ضبط النفس على إيقاع الحياة الروحية

ضبط النفس على إيقاع الحياة الروحية

القديس ثيوفان الحبيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هذه الرسالة موجّهة إلى فتاة شابة تبحث عن معنى لحياتها والأفكار التي يطرحها القديس تنطبق كثيراً على شبابنا اليوم وتهمهم.

 

ماذا جرى لكِ؟ أي نوع من الأسئلة هو هذه: “لا أعرف ماذا أفعل بحياتي. أعلى الإنسان أن يفعل شيئاً؟ أعلى الإنسان أن يضع لنفسه هدفاً؟” فيما كنت أقرأ، لم أستطع أن أكتشف مصدر هذه الأفكار الغريبة. أما كنتِ قد قررتِ كل هذه الأمور عندما عبّرتِ عن الرغبة في الوصول إلى تلك الكرامة العليا التي حدّدها الله للإنسان؟ وما الذي نناقشه، أنتِ وأنا، غير ذلك؟ كيف إذاً نشأت كل هذه الأمور؟ أنا أتخيّل أنّ هناك تحرريون بين معارفك، أو أنك في مناسبة ما التقيتِ مجموعة من الأشخاص الذين ينشرون “كلماتهم الحكيمة”. إنهم عادةً يهذون بهذه الطريقة. وتتردد على لسانهم وبدون توقف الكلمات: “خير الجنس البشري”، “خير الشعب” وغيرها. والآن أنتِ، على الأرجح، استمعتِ للكثير من هذه الأفكار الرفيعة، فاستسلمتِ لها، واستدرتِ لتنظري إلى حياتك الحاضرة فاكتشفتِ بندم أنكِ تحيين حياة  كسل وخمول في عائلتك وبين أقربائك وبدون هدف. واحسرتاه! كيف أن أحداً لم يفتح عينيك بعد؟

إذا كان تقديري صحيحاً، فعليكِ أن تخجلي. لماذا لم تخبريني عن هذا، مع أنك أعطيتِ كلمتك بالكتابة لي عن شيء بصراحة؟ ولكن سواء كان الأمر هكذا أم لا، لا أستطيع أن أترك مشاكلك بلا حل. كل مراسلاتنا تخدم كحلّ متكامل لها، لكني الآن سوف أعبّر فقط عن فكرة قصيرة وعامة، حتى تري أن حياتك كما عشتِها وتعيشينها إلى الآن، هي حياة حقيقية، ولا حاجة لتغيير أي شيء فيها.

بالتأكيد، يجب أن يعرف الإنسان هدف الحياة. لكن هل هذا صعب؟ ألم يُحدَّد هذا مُسبَقاً؟ الوضع بشكل عام هو هذا: بما أنه يوجد حياة بعد الموت، إذاً، هدف كل حياتنا الأرضية هذه، يجب أن يكون، بدون استثناء، ليس هنا إنما هناك. كل واحد يعرف أن هذه هي الحالة، وليس هناك أكثر من هذا للمناقشة، مع أن بالممارسة قليلون جداً  يتذكرون هذا. لكن ضعي لنفسِكِ قانوناً للحياة، واسعي بكل قوتك لتحقيق هذا الهدف، وسوف ترين بنفسك أي ضوء سوف يفيض منه على حياتك الحاضرة على الأرض وعلى كلِ ما تعملين. أولاً سوف تُكشَف القناعة بأن كل شيء هنا هو وسيلة للحياة الثانية. هناك ناموس يتعلّق بالوسيلة: استعمليها وبطريقة تؤدي إلى الهدف ولا تحيدي عنه أو تعوّقيه. هذا إذاً هو الجواب على مسألة عدم معرفة ما تفعلين بحياتِك. ركّزي نظرَكِ على السماوات ووجّهي كل خطوة من حياتك لتكون خطوة في هذا الاتجاه. يبدو لي أنّ كل شيء بسيط، ومع هذا فهو كثير الضغط.

أنتِ تسألين: “أيجب أن يفعل الإنسان شيئاً ما؟” طبعاً يجب. اصنعي أي شيء مما ينجح في دائرة أصدقائك ومحيطك وآمني أن هذا هو عملك الحقيقي، وسوف يكون. لن يكون مطلوباً منكِ أكثر من ذلك. ما يعتقد به التحرريون من أن على الإنسان “أن يضع علامته على الإنسانية”، أي أن يقوم بمهمات عظيمة وذات صدى كبير، هو اعتقاد خاطئ. إنه اعتقاد خاطئ بشكل كبير، حتى لو كان من أجل الملكوت. يكفي فقط أن نعمل كل شيء بحسب وصايا الله. ماذا بالتحديد؟ لا شيء محدد، فقط هذه الأشياء التي تظهر للإنسان في ظروف حياته، هذه الأشياء التي تفرضها الحوادث اليومية في حياتنا. لنأخذ مثلاً أن متسولاً أتى إليكِ. إن الله هو الذي أرسله. بالطبع الله أرسل المتسول إليكِ راغباً منكِ أن تعامليه بالطريقة التي ترضيه، وهو يراقبكِ ليرى ما تفعلين بالواقع. سوف يكون راضياً إذا ساعدتِ. فهل سوف تساعدين؟ إذا قمتِ بما هو مرضي لله، تكونين قد أنجزتِ خطوة نحو الهدف الأعلى أي ميراث الملكوت. عمّمي هذه الحادثة وسوف تجدين أن في كل وضع وعند كل لقاء، يجب على الإنسان أن يعمل ما يريده الله منه، ونحن نعلم حقاً ما يريده من الوصايا التي أعطانا. إذا احتاج إنسان إلى مساعدة فساعديه. إذا أساء إليكِ أحد فسامحيه. إذا أنتِ أسأتِ إلى أحد فأسرعي إلى طلب المغفرة وصنع السلام. إذا مدحَكِ أحد فلا تفتخري. إذا وبّخَكِ أحد فلا تغضبي. إذا أتى وقت الصلاة فصلّي. أن تعملي هو أن تعمّلي.

