الأب أنطوان ملكي

قرار إنشاء الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا من خلال تبني بعض الأشخاص غير المسامين قانونياً، ما يزال يتفاعل في العالم الأرثوذكسي. ما يلي هو جردة لآخر المستجدات على ضوء هذا الأمر ويظهر التجاذب والانقسام الدائر حول هذا الأمر، يلي هذه الجردة تحليل واستنتاج.

كنيسة اليونان

اعترفت كنيسة اليونان بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا. بعض أعضاء المجمع اليوناني يعتبرون أن ما جرى تهريبة. وقد أرسلوا رسالة إلى البطريرك المسكوني يرجونه أن يعقد اجتماعاً لرؤساء الكنائس لمناقشة الأمر.

لكن الوضع في اليونان ليس على ما يرام. إذ تُسجّل بلبلة في العلاقات بين المطارنة وفي الشعب، خاصةً وأن اثنين من المطارنة الأوكران قاما بزيارة حج إلى اليونان. وقد اضطرا إلى تغيير برنامجهما بطلب من المطارنة المحليين. ففي أيينا، أراد المطران منعهما من التبرّك برفات القديس نكتاريوس، لكنه عاد فسمح لأنه لم يشأ أن يحرم المؤمنين الذين صادف وجودهم بأعداد كبيرة في عيد القديس. في نيا ماكري، منعهما المطران من الاشتراك في القداس الإلهي وسمح لهما البقاء في الكنيسة مع مرافقيهم. في كنائس أخرى مُنِعا حتى من دخول الكنائس. أما في كنائس مثل آفيا وثيساليوتيس فقد استُقبلا وشاركا في الخدم. يظهر داخل الكنيسة اليونانية جو من الانقسام بسبب ما اعتبره بعض المطارنة “تهريبة” الاعتراف بأبيفانيوس وكنيسته، حيث يصر عدد من المطارنة على أنه لم يجرِ أي تصويت على هذا الاعتراف، خاصةً أنهم يطلبون إجابات على أسئلة لم يحصلوا عليها من رئاستهم. من الأمور المقلِقة أيضاً أن الاختلاف انتقل إلى الشعب حيث ينتج عنه ردات فعلية سلبية. فقد تعرّض مبنى مطرانية بيريا للرمي بالحجارة والزجاجات الفارغة ليل الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2019. تربط الجرائد التي غطت الخبر بين الاعتداء وموقف مطران بيريا الرافض للاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا. في 28 تشرين الثاني 2019، أرسل أربعة من المطارنة اليونان رسالة إلى البطريرك المسكوني يرجونه الدعوة إلى اجتماع لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية.

في 11 كانون الأول 2019 اجتمع مجمع اليونان وأصدر بياناً شدد فيه على أن الاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا لم يكن تحت أي ضغط أو بأي تأثير سياسي بل كان بحسب القوانين الكنسية. هذا الكلام فُهم على أنه رد على وزير الدفاع السابق بانوس كامينوس الذي اعتبر أن هذا الاعتراف كان غلطة وحذّر من أن رفع الغطاء الروسي عن اليونان يفقِدها قوة ردع تركيا عن الجزر اليونانية.

كنيسة قبرص

في الأول من تشرين الثاني 2019، جدد البرلمان القبرصي التزام الدولة بدفع مخصصات الكهنة بعد رفع عدد الكهنة وتحسين التقديمات. تحكي مصادر الكنيسة القبرصية عن تدخل دبلوماسي من اليونان لدى الحكومة لاتخاذ هذا القرار. بعد يومين، أعلن رئيس الأساقفة القبرصي أن الإكليروس القبرصي ليس مع موسكو ولا الفنار. قُرئ كلام رئيس الأساقفة على أنه تراجع عن مواقف سابقة اتخذها معارَضة لموقف الفنار، وتهيئة للانتقال إلى موافقة القسطنطينية والاعتراف الجزئي أو الكلي بما سمّي الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، خاصةً أن البطريرك برثلماوس يمارس ضغطاً كبيراً ويضع رؤساء الكنائس الناطقة باليونانية في موقع ملزم لأن يختاروا موسكو أو الفنار. لكن معروف أن هناك معترضين على هذا الاعتراف في قبرص في طليعتهم علناً أثناسيوس مطران ليماسول ونيكيفوروس مطران كيكوس، ويشكّل كلّ منهما مرجعية خاصة في كنيسة قبرص، الأول لاهوتي والثاني إداري. لاحقاً كان مطران مورفو نيوفيتوس في منتهى الوضوح بأن لا مجال للاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا حيث الرؤساء وكهنتهم غير قانونيين.

