لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم

القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

ـ1ـ ما هو التعليم الديني الأرثوذكسي؟

التعليم الديني الأرثوذكسي هو تعليم عن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، ينبغي تعليمه لكل مسيحي، لتأهيله لأن يرضي الرب ويخلّص نفسه

ـ2ـ ما معنى كلمة تعليم ديني (Catechism)؟

إنها كلمة يونانية ، تعني التعليم، أو التوجيه الشفهي، وقد كانت قيد الاستعمال منذ زمان الرسل للإشارة إلى أن التعليم الأساسي في الإيمان الأرثوذكسي ضروري لكل مسيحي (لوقا 4:1، أعمال 25:18)

ـ3ـ ما هو الضروري لإرضاء الله وخلاص النفس؟

في المقام الأول، معرفة الإله الحقيقي والإيمان الصحيح به؛ في المقام الثاني، حياةٌ وفقًا للإيمان، وأعمال صالحة

ـ4ـ لماذا الإيمان ضروري في المقام الأول؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، من دون الإيمان يستحيل إرضاء الله (عبرانيين 6:6)

ـ5ـ لماذا يجب أن تكون الحياة وفقًا للإيمان، والأعمال الصالحة منفصلة عن هذا الإيمان؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، فإن الإيمان بدون أعمال ميت (يعقوب 20:2)

ـ6ـ ما هو الإيمان؟

بحسب تعريف القديس بولس، الإيمان هو الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عبرانيين 1:11) ؛ وهذا يعني، الثقة في الغيب كما لو كان قد شوهد، بينما الثقة في ما يؤمل وينتظر كما لو كان حاضرًا

ـ7ـ ما هو الفرق بين المعرفة والإيمان؟

تعمل المعرفة على أشياء مرئية ومفهومة. الإيمان يعمل على الأشياء غير المرئية وحتى غير المفهومة. تستند المعرفة إلى الخبرة وإلى فحص موضوعها؛ لكن يستند الإيمان إلى تصديق شهادة الحقيقة. المعرفة تنتمي بشكل صحيح إلى العقل، رغم أنها قد تعمل أيضًا على القلب؛ ينتمي الإيمان أساسًا إلى القلب، على الرغم من أنه ينتقل عبر العقل

ـ8ـ لماذا الإيمان ضروري للتعليم الديني وليس المعرفة فقط؟

لأن الهدف الرئيسي من هذا التعليم هو أن الله غير مرئي وغير مفهوم، وأن حكمة الله مخبأة في لغز؛ وبالتالي، أجزاء كثيرة من هذا التعليم لا يمكن قبولها بالمعرفة، ولكن قد يتم تلقيها بالإيمان. الإيمان، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي، هو العين التي تنير ضمير كل إنسان؛ إنه يعطي الرجل المعرفة. لأنه، كما يقول النبي، إذا لم تصدقوا فلن تفهموا (إشعياء 9:7)

ـ9ـ هل يمكن الاستفاضة في توضيح ضرورة الإيمان؟

القديس كيرلس يوضح ذلك: الإيمان ليس شيئًا عظيمًا فقط بيننا نحن الذين سمعوا باسم المسيح؛ لكن كل شيء يجري في العالم، حتى من البشر الذين لا صلة لهم بالكنيسة، يتمّ بالإيمان. الزراعة تأسست على الإيمان. لأن من لا يؤمن بأن عليه أن يجمع من ثمار الأرض لا يأخذ على عاتقه أعمال الزراعة. البحارة يقودهم الإيمان عندما يسلّمون مصيرهم إلى لوح طفيف، ويفضّلون المياه غير المستقرة على الأرض الأكثر استقرارًا. إنهم لا يسلّمون أنفسهم لتوقعات غامضة، ولا يحتفظون لأنفسهم إلا بالإيمان الذي يثقون به أكثر من أي مرساة. (العظة الخامسة)

حول الإعلان الإلهي

ـ10ـ من أين تُستمّد عقيدة الإيمان الأرثوذكسي؟

من الإعلان الإلهي

ـ11ـ ماذا يُقصَد بعبارة الإعلان الإلهي؟

هي ما أعلنه الله بذاته للبشر، لكي يؤمنوا به عن حق وللخلاص ولكي يمجّدوه كما يليق

ـ12ـ هل أعطى الله هذا الإعلان لكل البشر؟

لقد أعطاه للجميع، لكونه ضروري للجميع على السواء وقادر على جلب الخلاص للجميع. لكن، لكون البشر ليسوا جميعاً مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله، فقد اعتمد على أشخاص محددين كمذيعين لإعلانه، ليبلّغوه إلى كل الذين يرغبون بتلقّيه