إذا أخذتِ كل هذا بعين الاعتبار، تكونين قد بدأتِ بالعمل في كل الأوضاع حتى تأتي تصرفاتك، التي تنفذينها بدون انحراف عن الوصايا، مرضية لله، وعندها تنحلّ كل المشاكل المتعلّقة بحياتِك كلياً بشكل مرضٍ. الهدف هو الحياة المبارَكة بعد القبر. الوسائل هي الأعمال بحسب الوصايا: الأعمال المطلوبة من كل شيء يمر في حياتِك. يبدو لي أن هذا واضح جداً وبسيط وليس من سبب لديكِ لتعذّبي نفسَك بمسائل صعبة. يجب أن تُخرجي من رأسِك كل المشاريع المتعلّقة بالعمل الإنساني “الكثير النفع” الذي ينظّر حوله التحرريون. عندئذ سوف تتركّز حياتك إذا وضعتِها في إطار سلامي ووجَّهتِها بدون اضطراب نحو الهدف الأساسي. تذكّري أن الرب لا ينسى كأس ماء بارد أُعطي لعطشان.

سوف تقولين: “لكن كل الأمور متشابهة، على الإنسان أن يختار ويحدّد طريقة حياة!”. ولكن كيف لكِ أن تحدّديها؟ عندما نبدأ بالتفكير بها يكبر شكّنا. من الأفضل والأسلم أن نقبل بطاعة وشكر ومحبة، الاتجاه الذي يكشفه لنا الله في مجرى حياتنا. لنأخذ وضعاً يهمك. أنتِ الآن تحت سقف والديك في أمان وراحة. ولكن افعلي كل ما عليك فعله بضمير حي. تقولين: “لكن كل الأمور متشابهة. تصوّر، لا يستطيع الإنسان أن يبقى كذلك إلى الأبد. في آخر الأمر، حياته الشخصيّة يجب أن تبدأ. على أي درجة من البلاء هذا يحدث؟ وكيف للإنسان أن يتلافى التفكير فيه؟” حسناً، هذه هي أفضل فكرة في كل هذا الخط. ضعي نفسك في يدي الله وصلّي كي يقودك إلى ما هو الأفضل عنده، حتى لا تتعرقل حصتك من الحياة، بل بالأحرى تساعدك على الوصول إلى الحياة المباركة بعد القبر بدون أن تحلمي بقَدَر لامع. وعندما تضبطين نفسك هكذا، انتظري بصبر وفي آخر المطاف يعطيكِ الرب التعليمات. وهو سوف يرشدكِ من خلال ترابط الظروف وعِبرَ إرادة أهلِك. وإذ تثبتين في هذه الأفكار وترتاحين بالله، اسلكي بدون أن تبني مشاريع فارغة واعمَلي هذه الأشياء التي تتطلبها منك علاقتك بأهلِك وإخوتِك وأخواتك وكل أقربائك وكل البشر. لكن لا تفكّري، ولا بأي طريقة، بأن هذه الحياة فارغة. كلّ ما تفعلينه بحسب هذا القانون سوف يكون عملاً حقيقياً، وإذا تصرّفتِ على أساس أن هذه هي طريقة صنع الأمور بحسب الوصايا، وأن الله يريدها هكذا، سوف يكون عملك مرضياً لله. وعلى منوال مماثل، عامِلي كل شيء مهما كان صغيراً.

يبدو أنني الآن قد شرحت كل شيء. سوف أضيف تمنياً بأن تغوصي جيداً إلى أعماق ما كتبتُ، وتتعلميه قلبياً وتكيّفي نفسَك معه. أستطيع أن أتنبأ أنّك سوف تكتسبين سلاماً كاملاً ولن تشوّشك الأفكار من بعدها. “حياتي لا تساوي شيئاً، أنا لا أقوم بشيء نافع”، وغيرها. سوف يبقى عليك فقط أن تمارسي ضبط القلب وإلاّ سوف يثرثر كثيراً بلا معنى. صحيح أنه أن نكون بلا قلب هو أمر سيء إذ حيث لا قلب، أي نوع من الحياة يكون هناك؟ ولكن أيضاً، على الشكل نفسه، يجب أن لا نترك القلب على طريقه. إنه أعمى وبدون توجيه صارم يضيّع خطاه مباشرةً.

فليباركْك الله.

التحرريون هنا هي ترجمة لكلمة Modernist في الإنكليزية أي الذين يدعون إلى عصرنة كل شيء ويعتبرون كل ما هو ملتزم غير عصري.

الحياة المسيحية

الحياة المسيحية

من رسائل القديس ثيوفان الحبيس

ترجمة الأب أنطوان ملكي

هل تبدأ الحياة المسيحية، عند كل الناس، بهذا التمزّق المصوّر في الحرب ضد الخطيئة؟ وهل الأمر حقيقة هكذا، أي أنّ كل مَن لم يختبر هذا التمزق لم يبدأ بعد حياته كمسيحي؟

لا، هذه ليست حالة الجميع. إن الذين حفظوا نعمة المعمودية في كل طهارتها لا يختبرون هذا التمزق، إذ يجب أن يأتي وقت فيه يعتبرون طريقة الحياة التي عرفوها منذ طفولتهم أساسية لأنفسهم. وهذه الطريقة هم اتبعوها لأن أهلهم اختاروها وبسبب من التقليد والعادة. في هذه الحالات لا يكون هناك تمزق مؤلم لأنهم في وصولهم إلى القناعة بأن من الجيّد لهم أن يكونوا مسيحيين، وفي اتخاذهم هذا القرار، يجدون أنفسهم مهيئين، داخلياً وشكلياً، لكل ما هو مطلوب لعيش حياة مسيحية، أي: أفكارهم، أحاسيسهم، نزعاتهم وعلى المنوال نفسه، كل نظام حياتهم وأخلاقهم وقوانينهم تكون مصقولة بحسب روح المسيح. في هذه الحالة، لا شيء جديد يُضاف. إنهم ببساطة يبدؤن الآن يدركون بشكل واعٍ أن من واجبهم المسيحي هو القيام بكل ما كانوا يقومون به عن طريق العادة والتقليد إلى تلك الساعة. مباركة هي هذه النفوس!

