الأب أنطوان ملكي

في ٢٠٠٥، نأت أنطاكية بنفسها عن خلع البطريرك ايرينايوس وكانت واحدة من اربع كنائس لم تسر مع التوافق الروسي القسطنطيني على الخلع، خاصة أن السبب الوارد كان بيع الأراضي وكأن إيرينايوس كان أول البطاركة البائعين أو آخرهم. موقف أنطاكية كان واضحاً بأننا لا نتدخل في الكنائس الأخرى خاصة لسبب غير عقائدي

لماذا توافق في حينه الروس والفنار؟ الفنار كان محركاً كالعادة من معلميه في وزارة الخارجية الأميركية. وكما العادة تكفلت وزارة الخارجية اليونانية بجلب الكراسي اليونانية الأخرى. أما الروس فلماذا وافقوا؟ لأن في ٢٠٠٥ كانت الكنيسة الروسية خارج روسيا لم تتحد بعد مع الكنيسة الأم أي بطريركية موسكو وكان في تصرفها كل المؤسسات الروسية في فلسطين من أديار ومضافات. والأهم أنها كانت ترفع رئاسة ايرينايوس الذي احتضنها. هذه المؤسسات لا تخدم الحجاج الروس وحسب بل لديها أيضاً اليهود الروس. وهم مجموعة تقدر بثلاثمئة الف من الروس الذين جلبتهم الجمعيات الروسية إلى فلسطين على أنهم يهود. لكنهم بعد وصولهم رفضوا أن تكون اكاليلهم إلا في الكنيسة وألا يعمدوا اطفالهم، وعند انضمامهم إلى الجيش رفضوا قسم اليمين على التوراة فقط بل طلبوا العهد الجديد أيضاً.

ما معنى وجودهم؟ إنهم رعية بهذا الحجم ويرعاهم بطريرك غير متمسك بيونانيته ومنفتح على العرب حتى أنه فتح لهم مدرسة الصليب المقدس، هذا أثار حمية اليونان والقبارصة الذين رأوا في ايرينايوس خطراً على عملهم. بالمقابل، الروس الذين كان يتضاعف عدد حجاجهم لم يستسيغوا أن يكون حجاجهم في يد آخرين، فانخرطوا في العملية ممنين النفس بأن يأتي بطريرك منفتح عليهم. لما عادت الوحدة الروسية مع عودة روكور إلى الكنيسة الأم، تغيرت التوجهات الروسية، وجاء تبادل المصالح بين فلاديمير بوتين وإسرائيل، كما الاضطهاد الأميركي غير المباشر عبر تبني القدس عاصمة لإسرائيل ومن بعده صفقة القرن التي تنتزع الكثير من الممتلكات من يد الكنيسة، لتنقل كنيسة أورشليم إلى معسكر الروس

قد يكون الكلام أعلاه مقلقاً الكثيرين ممَن لم تسبق لهم هذه القراءة. لذا لا بد من طرح السؤال التالي: متى كانت الكنيسة متحررة من التأثيرات السياسية؟ الجواب هو لم تكن يوماً كذلك. إنما الفرق أن رجال الكنيسة لم يكونوا خاضعين للسياسيين كما هم اليوم، فكانوا يسمون الأمور بأسمائها عندما تتعلق بالإيمان، والأمثلة كثيرة من القديس مرقس أسقف أفسس إلى دوسيثاوس بطريرك أورشليم، وصولاً إلى خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان

الكثير من الأزمات التي تواجه الكنيسة الأرثوذكسية اليوم ذات أصول سياسية لكن الرئاسات بدل أن تبقيها خارجها تجتذبها إلى الداخل فتصير الأزمة كنسية. طبعاً لا يتساوى الجميع بالأدوار، فالدور الذي يلعبه بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول غير مسبوق، حتى في عزّ ايام تناغم البطاركة والأباطرة البيزنطيين أو البطاركة والسلاطين العثمانيين. فهو اليوم يتكئ على السياسة الخارجية الأميركية مطبّقاً عليهم وعلى نفسه صفة المسكونية بمعناها الجغرافي الوضعي. كنسياً، تكمن أزمة أوكرانيا وتلوح أزمة الجبل الأسود ومكدونيا في ادعاء البابوية عند البطريرك المسكوني

بالنسبة لنا الأرثوذكس العرب، في كنيستَي أنطاكية والقدس، فعندنا أزمة قطر، التي هي سياسية بامتياز، صممها وأخرجها ونفذها الأميركيون مستعملين ثيوفيلوس بطريرك القدس الذي هو أصلاً صنيعتهم. أنطاكية ابتلعت الطعم وأعلنت قطع الشركة التي صفق لها كل الشياطين وكل المتعاونين معهم. أين حل قضية قطر؟ مَن يحكم في صحة ادعاءات القدس أو أنطاكية؟ لا حلّ لقضية قطر إلا بمجمع مسكوني، فهل يجوز أن تستمر الشركة مقطوعة إلى حينه؟ وماذا لو تدخلت السياسة مجدداً في المجمع المسكوني وحكم بأن لأورشليم الحق في ما عملته، فهل تقاطع أنطاكية كل الكنائس؟

نأت أنطاكية بنفسها مرة جديدة عن لقاء عمان، الذي انعقد أصلاً في عمان لكي تحضر أنطاكية. بغيابها خسرت فرصة المطالبة بصوت عالٍ بالعمل على جلاء غياب المطران بولس، كما خسرت فرصة التقارب مع الأورشليميين بشكل قد يفتح كوة للحوار الثنائي والتوصل إلى صيغة تعيد الشركة. إلى هذا، فوتت أنطاكية الفرصة على تسجيل شهادة للحق في الكنيسة. صحيح أن الاجتماع لم يقل لبرثلماوس الأول أنه لا يحق له أن يدّعي البابوية لكن مجرد انعقاد اللقاء يعني هذا الكلام. وأكبر الخسارات الأنطاكية هي أنها وسّعت عزلتها وصارت خارج المعسكرَين. أن يقرر المجتمعون الاجتماع المقبل في القدس، يعني أنهم لن ينتظروا أنطاكية. وبالمقابل، المعسكر الأول أصلاً لم يحسب لها حساباً ولهذا قاطعت لقاء كريت

قد لا يوافق كثيرون على هذا الكلام. لكن هناك خوف عبّر عنه العديد ممن كتبوا. قد تختلف الصور بحسب الزوايا لكن لا أحد ينكر الخطر. قد يرى البعض أن النأي بالنفس أبعد بعض الأخطار، لكن هذا النأي المتكرر يزيد من وضعية العزلة. في القرن الحادي والعشرين، ليس سهلاً التعاطي الجماعي مع العزلة، خاصةً لجماعة بحجم أنطاكية وواقعها. فما بين التقلقل السياسي في شرق المتوسط، وتيارات الإسلام، وتماهي الكثلكة والبروتستانتية مع أجندات الدول التي وراءهما، قد تجد أنطاكية نفسها وحيدة بدفاعات محدودة، ما يجعل هامش الخيارات ضيقاً. وهنا الخطر