كلمة روحية تهيئة للصوم الكبير – الأرشمندريت افرام كرياكوس

كلمة روحية

تهيئة للصوم الكبير

الأرشمندريت افرام كرياكوس

 

طُلب مني أن ألقي هذه الكلمة تهيئة للصوم. وقد رأوا من المناسب أن تكون كلمة روحية توجيهية في بداية الموسم المبارك، الذي يبدأ بالخلوة السنويّة ويستمرّ فترة الصوم حتى نصل الى العيد المشرق بقيامة المسيح.

معاني الصوم – هدفه

هذه الكلمة الروحيّة التوجيهيّة سوف يتقبلّها البعض ويفهمونها، وقد لا يفهمها البعض، أو قد يرفضها البعض الآخر. وهذا شيء ممكن أن يكون مباركاً لأن الاشتراك في هذا الموسم الذي تحتضنه الكنيسة هو اشتراك اراديّ طوعيّ. واشتراك الانسان اراديّاً وبقناعته هو الذي يعطي الصوم قيمته. لذلك لا تفرض الكنيسة دائماً الصوم فرضاً بكلّ جوانبه.

سوف أتناول في القسم الأوّل بعض المعاني عن الصوم وفي القسم الثاني بعض التوجيهات العملية. معروف أنّ هذه الفترة هي فترة تنقية، فترة تطهير للجسد والنفس وهذا هو الجانب السلبيّ في الجهاد الروحيّ، أن يحارب الانسان أهواءه، أمّا الجانب الايجابيّ للصوم فهو في ما يتعلّق بشوقنا الى الله ومحبّتنا للقريب. هذا هو الوجه الايجابيّ المشرق. لأنّ الانسان يتعرّى ويحاول أن يتجرّد ولو في فترات قليلة من عمره من أهوائه، من بعض عاداته السيّئة، من أنانيّته. لكنّه مدعوّ أن يحيا حياة الشركة في المسيح القائم فينا بالروح القدس. هذا هو جوهر الموسم: أن يتحوّل الانسان، أن يريد تغيير نفسه، والكنيسة تساعده حتّى ينتقل من الهاجس الأرضيّ الى هاجس أسمى، روحيّ سماويّ. هل نريد هذا التحول؟ الصوم بجوانبه المختلفة يساعدنا لكي نقترب من الله، على حدّ قول القديس باسيليوس، ونقترب من القريب.

حسب ترتيب الكنيسة الطقسيّ في التهيئة، يمرّ الإنسان بخطوة التواضع، تواضع العشار “اللهم ارحمني انا الخاطئ” (لو13:18). لا بد من انكسار. والخطوة الثانية هي خطوة الابن الشاطر المأخوذ نموذجاً للتوبة والعودة الى الاحضان الأبوية أي الى أحضان شركة الكنيسة.

هناك جملة للقديس غريغوريوس بالاماس تقول: “عندما ينقطع شخص عن وفاق الشركة وعن طاعة المعلّمين الشرفاء يبتعد عن النظر الالهيّ” (أي عن النعمة الالهية التي تصونه). لذلك يسعى الانسان دائماً إلى أن يكون في شركة الكنيسة حتّى يصبح محروساً بالنعمة الالهية.

وإذا انتقلنا إلى مرحلة أخرى، مرحلة الدينونة والغفران نرى كما تعلمون أنّه سوف نحاسَب قبل كلّ شيء على المحبّة. أي إنّ الصوم في النهاية هو تعبير عن المحبّة. إذا كان جهادنا لا يُوصِل الى تعبير عمليّ عن محبّتنا لأخينا، لا يكون صومنا صوماً حقيقياً. وعليه، فالغفران هو أيضاً تعبير عن محبّتنا للقريب.

على كل حال يبقى الصوم في الكنيسة موضوع نقاش، أعني سؤالاً مفتوحاً، مجالاً مفتوحاً للاختبار لا يُسبر غوره.

