ظلام الليل

المتقدّم في الكهنة جورج فلوروفسكي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

المفارقة في وجود الشر

في عالم خلقه الله وحدّدت الحكمة والصلاح الإلهيان قوانينه وأهدافه، كيف يمكن للشر أن يكون؟ فالشر هو تحديداً ما يضع نفسه في وجه الله ويقاومه مفسداً مخططاته ورافضاً أوامره. إلى هذا، فالشر هو ما ليس مخلوقاً من الله. وبما أن الإرادة الإلهية توجِد أسباب كلِّ ما هو كائن (وهذه الإرادة المطلقة وحدها هي ما يوجِد الأسباب الكافية)، يمكن التأكيد على أن الشرّ، كشرّ، موجود بالرغم من افتقاره للأسباب، لا بل هو كائن بدون أي سبب لوجوده. كما قال القديس غريغوريوس النيصّي: إن الشر هو “عشبة غير مبذورة، بدون بذار ولا جذور”. الله وحده هو مَن يضع أساس العالم.

بالتأكيد، هناك دائماً وفي كل مكان أسباب ودواعٍ للشر. لكن سببية الشر خصوصيةّ جداً. فأسباب الشرّ ودواعيه هي دائماً شيء سخيف محجوب إلى حد ما. هذه السببية الغريبة ليست من ضمن “السلسلة” المثالية في سببية الله الكونية؛ إنها تنشقّ عنها وتشوّهها. إنّها سببية تنافس سببية الخالق، وتأتي كما هي من مخرّب العالم. وهذه القوة التخريبية، من أين تأتي؟ فالله هو صاحب كل قوة حقيقية. يتساءل المرء ما إذا كان وجود الشر يتناغم مع وجود الله. ومع ذلك، هذه القوة غير الشرعية ليست أبداً طيفاً فاقد الحيوية. إنّها قوة حقيقية وطاقة عنيفة. إن معارضة الشر لله فاعلة جداً. ثورة الشر تقيّد الخير وتقمعه. الله نفسه مشغول في صراع مع قوى الظلام هذه. وفي هذا الصراع هناك خسائر حقيقية، ونقصان مستمر للخير. الشر هو خطر وجودي. التناغم الكوني، الذي يريده الله ويؤسسه، ينحلّ فعلياً. العالم يسقط. كل العالم محاط بشَفَق كئيب من العدم. لم يعد الكون فكرة وخليقة لله. هناك ابتكارات مَرَضية، وجودات جديدة، وجودات كاذبة لكن حقيقية. يضيف الشر شيئاً ما إلى خلق الله، له قوة “خارقة” في تقليد الخلق، وبالحقيقة الشر مثمر في قواه المهلكة. في العالم الساقط هناك فائض غير مفهوم، فائض دخل إلى الوجود ضد إرادة الله. بمعنى ما، العالم مسروق من سيده وخالقه.

المفارقة أكثر من فكرية، إنّها بالأحرى فضيحة وتجربة رهيبة للإيمان، إذ قبل كل شيء، يتعذّر إصلاح هذا التدمير الوجودي الناتج عن الشر. ممنوع الأمل “الكوني” المتغطرس، بشهادة الكتاب المقدس المباشرة وتعليم الكنيسة المعلَن. سوف يكون هناك ظلمة خارجية “لأبناء الهلاك” في العالم الآتي! في حال المثابرة على الشر، كل الخراب والضلالات الناتجة عنه سوف تحفظ ذاتها إلى الأبد في أبدية الجحيم غير المنطقية. الجحيم هو هوة مظلِمة من قوة الشر المذهلة. في الحساب الأخير للصراع بين الخير الإلهي والشر، كل الخراب المتطاول بين الكائنات غير التائبة سوف يُعتَرَف به بحكم الإدانة النهائي البسيط. الانشقاق الشرير الذي أُدخِل إلى العالم بعمل من القوة الاغتصابية للسلطة، يبدو أبدياً. تتعرّض وحدة العالم للخطر إلى الأبد. يبدو الشر وكأنّه صاحب فتوحات أبدية. عناد الشرّ، تصميمه على عدم التوبة، لا تغطيهما القدرة الكلية لحنان الله. هكذا نكون فعلياً في عالم غامض بالكامل.

