الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

على الرغم من أن كل آباء الكنيسة، وعلى الأخص الأقمار الثلاثة العظام (القديسون غريغوريوس اللاهوتي، باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم) والآباء الكبادوكيون بوجه عام، كان لهم تأثير عظيم على صياغة اللاهوت الأرثوذكسي وما زال تأثيرهم مستمراً على الفكر والحياة الأرثوذكسيين إلى يومنا هذا، إلا أن الآباء البارزين اليوم هم القديسون مكسيموس المعترف وسمعان اللاهوتي الحديث وغريغوريوس بالاماس. ذاك أنهم قادرون على التكلم بوضوح مع المعاصرين.

إنني بقولي هذا لا أبجّل بعض الآباء أكثر من الآخرين، إذ أني لا أؤمن بوجود مدارس لاهوتية مختلفة عند الآباء. إنني أؤمن أن الآباء القديسين، اللاهوتيين بكل معنى الكلمة، تعليمهم واحد وحياتهم الكنسية واحدة. إلا أن الآباء الثلاثة الأكثر حداثة، مكسيموس المعترف وسمعان اللاهوتي الحديث وغريغوريوس بالاماس، يستجيبون للمشاكل المعاصرة التي تحيّر الناس اليوم.

لقد اختبر القديس غريغوريوس بالاماس الحياة والخبرة الآبائية والكنسية بكل ملئها في زمن صعب مليء بالاضطرابات. إنه يظهِر بشكل كثيف كل الفكر الآبائي الذي هو بصورة رئيسية الحياة التي أعلنها الروح القدس للقديسين، وهو يبلور تعليم الآباء الكبادوكيين. إن اتخاذه لهم كمرجع في المرحلة الثانية من صراعه ضد برلعام هو أمر ذو دلالة. بالإضافة إلى ذلك، هو يشارك القديس سمعان اللاهوتي الحديث في خبرته وله فهم عميق للقديس مكسيموس الذي استشهد بتعليمه، الذي هو تعليم الكنيسة الأرثوذكسية، وبلوَرَه .

بالتالي، يكون من غير المعقول للاهوتي أرثوذكسي أن يكون جاهلاً بتعليم القديس غريغوريوس بالاماس. وحيث أن نظريات برلعام الإنسانية والمتمركزة حول الإنسان منتشرة جداً في هذه الأيام، فإن تعاليم القديس غريغوريوس بالاماس مناسبة جداً. فهي تستطيع أن تقودنا خارج السجن الذي يحصرنا، وأن تحررنا من سبي بابل.

سوف أوضح في الصفحات التالية بعض النقاط الرئيسية من تعاليم القديس غريغوريوس بالاماس المرتبطة بالمشاكل المعاصرة، وسوف أحدد هذه المسائل المهمة باختصار بدون شرح تفصيلي.

1- علم اللاهوت ورؤية الله

كان برلعام فيلسوفاً إنساني النزعة أصر على أن اكتساب معرفة الله هو نتاج العمليات العقلية. لقد اعتبر أن الفلاسفة أعلى من الأنبياء، وبالتالي كان لاهوته ذهنياً، عقلياً، حدسياً، تجريدياً تماماً.

لقد كان ذلك خطراً شديداً على الكنيسة إذ من الممكن أن يقودها نحو الدهرية. نفس هذا الخطر يكمن اليوم في العديد من الدوائر اللاهوتية حيث يؤمنون، أو على الأقل يتظاهرون بالإيمان، بأن علم اللاهوت هو فرع من المعرفة الأكاديمية وأنه نتاج لعمليات الفكر المنطقية وللمراجع الكتابية.

يستطيع القديس غريغوريوس بالاماس الرد على هذا الموقف كما ردّ على تعليم برلعام. أولاً، يؤكد القديس أن علم اللاهوت النقي ليس موهبة طبيعية ولكنه عطية النعمة الإلهية. إنه يستخدم أمثلة متعددة لكي يثبت هذه الحقيقة. فاللذة الجنسية في الزواج الشرعي بغرض التناسل لا يمكن تسميتها “عطية إلهية” على الرغم من أن الله ذاته هو الذي خلق الطبيعة، “لأنها عطية جسدية طبيعية، وليست عطية للنعمة”.

