تعليق حول مقالة عن الوحدة الأرثوذكسية

الأب أنطوان ملكي

طلب مني أحد الإخوة التعليق على مقالة في مجلة النور، العدد 6 السنة 74، بعنوان من أجل صيانة الوحدة الأرثوذكسية“. قبل أن أباشر بقراءتها لاحظت أنها لكاتب، اسمه ج.غ.، هو نفسه كاتب مقالة أخرى موجودة على صفحة حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة وعنوانها واقع العالم الأرثوذكسي اليوم” (http://mjoa.org/archives/3176).

بدايةً استغربتُ أن مجلة النور تنشر مقالاً من دون اسم. أذكر يوم لم يكن هناك لدينا مصدر آخر غير مجلة النور ننتظره، كان مكتوباً على أولى صفحاتها الكاتب مسؤول عن مقاله الموقّع، ما يعني استحالة نشر ما ليس موقّعاً. إلى هذا، نشر مقال من دون اسم كاتب يعني أن الناشر يتحمّل مسؤولية ما نُشِر.

في هذه المقالة يقدّم الكاتب قراءة للعلاقات الأرثوذكسية منذ 1948 إلى اليوم بهدف الدعوة إلى الانتباه على الوحدة الأرثوذكسية وصيانتها، ولا يأتي على ذكر القطيعة القائمة بين كنيستي أنطاكية واورشليم. كثافة المعلومات الواردة، ولو من دون ذكر المصادر والمراجع، تدلّ على متابعة، فهل يُعقَل أن الذي يعرف كل هذه الأمور لا يتوقف عند قطيعة أنطاكية وأورشليم؟ هذا الإغفال يتماشى في الحقيقة مع موقف القسطنطينية، لا بل يعكسه. وموقف القسطنطينية يقوم على عدم إعارة الأهمية لما يهمّ غيرها. ولهذا لم تعِر القسطنطينية أهمية لموقف أنطاكية ولم تأخذه بعين الاعتبار ما أدى إلى مقاطعة أنطاكية للقاء كريت. من جهة أخرى، يوجد اليوم ميل إلى إسقاط الوجه اللاهوتي عن كل الخلافات والتركيز على الوجه السياسي فيها، ويمكن قراءة هذه المقالة على أنها نموذج لهذا الخط، دون أن أعني أن الكاتب يقصد ذلك. فالتركيز فيها هو فقط على تأثير السياسة، من الحرب الباردة إلى تدخل الأميركيين المباشر السافر بخلع البطريرك مكسيموس وتنصيب أثيناغوراس مكانه، فيما لا يأتي المقال على ذكر المسكونية وتأثيرها في خلخلة الوحدة الأرثوذكسية ولا حتى على العقدة الحقيقية اليوم التي هي ضمّ المنشقين إلى كنيسة القسطنطينية.

ملاحظة مهمة أخرى على هذه المقالة هي أن التأريخ يبدأ فيها من 1948، بينما الاهتزاز الفعلي للوحدة الأرثوذكسية بدأ منذ 1918 وتحديداً مع ظهور ميتاكساكيس على المسرح الكنسي، حيث لم يألُ جهداً لزرع الشقاقات. إن الدراسة المتأنية للفترة الممتدة بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين تظهِر ببساطة أن أهمّ ما هدد الوحدة الأرثوذكسية هو الحركة المسكونية والتي أحد نتائجها تغذية جموح القسطنطينية نحو المنطق الباباوي في الشرق.

بالعودة إلى مقالة واقع العالم الأرثوذكسي اليومعلى صفحة حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ففي جزئها الأول عرض وتحليل لآخر المستجدات في قضية أوكرانيا خاصةً لجهة امتداداتها على مستوى كل العالم الأرثوذكسي. الجزء الثاني يعرض موقف كنيسة أنطاكية. هنا الملاحظة هي في الشكل حيث أن الكاتب يورد هذا الموقف من دون تاريخ فيبدو وكأن كنيسة أنطاكية أصدرت هذا الموقف كردة فعل على ما سبق، بينما موقف كنيسة أنطاكية استبق ما جرى وما يُتوقع، وذلك بالتحديد لأن الكنيسة الأنطاكية قرأت قضية أوكرانيا بنفس قراءتها لقضية قطر. فأنطاكية ترى في أوكرانيا كما في قطر تغييراً لجغرافيا الكنائس الأرثوذكسيّة وإقامة لكنائس موازية ضمن الحدود القانونيّة للبطريركيّات وتفرداً لا يتفق مع الإكليزيولوجيا الأرثوذكسيّةوخروجاً على الاجماع وزجّاً للأرثوذكس في الصراعات السياسيّة العالميّة.

نعم! الأرثوذكسية اليوم في خطر. الوحدة الأرثوذكسية اليوم وحدة شكل. على مستوى الرؤساء يباس وفتور. كلهم يعترفون بالحاجة إلى اجتماع ولا يبادرون. كلٌ غارق بهموم كنيسته المحلية وكأن الدنيا تنتهي عندها. من هنا أن المسؤولية المترتبة على مَن يكتب وينشر في هذا الموضوع كبيرة لأن عليه أن يحاكي وعي الشعب المؤمن أو أن يوعيه. ولكي يكون التوعية صحيحة يجب أن تكون النظرة شاملة ودقيقة. المعلومة وحدها لا تبني وعياً خاصةً إذا كانت غير كاملة. الوعي الفعلي هو حين يدرك المؤمنون أن محاربتنا ليست مع لحم ودم بل مع رئاسات هذا الدهر، وبالتالي السلاح الأكثر فعالية هو الصلاة.

ليقمْ الله ويتبدد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه.