القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”

الجزء الأول

من غريغوريوس إلى أخيه الجزيل الوقار الأسقف يوحنا

أيها الأخ العزيز، أنت توبّخني باحترام لطيف ومتواضع لأني رغبت بالهرب من أعباء الرعاية بالتخفّي. الآن، خشية أن تظهر هذه الأعباء خفيفة للبعض، أشرح لك، بكتابتي هذا الكتاب، كم أراها مرهِقة، حتى أن مَن لا يملكها لا يسعى بشكل أحمق للحصول عليها، ومَن كان متهوراً للبحث عنها يشعر بالفهم عند حصوله عليها

ينقسم الكتاب إلى اربعة مقالات منفصلة، حتى تصل رسالته إلى فكر القارئ بطريقة منتظمة، خطوة خطوة. إن طبيعة الحالة تتطلب أن المعالجة المتأنية لطريقة مقاربة موقع الناموس الأعلى، وعند بلوغه عن جدارة، كيف ينبغي العيش فيه؛ كيف ينبغي تعليم الآخرين بحياة الاستقامة؛ وكيف تكون الممارسة الملائمة لوظيفة التعليم، وبأي يقظة ينبغي إدراك الضعفات الشخصية في كل يوم. كل هذا ينبغي مناقشته خشية أن ينقص التواضع عند تسلّم السدّة، إذ تتغير طريقة العيش عند قبول الرتبة، والتعليم يعرّي حياة النزاهة، والاختيال يغالي في تقدير التعليم

لهذا السبب، قبل أي أمر آخر، ينبغي أن يلطّف الخوفُ الرغبةَ بالسلطة، وعندما يبلغ إلى هذا الموقع مَن لم يطلبه، فلتزكِّه طريقة حياته. من ثم أيضاً، من الضروري أن تُذاع النزاهة التي تظهِرها طريقة عيش الراعي بالكلمة المحكية. وأخيراً، علي أن أضيف أن اعتبار ضعفنا الذاتي ينبغي أن يغضّ من كل عمل ننجزه، كي لا يفرغه انتفاخ الكبرياء من قيمته في عيني القاضي المتخفي

ولكن لأن هناك الكثيرين ممن تنقصهم الخبرة مثلي وهم لا يعرفون كيف يقيسون قدرتهم، وهم يشتهون أن يعلّموا ما لم يتعلّموه، وهم يقدّرون حِمل السُلطة بطريقة خفيفة تتناسب مع جهلهم للمسؤولية البعيدة المدى، فليكن لهم التبكيت عند بداية هذا الكتاب. إذ في افتقادهم للتدريب وضبط النفس يطلبون أن يبلغوا كرامة المعلّم فعليهم أن يرتدعوا عن المغامرة الرعناء على عتبة خطابنا هذا

الفصل الأول: لا يجازفنّ أحد بتعليم أيّ فنّ إلا إذا كان قد تعلّمه من بعد تفكير عميق

بأي تهور إذاً يضطلع غير الكفوء بالخدمة الرعائية، وقد رأى أن إدارة النفوس هي فن الفنون. إذ مَن هو الذي لا يدرك أن جراح الفكر هي أكثر تخفياً من جراح الجسد الداخلية؟ إلى هذا، بالرغم من أن أولئك الذين لا معرفة عندهم بقدرة العقاقير يترددون في إعطاء ذواتهم صفة أطباء الجسد، إلا إن أناساً يجهلون تماماً الأصول الروحية، لكنهم غالباً لا يخشون من إعلان أنفسهم أطباء للقلب، وعليه بأمر إلهي، أولئك الذين هم الآن في أعلى المراكز التي تتيح لهم إظهار الاحترام للدين، بعضهم يسعى إلى المجد والاحترام من خلال التظهير الخارجي للسلطة في الكنيسة المقدسة. إنهم يتعطشون إلى الظهور كمعلمين ويحرصون على التسلط على الآخرين، وكما تشهد الحقيقة: يُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ (متى 6:23)

هؤلاء الأشخاص هم قطعاً غير مستحقين للقيام بجدارة بما يتعهدون به، أي مهمة الرعاية، لأنهم بلغوا الالتزام بالتواضع بالادعاء فقط؛ إذ، يظهر جلياً أن في هذا الالتزام، ما يزوّده اللسان هو الرطانة الخالصة عندما يتمّ تعلّم أمر فيما قد عُلِّم عكسه. ضد هؤلاء ومَن يشبههم يشتكي الرب بلسان النبي: هُمْ أَقَامُوا مُلُوكًا وَلَيْسَ مِنِّي. أَقَامُوا رُؤَسَاءَ وَأَنَا لَمْ أَعْرِفْ (هوشع 4:8). إنهم يحكمون بانتفاخهم الذاتي وليس بإرادة الحاكم العليّ؛ إنهم لا يتأيدون بالفضائل ولا هم مَدعوون إلهياً، بل هم متحرّقون بجشعهم، يستولون على السلطة العليا بدلاً من تحقيقها