ولكن كَم هم نادرون! إن أغلب الذين يتوصلون إلى فهم أنهم بحاجة للخلاص، يكتشفون في ذواتهم وفي طريقة عيشهم مقداراً كبيراً يقودهم لا إلى الخلاص بل إلى الهلاك: مفاهيم خاطئة أو مشاعر ونزعات قاسية، أو عادات شهوانية، أو علاقات غير طاهرة أو غيرها. عندما يتخذ هؤلاء الأشخاص القرار بعيش الحياة المسيحية، لا يستطيعون تلافي التمزق المؤلم لأنهم لا يستطيعون إلاّ ان يقتلعوا أنفسهم من الذي كان إلى تلكىاسلاعة يعطيهم المتعة، وأن يوجهوا قلوبهم نحو ما كان يبدو لهم بغيضاً. بقدر ما للإنسان عادات وأحاسيس شهوانية، بقدر ما يكون قد قضى متعايشاً معها، وبهذا القدر تعترض نفسه آلام وصعوبات في عملية التحول إلى الله. إن عبارة “الحرب ضد الخطيئة” تحدد بجدارة تحوّل الخاطئ الكبير.

وهناك أيضاً فئة ثالثة من الناس: الذين يظهرون كمسيحيين نموذجيين ولكن في داخلهم قصة مختلفو بالكليّة. إنهم لا يملكون أي فكرة عن الحاجة لتغيير أنفسهم وهم يبقون على ما هم عليه. في غضون ذلك، إنهم في حالة مريعة. إنهم العذارى الجاهلات.  فخارجياً معهم مصابيح لكنها فارغة بدون زيت ولا فتيل. فليحفظنا الله من هذه الحالةّ وهؤلاء لم يختبروا التمزق المؤلم، ويعتبرون أنفسهم بين المسيحيين الذين يرضون الله. لكن بينهم وبين الفئة الأولى فرق كبير. فأفراد الفئة الأولى لا يزالوا يتذكرون الوقت الذي فيه وضعوا على أنفسهم نير المسيح المبارك، لا بل هم يعتبرون أن ما حافظوا عليه عن طريق العادة لا غتى لهم عنه، ولا يستطيعون أن ينسوا معنى ذلك. أما الآخيرون فليس لهم هذه الخبرة ولا يتذكرون هكذا أمر. إنهم يحيون ببساطة كما تعوّدوا. هذا قد لا يكون سيئاً جداً، أما المأساوي هو أنهم لا يتخطون المظاهر الخارجية للحياة المسيحية التي تخلّص النفوس. إنهم يسمحون لكل أنواع البذاءة والفجور بأن تنشأ هناك. إنهم متجمدون في الأمور الخارجية. والأخطر، في اعتبارهم أنفسهم أبراراً، أنهم يضعون كل شخص آخر في رتبة الخاطئين، خاصةً الذين لا يقدّمون لهم الاحترام اللائق بما يعتبرونه “قداسة” في نفوسهم. أما الشك الذي ينتج عن هذا والثرثرة اللذين ينتشران بحرية من اعتدادهم بأنفسهم، فهما مرضهم الأساسي. فليحفظْنا الله من الوقوع في هذه النزوة!

جيد أنك تجد لذة في البقاء بالبيت، والأفضل أن تكثر من هذا. المتع الخارجية، حتى البريئة منها، نادراً ما تقود إلى أي خير: بالأحرى، إنها أول الأبواب المؤدئة إلى الشر. إنها تضعف النفس وتخرجها من مقدِسها الداخلي. وبعد اختبار هذه المتع، لا يبقى المرء هو نفسه بل هو مثل رجل مكسور. عندما يقع شخص فجأة وينجرح، يحس الناس بالأسى من أجله. أما عندما يرمي نفسه ليرتطم بالأرض من دون أي حذر فيكسر كل عظتمه، لا أحد يشفق عليه. على العكس، يوبخه الجميع. لماذا نجلب الأذى لأنفسنا؟ أكل التفاحة، مع كونه عملاً جميلاً وشهياً، لم يكن أبداً عملاً بطولياً عظيماً. بعده، على أي حال، اضطر ابن الله أن يُصلب لكي يقوّم الأمور على نحو صحيح.

ما هو نوع الموسيقى التي تنوي الاستمتاع بها؟ في أغلبها، عروضنا الموسيقية هي هراء: إنها تدغدغ الأذن ولا تقدّم شيئاً. انا لست أربطك، لكن أن تذهب هو أمر مثير للشفقة: انت فقط سوف تخسر تركيزك وتحس بالإحباط. الاستماع إلى الموسيقى العالمية سوف يتلف موسيقاك الداخلية. “لا تحبوا العالم ولا أشياء العالم”. هل سوف تكون مع الله هناك؟ بصعوبة، إذ أي نوع من الشركة سوف تجد هناك؟ عالم الفن حسي وحتى لحمي. من الصعب أن نقول “لا”. أنا أصدّق ذلك. لكن أن تكون مع الرب يتطلب صلب الذات، وصلباً للذات حقيقياً وليس ماورائياً. متى يتمّ هذا؟ كن غيوراً لذلك، إذ عندها سوف يطفح قلبك بهذه التعزيات كما سوف تطفئ كل عطش لأي نوع آخر من التعزية.