كيف يكون الصوم الحقيقي؟

النصوص التي تختارها الكنيسة للتلاوة تكشف عن بعض النقاط الرئيسية للصوم الحقيقيّ. من يقرأ انجيل متى الذي يُتلى في أحد الغفران (مت6: 14-21) لا بد أن يلفت نظره طابع الخفية عندما يتكلم عن الاحسان، عن الصلاة وعن الصوم وتعلمون ان الثلاثة مترابطة كما يقول القدّيس باسيليوس: “الصوم هو مثل طير له جناحان: الصلاة والرحمة لا يستطيع أن يطير وان يحلّق بدون جناحيه”. ويضيف أنّ الصوم يعطي للصلاة قوة أكثر يزيدها حرارة وكذلك الرحمة.

إذاً هناك طابع الخفية كما ذكرت سابقاً. “فمتى صنعتَ صدقةً فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك لكي تكون صدقتك في الخفاء” (مت6: 3-4). “أنت متى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية” (مت6:6).

وطابع الخفية شيء مميّز. علينا أن لا ننساه. لذلك يقول “فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك ولا تكن كالمرائي” (6: 16-17).

الرب ينتقد قبل كل شيء المراءاة، الكذب، حبّ الظهور والمجد الباطل والشكليّات والواجبات والمظاهر البطّالة. لذلك المنفعة الرئيسية تبقى في الخفية. علاقتنا مع الربّ هي قبل كلّ شيء وآخر كلّ شيء في القلب “لأنكم قد مُتّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” (كول3:3).

وكذلك إشعيا النبّي يقول (58: 6-7): “أليس هذا هو الصوم الذي آثرته: حلُّ قيود النفاق وفك ربط النير وإطلاق المضبوطين أحراراً وكسر كلّ نير. أليس هو أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل البائسين المطرودين بيتك واذا رأيت العريان أن تكسوه وأن لا تتوارى عن لحمك”.

هذا ليُظهر أن هدف الصوم هو المحبّة. له طابع المحبّة وله طابع الشركة. إذا كان هذا هو الصوم الذي نريده، إذا أراد كلّ واحد منّا أن يتحوّل إلى هذا الوجه، ماذا يجب عليه أن يعمل؟

التطبيق العملي

هذا المعهد يعطي بعض الفرص، والفرصة الأولى هي الخلوة السنويّة. هل لها فائدة إذا أراد الطالب أن يستفيد؟ هل يجني من هذه الأيام القليلة ثمراً؟ هذا يعود إلى خبرتكم. تبقى على كلّ حال فرصة للاختبار. لأنّ الدروس تتوقّف ولا بدّ أن تتوقف في وقتٍ ما، أي لا بدّ للطالب أن يعيش أن يطبّق ما قد تعلّمه. ألإنسان المعاصر يريد أن يفهم كثيراً ويطبّق قليلاً. جئنا لندرس ونعرف لكن يجب ألاّ ننسى أنّ الغاية أيضاً هي في أن نطبّق آخراً. هي فرصة لكي يعود الانسان إلى ذاته ويقف أمام نفسه وأمام الله. إنْ أراد الواحد منّا رغم كلّ الصعوبات أن يصلّي ويقرأ ويتأمل ويشترك في الصلوات ويسمع الأحاديث، له الفرصة لذلك. على الأقلّ يكون قد كسر الروتين والنظام العاديّ. وله الفرصة أن يصمت. أيلزمنا دائماً أن نتكلم؟ هل لدينا فراغ حتّى نلجأ إلى الكلام لكي يسدّ فراغ حياتنا؟ والصمت ليس فقط عدم الكلام. الصمت الروحي هو أن نتيح لله أن يتكلّم فينا. أن نتدرّب على قراءة الكتاب المقدّس والكتب الروحيّة وسير القديسين على انفراد.