ـ13ـ لماذا ليس جميع البشر مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله؟

بسبب تلوثهم الآثم وضعفهم في الجسد والنفس معاً

ـ14ـ مَن هم مذيعو الإعلان الإلهي؟

آدم، نوح، موسى وغيرهم من الأنبياء تلقّوا وكرزوا ببدايات الإعلان الإلهي؛ لكن ابن الله المتجسّد، ربنا يسوع المسيح، هو مَن أنزل الإعلان إلى الأرض بملئه وكماله، ونشرَه في كل العالم بتلاميذه ورسله

يقول الرسول بولس في بداية الرسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)

والرسول نفسه يكتب ما يلي في الرسالة إلى الكورنثيين: ” بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ… فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. (1كورنثوس 7:2-8، 10).

ويكتب الإنجيلي يوحنا في إنجيله: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18:1)

ويسوع المسيح نفسه يقول: ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.” (متى 27:11)

ـ15ـ ألا يستطيع الإنسان من ثمّ أن يمتلك أي معرفة لله من دون إعلان خاص منه؟

قد يحصّل الإنسان بعض المعرفة لله من معاينة الأشياء التي خلقها لكن هذه المعرفة غير كاملة ولا كافية ولا يمكن أن تخدم إلا للتهيئة للإيمان، أو كمساعدة نحو معرفة الله من إعلانه

“لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رومية 20:1)

“وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 26:17-28)

في ما يتعلّق بالإيمان بالله، فيسبقه فكرة أن الله كائن، وهي فكرة نكوّنها من الأشياء المخلوقة. عند دراسة خلق العالم بِانْتِباه، ندرك أن الله حكيم وقوي وصالح؛ كما أننا ندرك أيضًاً صفاته غير المرئية. عِبر هذه الوسائل، نُقاد إلى الاعتراف به على أنه الحاكم العليّ. إذ نرى أن الله هو خالق العالم كله، ونحن جزء من العالم، فهذا يعني أن الله هو خالقنا أيضًا. على هذه المعرفة يتبع الإيمان، وعلى الإيمان العبادة. (القديس باسيليوس الكبير، الرسالة 232)

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ16ـ كيف ينتشر الإعلان الإلهي بين البشر ويُحفَظ في الكنيسة الحقيقية؟

عبر قناتين: التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ17ـ ماذا يُقصد بالتقليد الشريف؟

إن التقليد الشريف هو إسم يشير إلى عقيدة الإيمان، ناموس الله، الأسرار، والطقوس كما تسلّمها المؤمنون الحقيقيون ومتعبّدو الله بالكلمة والمثال الواحد من الآخر، ومن جيل إلى جيل

ـ18ـ هل يوجد أي مستودع للتقليد الشريف؟

إن المؤمنين جميعاً متّحدين في تقليد الإيمان الشريف، جمعياً وبالتتابع، بمشيثئة الله يؤلّفون الكنيسة، وهي المستودع الأكيد للتقليد الشريف أو كما يعبّر القديس بولس “كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تيموثاوس 15:3)

وهكذا يكتب القديس إيرينايوس: يجب ألا نطلب الحقيقة من بين أمور أخرى نطلبها من الكنيسة؛ لأن فيها، كما في خزانة كنز غني، وضع الرسل في ملئها كلّ ما يتعلق بالحقيقة، حتى كل مَن يسعى يتمكن من الحصول منها على طعام الحياة. إنها باب الحياة

(ضد الهراطقة، lib. iii. c. 4.)