المجد للهّ انت قد هدأت. فليساعدك الرب على ألاّ تؤذي نفسك. لكن لتكن مشيئة الله. إن النَفَس النتن الذي لروح التملق الناشط في أبناء المعصية قادر على إتلاف أكثر الناس براءةً.

إن كسلك في ما يتعلّق بالأمور الروحية ينشأ من كونك مستغرقاً بلإفراط في عملك. لا تحملنّك هذه الأمور معها وإلا فرأسك يصبح ضبابياً وبعدها يعاني قلبك من التأثير نفسه.

السلام الداخلي

السلام الداخلي

من رسائل القديس ثيوفان الحبيس

ترجمة الأب أنطوان ملكي

أرغب في أن أضيف بعض التعليمات لك حول ما يجدر بك القيام به فيما تدخل الطريق الجديدة.

كلّ مَن قام بمراقبة دقيقة لما يجري في داخله ولو ليوم واحد، يدرك بشكل واضح أن الروح قد سقطت. لقد أخبرتك عن هذا منذ زمن. سوف تتذكر أنّ في داخلنا هذا الاضطراب الذي يأتي بشكل غير شرعي، وبالتالي ينبغي إيقافه. أنتَ أيضاً كتبتَ أنك لم تستطع أن تتتبّع الحركة الداخلية غير المضبوطة. سوف أستعرض وصف هذه الحالة.

أفكار الذهن  موجهة كلها إلى الأرض وليس من سبيل لرفعها إلى السماوات. فحواها عبثية وحسية وخاطئة. أنت رأيت كيف ينزل الضباب على الوادي. هذه صوره دقيقة لأفكارنا فهي تزحف وتلاحق الأرض. إلى هذا الزحف نحو الأسفل، هذه الأفكار تزبد باستمرار ولا تهدأ في مكان واحد، إنّها تصادم بعضها بعضاً مثل سرب من الذباب في الصيف. وفوق هذا إنها دائمة الحركة.

تحت هذه يقع القلب. إن اللطمات المستمرة في القلب مصدرها الأفكار ومنها تنشأ الأعمال. مهما كانت الفكرة فإن عملاً ما للقلب يقابلها ومنها: الفرح، الغضب، الحسد، الخوف، الرجاء، الفخر، اليأس. هذه كلها تنشأ في القلب الواحدة تلو الأخرى. إنها لا تتوقف، تماماً مثل الأفكار لا تسلسُل لها، فيما القلب دائم الارتعاش مثل ورقة الشجر، بسبب المشاعر.

والأمر لا ينتهي هنا. الفكر مع الشعور دائماً يولّدان شهوة أكثر أو أقل قوة. تحت الأفكار المشوشة والمشاعر تقع الشهوات المشوِّشة عشوائياً. هذا شخص مولع بالكَسب، وذاك يبذّر كل شيء. هذا متسامح وذاك نتقم. هذا يهرب من الجميع وذاك يسعى إلى الحشد. وليس فقط أن هذه الأمور تجري على هذا المنوال، لكن الشكوك، الواحد تلو الآخر، تغلي بشكل مستمر في النفس. راقبْ نفسَك مثلاً وأنت جالس في عملك، فسوف ترة كل هذه تجري في داخلك كما على مسرح.

هكذا هو إذاً اضطرابنا الداخلي وتشوشنا. ومنه أيضاً يأتي الاضطراب في حياتنا وهذا الغم الذي يخيم علينا. لا تتوقعْ حياة منتظمة حتى تقضي على هذا الاضطراب الداخلي. فهو بذاته ومن ذاته سبب لكثير من الشر. لكنه سيء بوجه خاص لأن الشياطين يقيمون فيه ويبلبلون الأمور أكثر، موجِّهين كل شيء باتجاه الأسوأ نحو دمارنا.

في مطلع الصوم، تفحصتَ نفسَك وقررتَ اقتلاع بعض الأمور وإضافة أخرى. أنت لا تستطيع إلاّ أن توجّه انتباهك نحو التشوش الداخلي وتتسلح بالحماسة اللازمة ضده. اسمحْ لي مرةً أخرى أن أركّز على العدو الداخلي. إنت حدّدت نية صارمة للعمل من أجل الرب والانتماء إليه وحده ابتداءً من هذه النقطة. سرُّ التوبة أعطاك الغفران في كل شيء وأنتَ ظهرتَ نقيّاً أمام وجه الله. المناولة المقدسة أتَت بك إلى أقرب شركة، أو بالأحرى جدَّدَت شركتَك، مع الرب يسوع المسيح وملأتْكَ بكل قوة نافعة. إذاً ها أنت هنا مهيئاً لهذه المهمة.

لو أنّ التمني يكفي لإصلاح حياتنا الداخلية ولجعل الأمور على أفضل حال، أو لو أنّ كلمة تكفي لتحقيق كل شيء فوراً، لانتفى كلّ سبب يدفعك إلى ولوج هذه المتاعب، ولكان كلّ شيء جرى للأفضل، ولما كنتَ لتشتهيه. في أي حال، قانون الحياة الأخلاقية الحرّة، بالرغم من جوهرها المتأذي، هو في أن هناك مثابرة راسخة. المساعدة النافعة متوفرة، ولكن مع هذا ينبغي بك أن تقسو على نفسك وتجاهد. أن تجاهد مع نفسك قبل كل شيء.