ينطبق نفس الشيء بالضبط على المعرفة المتولدة من الدراسة العالمية. حتى لو استعملها المرء استعمالاً صالحاً، إلا أنها لاتزال “عطية طبيعية وليست عطية من النعمة”. تعليم العالم (الفلسفة) هي عطية طبيعية وليست عطية للنعمة، يستطيع المرء أن يكتسبها بمجرد الدراسة والقراءة. إلا أن “حكمتنا الإلهية” ليست عطية طبيعية، ولكنها عطية يمنحها الله للذين طهروا قلوبهم. عندما أتت هذه العطية للصيادين جعلتهم أبناء الرعد وكارزين للعالم كله، وعندما أتت لجباة الضرائب “خلقت منهم تجاراً للنفوس”.

لنقطة التالية لدى القديس هي أن علم اللاهوت الأرثوذكسي ليس فلسفة، ولكنه قبل كل شيء معاينة الله. يوجد فرق كبير بين “اللاهوتيين” من نوعية برلعام وبين الذين يعاينون الله. الفرق واضح بين هذا النوع من “علم اللاهوت” وبين معاينة الله. كان القديس غريغوريوس بالاماس قادراً في بعض الظروف أن يدعو حتّى برلعام لاهوتياً لأنه كان يتكلم عن الله (كفيلسوف أساساً)، ولكنه لم يستطع أن يدعوه معاينَ الله.

يختلف علم اللاهوت الفكري عن معاينة الله “حيث أن معرفة الشيء تختلف عن امتلاكه”. الكلام عن الله يختلف تماماً عن الالتقاء به والشركة معه. فالأول متاح لكلّ مَن يمتلك عقلاً ومهارة ويعرف آليات الجدل المنطقي، حتى لو كانت حياته ونفسه غير متطهرتين.

إلا أنه من المستحيل أن يتحد المرء بالله ويكتسب معرفة روحية عنه “ما لم يكن، بالإضافة للتطهر بالفضيلة، قد خرج خارجاً، أو بالأحرى، تجاوز ذاته تاركاً وراءه كل شيء مدرك مع قدرته على الإدراك، مرتفعاً فوق الأفكار والمنطق والمعرفة المكتسبة من خلالهما، مسلّماً نفسه بالتمام لقوة الصلاة القلبية غير المادية. بهذه الطريقة يصل المرء لهذه اللامعرفة التي تفوق المعرفة، والمملوءة بنور الفرح الروحي الفائق…”

هذا النص معبر جداً لأنه يظهر قيمة علم اللاهوت الحقيقي الصحيح. لا يستطيع أحد أن يبلغ الشركة مع الله ما لم يتطهّر أولاً، ويترك وراءه الحواس بكل مدركاتها، ويرتفع فوق العقل والأفكار، ويكتسب اللامعرفة التي تفوق المعرفة، التي هي ثمرة الصلاة القلبية. ينبع إذاً علمُ اللاهوت الحقيقي من التطهّر ومن معاينة الله.

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو، بحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس، معاينة الله. فقط أولئك الذين وجدوا مستحقين لمعاينة النور غير المخلوق هم القادرون على اكتساب المعرفة الحقيقية عن الله. يعلن القديس بوضوح: “معرفة الله والعقائد الخاصة به والتي نسميها علم اللاهوت هي أيضاً معاينة الله”.

ويكتب في موضع آخر قائلاً: “معاينة الله تختلف عن علم اللاهوت”، بمعنى أنه من الممكن أن يتكلم المرء عن اللاهوت من خلال خياله وفكره، ولكن علم اللاهوت الحقيقي هو معاينة الله. هكذا تختلف معاينة الله عن شبهِ علم اللاهوت العقلي الفلسفي، إذ أن “الكلام عن الله بثقة” هو ثمرة الثايوريا أي معاينة الله.

ليست معاينة الله هذه، وبالتالي علم اللاهوت الحقيقي هذا، تجريدية مبنية على الحدس والتخيل، ولكنها قبل كل شيء رؤية تفوق قوة بصر الإنسان. ليس الآباء القديسون “مثل أولئك الذين يتحدثون عن الله بطريقة تجريدية. إنهم يعرفون من خلال معاينة ما يفوق البصر. إنهم يمرّون بنوع من الإخلاء دون أن يدركوا ذلك”. أولئك الذين وُهبوا هذه المعاينة السماوية “يعرفون ما يفوق العقل بمعاينتهم هذه القوة المؤلِّهة في الروح القدس، وليس عن طريق النفي السلبي”. معاينة النور هي حالة إيجابية، وبالتالي فإن علم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو معاينة النور الإلهي، إيجابي.

