذة ليست دعوة إلى مكانة من الشرف والقوة والمجد، بل إلى عمل فعّال من الخدمة والاهتمام بالآخرين. هذه الرسالة التي من الرب والتي تتعلّق بالتلمذة هي رسالة مطلقة جداً، حتى أنّ المصطلحات المُستَعمَلَة في صياغتها لا تترك أي مكان للتوقعات والأعذار أو التحفظات.
يطلب المسيح ويوصي بأن يكون تلميذه “خادماً للكل”. هذه العبارة مذهلة في مقتضاها الجذري المطلق والمتطرّف، وهذا ما يظهِر أهميتها السامية. يعود يسوع إلى الموضوع نفسه بعد النبوءة الثالثة عن آلامه وموته (مرقس 33:10-34). السيناريو مشابه لذاك في الإصحاح 9. يسمع التلاميذ النبوءة المحزنة عن الاعتقال الوشيك لمعلمهم وقتله في أورشليم. مع هذا، هم لا يفهمون يسوع. بالمقابل، هم يخفون أفكارهم ورغباتهم بالمناصب والسلطة والمجد. المسيح يدعوهم ويشرح لهم، كما في مرقس 35:9، أن التلمذة هي خدمة وليست منصباً سلطوياً. هذه المرة، تأتي تعابير السيّد أكثر إحكاماً وجلاءً: “«أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا.” (مرقس 42:10-44). ما تظهره المقارنة برؤساء الأمم، أي القوى السياسية، بشكل محدد، هو أنّ الخدمة هي من طبيعة التلمذة.
التعليم عن التلمذة كخدمة في مرقس 35:9 و42:10-44 يشدد على الخدمة كاهتمام بالآخرين، كمحبة، وكإحساس بحاجات الجماعة. تؤكّد أولوية الخدمة حقيقة أن التلمذة ليست فرصة للكمال الأخلاقي الشخصي بل بالأحرى هي توجّه جديد في الحياة حيث الآخرون، أي الجماعة، يصيرون مركز الاهتمام والمحبة. هنا يُفتَرَض مسبقاً وجود ذهنية جديدة. هنا تُدخَل طريقة عيش مختلفة وهي تعارض الطريقة السائدة في المجتمع بشكل كليّ. ما نواجهه في مرقس 35:9 و42:10-44 هو رؤية متحوّلة للوجود البشري كخدمة.
إن التلمذة كخدمة تشكّل أسمى حالات الوجود البشري، الحالة التي فيها تندمج الأنثروبولوجيا والخريستولوجيا في وحدة لا انفصال فيها.

التلمذة كمعرفة للمسيح
التلمذة في إنجيل مرقس مرتبطة بشكل مباشر بالمعرفة، معرفة الحق التي يكشفها المسيح بذاته والتي تشكّل علامة أساسية للتلمذة الحقيقية الكاملة. في الواقع، يظهر من قراءة إنجيل مرقس، حتى القراءة المستعجلة منها، أنّ هذا الموضوع مؤلم لمرقس. فالإثنا عشر يظهرون في إنجيله كأشخاص يعانون من صعوبة مزمنة في فهم ما يقول يسوع. إنهم بطيئون بشكل مفرِط في تقديم الحقيقة التي يخفيها المسيح بشكل مستمر. لهذا السبب هو يوبّخهم في عدة أماكن إمّا لعدم فهمهم تعليمه وشخصه أو لإساءة فهمهم. أمر واحد أكيد: من خلال حافز عدم فهم تلاميذه أو عماهم الروحي، تُقَدَّم، بشكل مقنع، ضرورة المعرفة والإدراك الحسي لشخص المسيح ولإعلانه. ومرة أخرى يقدّم مرقس يسوعَ وكأنّه يقارب الموضوع بلغة أقرب إلى القسوة، وهذا دليل قوي على أهمية الموضوع.
ينبغي إيراد بعض المقاطع من إنجيل مرقس عند هذه النقطة. مرقس 45:6-52 هو رواية سير يسوع على البحر. عند نهاية هذا الحدث كان التلاميذ مندهشين. ما كان ينبغي لهذا أن يتمّ. كان التلاميذ غير واعين للأمور التي أظهَرَت حديثاً سلطان يسوع الإلهي. تشدد عبارة مرقس على هذا الاستنتاج: “فَبُهِتُوا وَتَعَجَّبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ جِدًّا إِلَى الْغَايَةِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بِالأَرْغِفَةِ إِذْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً.” (مرقس 51:6-52). في هذه الحادثة، يدخِل تعليق الإنجيلي فكرة مهمة: معرفة المسيح هي مسألة قلبية. إدراك حقيقة المسيح وقفٌ على وضعية كامل الوجود الإنساني وليس قدرةً عقلية وحسب.
المثال الأكثر أهمية من جهة صرامة اللغة موجود في مرقس 17:8-21. هنا يتوجّه يسوع إلى التلاميذ بتأنيب شديد لافتقارهم لفهم تعليمه: “أَلاَ تَشْعُرُونَ بَعْدُ وَلاَ تَفْهَمُونَ؟ أَحَتَّى الآنَ قُلُوبُكُمْ غَلِيظَةٌ؟ أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ، وَلاَ تَذْكُرُونَ؟ حِينَ كَسَّرْتُ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ لِلْخَمْسَةِ الآلاَفِ، كَمْ قُفَّةً مَمْلُوَّةً كِسَرًا رَفَعْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ:«اثْنَتَيْ عَشْرَةَ». «وَحِينَ السَّبْعَةِ لِلأَرْبَعَةِ الآلاَفِ، كَمْ سَلَّ كِسَرٍ مَمْلُوًّا رَفَعْتُمْ؟» قَالُوا:«سَبْعَةً». فَقَالَ لَهُمْ:«كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ؟»” (مرقس 17:8-21).
تتالي الأسئلة غامر والرسالة التي تحملها هذه الأسئلة واضحة: التلمذة من دون فهم ما هو المسيح وما هو عمله وقوله، غير واردة. يرِد في مرقس 27:8-30 الحادثة الشهيرة في قيصرية فيليبس. هناك سأل المسيح تلاميذه: ” مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟”. بعد أن أجابوا مقدمين آراء مختلفة سأل يسوع مجدداً: “«وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ:«أَنْتَ الْمَسِيحُ!»”. يتوقّع يسوع من تلاميذه أن يعرفوا هويته بشكل صحيح مناسب وملائم. التلمذة تعني معرفة المسيح، وامتلاك فهم لشخصه بما يتخطى الآراء والإشاعات والأفكار المبهَمة. هذه المعرفة العميقة للمسيح ليست تراكماً جامداً من المعلومات ذات الصلة بالموضوع. التلمذة كفهم عميق للمسيح هي حالة ديناميكية من التواجد في تقدّم مستمر ويقظة وانتباه. لا ينفصل هذا النوع من المعرفة عن تحديد التلمذة الحقيقية للمسيح.