كنيسة الإسكندرية

في أواخر تشرين الأول الماضي قام مساعد وزير الخارجية اليوناني بزيارة بطريرك الإسكندرية، وفي اليوم التالي أثناء القداس الإلهي أعلن البطريرك اعترافه بأبيفانيوس دومينكو وكنيسته بوجود الدبلوماسي اليوناني. البطريرك كان واضحاً بأن هذا قراره وليس قراراً مجمعياً وهو يقول حرفياً: “لقد قررتُ (بصيغة المتكلّم) أن أعترف…” بطريرك الإسكندرية كان قد زار أوكرانيا في أيلول 2018 حيث أعلن أن زيارته لدعم كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية ورئيسها الميتروبوليت أونوفريوس التي هي الكنيسة الأرثوذكسية الوحيدة في أوكرانيا. ما الذي تغيّر؟ يربط عدد من المراقبين اليونان وغيرهم هذا القرار بزيارة الدبلوماسي اليوناني، خاصةً أن كنيسة الإسكندرية تقوم بغالبيتها على حاملي الجنسية اليونانية وتستفيد من دعم مادي غير قليل من الدولة اليونانية وبرامج نشر لغتها وثقافتها. لاحقاً، أوضح البطريرك الإسكندري أن اعترافه هو كرامةً للبطريرك القسطنطيني.

هذا الاعتراف تبعه زيارة بطريرك الإسكندرية لكنيسة قبرص للاحتفال بعيد القديس يوحنا الرحوم شفيع ليماسول. وقد طلب منه عدداً من رؤساء الكهنة القبارصة عدم ذكر أبيفانيوس في الذبتيخا أثناء القداس المشترك في ليماسول، منهم أثناسيوس مطرانها. بالمقابل قاطَع عدد من المطارنة هذا القداس. لكن البطريرك الاسكندري ذكر أبيفانيوس ما تبعه بلبلة بين المشاركين من الكهنة والشعب واستدعى استنكاراً من المطران أثناسيوس كما ذكرنا أعلاه. وقد جدد المطران أثناسيوس التعبير عن موقفه الرافض للكيان الذي يرأسه أبيفانيوس في أوكرانيا، بعد أن استقبل بطريرك الإسكندرية الذي بعد أن وعد بألا يذكر ابيفانيوس في الذبتيخا تراجع عن وعده.

كنيسة أورشليم

كردة فعل أولى، شخصت العيون إلى بطريرك القدس ورئيس أساقفة ألبانيا، على اعتبار أن الاثنين من اليونان وأنهما يستفيدان من دعم الدولة اليونانية، خاصةً أن البطريرك الأورشليمي ورئيس الأساقفة الألباني كان لهما مواقف واضحة ورسائل أكثر وضوحاً في رفضهم لدور القسطنطينية في الأزمة الأوكرانية. البطريرك الأورشليمي زار موسكو قبل أيام حيث مُنِح وساماً تقديراً لعمله من أجل الوحدة الأرثوذكسية، وأثناء تسلمه للوسام دعا رؤساء الكنائس الأرثوذكسية إلى اجتماع في الأردن لمناقشة الوضع القائم. سبب اختيار الأردن هو أن الأنطاكيين لا يستطيعون أن يشاركوا في القدس. أول رفض أتى من رئيس أساقفة أثينا واليونان الذي قال أنه لا يشارك بأي اجتماع لا يدعو إليه البطريرك القسطنطيني.

كنيسة ألبانيا

كتب رئيس أساقفة ألبانيا رسالة جديدة تدعو إلى المصالحة والتشديد على احترام التقليد الكنسي، مكرراً الدعوة إلى ضرورة انعقاد اجتماع لرؤساء الكنائس لإيجاد حلول للأزمة القائمة والحفاظ على المصالحة والوحدة في الكنيسة.