لو أن شخصاً ما عديم المعرفة أو الخبرة بأمور الإيمان يُعَّلم “بحسب أفكاره الخاصة محاولاً أن يظهر بطريقة منطقية الصلاح الفائق للمنطق، فإنه بلا شك غارق في جنون مطلق…”. وأيضاً لكونه عديم الحس، فإنه “سيُحسَب كعدو لله”. توجد أيضاً حالات لأناس ليست لهم أية أعمال صالحة ولم يتطهروا، إلتقوا برجال قديسين واستمعوا لهم، ولكنهم “إذ اتبعوا أفكارهم الشخصية” رفضوا أولئك الرجال القديسين وضلوا في كبرياء.

تظهر كل هذه الأمور أن علم اللاهوت هو بصورة رئيسية نتيجة لشفاء الإنسان، وهو ليس علماً عقلياً. فقط ذاك الذي تطهّر، أو الذي هو على الأقل في مسيرة التطهّر، يستطيع الدخول في الأسرار الأبدية والحقائق العظمى وتلقي الإعلان وبالتالي نقله للناس. ينبغي أن يسبق الشفاءُ علمَ اللاهوت، وعندئذ يستطيع اللاهوتي أن يعطي الشفاء لآخرين. هكذا، في التقليد الآبائي الأرثوذكسي، يكون اللاهوتي هو نفسه الأب الروحي. الأب الروحي هو لاهوتي بامتياز، قد اختبر الأمور الإلهية، ويستطيع التالي إرشاد أولاده الروحيين بدون خطأ.

2- الفلسفة ومعرفة الله

استكمالاً لنفس الموضوع، لنرَ الآن كيف يمكننا اكتساب معرفة الله. إن الفلسفة، التي اتّبعها برلعام والعديد من معاصرينا، لا تقدّم معرفة حقيقية عن الله وتؤدي بالمفكرين المتأملين إلى عبادة الأوثان.

لقد أصرّ برلعام على أن لا علاقة لمعرفة الله بمعاينته بل بفهم الإنسان (أي قدرته العقلية). ولأنه ادّعى أننا قادرون على اكتساب معرفة الله من خلال الفلسفة، فإنه صنّف الأنبياء والرسل الذين عاينوا النور غير المخلوق على أنهم أقل من الفلاسفة. لقد ادّعى بأنّ النور غير المخلوق يُدرَك بالحواس، وهو مخلوق، وأنه”أقل من فهمنا”.

كحامل للتقليد وكرجل إعلان، أكّد القديس غريغوريوس بالاماس عكسَ ذلك. لقد أوضح في لاهوته تعليم الكنيسة عن أن النور غير المخلوق ومعاينة الله ليسا مجرد رمز، ولا هما حسيان ومخلوقان، ولا هما أقلّ من التفكير البشري: إنهما الاتحاد بالله. يُحسب الشخص مستحقاً لمعاينة الله إذا اتّحد به. هذا الاتحاد بالله ليس حالة تجريدية، ولكنه اتحاد بين الإنسان والله. بتعبير آخر، إن الشخص الذي يبصر النور غير المخلوق يراه لأنه متحد بالله. إنه يراه بعينيه الداخليتين، وأيضاً بعينيه الخارجيتين، اللتين تكونان قد تحولتا بفعل قوة الله. بالتالي، معاينة الله تكون اتحاد الإنسان بالله، وهذا الاتحاد هو معرفة الله. عندئذ يُحسَب الإنسان مستحقاً لمعرفة الله، وهذه المعرفة تفوق المعرفة البشرية والإدراك الحسي.

ينبغي علينا، لكي نصل إلى معاينة النور غير المخلوق أن نقطع كل رباطات النفس بأشياء هذا العالم، وأن ننزع أنفسنا من كل شيء من خلال حفظ وصايا المسيح، ومن خلال اللاهوى الناتج عن ذلك. ينبغي علينا أن نمضى إلى ما وراء النشاط المعرفي “بالصلاة الحارة، الصادقة، غير المادية”. هذا هو السبب الذي يجعل المرء محتاجاً للشفاء أولاً. هذا الشفاء يتحقق من خلال حفظ وصايا المسيح، وتحرير النفس من ارتباطها بالأشياء المخلوقة. يستنير الإنسان بالنور الذي لا يُدنى منه “في اتحاد سامٍ فائق للمعرفة”، ومن خلال هذا الاتحاد يعاين الله. هو يصير نوراً، ويرى بالنور، “…يصير نوراً ويبصر من خلال النور”. وإذ يبصر النور غير المخلوق فإنه يعرف الله، ويكتسب معرفة الله، لأنه عندئذ “يدرك بحقٍ أن الله فائق البهاء ويفوق كل فهم”.