مع هذا فإن القاضي الداخلي يتقدم ويهملهم في آن واحد، لأن الذين يحتملهم بألم، هو يهملهم بحكم إدانتهم. لهذا، هو يقول حتى لبعض الذين يأتون إليه وقد اجترحوا معجزات: اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! (متى 23:7). إن عدم صلاحية الرعاة هذه يوبخها صوت الحق بلسان النبي: هُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ (إشعياء 11:56). وأيضاً الرب يشجبهم بقوله: أَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَعْرِفُونِي (إرمياء 8:2). لهذا، الحق يشتكي لكونه غير معروف عندهم، ويحتجّ لأنه لا يعرف صف الرؤساء الأعلى الذين لا يعرفونه، لأن مَن لا يعرف الأمور التي للرب ينبذه الرب، كما يقول بولس: وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيُجْهَلْ! (1كورنثوس 38:14)

إن عدم صلاحية الرعاة هذه في الحقيقة غالباً ما تتفق مع صحارى الخاضعين لهم. فإن كانوا هم ليس عندهم نور المعرفة بسبب خطئهم نفسه، فإن تابعيهم، بسبب حكم حازم، أيضاً يتخبّطون بجهلهم

لهذا السبب، فإن الحق بشخصه يقول في الإنجيل: هَلْ يَقْدِرُ أَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَمَا يَسْقُطُ الاثْنَانِ فِي حُفْرَةٍ؟ (لوقا 39:6). وبالتالي، فإن كاتب المزامير في كونه نبياً، لا كتعبير عن أمنية، يقول: لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا (مزمور 23:69). فهؤلاء الأشخاص هو العيون الموضوعة في واجهة الكرامة العليا، وقد تعهدوا مسؤولية إظهار الطريق، بينما تابعوهم والمتعلقون بهم فهم المُتون. فعندما تكون العيون معماة يكون المتن منحنياً، إذ عندما يخسر المتقدمون نور المعرفة فعلى الأكيد ينحني التابعون من حَمل ثقل خطاياهم

الفصل الثاني: لا ينبغي أن يحمل مهمة الحكم مَن لم يحقق في طريقة عيشه ما تعلمه بالدرس

إلى هذا، هناك مَن يستقرئون الأصول الروحية باجتهاد حصيف، لكنهم في الحياة يسلكون دائسين على ما استحوذوا عليه بفهمهم. إنهم يهرعون إلى تعليم ما قد تعلّموه، لكن لا بالممارسة، فيدحضون بسلوكهم ما علّموه بالكلمات. بِالنّتِيجَة، عندما يسير الراعي عبر أماكن منحدرة، يبلغ القطيعُ الذي يتبعه الجرفَ. لهذا، يتشكّى الرب بلسان النبي من معرفة الرعاة التافهة بقوله: أنْ تَشْرَبُوا مِنَ الْمِيَاهِ الْعَمِيقَةِ، وَالْبَقِيَّةُ تُكَدِّرُونَهَا بِأَقْدَامِكُمْ؟ وَغَنَمِي تَرْعَى مِنْ دَوْسِ أَقْدَامِكُمْ، وَتَشْرَبُ مِنْ كَدَرِ أَرْجُلِكُمْ! (حزقيال 18:34). الواضح هو أن شرب الرعاة الماء الأكثر صفاءً يكون حين يمزّون بالفهم المناسب جداول الحق، بينما أن يعكروا الماء بأقدامهم هو حين يشوّهون دراسات التأمل المقدس بحياة شريرة

بالطبع، الخراف تشرب الماء التي عكّرتها هذه الأقدام، عندما لا تتبع الرعايا التوجيه الذي تسمعه، بل فقط تقتفي أثر الأمثلة الشريرة التي تراها. في وقتِ هم متعطشون لما يسمعون إلا أنهم يُضلَّلون بما يجري، فهم يمتصّون الوحل مع ما يتجرعون وكأنهم قد شربوا من ينابيع مياه ملوثة. بالنتيجة، هذا أيضاً كتبه النبي: الكهنة الفاسدون هم فخ خراب لشعبي (أنظر هوشع 1:5 و8:9)