إن حياتنا الداخلية لا تأتي إلى النظام المناسب فجأة. ما هو مطلوب دائماً وما ينتظرنا هو العمل المكثف مع النفس، النفس الداخلية، من خلال تمثل النوايا الحسنة وتفعيل النعمة بالأسرار. هذا العمل وهذا المجهود موجهان نحو تدمير الاضطراب المسيطر في الداخل، وتثبيت الترتيب والتناغم في مكانه. هذا الترتيب والتناغم يتبعهما السلام الداخلي والمزاج القلبي المبتهج بشكل دائم. هذا ما ينتظرك الآن! لا تفكّرْ، على أيّ حال، أن لهذا عليك أن تعيد عمل كل شيء أو ربط نفسك بكثرة من القوانين. لا مطلقاً. قانونان أو ثلاثة، تدبيران وقائيان أو ثلاثة، هي كل ما تحتاجه.

يوجد اضطراب في الداخل وهذا تعرفه من الخبرة. يجب أن تقضي عليه، وهذا ما تريده وقد قررت ذلك. ابدأ مباشرة بإزالة سبب هذا الاضطراب. السبب هو أن روحنا فقدت أساسها الأصلي، الذي هو في الله، وهي تعود إليه مجدداً بتذكر الله. إذاً، الأمر الأول هو هذا: ضروري أن تتعوّد على تذكّر الله بدون انقطاع، إلى جانب خوفه وتوقيره.

لقد كتبت لك عن هذا في المرة الماضية. أنت تعرف السبيل المطلوبة له، وقد بدأت بها، فليكن مباركاً. افتح الطريق لهذا العمل بدون تعويق. كًنْ مع الله، مهما فعلت، ووجّه نحوه كل عقلك، محاولاً أن تتصرّف كما في حضرة ملك. سوف تعتاد على هذا سريعاً، فقط لا تستسلم أو تتوقف. إذا تبِعتَ هذا القانون البسيط بضمير حي، سوف تقهر الاضطراب الداخلي، بالرغم من وجود تمزقات، أحياناً بشكل أفكار تافهة وغير مهمة، وأحياناً أخرى بشكل أحاسيس ورغبات غير مناسبة، سوف تلاحظ هذا الخطأ فوراً وتطرد الضيوف غير المدعوين خارجاً، مسرعاً في كل مرة إلى تجديد وحدة الفكر المتعلّق بالرب الواحد.

فليلهمْك الله! باشر بهذا بحماسة أكبر، تابع بدون تقطّع، وسوف تبلغ مقصدك قريباً. الاهتمام الوقور بالله الواحد سوف يتوطّد ومعه سوف يأتي السلام الداخلي. أقول أنه سوف يكون قريباً لكن سوف يستغرق أكثر من يوم أو اثنين. هذه الأمور تتطلب ربما بعض الأشهر، وأحياناً يستغرق سنين. أطلبْ من الرب وهو نفسه يعينك.

وللمساعدة، أضِفْ القانون التالي: لا تَقُمْ بأي عمل يعارضه ضميرك، ولا تتوانى عن أي شيء يقوله لَكَ كبيراً كان أو صغيراً. الضمير هو دائماً دليلنا الأخلاقي. الأفكار التي تقيم في الذهن، كما العواطف والرغبات التي فينا تؤدي بنا إلى نزوات غير لائقة. هذا سببه، بشكل طارئ، أن ضميرنا فقد قوته. أعِدْه قوياً وأظهِرْ طاعةً كاملةً له. لقد ثقّفتَه الآن عن طريق معرفة ما يصحُّ فعلُه وما لا يصح. اتبعه بدون تحوّل، وبهذه المواظبة تسمح لنفسك بالقيام بأي شيء ضده حتى ولو أدّى ذلك إلى موتك. بقدر ما تكون قاطعاً في تصرفاتك، يصبح ضميرك أكثر قوة. وبقدر ما يصبح ضميرك قوياً، يلهمك في ما هو ضروري بشكل أكثر كمالاً وأكثر قوة، ويقودك بعيداً عن غير النافع من الأقوال والأفعال والأفكار، ويصبح داخلك مرتباً بسرعة أكبر. إن الضمير الذي يتذكر الله بتوقير هو نبع الحياة الروحية الحقيقية. تذكّر كلامنا عن الروح في بداية مراسلاتنا.

ليس مطلوباً أي شيء سوى هذين القانونين. فقط غذِّهما بالصبر. لن يأتي النجاح فجأة، يجب أن تننتظر وتكدح بثبات. يجب أن تكدح وأهمّ من ذلك لا تستسلم لإرضاء نفسك أو العالم. سوف يكون هناك مقاومة مستمرّة لِما قد بدأت. يجب أن تتخطّى ذلك، يجب أن تبذل بعض القوة وبالتالي أن تصبر. ألبِسْ نفسَك هذا الدرع الكلي القوة ولا تترك معنوياتك تهبط عندما تعترضك المحنة. كل شيء سوف يأتي مع الوقت. تشجّع بصبرك في هذا الرجاء. إن خبرات كل الذين سعوا إلى الخلاص وحقّقوه تحما أن هذا ما سوف يحدث.

إذاً، هذا كل شيء. تذكّرْ الله بتوقير، أطِعْ ضميرَك، وتسلَّحْ بالرجاء من طريق الصبر. ليباركك الرب حتى تنحو إلى هذا الفكر وتكون فيه.