يتكلم القديس غريغوريوس بالاماس عن الدَهَش. إلا أن نوع الدَهَش الموصوف في تقليد الآباء ليس له أية علاقة بدهش كهنة الإغريق، أو دهش الديانات الأخرى. يتأتى الدهش بالمعنى الآبائي عندما ينتزع النوس نفسه من كل الأشياء المخلوقة في الصلاة، أولاً “من كل ما هو مخزٍ، وشرير، وسيء، ثم من كل الأشياء المحايدة…”. الدَهَش هو، فوق كل شيء، انعزال عن الذهن الجسداني العالمي.

يتخلى النوس، من خلال الصلاة الحقيقية، عن “كل الأشياء المخلوقة”. هذا الدَهَش أسمى من علم اللاهوت التجريدي المبني على الحدس، وهذا الدهش يخصّ فقط الذين بلغوا اللاهوى. إلا إنه لا يمثل الاتحاد بعد، ” ما لم يـُـنِـر المعزي من أعلى الإنسانَ المواظبَ على الصلاة في العلية، التي هي أعلى نقطة يستطيع الإنسان الوصول إليها، حيث ينتظر وعد الآب، وحيث يرفعه الروح لرؤية النور”. بتعبير آخر، فإن الدهش، الذي هو صلاة قلبية دائمة حيث لا يكف النوس عن تذكر الله ويكون منتَزَعاً عن الأهواء وعن عالم الخطية، ليس هو بعد الاتحاد بالله. يتأتى اتحاد الإنسان بالله عندما يأتي المعزي إلى الإنسان الذي يصلي وينتظر وعد الآب في “العلية”، التي هي أعلى نقطة في إمكانيات الإنسان الطبيعية، حيث يختطفه لمعاينة النور غير المخلوق. الاستنارة الإلهية هي علامة اتحاد الإنسان بالله.

تقدم رؤية الله والاتحاد به للإنسان معرفة الله الروحية، فمن خلالها يكتسب معرفة الله الحقيقية. عطية الروح القدس التي تمنح الاتحاد بالله، الذي هو نور فائق الوصف، تحوّل الذين يتلقّونها إلى نور إلهي. إنها لا تملأهم فقط بالنور الأبدي ولكنها “تمنحهم معرفة وحياة جديرة بالله”. في هذه الحالة يكتسب المرء معرفة الله.

هنا نرى الرابطة الوثيقة بين معاينة الله، والاتحاد به، ومعرفته. لا يمكن فهم هذه المفاهيم منفصلة عن بعضها البعض، وفصل هذه الرابطة يبعدنا بعيداً عن معرفة الله. يرتكز التعليم الأرثوذكسي حول معرفة الله على الاستنارة وإعلان الله داخل قلب الإنسان المتطهر.

لا تنبع معاينة النور غير المخلوق ومعرفة الله الناتجة عن هذه المعاينة من قدرة الإنسان العقلية. إنهما لا يشكلان كمال الطبيعة المنطقية كما أكد على ذلك برلعام، ولكنهما يفوقان العقل. تُمنح هذه المعرفة من الله للقلب الطاهر. الإدعاء بأن هذه العطية المانحة الاتحاد بالله هي تطور لطبيعتنا العاقلة يضاد بشارة المسيح. فلو كان الاتحاد بالله عطية طبيعية، لأصبح كل شخص إلهاً بدرجة أو بأخرى. لكن “القديسين المتحدين بالله يتجاوزون الطبيعة”، هم مولودون من الله والله أعطاهم السلطان ليصيروا “أبناء الله”.

3– التحليل النفسي وتوحيد النفس

يُلاحظة ازدياد الميل للتحليل النفسي في هذه الأيام، حيث يُفَسَر كل شيء من منظور علم النفس الذي يضع الإنسان في مركز الكون، ومن هنا ظهر علم النفس الإنساني المتمركز حول الإنسان. يعتبر التحليل النفسي وسيلة لاكتشاف عالم الشخص الداخلي واكتسابه اتزاناً نفسياً. على أية حال، لو درسنا كتابات الآباء بتفصيل، لاكتشفنا أنهم يتكلمون بالأكثر عن توحيد النفس. لأن النفس ابتعدت عن الله، تمزقت داخلياً وصارت بحاجة للتوحيد. يتناول القديس غريغوريوس بالاماس هذا الموضوع في تعليمه.