والفترة لا تقتصر على يومين او ثلاثة، لكنّها تمتدّ الى الموسم كلّه. فرصة ليجتهد الواحد الذي هو عضو في شركة الكنيسة لكي يصير إنساناً روحيّاً. أن يتدرّب كيف يعيش روحيّاً قبل أن يعظ الآخرين. كيف يمكن له أن يسعى لكي يفعل فيه روح الله لا الجسديّات.

ماذا يمكن لنا أن نفعل أيضاً؟

هل نشاهد التلفزيون في هذه الأيام؟ هل يعترف الطالب في هذه الفترة؟ هل يفيده الاعتراف؟ وكيف ولمن يعترف؟ وكيف نختبر هذا السر ونعيشه؟ قال مرة رئيس دير وهو يتكلم عن الطاعة والاعتراف:”إن سيرة الانسان العضو في الجماعة هي بمثابة اعتراف”. وقال أيضاً: “إن الطاعة لا تكون فقط لشخص الرئيس. انما الطاعة هي أيضاً للنظام المعمول به في الجماعة. اذا كان العضو يتقبل بتواضع النظام الموجود، اذا كان يتقبل الآخرين، يتقبل هذه الشركة التي سمح بها الرب لكي نعيش فيها لمجد الله لا لمجد أنفسنا، هذه النعمة الكبيرة إذا تقبلها يحصل على بركة كبيرة”.

هل نستطيع فعلاً أن نتغيّر؟ هل نريد أن نكتسب هذه الذهنيّة الجديدة؟ هل يريد الواحد أن يتمسّك بنفسه او نريد ان نصبح على شبه المسيح الذي قَبِل الكلّ: الأخيار والأشرار، الخطأة والصديقين؟ هل نريد أن يكون لنا هذا الحسّ الجديد؟ لماذا جئنا؟ لنتذوّق الحياة المشتركة التي هي هبة مجانيّة. هذا هو هدف الصوم. أن نكتسب هذه الذهنيّة الجديدة.

الخلاصة

إذا لمسنا تجدّداً في علاقاتنا بعضنا مع البعض ومع المسؤولين، نكتشف المسيح، ويُعْرَف المسيح. لا بد للواحد أن يكون له رؤية تطلّع الى اين يريد أن يصل. ونحن نتمسّك بهذه الرؤية الانجيلية ونريد أن نسخّر كلّ شيء لها، ولو اضطررنا أن نتخلّى عن أنفسنا. وما هي رسالة الكنيسة سوى أن تدربّنا على التخلّي عن الأنانية؟ إذا كان الصوم يعطينا فرصة لنخرج من أنفسنا ونلتقي بالآخر فأهلاً به. لذلك قال الربّ “إدهن رأسك واغسل وجهك لكي لا تظهر للناس عابساً”. هذا لكي يظهر النور على وجهك. المقصد هو أن نستنير مثل القدّيسين. لذلك نتمنى عليكم أن نحاول كلّنا اكتساب شيء مفيد في هذا الموسم ابتداءً من الأيام الأولى، حتّى يستمرّ في حياتنا وحياة كلّ الأشخاص الذين بمعونة الله سنكون مسؤولين عنهم. آمين.

الأسئلة

*        سؤال:   نحن كمسيحيّين مدعوّون لهذا الجهاد الروحيّ في كلّ وقت. وبالصوم نلتقي الرّبّ. والصوم تعبير عن المحبّة. ما الفرق بين أيّام الصوم والأيّام العاديّة؟

*        جواب:  هذه قضيّة خبرة وتدريب. توضع فترة يركَّز فيها على الجهاد الروحيّ، فيها يتدرّب الإنسان على هذا الجهاد اكثر من الأيّام العادية. هذه خطّة تربويّة. هناك فترة تكثيف للعمل الروحيّ، يمكن فيها أن يكتسب الإنسان عادة جديدة على رجاء أن تستمر في الأيّام العاديّة. لأنه بسبب ضعف الانسان لا يستطيع أن يصوم السنة كلّها. وهذا شيء معروف في شتّى الحقول. وإذا لم نفعل ذلك لا نستطيع ان نكتسب شيئاً جديداً.