وأيضاً يقول الرب بالنبي عن الكهنة: كَانُوا مَعْثَرَةَ إِثْمٍ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ (حزقيال 12:44). إذ ما من أحد يسبب الأذى للكنيسة مثل ذاك الذي يتصرّف بشكل شرير بعد أن أحرز لقب قداسة أو درجة قداسة. ما من أحد يحتمل أن ينفّذ هذا الإثم، أو أن يجعل الجرم ذا النتائج البعيدة المدى مثالاً، في حين أن الخاطئ يُشرَّف احتراماً لرتبته. لكن كل مَن لا يستحق سوف يهرب من حمل هذا الذنب العظيم إذا أصغى بأذُن القلب المنتبهة إلى ذاك القول: مَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ (متى 6:18). يرمز حجر الرحى إلى دورة الحياة العالمية المتعِبة ولجة البحر ترمز إلى الدينونة الأخيرة. لهذا، إذا حطّم رجل من لابسي مظهر القداسة الآخرين بالكلمة أو المثال، فمن المؤكد أن الأفضل له لو أن أعماله الأرضية التي قام بها بغطاء دنيوي تضغط عليه حتى الموت، في حين أن رتبته المقدسة قد جعلتها قدوة خاطئة للآخرين؛ فعلى الأكيد عقاب جهنم كان أقل ضراوة عليه لو أنّه سقط بمفرده

الفصل الثالث: عبء السلطة. وجوب تجاهل كل الضيقات والخوف من الرخاء

لقد قلنا الكثير لنظهِر كم هو عظيم عبء السلطة، خوفاً من أن مَن لا يستحقها يدنّس هذه السدّة المقدسة، وباشتهائه المقام يأخذ على عاتقه رفعة شأنٍ تقود إلى الهلاك. لهذا السبب، وباهتمام أبوي يكرر يعقوب هذا النهي: تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي (يعقوب 1:3). لهذا السبب، حتّى الوسيط بين الله والإنسان، وهو الفائق المعرفة والفهم حتى على الأرواح السماوية والذي يسود في السماء منذ الأزل، رفض أن يكون له مملكة أرضية. فقد كُتب: وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ (يوحنا 15:6). ومَن يقدر أن يمارس سلطاناً أسمى على البشر بشكل خالٍ من الإثم كمثلِ مَن سلطانُه هو على رعايا خَلَقَها بنفسه؟

ولكن كونه أتى بالجسد ليس ليفتدينا بآلامه وحسب بل ليعلّمنا بحياته مقدماً مثالاً للذين يتبعونه، فلم يأتِ كملك بل هو مضى طوعياً ليُعلَّق على الصليب. لقد ترك المجد المُعطى له واختار ألم الميتة المخزية، حتى أن أعضاءه يتعلّمون أن يهربوا من ملذات هذا العالم لا أن يخافوا أهواله، أن يحبوا الضيق من أجل الحق، أن يحجموا عن الرخاء لأنه يستبيح القلب بالمجد الباطل، بينما الضيق يطهّره بالألم. في الأول يصير الفكر مزهواً؛ في الآخر حتى ولو صار مزهواً أحياناً فهو يواضع نفسه. في الواحد ينسى المرء مَن يكون وفي الآخر يُستَرجَع، حتى ولو قسراً وبحكم الظروف، إلى تذكّر مَن يكون. في الواحد، حتى أعماله السابقة الحسنة تتحوّل إلى لا شيء، في الآخر، تُمحى الأخطاء، حتى الطويلة الزمان منها. إنها لَخبرة مشتركة أن في مدرسة الضيقات يُجبَر القلب على تهذيب نفسه؛ أما عندما يبلغ الرجل السيادة العليا فهو يتغيّر على حين غرة وينتفخ بخبرة موقعه الرفيع

فهكذا شاول عندما أدرك بالبداية عدم استحقاقه هرب من شرف المنصب، لكنه عاد وتسلّمه، وانتفخ من الغرور (أنظر 1ملوك 21:10-23). باشتهائه الإكرام أمام الشعب، وتمنّيه ألا يُلام أمامهم، أبعد ذاك الذي مسحه ملكاً (أنظر أيضاً 1ملوك 30:15، 35). وأيضاً داود، الذي كان مرضياً بكل أعماله لحكم ذاك الذي اختاره، ما لبث أن اندفع إلى الكبرياء الجارحة، بعد أن صار عبء التزاماته على عاتقه، وأظهر ذاته قاسياً وحشياً في قتله رجل، كونه كان متهتكاً بضعف في اشتهائه امرأة (أنظر 2 ملوك 2:11). والذي عرف كيف يرثي للأشرار تعلّم بعد ذلك أن يلهث، من دون تأخير أو تردد، نحو قتل حتّى الصالح. في الحقيقة، في البداية لم يكن موافقاً على إسقاط مضطهده الأسير بين يديه، لكن لاحقاً بعد أن خسر جيشه المنهَك، قتل حتّى جنديَّه المخلص. ذنبه في الحقيقة أخرجه بعيداً من عِداد المختارين، لولا أن جلده بالسياط أعاده إلى الصفح