أصرّ برلعام الفيلسوف على أنه لا يمكن العثور على القداسة والكمال “بدون تمييز عقلاني، ومنطق وتحليل”. وبالتالي نصح بأنّ من يريد اكتساب الكمال والقداسة يحتاج لأن يتعلم “طرق التمييز، والمنطق، والتحليل”. دحض القديس غريغوريوس هذا الرأي، الذي اعتبره “هرطقة رواقية بيثاغورية”و عَلِّم أن المسيحيين لا يعتبرون المعرفة المتأتية من الكلمات والاستنتاجات حقيقية، “بل فقط المعرفة هي الظاهرة في الأعمال والحياة، التي ليست حقيقية وحسْب بل أيضاً أكيدة وغير قابلة للدحض”. يسترسل في الكلام عن استحالة أن نعرف أنفسنا بواسطة التمييز والمنطق والتحليل ما لم نتحرر من الكبرياء والشر ومن خلال التوبة القوية والنسك المطرّد. مَن لم يطهّر نفسه بهذه الطريقة لا يعي فقره الشخصي الذي هو نقطة البداية الجيدة نحو معرفة الذات.

هذا الجزء من تعليم القديس غريغوريوس معبّر جداً لأن كثيرين يعلّمون في هذه الأيام عن إمكانية الوصول إلى معرفة الله من خلال التحليل النفسي ما يؤدي إلى عواقب وخيمة. عندما يقوم الشخص بتحليل نفسه يصل على الأرجح إلى الفصام. الطريقة النسكية بسيطة. من خلال حفظ النوس وتطهيره، وإعادته للقلب بالتوبة والصلاة القلبية وبحفظ وصايا المسيح، نعمل على تحريره من الصور ومن أسر الأمور المدرَكة بالحواس. عندها نصل إلى معرفة ذواتنا من خلال عمل الروح القدس، إذ لا نكتسب الوعي الدقيق لكل تفاصيل كياننا إلا عندما تنير نعمة الله النفس بالإضافة إلى جهادنا الشخصي. يكشف شفاء النوس عن وجود الأهواء التي إذ نستنير ونتقوى بالروح القدس نستطيع محاربتها.

4- العمل والهدوئية

إننا نعيش في عصر العمل الخارجي، فنحن نتحرك باستمرار. إننا نطلق العنان لكل حواسنا ونراعي بشدة قوة المنطق، ونظن أننا سوف نغير المجتمع عن طريق مثل هذا النشاط. على أية حال لا يمكن تغيير المجتمع بشكل ناجح بدون تغيرنا الشخصي، ولا يمكن تحقيق ذلك بدون النسك الذي هو جزء رئيسي من التقليد الأرثوذكسي.

القديس غريغوريوس هو المدافع الأول والرئيسي عن الهدوئية. لقد حارب بنعمة الله ليدافع عن هذه الطريقة لتطهير القلب والأفكار، التي هو شرط لا غنى عنه لمعرفة الله والاتحاد به. إنه يتكلم عن حياة الهدوء في عظته عن دخول القديسة والدة الإله إلى الهيكل. من الجدير بالذكر أن قديس الجبل المقدس هذا، إذ يتكلم من خبرته الشخصية، يقدم العذراء كلية القداسة مثالاً على هدوء النوس، لأنها من خلال الهدوء وصلت إلى الاتحاد بالثالوث القدوس في قدس الأقداس.

يكتب القديس أننا لا نستطيع الوصول إلى الله أو الشركة معه ما لم نتطهر ونتخلى عن كل الأمور المدركة بحواسنا، وعن قدرتنا على الإدراك، وما لم نرتفع فوق الأفكار والمنطق والمعرفة البشرية بل والعقل ذاته. هذا هو بالضبط ما فعلته العذراء القديسة. وهي إذ طلبت الشركة مع الله “وجدت أن الهدوء المقدس كان مرشدها؛ الهدوء الذي هو توقّف النوس والعالم، ونسيان الأمور السفلية، والدخول في الأسرار السماوية، وترك الصور الذهنية جانباً من أجل أمور أفضل. هذا بحق شيء نعمله بنشاط ووسيلة للتقرب من معاينة الله، أو بتعبير أوضح، نقول أن معاينة الله هي الدليل الوحيد على أن النفس في صحة جيدة”. يسترسل القديس غريغوريوس بالاماس في شرح أن الفضائل هي أدوية لأمراض النفس، أي الأهواء، أمّا معاينة الله فهي “ثمرة النفس السليمة، وهي حالة من الاتحاد بالله ونتيجة له”. بتعبير آخر، تُشفى النفس بواسطة الفضائل، ولكن ما أن تُشفى فإنها تتحد بالله من خلال معاينته، التي يُبلَغ إليها عن طريق الهدوء. “بمعاينة الله يتّحد الإنسان به، وليس من خلال القياس الحدسي المبني على المنطق والملاحظة، ولكن تحت قيادة الهدوء”.

