إعداد الأب أنطوان ملكي

اللاهوت، كنظام أكاديمي، كان وما يزال يُعلَّم بأدوات وأطر وأساليب فلسفية. لم يكن الأب جورج فلوروفسكي كلاهوتي بعيداً عن الفلسفة. من أهمّ المبادئ الفلسفية التي نادى بها هي النسبية المنطقية والتي كتب عنها مقالات عديدة أهمها “إثبات النسبية المنطقية” الذي يستند إليه هذا المقال بشكل رئيسي. يقول اللاهوتي الأرثوذكسي فلاديمير لوسكي أنّ “النسبية المنطقية عند فلوروفسكي تعني ببساطة أن المعرفة البشرية اصطلاحية وغير مكتملة وأنّ تطوّرَها غير محدّد”.

الكلام عن المعرفة البشرية مرتبط منذ أيام الإغريق بالحقيقة. فبروتاغوراس (481-411ق.م.) اعتبر أن الإنسان هو مقياس كل شيء. وبالتالي، الأخلاق والقانون والحقيقة والعدالة والفضيلة هي بلا دعامات ماورائية، وهذا لا يتأثّر بمفهوم الإنسان كفرد أو كجماعة، ما يؤدّي إلى استحالة فرض حياة أو حضارة جماعة ما على جماعة أخرى. وعليه، استنتج بروتاغوراس وأتباعه أنه ما من دين مطلَق ولا من أخلاق مطلقة ولا عدالة مطلَقة.

هذا الكلام كان أساساً اعتمده أغلب الفلاسفة منذ أفلاطون وأريستوفانيس كأحد أعمدة النسبية التي اعتبرت أن أساس كل معرفة هو الفاعل وليس المفعول به. وهذا التعليم هو أساس النسبية التي ظهرت لدى الفلاسفة الإغريق. طبعاً، لم يكن كلام فلوروفسكي عن النسبية عودة إلى بروتاغوراس ولا هو محاولة لخلق علم معرفة أو نظام معرفي (gnosiology) لا خلفية ماورائية له. فمفهوم النسبية عند فلوروفسكي لم يَقُم على أي رؤية اجتماعية أو نفعية أو فردية للمعرفة أو للحقيقة. كما أنه ليس محاولة لتقديم الحقيقة وكأنّها في تدفّق مستمر يؤدّي إلى التغير الدائم في طبيعة الحقيقة، على غرار ما علّم هيراكليتوس (544-484 ق.م.). فبعيداً عن حقيقة هيراكليتوس غير الثابتة وعن نسبية بروتاغوراس المتمحورة حول الإنسان، فإن النسبية المنطقية عند فلوروفسكي تحاول أن تظهِر أن الطبيعة الثابتة للمعرفة تقوم على اللقاء مع الآخر. وهنا يمكننا أن نرى مقاربة فلوروفسكي للمعرفة وأساس انتقاده للمثالية الألمانية وعجزها عن كسر سجن الأفكار الأفلاطونية الجامد الساحق.

يعي فلوروفسكي أن المعرفة متعددة الأوجه استناداً لفهمه للنسبية. تُكتَسَب المعرفة من عدة مصادر. وكون معرفة الآخر لا تنضب فهي أيضاً مؤقّتة لأن نشاطها الداخلي يهدف إلى المزيد من الإدراك والفهم للحقيقة الثابتة. لهذا لا يمكن احتواء المعرفة أو الحقيقة في أي نظام معرفي، ولهذا فإن معرفة الأشياء وبالتالي معرفة الواقع هي بالإجمال مشروطة لأن الأشياء مخلوقة ولا يمكن أن توجَد بشكل مستقل. ولكون الحقيقة ومعرفة الواقع مشروطتان فإن لهما دينامية متشابكة تحرر الواقع من أن يكون جامداً ثابتاً وبالتالي فإن الإنسان أيضاً حرّ في التفاعل والعلاقات بشكل لا يسمح للواقع بأن يفرِض على الحياة البشرية أي خيار أو عمل.

وهذا الأمر واقع لأن الحقيقة تنتظر مَن يسعى إلى المعرفة. وفي كتابات أخرى يشدد فلوروفسكي على أن الجهاد النسكي هو العملية التي من خلالها يصون الإنسان حرية التحرّك نحو الآخر، وأن هذا الجهاد هو ما يحرر النسبية من الأنانية ويضعها ضمن نشاطيات الاكتشاف والعلاقات.

