القسم الثاني

 

سر الثالوث الأقدس

 

الأب جورج عطية

(من أمالي مادة العقائد)

مقدمة

ما يميّز الكنيسة الأرثوذكسية أو المسيحية بصورة رئيسية عن سائر الديانات هو اعتقادها بسر الثالوث الغريب (صلب الإيمان) كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي والذي عليه ترتكز بقية عقائدها. لا بل أن اللاهوت ذاته بحسب الآباء هو سر الثالوث. وحتى الإعلان الإلهي ما هو إلاّ إعلان بصورة خاصة لسر الثالوث ولهذا فسر الثالوث ليس فقط الأساس بل هو الهدف الأسمى للاهوت. لأنه بحسب تعبير القديس مكسيموس المعترف “أن نعرف كلياً سر الثالوث معناه أن نصير في وحدة كلية مع الله، أي أن نصل إلى تأله الكائن البشري، إلى الحياة الإلهية التي هي بحد ذاتها حياة الثالوث الأقدس، عندئذ فقط نصبح بحسب ما عبر عنه القديس بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية”. في دراستنا لهذا السر سوف نتبع ما أعلن عنه بالتدريج في الكتاب المقدس ومن ثم نقدم ملخصاً عما علمته الكنيسة في هذا الصدد.

سر الثالوث المقدس بحسب إعلان العهد القديم

“وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لإستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض. وقال يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك” (تكوين 18: 1 – 3).

وظهر ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة. فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق. فقال موسى لأميلن الآن لأنظر هذا المنظر العظيم لماذا لا تحترق العليقة، فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى فقال ها أنذا (خروج 3: 2 – 4).

“في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل والسيرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة بإثنين يغطي رجليه وبإثنين يغطي وجهه وبإثنين يطير… وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس مجده ملء كل الأرض… ثم سمعت صوت قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا” (أشعياء6: 1 – 10).

“كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل إبن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي لن يزول وملكوته لا ينقرض” (دانيال 7: 13 – 14).

جوهرياً ليس من فرق بين تعليم العهد القديم وتعليم العهد الجديد عن سر الثالوث الأقدس. لأن الله الثلاثي الأقانيم الواحد في الجوهر وغير المنقسم، والذي أعلن عن ذاته في العهد الجديد هو ذاته الله الثلاثي الأقانيم الواحد في الجوهر وغير المنقسم والذي أعلن عن ذاته في العهد القديم، صحيح أن العهد القديم يشدّد بالأكثرية على وحدانية الله، ولا يتكلم بوضوح كاف عن سر الثالوث ولعل السبب، كما يرى بعض الآباء، أن العبرانيين كانوا محاطين بشعوب وثنية وقد يسقطون نتيجة لذلك في شرك تعدد الآلهة. إلا أن هذا لا يعني أن البطاركة وأنبياء العهد القديم لم يعرفوا سر الثالوث الأقدس. وبالطبع فهذه المعرفة كمعرفة رسل وقديسين العهد الجديد لهذا السر ليست عقلانية حسية، بل تفوق العقل والحس، إذ نمت عبر سر التأله، أي سر ظهور مجد الثالوث الإلهي أمام من أهلوا لذلك بواسطة النعمة الإلهية.

وفي الواقع فالعهد القديم يحفل بإشارات متعددة إلى الثالوث الأقدس، والتي كان دورها التهيئة لقبول هذا السر عند مجيء الإعلان الكامل بيسوع المسيح، إلا أنها على ضوء تفسير العهد الجديد والآباء تتجلى كدلائل واضحة عن سر الثالوث.

أ – الظهورات الإلهية:

نعطي كمثال عنها ظهور الله لإبراهيم عند بلوطات ممرا (تك18). إبراهيم يرى ويستقبل ثلاثة رجال، ولكنه يسجد لهم ويخاطبهم كما لو كانوا فرداً واحداً. “يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة  في عينك فلا تتجاوز عبدك” (تك18: 3). من هنا فالأيقونة الأرثوذكسية التي تعبّر عن سر الثالوث هي أيقونة للملائكة الثلاثة الذين استقبلهم ابراهيم. في رأي المغبوط أوغسطين أن ابراهيم لما رأى الثلاثة فهم سر الثالوث. ولما سجد لواحد فقط أقرّ بالإله الواحد المثلث الأقانيم. أما الآباء عامة فيرون أن الملائكة الثلاثة كانوا ظهوراً رؤيوياً للأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، والذي عرفه ابراهيم فسجد له كإله، وحاوره بعد إنصراف الملاكين (تك18: 22، 19: 1). وأن هذا الأقنوم الثاني أي الإبن هو صاحب كل الظهورات الإلهية في العهد القديم لأنه هو الكلمة والمخبر عن الآب الذي لم يره أحد قط (يو1: 1 – 18). مهما يكن من أمر تبقى صيغة الظهور الثلاثي لإبراهيم إشارة واضحة إلى ثلاثية الأقانيم ووحدة جوهرهم، ومصادقة الآب والروح على ظهور وعمل الإبن. وفي الواقع فإن العهد القديم حافل بظهورات لملاك خاص متميز عن الملائكة العاديين المخلوقين لأنه تكلم ليس كمجرد ناقل لكلام الله. بل بصفته الله نفسه ولأنه كان هناك دائماً خوف وشعور عند من ظهر لهم بأنهم قد رأوا الله نفسه “أنا إله أبيك ‘له ابراهيم. إله اسحق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر الى الله” (خر3: 1 – 15).

أ نظر تك16: 7 – 14، 21: 17 – 19، 22: 11 – 18، 48: 15 – 16. قض 6: 11 – 25 الخ. وهنا لا يجب أن يغيب عن البال أن كلمة ملاك في اللغتين العبرانية واليونانية تعني رسول أو مرسل  “فأي رسول أفضل من كلمة الله” (يو1: 1) “وبهاء رسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عبرانيين 1: 3) ومن غيره يستطيع أن يصنع مشيئة الله ويعلنها بسلطان إلهي وأن يظهر بهيئات متنوعة تتناسب مع ظروف الرؤى المختلفة؟

هذا الملاك المرسل الإلهي غير المخلوق هو الذي قال عنه الله نفسه “ان اسمه فيه” “ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك ليحفظك في الطريق، وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته إحترز منه واسمع لصوته ولا تتمرد عليه، لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه” (خروج 23: 20 – 23) وعدد 20: 16.

فصرخنا إلى الرب فسمع صوتنا وأرسل ملاكاً وأخرجنا من مصر……….. خر3: 2و 14: 19 و 23: 20 و 33: 2. وسماه في مكان آخر “وجهه” وقال موسى للرب…. أنظر أن هذه الأمة شعبك، فقال وجهي يسير فأريحك. فقال له إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من ههنا” (خروج 33: 12 – 17). وهو من عرّف نفسه ليشوع بصفته رئيس جند الرب، وقال له كما قال لموسى قبله: “إخلع نعلك من رجلك لأن المكان الذي انت واقف عليه هو مقدّس” (يش5: 15، خر3: 5). وهو نفسه قال لنوح “لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب” (قض13: 16 – 22). أي الصفة ذاتها التي وصف فيها النبي أشعياء الإبن المتجسد. “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً…..” (1ش9: 6).

ملاك العهد القديم، اذن أي المرسل الذي عرف بأنه الرب والله ويهوه، وقاد الشعب في البرية، وأرض الميعاد والسبي وهو نفسه الذي وصفه ملاخي بـ”ملاك العهد” الذي يرسل لينقي شعبه (ملا3: 1 – 6)، أي نفسه هو عمانوئيل (الله معنا) في العهدين القديم والجديد، والذي كانت ظهوراته قبل التجسّد مقدّمات وتهيئات لتجسده وخلاصه (1كو10: 1 – 4).

ولا يخفى بأن مفهوم الآباء للظهورات الإلهية ليس كمفهوم الاريوسيين الذين يدّعون بأن الإبن هو مرسل من الآب كإله من درجة ثانية، بل الآباء يشددون بأن كل ظهور إلهي هو ظهور غير منفصل للأقانيم الثلاثة معاً عبر مجدها الواحد. أي أن كل ظهور للإبن هو أيضاً ظهور للآب فيه بالروح القدس، لأن الإبن هو صورة الآب (يو14: 6)، ولأن الروح اشترك ويشترك في كل عمل إلهي إن كان في العهد القديم (حج2: 5) أو في العهد الجديد (1كو10: 4 – 6).