كنيسة أنطاكية

درس المجمع الأنطاكي القضية الأوكرانية في آخر انعقاد له. لم يصدر عن المجمع أي إعلان، لكن البطريرك الأنطاكي عبّر عن موقف الكنيسة بأن الاعتراف  ليس وارداً من دون الدخول بتفاصيل الأسباب. تتميّز أنطاكية عن غيرها من الكنائس بأنها ليست كنيسة قومية ولا محصورة ببلد واحد، بالإضافة إلى أنها لا سلافية ولا يونانية ولا تدور في أي من الفلكين.

كنيسة بلغاريا

تذكر بعض المصادر أن السفير الأميركي في صوفيا عاصمة بلغاريا والسفير اليوناني زارا البطريرك البلغاري، وتربط هذه المصادر بين هاتين الزيارتين ومشاركة أحد المطارنة البلغار في قداس في لانغادا اليونانية مع ثلاث اساقفة يونان حيث ذُكر أبيفانيوس مع أن كنيسة بلغاريا لم تعترف به بعد.

سياسات الدول

هنا ينبغي التوقّف عند دور الدبلوماسية اليونانية التي كان قد تراجع تدخلها في الكنيسة الأرثوذكسية أثناء حكم اليسار، لكن يبدو أنه عاد إلى ما كان عليه سابقاً بعد عودة اليمين إلى الحكم. فعلى الرغم من أن عدداً من القوانين قد مرّت في اليونان بضغط أوروبي، كزواج المثليين وحرق أجساد الموتى، إلا أن قوانين أخرى عادت بعد أن تمّ التخلي عنها كمثل تغريم التعرّض للمقدسات ومراجعة منهاج التعليم الديني والحفاظ على مخصصات الكهنة من الدولة.

خبرة الكنيسة الأرثوذكسية مع تدخل الدبلوماسية اليونانية بالتعاون مع الدبلوماسية الأميركية مؤلمة في كل محطاتها. للتذكير هنا نورد الانقلاب على البطريرك الأورشليمي إيريناوس الأول في 2005 لحجج مركّبة غير ثابتة، ومن ثم عقد اجتماع لرؤساء الكنائس لخلعه لأسباب غير لاهوتية، وذاك ارضاء للسياسة الأميركية التي كانت، وما زالت، تهدف إلى تسهيل استيلاء اليهود على المزيد من المساحات في القدس تمهيداً لمفاوضات الوضع النهائي النابعة في حينه من اتفاق أوسلو والتي إلى اليوم لم يسمح الرب ولا صمود الفسطينيين باستكمالها.

من جهتها، خبرة الكنيسة الأرثوذكسية مع تدخل الأميركيين أيضاً شديدة المرارة ولم تكن يوماً لمصلحة الإيمان. فالأميركيون تاريخياً يعتبرون أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية جزء من الدولة. حتى في عزّ أيام الحكم السوفياتي، بدلاً من الوقوف إلى جانب هذه الكنيسة فقد حاربوها في خارج روسيا وعملوا الكثير على قطع الصلة بين الكنيسة في الخارج والكنيسة في الداخل. إلى هذا، حاربوا كل الذين عملوا على حفظ العلاقة مع الكنيسة الروسية المجاهِدة المعترِفة معتمدين على أدوات لهم في داخل الكنيسة. أسطع مثل على هذه الأدوات هو البطريرك القسطنطيني أثيناغوراس الذي ربطته بالرئيس الأميركي ترومن علاقة جعلته يبارك استعمال القنبلة الذرية ومن بعدها يدافع عن حرب فيتنام. اثيناغوراس لم يكن يحمل الجنسية التركية وهذا شرط ينبغي توفره في مَن يُرشّح للكرسي القسطنطيني. فالواقع هو أن انفتاح البطريرك المسكوني مكسيموس الخامس لم يرُق للدبلوماسية الأميركية فركّبوا له تهمة الجنون وقاموا بخلعه سنة 1948، وأُتي بأثيناغوراس من أميركا بطائرة ترومن الخاصة، واجتمعت الحكومة التركية ليلاً ومنحته الجنسية التركية، فيما نُقل البطريرك المخلوع إلى جنيف حيث عاش صحيح الجسم والعقل إلى سنة 1972. تذكر الأبرشية اليونانية في أميركا على صفحتها عن أثيناغوراس أنه تمّ اختياره للوقوف في وجه المد الروسي. منذ ذلك الوقت اختلفت بشكل نهائي توجهات القسطنطينية وصار الفاتيكان قبلتها والروس أعداءها، وتنكّرت القسطنطينية لكل ما عمله القياصرة لها معتبرة أن كل المال الذي أغدقوه عليها ودفاعهم عنها وحمايتهم لها من النير العثماني كان تدخلاً في شؤونها. وما زال هذا المنطق مسيطراً فيها.