كيف يحاول العدو تحويل المبتدئ عن الطريق الصحيح

كيف يحاول العدو تحويل المبتدئ عن الطريق الصحيح

من رسالة للقديس ثيوفان الحبيس

ترجمة الأب أنطوان ملكي

العدو لن ينام. فقد لاحَظ قديسو الله أنه يعمل ضد المبتدئين بطريقتين. أولهما هي ألاّ يزعج البعض ولا يقاومهم. وعندما لا يصطدمون بأي عائق داخلي أو خارجي، ويرون أن كل شيء يسير على ما يرام، يحلمون بأن “لا بد بأننا شيء مهم، كل الأعداء تبتعد ولا تجرؤ على الظهور”. وما أن تبدأ هذه الأفكار، حتى يحضر العدو ويبدأ بتحريك أحلام المجد الباطل التي منها تأتي الثقة بالنفس ونسيان معونة الله، وبالتالي عدم السعي إليها وفقدانها. عندما تصل الأمور إلى هذا الحد، يبدأ العدو بالتسلّط: أي بتحريك الشر من الداخل وبوضع العقبات من الخارج، فيقع ذلك الفقير الواثق بنفسه. هذه الحالات ليست نادرة. أرجو أن تضع هذا أمامك فيما أنت الآن تفكر في تنظيم أمور حياتك، حتى عندما تبدأ حياة جديدة وكل شيء يتقدم بهدوء، لن تبدأ تحلم بنفسك، لكن سوف ترى في هذا كميناً خطراً وضعه العدو فضاعف حذرك وانتباهك. الكمال، الذي لا يظهر إلا قليلاً، يأتي بعد جهد كبير، بعد سنوات وسنوات، وليس من البداية في الأيام الأولى.

من جهة أخرى، يهاجم العدو الآخرين منذ البداية بكل قوته وعنفه، حتى يشعر المبتدئ بالضياع. حيثما يستدير، كل شيء ضده: أفكاره وأحاسيسه، وكل ما في داخله يعوق النوايا الحسنة ولا شيء إيجابي. يقوم العدو بهذا ليرعب المؤمن الجديد منذ البداية، وليحاول إرغامه على التخلي عن نواياه الحسنة والعودة إلى حياة من اللامبالاة وعدم الانتباه. ولكن ما أن يلاحظ العدو أن المؤمن الجديد لن يستسلم بل هو يقاوم، فإنه يتراجع مباشرة. هذا لأن الشجاعة في مقاومة العدو تكسب العاملين الأكاليل وهو لا يريد أن يؤمنها لهم. مهم أن تحفظ هذا في فكرك حتى لا تجبن أمام الضغوطات القوية الناتجة عن العوائق، بل سوف تعرف أنها خديعة من العدو الذي يتراجع ما أن يواجه الثبات.

قانون صلاة

قانون صلاة

رسالة للقديس ثيوفان الحبيس

ترجمة الأب أنطوان ملكي

أنتَ تسأل عن قانون صلاة. نعم، هذا جيد لا بل جيد جداً أن يكون لنا قانون صلاة بسبب ضعفنا، حتى، من جهة، لا نستسلم للكسل، ومن جهة أخرى نوجّه حماسنا إلى ما يناسب. إن ممارسي الصلاة العظماء حفظوا قانوناً محدداً. إنهم دائماً يبدأون بقطع محددة، وإذا انطلقت خلالها الصلاة من ذاتها، يضعون هذه القطع جانباً ويصلّون هذه الصلاة. كون هذا ما فعله المصلّون العظماء يجعله سبباً كافياً لنا كي نقوم به. بدون الصلوات المعروفة، لن نعرف كيف نصلي، وبالتالي، نبقى بلا صلاة.

في أي حال، ليس المرء بحاجة إلى صلوات كثيرة. إن تلاوة عدد قليل من الصلوات بشكل حسن أفضل من الاندفاع بصلوات كثيرة، لأن من الصعب الحفاظ على الحرارة في الصلاة عندما نصلّي بسرعة.

أنا أرى أن صلوات الصباح والمساء، كما هي في كتب الصلوات، كافية لك تماماً. فقط حاول في كل مرة أن تقوم بها بانتباه كلي وأحاسيس منسجمة. ولتكون أكثر نجاحاً في هذا، إمضِ قليلاً من وقت فراغك في قراءة كلٍ من هذه الصلوات على حدة. تفكّر بها وتحسّسها، حتى تتعرف إلى الأفكار المقدسة التي فيها عندما تتلوها في قانونك. الصلاة لا تعني أن نسرد الصلوات فقط، إنّما أن نهضم محتواها في ذواتنا، وننطق بها وكأنها تخرج من أذهاننا وقلوبنا.

بعد أن تكون قد استوعبت الصلوات وأحسست بها، إعمل على حفظها. عندها لن تحتاج إلى تلمّس الكتب عند وقت الصلاة، كما ولن يشوّش عليك شيء خلال صلاتك، بل تكون المحافظة على التضرع الذهني إلى الله أكثر سهولة عليك. سوف ترى بنفسك كم أنّ هذا يساعد. أنْ يكون كتاب صلواتك معك أينما ذهبت وفي كل وقت هو أمر بالغ الأهمية.

وعند وقوفك للصلاة، مهيأً هكذا، انتبه أن تحفظ فكرَك من التيهان وذهنك من البرودة واللامبالاة، مجهداً نفسك بكل الوسائل لتحفظ انتباهك وتجعل وجدانك حاراً. قمْ بقدرِ ما تريد من السجدات بعد انتهائك من تلاوة كل من الصلوات، مرفِقاً إياها بصلاة من أجل إحدى حاجاتك، أو بصلاة قصيرة. هذا سوف يطيل وقت صلاتك بعض الشيء، لكنه يزيد من قوتها. يجب أن تصلّي قليلاً لوحدك، خاصةً عند نهاية صلواتك، طالباً الغفران عن شرود الذهن وواضعاً نفسك بين يدي الله طيلة النهار المقبل.

يجب أن تحفظ أيضاً انتباهاً صلاتياً نحو الله خلال النهار. لهذا، كما ذكرنا أكثر من مرة، تذكّر الله بصلوات قصيرة. إنه جيد، وجيد جداً في بعض الأحيان، أن تحفظ عدداً من المزامير وتتلوها بتركيز فيما أنت تعمل، أو بين العمل والآخر، بدل الصلوات القصيرة. إن هذه الممارسة هي من أقدم العادات المسيحية وهي مذكورة ضمن قوانين القديسَين باخوميوس وأنطونيوس.