*        سؤال:   انت تتكلم عن النور، ونعرف أنّ الصوم إذلال للنفس فكيف ذلك؟

*        جواب:  الصائم يذوق طعماً روحيّاً جديداً. هذا هو الفرح. والذي لم يذق هذا الطعم الجديد لا يكون قد صام. ظاهريّاً هو انقطاع عن الطعام وإذلال للجسد وضبط للنفس، ولكن حقيقياً يختبر الشخص حالة من الارتياح والسلام والفرح وانفتاحاً للقلب والذهن. وبمعونة الرب إذا ذاق شيئاً طيّباً لن ينساه في الأيّام العادية. لولا وجود ثمار لذيذة، هل من المعقول أن نتمسك بقوانين الكنيسة؟ وهذا تابع لخبرة كلّ شخص وليس مفروضاً عليه. والذي يختبر ويلمس يستطيع أن يبشّر ويقنع غيره.

*        سؤال:   قبل الصوم نأكل كثيراً، في الصوم ننقطع، وبعد الفصح نأكل كثيراً. فما الفائدة؟

*        جواب:  الصوم يبقى سؤالاً مطروحاً كما ذكرت سابقاً. والكنيسة حافظت على هذا الطابع الروحي للصوم. والحفاظ على طابع الشركة، وعلى خبرة روحيّة ممارَسة في الصوم وخارجه. ونعرف أنّ النظام الطعاميّ له تأثير كبير على حياة الانسان وسلوكه، وعلى تفكيره. ولكن هناك خبرة روحيّة في الانقطاع الكلّيّ، لأن الصوم الكلّيّ يعطيك شيئاً من خبرة الموت وشيئاً من خبرة القيامة. هذا مقرون بالصلاة. ممكن للواحد أن يختبر ذلك شرط ألاّ يكون عنده تطرّف. هذه الخبرة الروحيّة في الصوم لها علاقة بالصليب، بالموت والقيامة. وهذا تعبير عن خبرة بعض الآباء، أن للإنسان إمكانية ليختبر أنّه يستطيع أن يعيش فقط من نعمة الله. نعمة الله كافية لاستمرار جسده ونفسه. هكذا يكون له خبرة سابقة للملكوت.

*        سؤال:   في متابعة الصوم او المسيرة نحو القيامة، لا بدّ من كسل أو شرود، كيف المعالجة؟

*        جواب:  حياة الانسان العمليّة تبتدئ من النيّة. ما هي نيّته؟ ما هو هاجسه الداخليّ؟ عن ماذا يفتش؟ ان كان يريد ان يختبر يستطيع ذلك ولو سقط او تكاسل. يحتاج الانسان الجِدّيّ إلى مرشد أو معين، لكن لمجرد أنّه يريد في عمقه يستطيع أن يدرّب إرادته، اذا كان لديه حقّاً الاستعداد الداخليّ، الدافع الداخلي (motivation intérieure).

*        سؤال:   في صلاة الغفران، أريد أن أعيش رغم الرواسب السيّئة نحو الآخر كيف ذلك؟

*        جواب:  الرواسب تخفّ والانسان قابل للتغيير، لأنّ حياة الإنسان ديناميكيّة ليست (statique) جامدة. يتحول بنيّته وإرادته. وهذه الرواسب تخفّ وتزول مع الوقت. لذلك يؤكّد الآباء على الإيمان (عب 11).

الإيمان هو اليقين بالأشياء المنتظرة. إيمانك يحرّكك فتزول الرواسب والغشاوة بمعونة الله.

(عن كتاب “أحاديث روحية” للأرشمندريت أفرام كرياكوس. منشورات دير البلمند. 1995)

Leave a Reply