الفصل الرابع: الانشغال بحكم الآخرين يشتت تركيز الفكر

غالباً ما يحدث أنه عندما يحمل رجل عبءَ الحكم، أن قلبه ينشغل بأمور مختلفة، ويصير فكره موزّعاً على اهتمامات كثيرة ويصير مشوشاً، ويجد نفسه غير ملائم لأيّ منها. لهذا السبب يعطي أحد الحكماء تحذيراً متحفظاً بقوله: يَا بُنَيَّ، لاَ تَتَشَاغَلْ بِأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ (ابن سيراخ 10:11)، إذ بالحقيقة لا يستطيع العقل أن يركّز على متابعة أي أمر عندما يكون موزّعاً على الكثير من الأمور. عندما يسمح لنفسه بالتجول في الخارج بسبب الاهتمامات المتطفلة عليه، فإنه يفرغ نفسه من احترام النفس الثابت. إنه يشغل نفسه بوضع الأمور الخارجية في الترتيب، وفي إهماله لذاته فقط، يعرف كيف يفكّر بالعديد من الأمور من دون معرفة نفسه ذاتها. إذ عندما يشغل نفسه أكثر من الضروري بما هو خارجي، يصير كمَن ينشغل برحلة لكنه ينسى مقصده؛ فينتج عن ذلك أنه يتغرّب عن امتحان النفس إلى درجة أن يجهل الأذى الذي يعاني منه، أو أن يعي الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها. حزقيا، على سبيل المثال، لم يدرك أنه كان يخطأ عندما عَرَض بيت ذخائره وأطيابه للغرباء الذين أتوا إليه، وبالتالي حلّ عليه غضب القاضي، ولعنة نسله، بسبب ما اعتقد أنه عَمِله بشكل شرعي (2ملوك 12:20-18)

غالباً، عندما يتوفر الكثير من الموارد، وتُنجزَ الأمور التي تجلّها الرعايا لمجرد إنجازها، يرتفع الإدراك بالأفكار، ويتحرّك غضب القاضي الكامل بالرغم من عدم ارتكاب أي عمل سافر. ذاك لأن مَن يقضي هو في الداخل وما يُحكَم عليه أيضاً في الداخل. لذلك، عندما نخالف في القلب لا يعلم الناس ما نحن فيه، لكن القاضي هو شاهد على خطيئتنا. ملك بابل، على سبيل المثال، لم يكن خطؤه الغرور وحسب حين جاء ليلقي كلمات متعجرفة، إذ إنه سمع من فم النبي التوبيخ قبل أن يطلق العنان لغروره (أنظر دانيال 21:4-24). لقد كان قد طهر نفسه من خطيئة الغرور عند إعلانه للشعوب الخاضعة له الإله القدير الذي هو أسخطه (أنظر دانيال 95:3-100). من بعد هذا، مبتهجاً بنجاح قوته ومسروراً بإنجازاته العظيمة، فضّل في زهوه نفسه أولاً على كل الباقين، ومن ثمّ منتفخاً من التفاخر قال: أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟ (دانيال 30:4). هذا الكلام قوبل علناً بعقاب غاضب أججه غروره الخفي

فالقاضي الصارم يرى أولاً بشكل غير منظور ما يوبخه لاحقاً بالعقوبة المعلَنة. ولهذا أيضاً، حوّله القاضي إلى حيوان غير عاقل، عزله عن المجتمع البشري، وربطه بوحوش الحقل مجرداً من فكره الصحيح حتى بحكم صارم وعادل وبشكل جلي يخسر منزلته كرجل، وهو الذي قدّر نفسه فوق كل البشر

لذلك، عندما نعرض هذه الأمثلة، فليس لتقبيح الرتبة نفسها، ولكن لتحصين القلب الضعيف ضد الطمع. لن يكون لدينا إلا الفائق التأهّل لهذه الرتبة، للمغامرة لانتزاع الحكم الأعلى، ولن يكون لدينا رجال يتعثرون على أرض واضحة، فيما يتطلعون لوضع أقدامهم على الهاوية

يتبع