بعد قضاء النهار على هذا المنوال، يجب أن تصلّي باجتهاد أكبر وبتركيز أقوى في المساء. أكثِرْ من السجدات والتضرعات إلى الله، وبعد أن تضع نفسك بين اليدين الإلهتين مجدداً، إذهب إلى السرير مع صلاة قصيرة على شفتيك ونَمْ معها أو اتلُ بعض المزامير.

أيٌّ من المزامير يجب أن تحفظ؟ إحفظ تلك التي تنفُذ إلى قلبك عند قراءتها. المزامير الفعّالة تختلف بين شخص وآخر. إبدأ بـِ: إرحمني يا الله (المزمور الخمسون)، بعدها باركي يا نفسي الرب (المزمور 103)، سبحي يا نفسي الرب (المزمور 146). الأخيران هما مزامير الأنديفونات. أيضاً يوجد  في القانون مزامير للمناولة المقدسة: الرب راعيّ (المزمور 23)، للرب الأرض وكل ما فيها (المزمور 24)، آمنت ولهذا تكلمت (المزمور 116)، والمزمور الأول من صلاة المساء أللهم بادر إلى معونتي يا رب أسرع إلى إغاثتي (المزمور 70). كما أن هناك مزامير الساعات وما شابه. إقرأ كتاب المزامير واختَرْ.

بعد أن تحفظ كل هذه، تكون دائماً متسلّحاً بالصلاة. عندما تحاربك بعض الأفكار، أسرع إلى الوقوع عند قدمي الرب إمّا بصلاة قصيرة أو بأحد المزامير، خاصةً يا رب أسرِع إلى إغاثتي، وسوف تتبدد الغيمة المشوِّشة سريعاً.

إذاً هاكَ كل شيء عن قانون الصلاة. على كل حال، سوف أكرر مرة أخرى أنه عليك أن تتذكّر أن كل هذه هي أدوات مساعدة، والأمر الأكثر أهمية هو الوقوف في حضرة الله فيما الذهن في القلب بورع وسجود صادر من القلب.

لقد خطر ببالي شيء آخر أخبرك إياه! قد تحصر كل قانون الصلاة بالسجدات فقط مع صلوات قصيرة من كلماتك. استقم ثم اسجد قائلاً يا سيد ارحمني أو غيرها من الصلوات، معبّراً عن حاجتك أو ممجداً الله وشاكراً له. عليك أن تحدد إمّا عدد السجدات أو طول الصلاة أو قمْ بالإثنين معاً حتى لا تصبح كسولاً.

إن هذا ضروري، لأن فينا نوع من الغرابة غير المفهومة. عندما، مثلاً، نباشر بأي نشاط خارجي، تمر الساعات كدقائق. أمّا عندما نقف للصلاة فما أن تمر بعض الدقائق حتى يبدو وكأننا نصلي منذ وقت طويل. هذا الفكر لا يضر عندما نقوم بالصلاة بحسب قانون محدد، إنما يشكّل تجربة كبرى إذا كان المرء يتلو صلوات قصيرة مع سجدات. هذا قد يقطع الصلاة التي بالكاد بدأت تاركاً وراءها شيئاً من الاعتقاد بأنها قد تمت كما يجب. لهذا أوجد ممارسو الصلاة الجيدون المسبحة، حتى لا يقعوا في هذه الخديعة الذاتية. مسبحة الصلاة هي للذين يريدون تلاوة صلوات من عندهم وليس من كتاب. إنها تُستَعمَل مع ترداد “يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ”، ومع كل مرة، نحرّك حبة بين أصابعنا. كرّر هذه الصلاة مرة بعد أخرى وحرّك حبة كل مرة. مع كل حبة اصنع سجدة، إمّا من الخصر أو إلى الأرض، كما تفضّل، أو بإمكانك عند الحبات الصغيرة أن تصنع سجدة من الخصر وعند الحبات الكبيرة سجدة إلى الأرض. فحوى القانون في كل هذا، هي أن تقوم بتكرار الصلاة عدداً محدداً من المرات مع سجدات يُضاف إليها صلوات أخرى بكلماتك. عندما تفكّر بتحديد عدد السجدات والصلوات، حدّد فترة زمنية، حتى لا تخدع نفسك بالاستعجال خلال قيامك بها. إذا تسلّل الاستعجال، بإمكانك أن تملأ الوقت بمزيد من السجدات.

إنّ عدد السجدات الواجب القيام بها مع كل صلاة محدد في نهاية المزامير بسلاسل من فئتين: الأولى للنشيطين والثانية للكسالى أو المشغولين. الشيوخ الذين يعيشون بيننا اليوم في الأساقيط والقلالي في أماكن مثل بلعام وسولوفكي يقومون بكامل الخدمة على هذا المنوال. إذا رغبت الآن أو في أي وقت آخر، بإمكانك تطبيق قانون صلاتك مثلهم. مع هذا، قبل أن تقوم بذلك، تعوّد أن تطبقه بالطريقة الموصوفة لك. قد لا تحتاج إلى قانون جديد. في أي حال، أنا مرسل إليك مسبحة صلاة. جرّبها! لاحظ كم من الوقت تقضي في صلوات الصباح والمساء. قم بتلاوة صلواتك القصيرة مع صلاة المسبحة ولاحظ كم مرة تلف المسبحة خلال الوقت الذي كنت تستغرقه في هذه الصلوات. فلتكن هذه الكمية قياس قانونك. لا تقم بذلك خلال وقت صلاتك العادي، بل في وقت آخر وبنفس القدر من الانتباه. إذاً، قانون الصلاة هذا يتم بهذه الطريقة: الوقوف والسجود.