القومية مدانة

في 1872، كردة فعل على ارتفاع الأصوات القومية في الكنيسة الأرثوذكسية كنتيجة لقيام الكنائس المحلية في البلقان، اجتمع المجمع القسطنطيني واعتبر أن القومية في الكنيسة (Phyletism) هرطقة. اللغة السائدة اليوم، خاصةً لدى المدافعين عن تبنّي كنيسة اليونان لقرار القسطنطينية إنشاء كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية، لغة مدانة بحسب مجمع 1872. إن انضمام الكنائس ذات اللون اليوناني إلى هذا الاعتراف أيضاً مدان بحسب المجمع نفسه. طبعاً، هناك بالمقابل مُغالون في الكلام عن الروسيا المقدسة حتى أن بعضهم يضفي على ستالين شيئاً من القداسة على أنه جزء من التدبير الإلهي. هؤلاء أيضاً مُدانون بحسب هذا المجمع وغيره.

ماذا في أوكرانيا؟

كنسياً، صار واضحاً أن المشكلة الأوكرانية، على مستوى الأرثوذكسية بشكل عام، تكمن في سؤالين: الأول إداري حول أحقية القسطنطينية في إعطاء الاستقلال بالشكل الذي جرت فيه الأمور وتدخلها في الكنائس الأخرى، والثاني هو قانونية كهنوت أبيفانيوس وكثيرين من أعضاء مجمعه وغالبية كهنته. السؤال الأول يبقى ثانوياً أمام الثاني. إن اجتماع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية، لو جرى، لكان من الممكن كثيراً التوصل إلى حل لهذا الأمر حيث أن التدبير يمكن أن يتغلّب على الدقة حفاظاً على السلام في الكنيسة، على الرغم من التوظيف الذي يعمل عليه القسطنطينيون لإضفاء شيء من البابوية على البطريرك ليست له أصلاً ولا هي تنفع الكنيسة. أما السؤال الثاني فلا مكان للتدبير فيه. أمامنا مجموعة من مدّعي الكهنوت ورئاسته قد تمّت سيامتهم على يد أشخاص غير مسامين أو محرومين، وبالتالي هم نتاج تسلسل ليس من الكنيسة الأرثوذكسية. هذا سؤال لم يجِب عليه أي من اللاهوتيين الذين يتبنون موقف القسطنطينية لا في اليونان ولا في خارجها.

أما على مستوى أوكرانيا بحد ذاتها، فالأمور تنتقل من سيء إلى أسوأ، حيث أن المؤمنين يتعرضون للاضطهاد الجسدي ويتمّ طردهم من كنائسهم بتواطئ واضح من الحكومة. هذا وقد صرّح دومينكو أن الأزمة فعلياً هي سياسية. من جهة أخرى، هناك استغلال كاثوليكي لتشريع الانشقاق هذا حيث تتكرر الصلوات المشتركة بين المنشقين والكاثوليك. إلى هذا أعلن دومينكو عدم ممانعته الانتقال إلى تعييد الميلاد بحسب التقويم  الغربي معللاً ذلك بالابتعاد عن الروس، ما يعني فعلياً تباعد أكبر بين الأوكرانيين.

