الحاجة للدراسة الروحية في عصر الإنترنت والمعلومات

الأرشمندريت ثيوفيلوس ليمونتزيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لعصرنا ميزة خاصة إذ يختلف فيها عن العصور السابقة: فالناس يهتمّون بالمعلومات أكثر من اهتمامهم بالمعرفة. إن معنى نمو الإنترنت هو أننا نتعرض للقصف يوميًا بمعلومات وأخبار فيما لا نهتمّ بنفس القدر بدراسة النصوص الروحية، سواء كانت هذه الكتاب المقدس أو الآباء أو الكتابات النافعة لاهوتياً. بالواقع، نحن غالباً ما نصبح مدافعين عن اللاهوت الآبائي والنسكي، وهو أمر جيد، ولكن من دون أن نظهر نفس الحماسة لدراسة أعمال الآباء. هذا على الرغم من حقيقة إمكانية العثور على عدد كبير منها منشوراً على شبكة الإنترنت. لكن في هذه الحالة، لا يعود اللاهوت الآبائي طريقة حياة بل يُختَزَل إلى مجرد أيديولوجية. سنحاول التشديد على الحاجة إلى دراسة النصوص المسيحية، مستحضرين ومسلطين الضوء على مثالين هامين من حياة كنيستنا.

في سن مبكرة، تأثر القديس أوغسطين (354-427) بالبيئة المتدهورة التي كان يعيش فيها وانجذب إلى نمط حياة غير أخلاقي. في الواقع، لقد تبع البدعة المانوية معتقداً أنه سيجد إجابات على المسائل العظيمة التي كانت تشوّشه. في الثانية والثلاثين من العمر، أثناء السير في حديقته متفكراً بأمر كان يشغل ذهنه سمع صوت طفل يقول خذ هذا واقرأه“. فتح كتاب رسائل القديس بولس الذي كان في متناول يده، فوقعت عيناه على مقطع من رسالة رومية (13:13-14): “لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ“. كلمات القديس بولس هذه حرّكت قلب القديس أوغسطين وجاءته اللحظة الخلاصية العظيمة من النعمة الإلهية، وكما يخبرنا: “ما أن انتهيت من قراءة تلك الكلمات القليلة حتى انسكب النور على الفور في قلبي، جالباً معه السلام ومبدداً الظلمة التي كانت تغلّف شكوكي“. في تلك اللحظة صار شخصًا مختلفًا. من ذلك الحين، كان يعيش فقط من أجل المسيح والكنيسة.

المثال الثاني هو من حياة الكاتب الروسي العظيم، وهو شخصية عملاقة في الأدب العالمي، فيودور دوستويفسكي (1821-1881). عندما كان شابًا، كان ملحدًا، وبعد أن تورط في اضطرابات سياسية حُكم عليه بالنفي لمدة أربع سنوات إلى سيبيريا في عام 1849. وفي الطريق إلى المنفى، أعطته امرأة مسيحية متدينة نسخة من العهد الجديد لتعزيته، وكان حينها شاباً يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا. ولكونه ملحدًا كان في منفاه يمزّق صفحة من الكتاب في كل مرة يحتاج أن ينظّف الأنبوب الذي كان يدخنه. إلى أن جاء وقت كان يشعر بالملل لدرجة أنه قرر معرفة ما يقوله هذا الكتاب المسيحي بالفعل. كان المقطع الأول في الكتاب الممزق قصة الابن الضال. قراءة هذه القصة والباقي من العهد الجديد هزّته حتّى الصميم وكشفت له عن عالم جديد له هو التعرّف على الله. هذا أدّى إلى تحوله إلى واحد من أهم المفكرين المسيحيين الأرثوذكسيين.

المثلان المذكوران أعلاه يكشفان عن القوة التحويلية الكبيرة المتاحة لنا جميعا عِبر الدراسة الروحية: دراسة الكتب المقدسة والنصوص الآبائية، حياة القديسين، تراتيل الكنيسة والكتب المفيدة التي تقدم وتفسّر تعاليم الكنيسة. يقول القديس أبيفانيوس القبرصي أن الكتب المسيحية هي اقتناء ضروري، لأن مجرد النظر إليها يجعلنا أقل عرضة للخطأ ودفعنا نحو الفضيلة.

يعلمنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن خطوط الكتاب الروحي وكلماته، لا سيما الكتاب المقدس، هي ثياب المسيح. كما أن الملابس تغطينا، كذلك تخفي صفحات الكتاب المقدس المسيح نفسه (انظر PG 48 ، 994). كلما تلقى دعوة ، كان القديس سيسوي يقول عن تلقيه اي دعوة: “لا أستطيع العثور على الوقت الآتي، لأنه لم يكن يريد أن ينقطع عن الدراسة الروحية التي منحته المعرفة الإلهية (انظر PG 65 ، 401A). كان القديس سيرافيم ساروف يقرأ الإنجيل بكامله كل أسبوع. وفقا للأنبا فيليمون، من خلال الصلاة غير المنقطعة ودراسة الكتاب المقدس، تُفتح عينا الروح الروحية فترى ملك الملوك” (Philokalia ، المجلد الثاني). يقول القديس كاليستوس أنجليكودس أن قراءة الكتاب المقدس، والقديسين الذين يشرحونه، يحفّز العقل ويساعده على إرفاق نفسه بالله (Philokalia ، المجلد الخامس).