هذا الرأي يثبته بصورة خاصة في العهد القديم تجلّي الله بمجده لأشعياء النبي في الهيكل. والسيرافيم واقفون حول عرشه وصارخون فيما بينهم قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود مجده ملء الأرض (1اش6: 3). لأن بتثليث السيرافيم للتقديس إشارة إلى أقانيم الثالوث، وبقولهم رب الجنود تأكيد لوحدة جوهره. الرسولان يوحنا الإنجيلي وبولس يستشهدان بهذه الرؤيا، الأول ليظهر أن أشعياء قد رأى مجد المسيح أي الإبن (يو12: 14). أما الثاني فليبيّن أن من كلّم أشعياء النبي كان الروح القدس (1ع28: 25 – 26). فإذا أخذنا بيعين الإعتبار ما قاله السيّد في الرؤيا ذاتها أمام أشعياء مستعملاً صيغة المفرد والجمع معاً: “من أرسل من يذهب من أجلنا” (اش6: 8) ألا يصبح كل هذا دليلاً أكيداً على وحدة السيد المثلث الأقانيم؟

ب – نبؤات تشير إلى ألوهية الإبن المتجسد

  1. “ها إن العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو اسمه عمانوئيل أي الله معنا” (اش7: 14، أنظر متى1: 23).
  2. “ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجرى حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا” (ار23: 5 – 26 أنظر اكو1: 30).
  3. ٍ”أما انت يا بيت لحم افراثة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج الذي يكون متسلطاً على اسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” (ميخا5: 2، أنظر متى2: 5 – 6).
  4. “هلموا نرجع إلى الرب….. لأنه افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا، يحيينا بعد يومين، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا” (هو6: 1 – 2).
  5. “ارفعن رؤوسكن أيتها الأبواب وارتفعن أيتها المداخل الأبدية فيدخل ملك المجد. من هذا ملك المجد؟ رب الجنود هو ملك المجد” (مز23 أو 24: 7 – 10، أنظر مر16: 19، 1كو2: 8).
  6. “كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل إبن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدّامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوته لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دانيال7: 13).

هذه الآيات الست، والتي هي نموذج عن نبؤات العهد القديم الماسيانية تشدّد من خلال إشارتها إلى تجسّد المخلص وميلاده وقيامته وصعوده وانتشار سلطانه ومجده، على ربوبيته فتسميه “الله معنا” و “الرب برنا” والأزلي والرب وملك المجد الذي هو رب الجنود (يهوه) وصاحب سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته لا ينقرض.

ج – آيات تشير إلى أكثر من أقنوم واحد معاً.

آيات تشير الى الآب والإبن

  1. “من صعد الى السموات ونزل؟ من جمع الريح في حفنتيه؟ من صرّ المياه من ثوب؟ من ثبّت جميع أطراف الأرض؟ ما اسمه وما اسم ابنه ان عرفت؟” (ام30: 4 أنظر يو3: 13).
  2. “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز109: 3) سبعينية يقابلها “من رحم الفجر لك طل حداثك” (مز110: 3) عبرية.
  3. “قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه…… أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي (مز2: 2).
  4. “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام” (اش9: 6).
  5. “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من رفقائك” (مز45: 6) أنظر (عبر1: 8 – 14).
  6. “قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك مواطئاً لقدميك” (مز110: 1).

في الآيتين الأولى والثانية يشير العهد القديم بالنبوءة إلى الآب والإبن المولود من قبل كل الدهور.

ففي الأولى يسأل عن إسميهما، ولكن يعطينا علامات لا تخطىء عنهما. كالصعود الى السموات والنزول، والخلق. وكما نعلم من العهد الجديد لم يصعد أحد الى السماء إلاّ الذي نزل من السماء إبن الإنسان الذي هو في السماء (يو3: 13) أي الإبن الذي تمجّد بالجسد بصعوده إلى السموات، واشترك مع الآب والروح في الخلق (يو1: 1 – 2، 2كولو1: 16 – 17).

  • أما  في الآية الثانية فيشدد على أزلية ولادة الإبن من الآب مستعملاً عبارتي “من البطن” و “قبل كوكب الصبح” في الترجمة السبعينية “من رحم الفجر” بحسب النسخة العبرية.
  • الآيتان الثالثة والرابعة تتحدثان عن ولادة الإبن الثانية في الزمن بالجسد ومسحته وملكوته. لكنهما لا تهملان الإشارة الى ولادته الأولى من الآب والتي تفوق الزمن. لأن الآب لا يكتفي بأن يقول في الآية الرابعة للإبن المتجسد “انت ابني” مشيراً إلى ولادته له قبل كل زمان بل يشدد على حقيقة ولادته الفعلية الدائمة له، وفي الزمان “أنا ولدتك” هذه الحقيقة تؤكدها الآية الرابعة إذ تسمى المولود إلهاً قديراً أباً أبدياً ولا يمكن لمن هو إله قدير وأبدي إلا أن تكون ولادته أزلية وأبدية.
  • الآيتان الخامسة والسادسة تطلقان كلمتي الله والرب على الآب والإبن مظهرتين بجلاء لا لبس فيه ألوهية وربوبية الإثنين معاً. فالخامسة تطلق كلمة الله نفسها على الإبن وعلى الآب مشيرة إلى الملك الدهري للإبن ومسح الله الآب له بسبب قداسته واستقامته (أعمال10: 38). وبالطبع فهذا المسح حصل أثناء تجسده، ولهذا فهو المسيح والله الآب هو إلهه، لأنه اتخذ، كطبيعة ثانية له، جسداً مخلوقاً.