وجود الشر كسرّ

لله ردّه على عالم الشرّ. يقول القديس إيريناوس أن قانون الحرية البشرية القديم ما يزال مُحترماً عند الله الذي منح، منذ البداية، هذه الكرامة للكائنات الروحية. كل إكراه أو قهر مستثنى من الإمكانية عند النعمة الإلهية. لقد ردّ الله على الشر بسلطان، ومرة واحدة، من خلال ابنه الوحيد، الذي نزل إلى الأرض ليحمل خطايا العالم وآثام كل البشرية. ردُّ الله المطلَق على الشر كان صليب يسوع، آلام عبد الله، موت الابن المتجسّد. قال أحد معلمي القرن التاسع عشر الروس أن “الشرّ يبدأ على الأرض، لكنه يقلق السماء، ويستدعي نزول ابن الله على الأرض”. الشرّ يسبب الألم لله نفسه، وهو قد قَبِل هذا الألم إلى النهاية. ومن قبر الإله المتجسّد يشرق مجد الحياة الأبدية ظافراً. آلام المسيح كانت انتصاراً وظَفَراً حاسماً. لكنها ظفر للمحبة الإلهية التي تدعو وتتقبّل من دون أي قهر. ابتداءً من ذلك الوقت، صار وجود الشر محدداً عندنا ضمن هذا الإطار من محبة الله المشارِكة في الألم. والمحبة الإلهية، وحتّى جلاله الأسمى، ينكشفان لنا ضمن إطار مبهَم من الشر والخير.

يحدد البعض الشرّ على أنّه اللاوجود. بالطبع لم يكن الشر موجوداً بذاته، بل فقط في داخل الخير. الشر هو رفض خالص، حرمان أو بتر. من دون شك، الشرّ هو عوز وخلل. لكن في الواقع، بنية الشر تناقضية. الشر هو فراغ من العدم، لكنه فراغ موجود يبتلع الكائنات ويفترسها. الشر هو انعدام القدرة، لا يبتدع أبداً، لكن طاقته التخريبية هائلة. لا يرتفع الشر أبداً، بل هو ينزل دائماً، والحطّ من قيمة الكائنات الذي ينتجه مرعِب. ومع ذلك، هناك فخامة وهمية حتى في دناءة الشر هذه. ظرفياً هناك شيء من العبقرية في الخطيئة والشر. الشر تشويش، انفصال، انحلال دائم التقدّم، وإفساد لمجمل البنية الكيانية. ولكن من دون شك، الشر منظَّم بقوة أيضاً. كل شيء في هذا الحقل البائس من الخديعة والوهم مبهَم وغامض. بلا شك، يعيش الشر فقط من خلال الخير الذي يمسخه، إذ يكيّفه أيضاً على حاجاته. لكنّ هذا “الكون” المشوّه هو حقيقة تؤكّد ذاتها.

بالحقيقة، مسألة الشر ليست أبداً مسألة محض فلسفية، ولهذا لا يمكن حلّها أبداً على المستوى الحيادي لنظرية الكيان. كما أنّها ليست أبداً مسألة محض أخلاقية، ولا يستطيع الإنسان أن يتخطّّى ترابط الخير والشر على مستوى الأخلاقية الطبيعية. تأخذ مسألة الشر صفتها المناسبة فقط على المستوى الديني. معنى الشر هو معارضة جذرية لله، ثورة، عصيان ومقاومة. مصدر الشر الوحيد، بالمعنى الدقيق للكلمة، هو الخطيئة، مقاومة الله والانفصال المأساوي عنه. التأمّل في حرية الخيار هو دائماً عقيم ومبهَم. حرية الخيار، أي الحرية الصغرى عند أوغسطين أو إرادة الحكم عند القديس مكسيموس المعترف هي حرية مشوّهة، حرية ناقصة ومفتقرة، حرية ما بعد السقوط الموجودة بين الكائنات الساقطة. إن ازدواجية الهدف والاتجاه المتلازمين ليست من جوهر الحرية الأصلية عند الكائنات البريئة. لذا ينبغي استعادتها عند الخطأة التائبين من خلال النسك والنعمة. الخطيئة الأصلية لم تكن مجرّد اختيار غير صحيح، ولا مجرد خيار في الاتجاه الخطأ، بل كانت بالأحرى رفض للصعود نحو الله وتخلٍّ عن خدمته.