أين الوحدة الأرثوذكسية؟

لماذا لم يتمّ أي اجتماع لرؤساء الكنائس الأرثوكسية؟ لأن الرؤساء تعللوا بعلل الخطايا. كلهم دعوا إلى هذا اللقاء لكن أحداً منهم لم يبادر إلى دعوة عملية خاصةً وأن دعواتهم كانت تصطدم برفض القسطنطينية لهذا اللقاء وتشديدها على أنها الوحيدة المخوّلة الدعوة إليه. الرؤساء الباقون اختبؤوا وراء هذا الادعاء بالجملة، وها هم الآن ينحازون بالمفرّق. يقع شيء من مسؤولية عدم انعقاد هذا اللقاء على البطريرك الإسكندري كونه الثاني في الكرامة بعد القسطنطينية. الآن صارت المسؤولية على كنيسة أنطاكية كونها الوحيدة خارج الاصطفافات القومية اليونانية والسلافية وفلكها. في هذا الإطار قرأ البعض اللقاء الذي استقبله مطران الأنطاكيين في أميركا بين صقري القسطنطينية، مطران اليونان في أميركا الشمالية، ورئيس دائرة العلاقات الخارجية في الكنيسة الروسية، إلا إن ما رشح هو أن اللقاء بقي في الاجتماعيات.

لكن لوحدة الكنيسة الأرثوذكسية  تجليات أخرى منها الجبل المقدس أثوس، حركات الشبيبة الأرثوذكسية، وتجمعات اللاهوتيين الأرثوذكس. الجبل يعاني كثيراً. فالانشقاق يقف على بابه. وضغط بطريرك القسطنطينية يتزايد حيث لا يتورع البطريرك عن التهديد بالحَرم وقطع التمويل والطرد من الجبل، دون أن يعني أن كل الذين في الجبل متجردون عن النعرات القومية. آخر ابتداعات البطريرك المسكوني نيّته تعيين مطران للجبل، فيرتاح من كل أشكال الحكم الذاتي ومن تمثيل الأديار. الوضع رمادي ومقلق.

حركات الشبيبة الأرثوذكسية، في كل العالم الأرثوذكسي، تخلّت في الألفية الثالثة عن صوتها النبوي واكتفت بالتحوّل إلى جمعيات غير حكومية تستجدي الدعم المالي من هذه الجهة الدولية أو تلك أو من هذه الرئاسة أو تلك. لم تعد اهتماماتها تتخطى طباعة كتاب أو تنظيم مؤتمر أو ورشة عمل. هل أحد يذكر سندسموس في هذه الأيام؟ أما زال حياً؟

أمّا تجمعات اللاهوتيين الأرثوذكس فهمّها الأول هو تأمين الدعم المالي لأبحاثها ومؤتمراتها وتحسين تصنيف أعضائها الأكاديمي. الوحدة الأرثوذكسية ليست من أولوياتها، لا بل مجرد انعقاد مؤتمراتها وتبادل خبراتها هو بالنسبة إليها فائض من الوحدة.

خاتمة

الأرثوذكسية اليوم مكسورة. المؤتمنون عليها يكسرونها بخوفهم وترددهم وحساباتهم التي لو اعتمدها الآباء القديسون كل في زمانه لما وصلت الأرثوذكسية إلينا. أزمة أوكرانيا كرة ثلج تتدحرج. هي بالأصل أزمة سياسية لأن مَن افتعلها كان محركه سياسي، وهذا ما تشير إليه كل الوقائع. الكنيسة هي العنصر الضعيف أو الأضعف في السياسة، لذا تدفع ثمناً أكبر من غيرها. أحد المطارنة الأوكران يرى أن الكيان الجديد سوف يُصار إلى فرضه كما فُرِضَت قضايا أخرى كقبول المثلية وغيرها. المرعِب هو أن مقابل هذا الفرض هناك الانشقاق.

قد يحصد السياسيون ثمر أتعابهم هنا وفي هذا الزمان ولا يهمهم يوم الدينونة. أمّا الكنيسة فتتحمّل الانكسار هنا على رجاء النصر يوم الدينونة. ما يهدد انتصار الكنيسة ليس الاضطهاد ولا السياسيون. ما يكسر الكنيسة هي أن يصير رؤساؤها والعاملون فيها سياسيين.