الأب أنطوان ملكي

أبدَت العزيزة ماريا قباره رأياً بعنوان “إمرأة… وكاهنة؟! دعوة للتفكير” ونشرته على صفحة ’سناك سوري’. عملياً في العنوان ما يكفي من إثارة لفضول القارئ فيُقرأ العمل.

بداية، لا بدّ من التعبير عن أن هذا الرأي لا يشبه أعمال ماريا السابقة التي نعرفها ونقرؤها في عدة وسائل نشر ومنها مجلة التراث الأرثوذكسي. فقد اعتدنا أن نقرأ لديها أفكاراً متسلسلة تنطلق من فرضية وتوصلنا إلى استنتاج بأسلوب علمي، حتى ولو من دون مراجع، ونكهة أدبية فيها من البساطة الكثير الذي يعكس شخصية الكاتبة. في هذا الرأي كاتبة أخرى تثير تساؤلات بدءً من الاسم والوظيفة وصولاً إلى الاستنتاجات، حيث تنطلق من تعميم الخاص من دون تقديم أي إسناد.

ما يلي هو بعض الملاحظات على شكل العمل أكثر من محتواه.

1. ردّ مفهوم البنية الأسروية الذي ينتقص من حق المرأة إلى القرن الماضي من دون إيضاح البيئة التي ينطبق عليها هذا الكلام. فالموقف من المرأة مختلف بين المجتمعات والأديان والبلدان، وهناك مَن يعيده إلى ابعد من القرن الماضي.

2. القول بأنّ الكثيرين سوّقوا لنظرية الحق الإلهي لتبرير أفضلية الرجل. هل هذا في الكنيسة الأرثوذكسية؟ كم هو حجم الكثرة في عبارة “كتيرون”، وهل يكفي لتعميمه أو اعتباره موقفاً رسمياً أو تعليماً؟

3. عبارة “ظنَّ به سذاجة أنّه من التقليد، فيما كان حصيلة الانقباض الاكليروسي على ما خلفته البرجوازية آنذاك” غير واضحة. وعدم وضوح هذه العبارة مستفِزّ للذين يغارون على التقليد أو حتى للذين يحترمون التاريخ والتأريخ. ما هو الانقباض الإكليروسي؟ عن أي برجوازية هو الكلام في موضوع عمره ألفي سنة؟ فالبورجوازية الرومانية غير البيزنطية غير السلافية… غير المعاصرة.

4. “يفترض الواقع اليوم أن نُسقط حاجز ظرفيات وعادات الماضي التي حالت دون الأنثوية في ترأس أدوار قيادية كنسيّة أو مناصب كهنوتية”. هذا تعميم لموقف شخصي وليس تعليماً في الكنيسة خاصةً أن ما من شيء يقول أن في الكنيسة الأرثوذكسية اليوم جوٌ يدعو إلى هذا التغيير. هناك أصوات لا ترقى “ديموقراطياً” إلى أن توصَف بأنها تشكل واقعاً. هذه الأصوات يسهل إثبات أنها تقرأ في كتب الغرب وتريد تطبيق ما تراه هناك في الكنيسة الأرثوذكسية. وللتحديد، كهنوت النساء هو أحد إفرازات أدب لاهوت التحرير، وقد ناقشه ويُناقشه في الكنيسة الأرثوذكسية دوائر محددة من أصحاب اختصاص ورعاة، ويفتقد إلى الدقة التاريخية واللاهوتية.

5. تستنتج الكاتبة أن قول الرب للسامرية “لو كنت تعرفين عطية الله، ومَن هو الذي يقول لك اعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حياً” هو دعوة تؤهلّها للمشاركة في رسالته. ليس واضحاً توظيف هذا الكلام في إطار المقال. فهل عطية الله هي فقط مساواة الرجل والمرأة؟ هل كلام السامرية عن صعوبة الوصول إلى الماء في البئر سببه الفرق بين الرجل والمرأة؟

6. مجدداً تعمم الكاتبة موقفاً ليس عاماً بتساؤلها لمَ الكنيسة “لا تُسقط اليوم هذا التمييز الجنسي في الخدم الأسرارية؟ لمَ تحتفظ بحجة التقليد وتجعله أقوى من الفهم اللاهوتي، مُدرجة الذكورية في مصاف الحقّ الإلهي”. ما هو المقياس الذي استندت إليه في اعتبار حصر الكهنوت الوظيفي في الرجال تمييزاً جنسياً؟ لا تحدد. الكنيسة عادلت السامرية بالرسل. هل الكهنوت أعلى من الرسولية؟

7. إلى هذا، في الأرثوذكسية التقليد هو أهم مصادر الفهم اللاهوتي، لذا تتمسّك الكنيسة به لكي يكون فهمها اللاهوتي مكمّلاً لإيمان الكنيسة. قد تكون ماريا تعتقد أن “الفهم اللاهوتي” أهمّ من التقليد، عندها من الطبيعي أن تستنتج أن الكنيسة تضع الذكورية في “مصاف الحقّ الإلهي”. لكنه استنتاج يفتقد إلى الترابط، غريب عن الأرثوذكسية، وإن يكن طبيعياً في سياق الأدب النسوي الذي يبحث عن قضية ليحارب من أجلها. أين تقول الكنيسة أن الذكورية حق إلهي؟ مباشرة أو بشكل غير مباشر؟ هل المطلوب أن نؤنّث الله ونحكي عنه بضمير الغائبة حتى نكون “فهمانين”؟

8. في المقطع الأخير، تمنح الكاتبة نفسها حقّ الحكم على الكنيسة بأنها “تقليديّة تخضع لموروث ثقافي بعيد عن الرؤية المسيحيّة الصحيحة لدور المرأة ومكانتها”. أن الكنيسة الأرثوذكسية تقليدية هو أمر معروف ومحمود لأنه يشدّ إليها الكثيرين من الغربيين الصادقين مع أنفسهم، وخاصةً الذين خرجوا عن جماعاتهم القديمة إذ تبنّت كهنوت النساء. أما القول بأن الموقف التقليدي بعيد عن الرؤية المسيحية فيعني أن في الألفي سنة الماضية لم تكن الكنيسة تتبنّى الرؤية المسيحية. لا تعليق.

9. تفترض ماريا أن خبرة البروتستانت ناجحة وعلى الأرثوذكس والكاثوليك أن يتبنّوها. لا تعليق.

10. ختاماً، مكان النشر هو صفحة ’سناك سوري’ الموجودة على الإنترنت كما على فايسبوك. على أسفل صفحة ’سناك سوري’ رابط يقول “من نحن” لكنه لا يعمل. أما على فايسبوك فيشرح الموقع أنه كل شيء إلا ديني. هنا تُسأل ماريا عمّا إذا كان هذا النوع من الصفحات هو المكان الأنسب لتوجيه الدعوة للتفكير في أمر كنسي محض. فهل هي توجّه الدعوة إلى أترابها من اللاهوتيين، أم إلى الكنيسة أو إلى الشعب العربي برمته؟

في الختام، لماذا التعليق على هذا الرأي إن كان فيه كل هذه النواقص؟ لأن وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على تحويله مادة تزيد من التباعد والشقاق واللغط في وقت الكنيسة هي أحوج إلى ما يقرّب ويجمع ويوحّد. لقد اختارت ماريا إبداء الرأي بموضوع ليس موجوداً على سلّم هموم الكنيسة الأنطاكية، ولا الأرثوذكسية عموماً. رأي في توقيت غير مناسب وفي مكان غير مناسب. غلطة شاطر.