الكنيسة بين الانحطاط والنهضة

الأرشمندريت توما بيطار

من نقاط على الحروف، العدد التاسع والعشرون– الأحد 27 تشرين الثاني 2005

ثمّة أوقات، في تاريخ الكنيسة، ينحطّ فيها حال المؤمنين، في هذا المكان أو ذاك. أحياناً سراج الكنيسة عرضة لأن ينطفئ! بلى، ثمّة مواطن كانت الكنيسة فيها عامرة بالبركات السمائيّة، في الماضي، ثمّ… خبت. لا ضمانة في أن تستمرّ الأرثوذكسيّة هنا أو هناك. الأمر رهن لا بنعمة الله وحدها بل باقتبال المؤمنين وتعاونهم معها أيضاً. أحياناً تنحطّ كنيسة ما حتى لا يبقى مما عمر فيها، يوماً، سوى الأوابد. وأحياناً أخرى تعود الكنيسة عينها لتنهض من سباتها إلى قيامة تتفجَّر ماء حيّاً من جديد.

أنطاكية ليست شواذاً. هنا، أيضاً، الأرثوذكسيّة معرّضة للأفول! استمرارها، عندنا، إلى اليوم، ليس ضمانة لاستمرارها في المستقبل. والأرثوذكسيّة تأفل، هنا، إذا ما تعاطاها المؤمنون، أو المسمَّون على الإيمان، بخفّة. فلأن الأرثوذكسيّة هي عطيّة الله بامتياز، وهي ولا أثمن، فقد كانت، في كل زمن، مستهدَفَة ومهدَّدَة. من هنا أنّه دائماً ما كان لثباتها، في الماضي، ثمن باهظ: جمّ من دم الشهداء وآلام المعترفين يحكي ويمدّ فداء المخلِّص. وثمن ثبات الأرثوذكسيّة باق هو إيّاه إلى قيام الساعة!

الكنيسة بين النهضة والانحطاط لها سماتها وبها تُعرَف حالُها. وثمّة ما بإمكاننا أن نستطلعه في الصفحات الداكنة أو المشرِقَة لتاريخ الكنيسة والمدوّنات التراثية. دونك بعض تيّارات المياه الجوفيّة الوجدانية في الكنيسة:

*  كنيسة النهضة هي كنيسة أخيرية (eschatological) الطابع. كل تفصيل فيها أخيري المنحى، العين الداخلية للمؤمنين فيها إلى هناك وكذا كل اهتمامهم وسعيهم. هذا فيما كنيسة الانحطاط، في عمقها، كنيسة دهرية، العين الداخلية للناس فيها على ما هو ههنا، وكذا جلّ اهتمامهم وسعيهم. من هنا أنّ الروحيات فيها هي، في الحقيقة، نفسانيات. بلى، تتكلّم كنيسة الانحطاط على الدهر الآتي لكن هاجسها ليس فيه بل في الدهر الحاضر، والإلهيات تتعاطاها، بخاصة، كشعارات، فيما همّها هو تحقيق مرام ومكاسب، باسم الله، من هذا الدهر: طائفة، مؤسّسات، غنى، قوّة، تنظيم، خدمات… كنيسة الانحطاط لا تختلف، في توجّهاتها الدينيّة العميقة، عن معظم الديانات الأخرى أو المؤسّسات الاجتماعية في هذا الدهر. مؤشّر النهضة، في أزمنة الشدّة، كان، أبداً، الشهداء والمعترفين، وفي أزمنة اليُسر النسّاك والرهابين. أمّا علامة الانحطاط فكانت، في كل حال، طغيان الاهتمامات الطقوسية والسياسية… والكلامية!

*  كنيسة النهضة كنيسةٌ الهمُّ فيها أن يلد الكبارُ الصغارَ في المسيح وأن يخدم فيها الأوّلون مَن هم أقل خبرة منهم للخلاص. فيها يسوق الشيوخُ أنفسَهم قدوة تمثّلاً لسيرة مَن قال: “تعلّموا مّني فإنّي وديع ومتواضع القلب”. لأنّهم سلكوا في الفقر الطوعي يُقامون مدبّرين لكنيسة المسيح. لأنّهم تمرّسوا في جهاد العفّة، يُقامون معلّمين. لأنّهم غسلوا أقدام الزناة والعشّارين والتهبوا لخلاص العباد يُقامون رعاة. لأنّهم بكوا خطاياهم وذاب لحمانهم نسكاً وسهراً وصارت ركبهم كركب الجمال قسوة من الصلاة والسجود يُقامون مقدِّسين لشعب الله. أمّا كنيسة الانحطاط فكنيسةٌ صغارها مستعبَدون لكبارها ويحتقر رؤساؤها مرؤوسيهم. يحبّون أن يناديهم الناس “سيّدي، سيّدي”، لذلك يربّونهم، من حيث يدرون ولا يدرون، على الممالقة والمداهنة. لأنّهم درسوا أعمال القدّيسين وبات بإمكانهم الكلام عليها واستنباط الأفكار يُقامون معلِّمين. لأنّهم نالوا الشهادات في علوم النفس والإدارة والاجتماع يُقامون رعاة. لأنّهم يتقنون أداء الطقوس وأصواتهم رنّانة يُقامون مقدِّسين لشعب الله. في كنيسة النهضة يحاذر الناس الأسقفيّة لأنّهم عارفون، في أعماقهم، أنّهم أوهى من أن يسوسوا شعب الله ويخافون دينونة العليّ. وفي كنيسة الانحطاط يستميتون ليصيروا رؤساء الشعب التماساً للرفعة والسيادة بين الناس باسم الله.