بالحقيقة، لم يكن الخيار على هذا الشكل ممكناً عند الخاطئ الأول لأن الشر لم يكن قد تواجد بعد كإمكانية مثالية. ومع ذلك حتى ولو كان خياراً، فلم يكن خياراً بين الخير والشر بل فقط خيار بين الله وذاته، بين الخدمة والكسل. وبهذا المعنى بالتحديد، فسّر القديس أثناسيوس الكبير السقوط والخطيئة الأصلية في عمله “ضد الوثنيين”. إن دعوة الإنسان البدائي المتأصلة في طبيعته الذاتية كانت أن يحبّ الله بتفانٍ بنوي وأن يخدمه في العالم الذي فيه اختير الإنسان لأن يكون نبياً وكاهناً وملكاً. هذه كانت مناشدةً من محبة الله الأبوية إلى محبة الإنسان البنوية. بلا شكّ، تضمن اتّباع الله خضوعاً كاملاً للذراع الإلهي. هذا لم يكن بعد تضحية. لم يكن على الإنسان البريء أن يضحّي، لأن كلّ ما كان لديه كان من النعمة الإلهية. (هنا يوجد شيء أكثر عمقاً من تعلّق شهواني بالعالم). إنه بالأحرى مأساة حب مضلَّل. بحسب القديس أثناسيوس، تتكوّن السقطة البشرية، بالتحديد، من حقيقة أن الإنسان يحدّ نفسه بنفسه، وأن الإنسان يقع، كما هو، في محبة ذاته. من خلال هذا التركيز على ذاته، فصل الإنسان نفسه عن الله، وكسر الاتصال الروحي الحرّ معه. لقد كان نوعاً من الانفعال والاستحواذ الشهواني للذات والنرجسية الروحية. ومن خلال هذا، عزل الإنسان نفسه عن الله وسريعاً صار عارفاً بتورطه في الجريان الكوني الخارجي. يمكن القول أن هذا كان نزعاً (de-spiritualization) للروح عن الوجود البشري. كل الباقي، الموت وتحلّل البنية البشرية، أتى كنتيجة. في أي حال، السقوط تحقق أولاً في عالم الروح، تماماً كما سبق له أن كان في عالم الملائكة. معنى الخطيئة الأصلية هو نفسه في كل مكان: شهوة الذات، العجب والغرور. كل الباقي هو مجرّد إسقاط لهذه الكارثة الروحية على مختلف مجالات البنية البشرية. يأتي الشرّ من فوق، وليس من أسفل؛ من الروح المخلوقة وليس من المادة. إنّه أكثر عمقاً من اختيار خاطئ للاتجاه، أكثر عمقاً حتّى من الاختيار بين خير أدنى أو خير أرفع. الأصح هو أنّها كانت خيانة المحبة، أي الانفصال غير العاقل عن الوحيد الذي يستحقّ المحبة والتعلّق. هذه الخيانة هي المصدر الأساسي للصفة السلبية للشرّ. لقد كانت إنكاراً بدائياً وحاسماً.

