الوحدة الأنطاكية كما أظهرها جورج


الأب أنطوان ملكي

وفاة المرحوم جورج زريق وبالطريقة المأساوية التي حدثت بها وفي المؤسسة التابعة للكنيسة حيث توفي أثارت ما أثارت من ردود الفعل والردود عليها بشكل ينبغي التوقف عنده لتقييم الوحدة الأنطاكية. طبعاً ليس المقصود بهذه الوحدة وحدة مطارنتها فهذه خارج النقاش وأصلاً لا تمثّل الوحدة الفعلية المفقودة على المستوى الشعبي. يكفي أن ينتقل أحدنا من أبرشية إلى أخرى للمشاركة في جناز أو معمودية أو إكليل أو حتّى قداس ليشعر بأنه انتقل من كنيسة إلى أخرى وليس من أبرشية إلى أخرى، هذا بالشكل دون الخوض في المضامين والأفكار وما تنتج من المواقف.

كما أن سقطة آدم أظهرت العديد من الانقسامات في الإنسان الذي خلقه الله ليكون شريكاً له في الخلق، كذلك هذه الحادثة الأليمة أظهرت عدداً من الانقسامات والغربة بين مكوّنات هذه الكنيسة، وقد اتخذت هذه الظهورات أشكالاً على درجات مختلفة من القسوة حملت طابع الإهانة في بعض الأحيان.

الانقسام الأول الذي ظهر هو بين الإكليروس والشعب عبّر عنه الكثيرون وبكلمات بذيئة أحياناً، تعكس المستوى الأخلاقي بقدر ما تعكس هذا الانقسام. كثيرون من الشعب الأرثوذكسي الأنطاكي لا يزال يحيا في منطق بداية القرن العشرين، علماً بأن غالبية المتطاولين على الكهنة ليسوا من الملتزمين الممارسين. يبقى أن القسم الآخر من الممارسين إنما عكسوا ما يعتمل في نفوسهم من انفصام لأسباب شخصية معممين مكنوناتهم.

الانقسام الثاني هو بين التُقوية والممالقة في ممارسات أبناء الكنيسة. ظهرت تقوية البعض في مسارعتهم إلى الدفاع عن الكهنة عن طريق مهاجمة العلمانيين مكرسين الانقسام الأول، وأقل ما يقال أنهم ظهّروا المشكلة الرعائية التي يعاني منها الكرسي الأنطاكي من فوق إلى أسفل، والتي إذا أُخضِعَت للتقييم العلمي تخرِج دارسيها عن علمهم لأنها لا تخضع لأي أسس علمية ولا حتّى لما يُراد تصويره على أنه الخبرة الكنسية. أما تملّق البعض الآخر فقد ظهر في اتخاذهم صورة الدفاع عن بعض الرئاسات أو الكهنة بينما هم وراء مشاكل وانقسامات أخرى أكثر عمقاً شقّت الكنيسة الأنطاكية بأكملها ولن تمّحى آثارها في المستقبل المنظور خاصةً بوجودهم بالقرب من بعض مراكز القرار في الكنيسة.

الانقسام الثالث هو في النظرة إلى المؤسسات الكنسية. هذا الانقسام هو إلى حد كبير نتيجة مباشرة لمحاولات غربنة الفكر الأنطاكي، الذي لم يعد شرقياً في أي حال، وهو ينطبق على المؤسسات ومكانتها في الكنيسة وشكل إدارتها والتضارب النظري إليها كحنفية أو عمل بشاري. لا يقدّر البعض حجم الضغط على المؤسسات بشكل عام والذي جعل بعض المؤسسات الدينية غير الأرثوذكسية تتخلّى عن رعايتها حتى صارت علاقتها مع الناس من خلال المحامين تحوّل الأقساط ديوناً. لسنا هنا في وارد الدفاع عن مؤسساتنا ولا تقييم عملها أو عمل غيرها إنسانياً وقانونياً ولا مناقشة دور الدولة. إنما ما يهمنا هو التصويب على خطورة النظر إلى المؤسسات الأرثوذكسية كبقرة ينبغي أن يؤخذ حليبها حتى ولو استدان القائمون عليها. الكل ينظر إلى الظاهر ولا يعرف المخفي. الوجه الرعائي مخفي عن الشعب كما عن القائمين أحياناً. طبعاً هناك مَن يرى أن الكنيسة تقدّم الكثير ولا تطبل له تواضعاً. لكن هذه الضبابية في مفهوم القرن الحادي والعشرين هي انعكاس لقلة التواصل بين الرئاسة الكنسية والشعب، كما أنه نظرة مشوّهة للشفافية التي يحددها العلم الحديث بشكل لا يستند إلى الطوباوية التقليدية التي لم يعد غالبية الناس يحيونها.

الانقسام الرابع والأخطر هو انفصام القائمين على الإدارة الكنسية، خاصة في مجال الإعلام الذي لطالما كان حصراً لتغطية مواقف الرئاسات. عندما نقول إعلاماً نعني التواصل. هذا الانقطاع بين فوق وتحت في كنيسة أنطاكية ظهر كشقٍّ عميق في ثوب هذه الكنيسة هذه المرة، أقلّه من خلال أمرين. الأول هو الصمت الذي رافق كل الضغط الذي تعرّض له المدرسة ومسؤوليها والكهنة المرتبطين بالمدرسة وبرعية المرحوم وبعائلته. لم تصدر كلمة واضحة ومسؤولة عن أي رئاسة، لا محلياً ولا أنطاكياً. الأمر الثاني هو في إخلاء ساحة الإعلام اللاهث وراء الضجيج لمَن هو خارج الكنيسة ليتّخذ صفة الكهنوت الأرثوذكسي مهاجماً الكنيسة والقائمين عليها بطريقة لا محتوى ولا شكل أرثوذكسيين لها، دون أن يصدر أي كلمة أو بيان أو اتصال بالمحطات المتهافتة على أي تصريح، لتوضح للناس بأن المسّمي ذاته “الأب ثيودور” لم يعد أباً بل هو إنسان كان كاهناً، لحقه ظلمٌ من أحد الرؤساء فاختار طوعياً أن يقابله بالانشقاق والخروج عن الكنيسة والانضمام إلى منشقي التقويم القديم، الذين لا يحفظون من الأرثوذكسية إلا الشكل، فيما هم في الحقيقة أداة للاستخبارات الأميركية يغذّونها لتفتيت الكنيسة الأرثوذكسية في مختلف بقاع العالم. كان الكلام عن هذا التفتيت يُصنَّف ضمن منتجات نظرية المؤامرة في مطلع هذا القرن، أما اليوم فهو مشروع على قدم وساق من أوكرانيا إ`لى جبل أثوس، ولا شيء يغذيه أكثر من وجود رئاسات مشغولة في تثبيت سلطتها وشعب يتفاعل مع الأحداث بالنبض الذي يحدده الإعلام، لا بالتقليد ولا بالتقوى.

رحم الله جورج، فانقسامه على ذاته أظهر انقسامنا كلنا. إنه تلك الحالة التي وصفها الرسول بولس “الْجَسَد يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ” (غلاطية 17:5). هذه حالة كل إنسان فردٍ حتى يصعب أن نقول أنه واحد. لكن الويل إن كانت هذه حال الكنيسة.