*  كنيسة النهضة كنيسةٌ العقيدةُ فيها روح وحياة. لأنّ المؤمنين يحيَون في الروح والحق يعرفون عقيدة الكنيسة أنّها الحقّ وأنّها من روح الله في كلام الناس. لذلك يبذلون أنفسهم ولا يفرّطون بها. عندهم أنّها إيقونة تدبير الله الخلاصي لهم ورسمٌ لوجدانهم في المسيح. معيار النهضة خضوع المؤمنين، الكبار كالصغار، سواء بسواء، للشرع الكنسي. كائناً مَن كان المخالِف يُلاحَق. ولا تستكين الكنيسة حتى يُوضَع حدّ للتجاوز لئلا تستحيل المخالفة قاعدة وتُمسي الموبقات ميسّرة ويتعرّض الضعفاء للتجربة ونفوسٌ كثيرةٌ للهلاك. هكذا تَحفظ الكنيسة وحدتها في الحقّ. أمّا كنيسة الانحطاط فكنيسةٌ العقيدةُ فيها صيغة كلامية من استنساب الناس. لذلك يتعاطونها كفكر. يؤوّلونها ويفسّرونها وفق ما توحي لهم به آراؤهم وقناعاتهم الخاصة. أمّا الشرع الكنسي، في كنيسة الانحطاط، فأداة بين أيدي الرؤساء، يحرّكونها ساعة يشاؤون ويغضّون عنها الطرف ساعة لا توافق مراميهم. الشرع الكنسي، في كنيسة الانحطاط، قضيب لتأديب الضعفاء والصغار فيما يقيم الأقوياء والكبار والمحظيّون فوق القوانين يخالفونها ولا مَن يطالبهم. وإن طولبوا استخفّوا وهدّدوا ولا يسمعون لأنّهم في موقع المتجاوز والحاكم المتسلّط معاً. والنتيجة تكون أنّه من سهولة مطالعة المخالفة يُصاب الشعب باللاحسّ ويسقط في اللامبالاة. إذ ذاك تموت فيه العقيدة روحاً وحياة وتمسي جملة شعارات صمّاء!

الكثير من معالم الانحطاط غلاّب، اليوم، في أنطاكية. الخشية الخشية أن يكون أعظم الإحساس بالحقّ بيننا قد تخدّر، وتوزّع الأكثرون فِرقاً ينهش بعضها بعضاً، كلٌّ لغرض في نفسه، وأمست الوحدة صوناً لتوازنٍ ما بين المتناهشين واللامبالين حفظاً للشكل. الخشية الخشية أن تكون تيّارات مياهنا الجوفية قد أضحت متباينة فلم يعد لنا وجدان واحد هو وجدان الكنيسة التراثية. هذا إن فقدناه خرجنا من شركة البيعة. لذلك لا حفظ لوحدة الكنيسة بيننا ولا شركة لنا فيها إلاّ بالسلوك في حقّ الإنجيل والشهادة للحقّ. وهذا اليوم لا يتسنّى إلاّ بالشهداء والمعترفين! ألا زال هناك، بعد، مجانين يسلكون في أخيرية الكنيسة ويقمعون أنفسهم وأجسادهم من أجل الله ويصونون الإيمان القويم ويوقّرون الشرع الكنسي، إذاً لكان لأنطاكية نصيب اليوم في القيامة! هؤلاء، اليوم، مطالَبون لا فقط باجتناب الاشتراك في أعمال الظلمة بل بالتوبيخ عليها أيضاً! هؤلاء، اليوم، هم المؤتمَنون على وحدة الكنيسة، في الحقّ، حتى لا يموت الحقّ بيننا وحتى يُطلَّ، على أنطاكية، فجر النهضة… من جديد!

Leave a Reply