نحن نُشفى بهذه الطريقة الهدوئية الأرثوذكسية، “ونتحرر من الأشياء السفلية ونتجه نحو الله” بواسطة التضرعات والصلوات المستمرة، “وبطريقة ما نلمس تلك الطبيعة المباركة التي لا يمكن لمسها. وبالتالي، يتسرّب هذا النور الذي يفوق إدراكنا وفهمنا بطريقة فائقة الوصف إلى داخل الذين تطهرت قلوبهم بالهدوء المقدس، ويعاينون الله داخل نفوسهم كما في مرآة”.

إن أهم النقاط في نص القديس غريغوريوس بالاماس هذا هي إيضاحه أن بالطريقة الأرثوذكسية، التي هي بشكل رئيسي هدوء النوس، نطهّر قلوبنا وعقولنا، وبالتالي نتّحد بالله. هذا هو المنهج الوحيد لتحسس الطريق نحو الله واكتساب الشركة معه.

يسمي الآباء القديسون في كتاباتهم حالة النفس هذه “راحة السبت”. إذ يتطهر نوس الإنسان بواسطة الهدوء المقدس ويبقى تحت قيادته، فإنه “يحفظ السبت” ويستريح في الله. يتكلم القديس غريغوريوس بالاماس عن الراحة الإلهية: راحة الله عندما “استراح من كل عمله”، وراحة المسيح عندما نزل إلى الجحيم بنفسه وبلاهوته بينما بقي جسده ولاهوته في القبر. فيكتب أنه علينا نحن أيضاً أن نطلب تلك الراحة الإلهية بأن نركّز نوسنا من خلال انتباه جاد وصلاة غير منقطعة. هذه الراحة الإلهية، التي هي سبت الله، هي هدوء النوس. “لو رفعتَ نوسَك فوق كل فكر، مهما كان صالحاً، وأعدته لذاتك بواسطة الانتباه الدائم والصلاة المستمرة، فإنك أنت أيضاً تكون قد دخلت بالفعل إلى الراحة الإلهية، وتكون قد تلقيت بركة اليوم السابع، أي رؤية ذاتك والارتفاع من خلال ذاتك إلى معاينة الله”. من الجدير بالذكر أن القديس يقول هذه الأمور في عظة لرعيته في تسالونيكي. هذا يعني أن كل واحد يستطيع، بدرجات مختلفة، أن يكتسب خبرة هذه الراحة الإلهية. في رأيي أن هذا التعليم قد فُقِد في يومنا هذا.

الاستنتاج الواضح من كل هذا التحليل هو أن تعليم القديس غريغوريوس بالاماس مناسب لعصرنا ولا بدّ من أن يدرسه الناس ويمارسونه اليوم. بالطبع عندما نشير إلى تعليم القديس غريغوريوس بالاماس فإننا لا نشير ضمناً إلى أن هذا التعليم خاص به وحده، بل أن التعليم الذي عبّر عنه القديس في حقبة ما هو تعليم الكنيسة.

توجد تعاليم أخرى موازية بين عصرنا وعصر القديس غريغوريوس. لكن مع الأسف فإن تعليم برلعام هو الأكثر انتشاراً في عدّة مجالات وعلى مستويات مختلفة بدلاً من تعليم القديس غريغوريوس بالاماس. إنه وقت مناسب الآن لاكتشاف تقليدنا، ليس بمعنى إعادة اكتشاف القليل من موضوعات التقليد، أو إعادة إحياء طرق وعادات تقليدية، بل بصورة رئيسية عيش تعليم القديس غريغوريوس بالاماس. ينبغي أن يصير القديسون وكل تعليمهم اللاهوتي مركزاً لتعليمنا ولحياتنا. بهذه الطريقة نتجنّب القلق والشعور بعدم الأمان ونجد السلام الداخلي.

* من كتاب “علم الطب الروحي”، نقلته إلى العربية نيفين سعد، مراجعة الأب أنطوان ملكي