من الضروري الحذر في عدم مساواة عجز الطبيعة الساقطة بعدم الكمال المتأصّل في كل الطبيعة المخلوقة. ليس في عدم الكمال الطبيعي للطبيعة المخلوقة أيّ مرض أو أيّ شر ما خلا أنّها مختَرَقة من فوق بعد السقوط الكامل. في طبيعة ما قبل السقوط، يمكن الكلام عن النقص والعيوب. لكن في العالم الساقط هناك أكثر من ذلك: انحراف، عصيان، تجديف مدوّخ، واغتصاب. إنّه ميدان اغتصاب المُلْك. المدّ المظلِم لهذا الحبّ الفاسد يلفّ كل الخلائق والكون بأكمله. خلف كل سلبيات الشرّ يمكن دائما أن نميّز شيئاً ذا ظاهر إيجابي، تحرراً أولياً، واعتباطية أنانية للوجود الشخصي المحدود. العالم الساقط بلا مركز، أو بالأحرى، موجّه نحو مركز خيالي أو زائف. يمكن القول أنّه ربما هذه الدائرة (ذات المركز الوحيد) تشوّهت، وصارت قطعاً ناقصاً (بيضاوي الشكل) ذا نقطتي إسناد: الله وضد الله. الكائن، في كل الأحوال، مقسوم إلى اثنين بشكل ديناميكي. هناك الآن نزعتان متشابكتان تقاطعان إحداها الأخرى، فيما تبقيان جوهرياً مختلفتين. يمكن القول بأنّ هناك عالمين في داخل الإنسان. هناك مدينتان. الشر، إذ يبدأ بإلحاد عملي، يضع نفسه مكان الله، منتِجاً إلحاداً نظرياً وبالنتيجة مؤدّياً إلى تأليه وطيد العزم للذات. ليس في هذا العالم المزدوج حرية حقيقية. حرية الخيار هي مجرّد انعكاس منعزل وباهت للحرية الحقيقية.

يُخلق الشرّ من عوامل شخصية. الشرّ، بالمعنى الضيّق للكلمة، موجود فقط في الأشخاص أو في ما يخلقون أو يفعلون. الشرّ الكوني والمادي ينشأ أيضاً من هذه الأعمال الشخصية. ولهذا السبب للشرّ قوة ولهذا يمكن أن يكون فاعلاً. فالشرّ هو نشاط شخصي منحرف. لكن هذا النشاط ينشر نفسه بشكل لا يمكن تلافيه إلى ما هو غير ذاتي. الشر يرفع الشخصانية عن الشخصية ذاتها. مع هذا، لا يمكن تحقيق رفع الشخصانية (de-personalization) الكامل إذ هناك حدّ موجود بالقوّة لا يمكن بلوغه. حتى الشياطين لا تنقطع عن كونها أشخاصاً. إنّه الشكل الفعلي لوجودهم والذي لا يمكن فقدانه. لكن، بما أن الشخصية هي صورة الله في الكائنات الروحية، يمكن حفظ الصفة الشخصية فقط في الاتصال الثابت مع الله. عندما تنعزل الشخصية عن الله تتلاشى وتُصاب بالعقم الروحي. الشخصية المنعزلة عن الله والتي تغلق على نفسها في نفسها، تخسر نفسها. في حالة الخطيئة هناك دوماً توتر بين الإغوائَين الداخليين: “الأنا” وشيء ما غير شخصي، يتمثّل بالغرائز، أو على الأصحّ بالأهواء.

الأهواء هي مكان الشر، أو كرسيه في الكائن البشري. بحسب الآباء ومعلمي الروحانية، الأهواء ناشطة وهي توقع في الفخ. الشخص الذي تسيطر عليه الأهواء يكون سلبياً يعاني من الارتباك. الأهواء دوماً لا تتأثّر بالشعور الشخصي، إنّها كتلة مركّزة من القوى الكونية التي تجعل الكائن البشري سجينَها وعبدَها. إنها عمياء وتُعمي الذي تسيطر عليه. رجل الأهواء لا يعمل من ذاته بل بالأحرى يُعمَل به. فغالباً ما يفقد حتى الوعي بأنه عامل حرّ، ويشكّ بوجود الحرية وإمكانيتها بشكل عام. إنّه يتبنّى مفهوم “الضرورة” للواقع (بحسب تعبير شارل رونوفييه). وبالنتيجة، بفقده شخصيته وهويته الذاتية، يصير شديد التشوّش ومتعدد الوجوه، أو الأقنعة على الأصحّ. رجل الأهواء ليس حراً أبداً، مع أنّه يعطي انطباعاً بالنشاط والحيوية. ليس أكثر من كرة بيَدِ التأثيرات غير الشخصية. إنّه منوَّم مغناطيسياً بهذه التأثيرات التي عندها سلطة حقيقية عليه. الاعتباطية ليست حرية. لربما هي حرية خيالية تولّد بالحقيقة الاستعباد. في الحياة الروحية، نحن نبدأ تحديداً بصراع ضد الأهواء. اللاهوى هو الهدف الأساسي للتقدم الروحي.