آيات تشير الى الآب والروح القدس

  1. “وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه” (تكوين1: 2).
  2. “روح الرب تكلّم بي وكلمته على لساني” (1صمو10: 6).
  3. “لا تطرحني من أمام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني” (مز51: 11 عبرى50: 11 سبعينية).
  4. “فنزل الرب في سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلا الشيوخ” (عدد11: 25).
  5. “جعلوا قلوبهم ماساً لئلا يسمعوا الشريعة والكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء” (زكريا7: 12).
  6. “روحك الصالح يهديني في أرض مستقيمة” (مز143: 10).
  7. “فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر” (1صمو10: 6).
  8. “يا ليت كل شعب الرب كان أنبياء. إذا جعل الرب روحه عليهم” (عدد11: 29).
  9. “ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب” (اش11: 2).
  10. “أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب. إن صعدت إلى السموات فأنت هناك….” (مز139: 7 – 8).
  11. “حسب الكلام الذي عاهدتكم به عند خروجكم من مصر وروحي قائم في وسطكم” (حج2: 5).
  12. “ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤىً (يوئيل2: 28 – 29).
  13. “وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها… وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً” (خر36: 27).
  14. “روح الله صنعني ونسمة القدير أحيتني” (أيوب33: 4).
  15. “ترسل روحك فيخلقون وتجدّد وجه الأرض” (مز104: 30).

من بين آيات كثيرة، قدمنا هذه كنماذج عن إيمان أنبياء العهد القديم بمن سمّوه روح الله أو روح الرب أو روحه القدوس. (آيات1، 2، 3) هذه التسميات بالذات تظهر الإتحاد الكياني بين الله وروحه لأن الروح كما يقول القديس بولس الرسول “يفحص كل شيء حتى أعماق الله لأن مَنْ مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله” (1كو2: 9 – 11). لكن بالرغم من هذا الإتحاد الصميمي فالله متميّز عن روحه كما تظهرها هذه التسميات ذاتها. وهذا الروح المتميز عن الله والمتحّد به في آن هو شخص قائم بحد ذاته في الله وليس مجرد قوة إلهية كما يدعى البعض لأن الشخص العاقل والواعي وحده، وليس القوة، يستطيع أن يهدي البشر “آية6”. وأن يجعلهم يتكلّمون، “آية2” ويتنبأون ويتحولون إلى رجال آخرين “آية 7و8” وأن يتصفوا بالحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة ومخافة الرب “آية9”.

واضح كذلك أن هذا الروح هو شخص إلهي وليس شخصاً مخلوقاً. لأنه روح الله غير المخلوق الحاضر في كل مكان وزمان “آيتين 10 و 11” والخالق “آيتين 14 و 15) والمسؤول عن إعطاء كنيسة الله كل المواهب الإلهية التي سوف تتمتع بها وخصوصاً في قرنها الأول “آيتين 12 و 13″، وهنا لا بد أن نميّز الروح كشخص أو أقنوم وبين المواهب أو القوى الإلهية غير المخلوقة التي تصدر عن الروح ولا تنفصل عنه والتي يمكن أن تعطى وتوزع وأن تسمّى في كثير من الأحيان بالروح (آيات 3، 4، 7، 8، 12، 13) وهو ما يحتاج إلى توضيح أكثر من خلال معطيات العهد الجديد.

آيات تشير إلى الآب والإبن والروح معاً:

  1. “روح السيد الرب عليّ، لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلوب…” (اش 61: 1).
  2. “كرسيك يا الله الى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأغضبت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من رفقائك” (مز45: 6 وعبر 1: 8).
  3. “بكلمة الرب صنعت السموات وبروح فمه كل جنودها” (مز 33: 6).
  4. “أين أذهب من روحك، ومن وجهك أين أختبىء…” (مز 139: 7 – 8).