لهذا فالنتيجة التي توصّل إليها فلوروفسكي هي أنّ الفلسفة تبدأ بالخبرة وهي دوماً وصف هذه الخبرة وتفسيرها. وعليه فإن أساس المعرفة هو الخبرة وليس المثال. وبما أن الفلسفة اختبارية فإن المعرفة هي لقاء مع الآخر. من هنا أن الإنسان لا يبني عالمه ولا يخلقه ولا يفترضه بل يجده، وهذا ما يجعله منفتحاً على التعددية والاتّساع والحركة نحو الأبدية. وعليه فإن غاية الواقع أو مداه مربوطان بفهم الحقيقة.

يفهم فلوروفسكي أن نسبية المعرفة تشير إلى نسبية الحقيقة، وكلاهما تقودان الباحث إلى آفاق جديدة ما يعني أن النسبية المنطقية لا تُضعِف الحقيقة بل هي طريقة لفهمها عن طريق تبيان غناها وتعدد أبعادها.

في طرح فلوروفسكي لمسألة الحق والباطل يشدد على أن المصداقية نسبية بقدر عدم اكتمال ما هو معروف. عدم اكتمال الحقيقة سببه سلسلة الخبرات التي لا تنضب. عندما تصير المعرفة والحقيقة مغلقتين تتطوران نحو الباطل. اكتساب المعرفة، وبالمطلق اكتساب الحق، يعتمد على حرية تخطّي ما هو معطى أو مفتَرَض.

إن النسبية المنطقية تحاول أن تظهِر، من بين جملة أمور، أنّ المعرفة والحق إذ يُحرما من ملامحهما غير المتجانسة والمتعددة الأوجه وغير المحدودة، يتقلّصان إلى أداة متجانسة طوباوية تُعطى صفة المثالية حتّى أنها تهيمن في كل الأماكن والأزمنة على الإنسان والمجتمع والثقافة. الحرية التي تفرضها الطوباوية هي حرية مقيّدة بسلسلة الحتمية المعتمدة على قوانين الطبيعة المفتَعَلة والمعززة.

النسبية المنطقية تحفظ عدم تجانس المعرفة وتكشّفها في المتناهي الذي يعتمد على لقاء الحقيقة غير المحدود والدائم التوسّع. إن حركة الاكتشاف الحرّ غير المحدودة هي ما يؤدي إلى الإيمان الحي والملتزم. فالإيمان هو المخرج الذي يقود بعيداً عن المذهب الطبيعي الأحادي وحرفية القانون التي لا يمكن مساءلتها بل فقط قبولها وطاعتها. فكما أن طوباوية الشيوعية الأرضية كانت منظومة مغلقة، مثلها المنظومات الأرضية التي أنشأتها المسيحية وعززتها. فالطوباويات الأرضية سواء ملحدة أو مؤمنة بإله هي بالمطلق قمعية وظالمة وطاغية. إنها تخنق الروح القدس عن طريق إخضاع الأقنوم الإلهي لأرواح المنطق والماورائيات والطبيعة المخلوقة. كذلك الحال بالنسبة للروح البشرية المخنوقة بخديعة استبدال الروح الإلهي غير المخلوق بالروح المخلوق عديم النَفَس الذي هو مكوّن إنساني خاص أو روحية معينة واقعة تحت الإغواء يستولي عليها قصر نظرها الذي تحدده طبيعتها الخاصة.

إن التحدي الذي طرحه الأب فلوروفسكي في النسبية المنطقية هو تحدي لقاء الحق الذي متى اكتشفه الإنسان، أو متى سمح الإنسان للحق بأن يكتشفه، يقوده إلى الحرية والمتانيا (تغيير الفكر – التوبة) والإبداع والتجلي.

Obolevitch T., The Issue of Knowledge and Faith in the Russian Academic Milieu from the 19th to the 21st Century, [in:] Between Philosophy and Science, eds. M. Heller, B. Brożek, Ł. Kurek, Copernicus Center Press, Kraków 2013, pp. 239–255.

Paul Gavrilyuk (2017). The Epistemological Contours Of Florovsky’s Neopatristic Theology. Journal of Eastern Christian Studies. 69(1-4), 11-24. doi: 10.2143/JECS.69.1.3214949