الأب أنطوان ملكي

وقعتُ على موضوع كتبه الكاهن الكاثوليكي بيل باكمان عنوانه “لماذا يترك الكاثوليك الإيمان؟” وقد شاركه أحد الإكليريكيين الأرثوذكس على صفحته على فايسبوك. وقد وجدتُ في هذه العجالة، التي يكتبها صاحبها بصدق وبعين ثاقبة شجاعةً يفتقدها كل المسيحيين بمختلف طوائفهم

يذكر الكاهن بيل أنه في الكهنوت منذ اثنين وعشرين سنة وأنه قرأ عدداً مؤخراً غير قليل من المقالات حول سبب ترك الأجيال الثلاثة الأخيرة للإيمان الكاثوليكي بشكل جماعي. لذا أراد أن يشارك نظريته الخاصة بناءً على تجاربه الخاصة وما رآه وقرأه من الآخرين، خاصةً وأنه ينتمي لأحد هذه الأجيال. ويذكر في البداية أنه لفترة ما في شبابه انتقل إلى اللاأدرية لكنه عاد إلى الإيمان

يستعمل الكاتب عبارة “الجناية” ليصف بعض الأعمال التي قامت بها الكثلكة وأدّت إلى طفرة هذه الأجيال من الكنيسة. ما يلي هو تسلسل هذه الجنايات بشكل مختصر

الجناية الأولى هي تناسي أن الله أسمى من البشر. ويستعمل عبارة ترويض الله بجعله على صورة الناس. يقول الكاتب “حولناه إلى معالِج لطيف وغير فعال مهمته الرئيسية هي تمكين سلوكياتنا والتربيت على ظهرنا لتمردنا عليه” وبذلك لم يعد هناك حاجة للتركيز على الله

من نتائج هذه الجناية اختفاء مفهوم الخطيئة الشخصية وحلول مفهوم الخطيئة الاجتماعية أو المُجْتَمَعِيّة مكانها. هذا ما أدّى إلى التخلّي عن الاعتراف الشخصي واستبداله بالاهتمام بالعدالة الاجتماعية. وبعد أن تمّ تجاوز الله والخطيئة تم ترويض الشيطان وكل ما كان يُعتبر شيطانياً. ولم يعد هناك حاجة للخوف من الشيطان الذي صار شبيهاً بالكرنفال. الاستغناء عن الله والشيطان أدى إلى التخلي عن الأم المباركة والقديسين والمسبحة وكل مقومات الحياة التخشعية ما استتبع سقوط الإحساس بما هو شيطاني وكل الطقوس التي كانت لمحاربته

هذا معناه أن الحرب الروحية أسقِطَت وحلّ مكانها الدعوة إلى اللطف. بهذا خسر المؤمنون سلاحهم ومقاومتهم، ما أدى إلى تجريد الليتورجيا والتربية من كل ما هو متسامٍ فيهما. التركيز في القداس لم يعد على الله بل على البشر، فصار الصلاة لتبرير الذات لا لعبادة الله. يتوقف الكاتب عند تعدد الاختبارات التي أجريت على القداس وعلى التغيرات التي خضع لها والانتقال من التعليم الإيماني إلى الأخلاقيات وكثافة الغناء، وهذه كلها تمّت لجذب الناس لكنها أبعدتهم

الأمر نفسه صار في التربية حيث لم يعد هناك تعليم عن ما هو متسامٍ، وصارت الهوية الدينية مضرة بالتربية. لم يعد موضوع التربية أن المؤمنين هم شعب الله وما ينتظر منهم، بل توقف التعليم عند الأخلاقيات العمومية. حتى الأخلاقيات صارت موضوعية، فصار تحديد النسل مسموحاً، والمساكنة مقبولة، والتعاطي مع الأجساد جسدانياً، حتى صار ممكناً اعتبار الدين مجرد شعور بالراحة

كنتيجة لهذا التغير صارت الديانات الشرقية ونسكها هواية الكهنة الكاثوليك والرهبان والسبب أن القلب البشري بحاجة لشعور بالسمو، ليس موجوداً في الكثلكة، ولهذا صار الناس يعتبرون أنفسهم روحيين ولكن غير دينيين. وهذا انتقل من جيل إلى الذي بعده والذين تربوا عليه صاروا آباء أنفسهم. هؤلاء ربّوا أبناءهم على أن السعادة مكفولة من الله من دون حاجة لبذل الجهد، وبالتالي يمكن التركيز على السعادة في العالم. هذا استبدل السعادة الأبدية بالسعادة البائدة

يتطرق الكاهن بيل إلى التربية الكاثوليكية في المدارس كما في البيوت، فيرى أن السعي إلى الثروة واللذة والسلطة والشرف صارت نقاط التركيز، وصارت تُعطى التكريس الذي كان سابقاً لله. بدل العبادة صار الأهل يختارون الرياضة والرقص والرفاهية. لم تعد الهوية الكاثوليكية مهمة لا في المدارس ولا في الرعايا. في التعليم تساوى الدين مع الأخلاق وكلاهما خاضعَين للرغبة الشخصية

خسارة العلاقة مع السامي أدّت إلى خسارة الصِلة التي تظهر في النقص بعدد الكهنة. الفضائح الجنسية ليست المرض بل أحد عوارضه وهي أصلاً تنمو حيث لا سمو، ويتساءل كيف يكون المتحرش أو من يغطيه مؤمناً

في النهاية يرى أن هناك واقع يجب أن يتغيّر وأن يظهر هذا التغيير في القداديس والعائلات والرعايا والمدارس. والتغيير يجب أن يقوم على تذكّر الله وما يريده من الكنيسة. وهذا لا يتمّ إلا باسترجاع هذا الحس بسمو الله

ما أهمية هذا المقال؟ هذا الوضع ينطبق على الأرثوذكس إلى حد كبير. في الكثير من اليوميات بتنا نفتقد إلى الله في عليائه. افترضنا أننا إذا أنزلناه نجعله أكثر قرباً من الناس، وبهذا تصرفنا عنه. وكأنه بحاجة إلى مَن يقرّبه أو يحدد له موقعه. نسينا أنه يكفي أن نسير معه وهو يقودنا، إذ افترضنا أننا نقوده. كثيرون منا، وخاصةً ممن هم في مواقع قيادية على كافة المستويات، باتوا لا يميّزون بين مصلحتهم ومصلحة الله. الكاهن بيل يحكي عن تدجين الله عند جماعته، ونحن في جماعتنا كثيرون يستغلّون الله. كل هذا وللناس أعين وللإعلام أعين وآذان

نحن بحاجة إلى التغيّر. إنه جزء من مسعانا. نحن لا نجمد. نحن نتقدم من التطهر إلى الاستنارة إلى التمجيد. لطالما آمن آباؤنا بأن هذا الطريق خطّي، بالرغم من تعرجاته، لكننا اليوم بتنا نتعامل مع كل شيء على أنه دائري، خاصة الخطيئة والتوبة، صرنا نراهما في دورة، ولهذا ندور في مكاننا كأفراد وجماعة

التغيير يجب أن يقوم على تذكّر الله وما يريده من الكنيسة، وأن يظهر في الليتورجيا والعائلات والرعايا. إلى الرب نطلب