بالإجمال، فهم اليونان اللاهوى وفسّروه بشكل ضعيف. اللاهوى ليس عدم الاهتمام، ولا هو عدم حساسية باردة في القلب. على العكس، إنّه حالة من النشاط، حالة نشاط روحي، تُكتَسَب فقط بعد جهادات ومحن. إنّها تحرّرٌ من الأهواء. كل شخص يستعيد “الأنا” خاصته متحرراً من الأسر القاتل. لكن الإنسان يستطيع استعادة نفسه فقط في الله. يمكن تحقيق اللاهوى الحقيقي فقط في اللقاء مع الإله الحي. الطريق المؤدية إليه هي طريق الطاعة، وحتى العبودية لله. لكن هذه العبودية تولّد الحرية الحقيقية: حرية ملموسة، حرية أبنا الله الحقيقية. في الشر، تُمتَصّ الشخصية البشرية في بيئة غير شخصية. حتى الخاطئ قد يتظاهر بأنه حرّ. في الله، تُستعاد الشخصية ويُعاد تكاملها بالروح القدس، بالرغم من فرض نظام قاسٍ على الإنسان.

أوّل ما يُكشَف لنا الشر في العالم بصورة الألم والحزن. العالم فارغ بارد ولامبالٍ. إنّه أرض قاحلة لا تستجيب. جميعنا نتألّم بسبب الشر. الشر، مزروعاً في كل مكان من العالم، يسبّب لنا الألم. وتأمّل هذا العالم المتألّم يقودنا أحياناً إلى حافة اليأس. ليس شوبنهاور أوّل مَن اكتشف الألم العالمي. لقد سبق للرسول بولس أن اختبره (روما 20:8-22)، وهو يعطينا تفسيراً واضحاً جداً: دخل الشر إلى الخليقة بالخطيئة. كل الخليقة تتألّم. هناك ألم كوني. كل العالم مسمَّم بالقوى الشريرة الحاقدة، وكل العالم يتألّم من هذا.

حقيقة الألم هذه هي ما أوحى بمسألة Theodicy المعقدة. لقد كانت أحد أوائل الأسلة عند دوستويفسكي. العالم صعب قاسٍ وبلا رحمة. والعالم مرعب رهيب. هناك تشوّش في العالم، هناك عواصف سرية، وفوضى جوهرية. يحسّ الإنسان نفسه ضعيفاً وتائها في عالم قاسٍ. لكن الشر لا يلاقينا فقط خارجياً، في بيئة خارجية، بل أيضا داخلياً، في وجودنا بالذات. نحن أيضاً مرضى ونتألّم لذلك. هنا أيضاً اكتشاف غير متوقّع، فنحن لا نتألّم فقط من الشر، بل نصنع الشر. وأحياناً يُسَرّ الإنسان بالشر والأسى، أحياناً يبتهج بأزهار الألم، ويحلم أحياناً بمثال سدوم. للهاوية فتنة مظلمة. أحيانا نحن نحب الخيارات المبهَمة، وقد نُفتَن بها. إن صنع الشر أسهل من صنع الخير. يمكن لأيّ كان أن يكتشف في ذاته هذه الظلمة “الخفية”، اللاوعي المليء بالبذور الخبيثة، المملوء قسوة وخديعة. واحسرتاه، تحليل دوستويفسكي وكثيرين غيره، ليس أحلاماً مَرَضية لمتشائم ينظر إلى الحياة بنظارات سوداء. إنّه كشف صادق للواقع البائس لوضعنا الوجودي. يمكن أن نجد نفس الأمور عند معلمي الروحانية المسيحية الأوائل. هناك اهتياج، حمى روحية، طاقة انفعالية (libido) في مركز هذا العالم، في صميم وجودنا. لا يمكن للإنسان أن يسأل المجنون أو الممسوس عن سبب حماقته، فهو قد فقد المنطق، لم يعد سويّاً.