ـ19ـ ما الذي نسمّيه الكتاب المقدس؟

بعض الكتب المكتوبة بالروح القدس عبر البشر المتقدّسين بالله، المسمّين أنبياء ورسل. هذه الكتب تُسمّى على نحو مشترك الإنجيل

ـ20ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

إنها كلمة يونانية، وتعني الكتب. يشير الاسم إلى الكتب المقدسة تستحق الاهتمام أكثر من غيرها

ـ21ـ أيّ هو الأقدم: التقليد الشريف أو الكتاب المقدس؟

أقدم وأول وسيلة لنشر الإعلان الإلهي هو التقليد الشريف. منذ آدم إلى موسى لم يكن هناك كتب مقدسة. ربنا يسوع المسيح نفسه أوصَل عقيدته الإلهية ووصاياه إلى رسله بالكلمة والمثال، وليس بالكتابة. الطريقة نفسها اتّبعها الرسل الذين في البداية نشروا الإيمان في كل اتجاه وأسسوا كنيسة المسيح. ضرورة التقليد تتضح أكثر من هنا، حيث لا يمكن إتاحة الكتب إلا لجزء صغير من الجنس البشري، ولكن التقليد هو للجميع

ـ22ـ لماذا إذاً ومتى أعطي الكتاب المقدس؟

لهذه الغاية، حتى يُحفَظ الإعلان الإلهي وبشكل دقيق وثابت. في الكتاب المقدس نقرأ كلمات الأنبياء والرسل بشكل دقيق وكأننا عشنا معهم وسمعناهم، مع أن آخر الكتب الكقدسة كُتِب قبل ألف وعدة مئات من زمننا

ـ23ـ أعلينا أن نتبع التقليد الشريف حتى ولو عندنا الكتاب المقدس؟

علينا أن نتبع التقليد الشريف الذي يتوافق مع الإعلان الإلهي والكتاب المقدس، كما علّمنا إياه الكتاب المقدس. يكتب الرسول بولس: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا (2تسالونيكي 15:2)

ـ24ـ لمَ التقليد ضروري حتّى إلى اليوم؟

كمرشد إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس، للخدمة الصحيحة للطقوس، وللحفاظ على الطقوس المقدسة والخِدَم في نقاوة تأسيسها الأصيلة

عن هذا يتحدّث القديس باسيليوس الكبير: “بعض العقائد والوصايا التي تحتفظ بها الكنيسة موجودة لدينا كتعليمات مكتوبة. لكن البعض تلقيناه من التقليد الرسولي، عن طريق التسلسل سرياً. فلكلٍّ من الأول والثاني نفس القوة في التقوى، وهذا لا يعارضه كلّ مَن كان لديه معرفة قليلة جدًا بفرائض الكنيسة؛ لأننا إن كنا نتجرأ على رفض العادات غير المكتوبة، كما لو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، فكأننا بلا إكتراث نقبّح الإنجيل، حتى في أهم النقاط، أو بالأحرى نجعل تعليم الرسل مجرّد اسم فارغ. فلنذكر أولاً، على سبيل المثال، العادة الأكثر شيوعًا لدى المسيحيين الأوائل، وهي أن على الذين يؤمنون باسم ربنا يسوع المسيح أن يميزوا أنفسهم بعلامة الصليب: مَن الذي علم هذا بالكتابة؟ التوجّه نحو الشرق في الصلاة، أي كتاب عندنا يقول ذلك؟ كلمات استدعاء الروح القدس لتحوّل الخبز في القداس ولكأس البركة، مَن من القديسين ترك لنا هذا كتابةً؟ وكأننا غير راضين عن تلك الكلمات التي سجلها الرسول أو الإنجيل، ولكن قبل وبعدها نتلو صلوات أخرى أيضًا، نعتبر أنها ذات قوة كبيرة للسر، مع أننا تلقيناها من التعليم غير المكتوب. استناداً على المنوال نفسه، إلى أي كتاب مقدّس نحن نبارك الماء للمعمودية، والزيت للمسحة، والشخص المعتمد نفسه؟ أليس استناداً إلى تقليد صامت وسرّي؟ ماذا أكثر من ذلك؟ إن ممارسة مسحة الزيت نفسها، أي كلمة مكتوبة عندنا عنها؟ من أين أتى قانون التغطيس ثلاثاً؟ وما تبقى من طقوس المعمودية وطرد الشيطان وملائكته؟ من أي كتاب مقدس مأخوذة هذه؟ أليست كلها من هذا التعليم الخاص وغير المنشور الذي حفظه الآباء بعيداً عن الفضول والبحث المدنِّس، كوننا تعلمنا أولاً الحفاظ على قداسة الأسرار بصمت؟ فكيف كان من المناسب نشر عقيدة هذه الأمور كتابةً، والتي قد لا يطّلع عليها غير المعتمدين؟ 

يتبع