في الآية الأولى هناك ذكر للروح القدس الذي هو روح السيد الرب. وبالطبع فالسيد الرب هو الآب الذي مسح الإبن المتجسد وأرسله بالروح القدس الذي استقر عليه بحسب طبيعته البشرية. الإبن المتجسد بيسوع يوضح بحسب رواية البشير لوقا (لو 4: 18) أنه هو بالذات المعني بكلمة عليّ والذي تمت فيه هذه الكلمات.

في الآية الثانية هناك إعلان جلي عن الإبن وعن الآب، كما شرحنا سابقاً، وإعلان ضمني عن الروح القدس. لأن الله الآب قد مسح الله الإبن عند تجسده بالروح القدس (أنظر اع 10: 38)، كما رأينا في الآية الأولى، وبالتالي فكلمة زيت الإبتهاج تعني ضمناً الروح القدس، لأن المسح لم يتم بزيت مادي بل بالروح القدس منذ لحظة تجسده (لو 1: 35، يو 3: 34) أكثر بما لا يقاس من جميع رفقائه في الطبيعة البشرية التي قَبِل أن يتخذ. ولهذا السبب فهو المسيح أي ممسوح الروح القدس بالمعنى المطلق للكلمة.

الآية الثالثة تذكر الأقانيم الثلاثة معاً من خلال اشتراكهم في الخلق. لأن الرب أي الآب قد خلق السموات وكل جنودها بواسطة كلمته أي الإبن (أنظر ام 30: 4، يو 1: 2، كولو 1: 16 – 17) وبمشاركة روح فمه أي الروح القدس (أنظر أيوب 33: 4، مز 104: 30).

لا تختلف الآية الرابعة كثيراً عن الآية الثالثة، لأن كلمة روحك تشير الى روح الآب أي الى الروح القدس. أما “وجهك” فقد وجدنا سابقاً أنها تشير بشكل خاص الى الملاك غير المخلوق الذي كان يظهر في العهد القديم والذي هو الكلمة أو الإبن (أنظر خر 23: 20 – 23و 33: 12 – 17).

د – تكلم الله بصيغة الجمع:

  1. “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26).
  2. “وقال الرب الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر” (تك 3: 22).
  3. “وقال الرب هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم…” (تك 11: 6 – 7).
  4. “ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا” (اش 6: 8).

في هذه الآيات الأربع ظاهرة غريبة إذ يقدّم الرب الإله متحدثاً بصيغة المفرد “وقال الله” ومع ذلك يستعمل في حديثه صيغة الجمع.

أوريجنس يرى كما اليهود بأن الله يتكلم هنا مع الملائكة لكن هذا الرأي لا يثبت أمام النقد الصحيح. لأن الملائكة لا يمكن أن يوضعوا في مستوى واحد مع الله، فمثلاً في الآية الأولى يصبح الملائكة شركاء لله ليس فقط في الصورة والشبه بل وفي المشيئة والخلق، وهذا ما يجعلهم متمتعين بالصفات الإلهية وبالتالي بالجوهر الإلهي ذاته مما يتناقض جذرياً مع الإعلان الإلهي (أنظر عبر 1: 5 – 14).

كذلك لا تثبت الفكرة القائلة بأن الله يتكلم في هذه الآيات بصيغة جمع التعظيم، لأن هذه الصيغة، بشهادة الكتب العهد القديم، لم تكن معروفة عند الأقدمين. فلا الله استعملها عند مخاطبته للبشر (أنظر مثلا تك15: 1 – 18، خر3: 4 – 21، دا2: 5 – 9) والحقيقة أننا إذا تمعنا في هذه الآيات الأربع نجد أن القاسم المشترك بينهما هو مشورة بين عدة أشخاص (أقانيم)، قبل الإقدام على عمل ما. وهؤلاء الأشخاص قائمون في الله ذاته. لأن أفعال الله توضع في صيغة المفرد ليس فقط قبل المباشرة بالعمل بل وأثناءه وبعده (أنظر تك1: 27 – 31، 3: 23، 11: 8 – 9) مما يدل على وحدة جوهر الله رغم تعدد أقانيمه وبالطبع فهذا التفسير المسيحي يعوزه البرهان الأكيد، إذا أخذت هذه الآيات الأربعة لوحدها. لكننا إذا نظرنا إليها على ضوء ما تقدّم من آيات وشروحات فسنجد أنها تتناغم وتتآزر جميعاً ضمن مفهوم ثالوثي واضح. مكونة أشعة نور السحر الذي يسبق إنبلاج ضياء شمس الثالوث المقدّس في العهد الجديد.

Leave a Reply