التلمذة كتقديم كامل للنفس كذبيحة
أسمى نقطة في التلمذة بحسب إنجيل مرقس هي تقديم النفس ذبيحة كاملة مع كل ما يترتّب على هذا التقديم. قبل الآن، في بداية إنجيله، أدخل مرقس تصويرياً مفهوم التلمذة الذي يتطلّب قرارات وجودية جذرية. في مشهد دعوة التلاميذ الأربعة الأوّل، يلاحظ بشكل بليغ أن سمعان وأندراوس “لِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ” (مرقس 18:1)، وأنّ يعقوب ويوحنّا “تَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ” (مرقس 20:1). هؤلاء الأشخاص الأربعة، الذين دعاهم يسوع لأن يكونوا تلاميذه، تخلّوا عن مهنتهم وعن وسيلة عيشهم وعن ذويهم. الأمر نفسه ينطبق على دعوة لاوي (مرقس 14:2). القرارات الجوهرية والأعمال الموصوفة في مرقس 18:1-20 و14:2 هي تعابير فعّالة عن معنى كون التلمذة تقدمة. المهنة والأقرباء هم عادةً جزء وقطعة من نفس الإنسان، وتركهم هو تخلٍ عن أكثر الأشخاص والأشياء معزّة وأساسية في الحياة.
في مشهد سعي الشاب الغني إلى الحياة الأبدية (مرقس 17:10-22)، عندما أصرّ الشاب على معرفة الطريقة الأفضل والأكثر ضمانة “ليرث الحياة الأبدية”، قال له يسوع: “يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي” (مرقس 21:10). انتهى جواب يسوع على طلب الشاب بدعوته إلى أن يكون تلميذه. ترتكز هذه الدعوة على الافتراض المسبَق بأنّ عليه أولاً أن يوزّع كلّ ما يملك على الفقراء ومن ثمّ يصير تلميذ يسوع. هذا طلب عسير يتضمّن، كما يتّضح، ليس فقط ممتلكاته بل هو نفسه. يخبرنا مرقس بحزن أن الشاب الغني “اغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ” (مرقس 22:10). لا يوجد تلمذة حقيقية في المسيح من دون اتّخاذ قرار بالتخلّي القاسي عن الأشياء والأشخاص الأعزاء جداً.
تقديم النفس كذبيحة كاملة ليسوع قد يعني ترك كل شيء، الاستعداد للتخلّي إلى أبعد حد عن الممتلكات العزيزة والعلاقات من مختلف الأنواع، وقد يعني تقديم الحياة. على تلميذ المسيح المخلِص له، إذا أراد أن يكون صادقاً، أن يكون مستعداً لأي تضحية بالذات من أجل المسيح، حتى التضحية بالنفس. هنا نقابل التلمذة في أنقى أشكالها.
توجد الإشارة التي تثبّت هذا الموقف المتطرّف في يسوع نفسه. بحسب إنجيل مرقس، يسوع هو النموذج الأول للذبيحة الكاملة من أجل خلاص البشر. العبارة المفتاح هي في مرقس 45:10: ” لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”. تقديم المسيح لحياته هو موضوع خريستولوجي مُهَيمِن في إنجيل مرقس لوصف أحد أوجه التلمذة المركزية. في الوقت عينه، مفهوم الخدمة مرتبط مباشرة بتقديم المرء لحياته. الخدمة وتقديم الذبيحة الكاملة لا ينفصلان وَصِفتان لا غنى عنهما في التلمذة.