لقد كان أوريجنس قريباً من الحلّ الصحيح عندما عزا مصدر الشر، في عالم الأرواح، إمّا إلى الضجر أو إلى الكسل، أو إلى تخمة من المعاينة الإلهية والمحبة. الآن، في أي حال، بالنسبة لنا، نجد في قلبنا وعقلنا انبعاثات كثيرة لنفس التشنجات الانفعالية، لنفس السخافات. القوة الانفعالية ليست نفس الرغبة الشهوانية. إنّها عبارة أوسع. إنها مرادف اشتهاء الذات الصادر من الخطيئة. الشرّ في الإنسان هو جهل وعدم تحسس، إنّه عمى للمنطق وقساوة للقلب. يختم الإنسان نفسه، يحبس ذاته بذاته، يعزل نفسه ويفصلها. لكن الشر متعدد الأشكال ومشوّش.

هناك أشكال متضاربة من الشر: الشكل العدواني، السادي، والشكل solipsistic اللامبالاة، القلب البارد. الشر مقسوم على ذاته: إنّه تنافر ولا انسجام. الشر مبهم، متذبذب، ومتغيّر، ليس له صفة الذاتية. مقر الشر في الإنسان هو أعماق القلب، وليس فقط على المستوى التجريبي. الطبيعة نفسها متأثرة. فهي لم تعد أبداً طاهرة. الشر هو بالأصح نشاط أو انحراف فعّال ليس مدموجاً بعد بالتحوّل الماورائي. إن وجود الشر وجودٌ طفيلي، الشر يعيش بسبب الخير. العناصر هي نفسها في العالم الأصلي وفي العالم الساقط، لكن مبدأ التنظيم تغيّر. ومع أنّه فعّال، فالانحراف غير قابل للتحويل. مَن نزل طوعياً إلى هوة الشر لا يستطيع أن يصعد من جديد لوحده، فقواه منهكة. من دون شك، حتى في العالم الشيطاني، تبقى الخليقة عمل الله ولا تُمحى سمات التصميم الإلهي. صورة الله، التي أظلمها عدم الإخلاص في الخطيئة، ما زالت محفوظة سليمة، ولهذا السبب يوجد دائماً، حتى في الهاوية، إناء وجودي للدعوة الإلهية ولنعمة الله. هذا صحيح حتى مع الذين أغلقوا على نفسهم بعناد أمام دعوة الصليب، الذين جعلوا أنفسهم دوماً عاجزين عن تلقي مواهب المحبة الإلهية المحيية، مواهب المعزي. لم تفسد الهوية الماورائية حتى عند الشياطين، فالطبيعة والكرامة الملائكيتان ليستا ملغاتين بالكلية فيهم، بحسب القديس غريغوريوس النيصّي.

لكن ربّما يمكننا القول بأنّ صورة لله هذه في الإنسان قد شُلَّت في بعض الحالات وجُعلَت غير فعّالة بعد الانفصال عن الواحد الذي ينبغي دوماً إظهاره في هذه الصورة، في هذه المرآة الحيّة الذاتية. لا يكفي أن نبدأ مجدداً بالصعود إلى الله، ينبغي امتلاك التعاون الإلهي الحيّ بذاته لأنه يعيد جريان الحياة الروحية في الإنسان الميت، المستعبَد والمصعوق في الخطيئة والشر. إن مفارقة الشر تكمن بالتحديد في هذا الانشطار في الوجود البشري وفي كل البنية الكونية. إنّها تكمن في التقسيم الديناميكي للحياة إلى اثنين، الانقسام الناتج عن انفصال الإنسان عن الله. إنّه وكأنّ هناك نفسَين دخل كلّ شخص. الخير والشر يختلطان بشكل غريب. لكن أيّ توليف ليس ممكناً. الخير “الطبيعي” أضعف من أن يقاوم الشر، والشر لا يوجد إلاّ عِبر الخير. الوحدة البشرية معرضة للخطر على نحو جدي، إن لم تكن مفقودة. نعمة الله وحدها هي القادرة على تخطي هذا المأزق البشري.

هذا التحليل للشر ليس كافياً. إن وجود الشر هو حقيقة على المستوى الديني. وفقط من خلال المجهود الروحي يمكن للإنسان أن يفهَم هذه المفارقة ويحلّها، أن يتخطّى هذه الفضيحة، وأن يتغلغل في سر الخير والشر.

Leave a Reply