التلمذة والكهنوت
بين أوجه التلمذة الخمسة في إنجيل مرقس والكهنوت علاقة منطقية مباشرة.
أولاً، التلمذة هي دعوة من يسوع وكذلك هو الكهنوت. فالكهنوت، إلى جانب الخاصيات الأخرى، هو شكل أصيل من أشكال التلمذة في المسيح. لقد دعا السيدُ الكاهنَ بشكل شخصي لأن يكون تلميذه ورسوله (مرقس 16:1-20، 13:2-14). هذا التبصّر الإنجيلي أساسي بالنظر إلى النزعات الحديثة نحو التشديد على المكوّنات الإدارية أو البعد المهني للكهنوت. حيثما وحينما يُنسى أو يحيَّد مفهوم العهد الجديد الأساسي للدعوة الإلهية إلى التلمذة – الكهنوت، تتدهور نوعية الوعي الكهنوتي بشكل يثير الذعر.
ثانياً، التلمذة هي رسالة وكذلك هو الكهنوت. إن الكهنوت رسالة مزدوجة المهمة: الكرازة بإنجيل ملكوت الله وتحرير الوجود البشري من كل سلطان شيطاني وشرير يعذّبه (مرقس 13:3-19). ينبغي التشديد على كلا الوجهين لهذه الرسالة المحددة من الله إذ في بعض الأحيان هناك كهنوت “من دون هدف”، أو كهنوت تائه في حركة مربِكة متعددة الأوجه.
ثالثاً، طبيعة التلمذة كخدمة تؤدي إلى نظرة سامية أخرى إلى الكهنوت. الكهنوت هو خدمة داخل الكنيسة وخارجها. الكاهن، كتلميذ وتابع للسيّد، يتطلّع أولاً وقبل كل شيء إلى خدمة الناس (مرقس 35:9، 42:10-44). ليست الخدمة مجرّد واحدة من الفضائل البشرية المتعددة، بل هي طريقة حياة كاملة. يصير معنى هذه الفكرة واضحاً عندما يأخذ الإنسان بعين الاعتبار الميولَ القوية نحو طريقة الحياة الفردية والأهداف المهنية الأنانية التي تهيمن على المجتمع المعاصر.
رابعاً، التلمذة وبالتالي الكهنوت، هو عملية من النمو المستمر في معرفة المسيح وملء الحق الذي يكشفه. معرفة المسيح هي عالَم واسع مفتوح، واكتشافه ينبغي أن يكون تحدياً يومياً وبهجة للكاهن. في مثل زمننا، زمن تأليه المعرفة وهيمنة التشوّش الإيديولوجي، معرفة المسيح بشكل حقيقي وجوهري هي حاجة ملحّة لكل كاهن أمين.
أخيراً، الكهنوت كتلمذة يعني تقدمة كاملة للذات إلى السيد المسيح. بهذا المعنى، ليس الكاهن كغيره من الحرفيين. الكهنوت هو التزام كامل قد يستدعي حتى تقديم الحياة. الكهنوت كتلمذة يعني تهيئاً للتضحية، استعداداً لاتخاذ قرارات خطيرة ومؤلمة من أجل المسيح وإنجيله وكنيسته (مرقس 18:1-20، 14:2، 29:10). في النهاية، المسيح هو السيد وهو الأولوية المطلقة عند أي كاهن أصيل راغب في أن يكون تلميذاً حقيقياً؛ أولوية على الممتلكات والعلاقات وحتى على الحياة (مرقس 34:8-38).
لقد شدد القديس الشهيد والأسقف الجليل إغناطيوس الإنطاكي على هذه النقطة الأخيرة بطريقة بليغة. في كتابته إلى الأفسسيين والرومانيين وهو في طريقه إلى الشهادة عند بداية القرن الثاني للميلاد، يقول أنّه فقط عندما يموت للمسيح يكون تلميذاً حقيقياً. عند اقترابه من الشهادة اعترف: “الآن بدأت أكون تلميذاً” (الرسالة إلى الأفسسيين 2:1، الرسالة إلى الرومانيين 2:4؛ 3:5).

Source: Greek Orthodox Theological Review 30:3 (1985) pp. 271-285.

Leave a Reply