بعد قراءتك هذه الرسالة لا تظن أنني أقودك إلى الدير. أنا شخصياً، أول من أخبرني عن صلاة المسبحة كان علمانياً وليس راهباً. كثيرون من العلمانيين والرهبان يصلّون بهذه الطريقة, وهي قد تناسبك. عندما تتلو صلوات من الذاكرة دون أن تحركك بإمكانك أن تصلي مستعملاً المسبحة واترك الصلوات المحفوظة ليوم آخر. هكذا تتحسن الأمور.

سوف أكرر مرة أخرى أن جوهر الصلاة هو رفع الذهن والقلب إلى الله وهذه القوانين هي أدوات مساعدة لا نستطيع الوصول بدونها بسبب ضعفنا. ليباركك الله.

كيف تخلص النفس

كيف تخلص النفس

القديس ثيوفان الحبيس

ترجمة الأب أنطوان ملكي

ماذا تقول للشخص الذي يسأل: “كيف أستطيع أن أخلّص نفسي؟”

هذا: تُب، وتقوَ بقوة النعمة في الأسرار الإلهية، سِرْ في طريق وصايا الله بالتوجيه الذي تعطيك إياه الكنيسة المقدسة من خلال كهنوتها الذي من الله. و هذا كله يجب أن يتم بروح من الإيمان الصادق الذي لا تحفظات فيه.

إذاً ما هو الإيمان؟

الإيمان هو الاعتراف الصادق بأن الله الذي يُعبد في الثالوث، الذي خلق كل الأشياء والذي يزوّد الكل، يحفظنا نحن الساقطين من خلال قوة موت إبن الله المتجسد على الصليب، وبنعمة الروح القدوس في كنيسته المقدسة. بدايات التجديد الذي يؤسس في هذه الحياة سوف تظهر بكل مجدها في الزمان الآتي بطريقة لا يستطيع العقل فهمها ولا اللسان التعبير عنها.

يا ربنا، كم هي عظيمة هي مواعيدك!

إذاً كيف يسير المرء في طريق الوصايا ؟

هذا لا يمكن الإجابة عليه بكلمة واحدة، لأن الحياة هي أمر متكامل. إليك ما هو ضروري.

أ. تًب واستدر إلى الله، اعترف بخطاياك، إبكِ عليها بندم في القلب، واعترف بها أمام أبيك الروحي. أنذر بالكلمة وبالقلب أمام وجه الله بألا تسيء إليه مجدداً بخطاياك.

ب. ثم بالثبات في الله بالفكر والقلب، إسعَ إلى أن تنجز بالجسد الواجبات والأمور التي يفرضها عليك موقعك في الحياة.

ج. بهذا العمل أكثر من كل شيء احفظ قلبك من الأفكار والأحاسيس الشريرة – العجب، المجد الباطل، الغضب، إدانة الآخرين، الحقد، الحسد، الاحتقار، اليأس، التعلق بالأشياء والناس، الأفكار المشتتة، القلق، كل اللذات الحسية وكل ما يفصل العقل والقلب عن الله.

د. لكي تثبت في هذا العمل، قرر مسبقاً ألاّ تنسحب مما تعرف أنه ضروري حتى ولو عنى ذلك الموت. لتحقق هذا، عليك أولاً عندما تقرر أن تقدّم حياتك لله كي تحيا ليس لنفسك بل لله وحده.

هـ. إن دعماً للحياة بهذه الطريقة هو تقديم متواضع للنفس إلى الله، وليس وقفاً على شخص الإنسان. الأرينا الروحية التي تتم فيها هذه الحياة هي الصبر أو موقف لا يتزعزع في مصاف الحياة المصلحة، مع احتمال بهيج لكل الأعمال والأحزان المرتبطة به.

و. ما يدعم الصبر هو الإيمان أو الثقة بأن العمل بهذه الطريقة لله، يجعلك خادماً له وهو سيداً لك. فإذ يرى أتعابك يبتهج بها ويقدّرها. تأمّل بأن معونة الله التي تحميك في كل وقت هي دائماً حاضرة تنتظرك وسوف تنزل عليك عند حاجتك، وأن الله لن يتخلى عنك إلى نهاية حياتك ويحفظك كأحد المخلصين بوصاياه هنا وسط كل التجارب. سوف يقودك عبر الموت إلى ملكوته الأبدي. مَن يتأمل ليلاً ونهاراً بالرب المحبوب، ويحاول بشتى الطرق أن يرضيه، ويتحاشى كل ما قد يأثم إليه بالفكر أو القول أو الفعل.

ز. أسلحة هذه الحياة هي: الصلاة في الكنيسة وفي البيت وخاصةً الصلاة العقلية، الصوم على قدر طاقة المرء وبحسب قوانين الكنيسة،  اليقظة، الانعزال، الأعمال الجسدية، الاعتراف المتواتر بالخطايا، المناولة المقدسة، قراءة كلمة الله وكتابات الأباء القديسين، التحادث مع الذين يخافون الله، استشارة الأب الروحي بكل أمور حياة المرء الداخلية والخارجية. الأساس في تحديد هذه الأعمال ووقتها ومكانها هو الحكمة ونصح المجربين.

ح. أحرس نفسك بخوف ولأجل هذا تذكّر النهاية: الموت، الحساب، الجحيم والملكوت السماوي.

ط. انتبه إلى نفسك قبل كل شيء. احفظ فكرك رزيناً وقلبك بلا اضطراب .

ك. فلتكن إضرام نار الروح هدفك النهائي، حتى تشتعل النار الروحية في قلبك وبجمعك كل قواك في واحدة سوف تبدأ ببناء الإنسان الداخلي وبالنهاية تُحرق خطاياك وأهوائك.

رتب حياتك بهذه الطريقة وسوف تكون مخلصاً بنعمة الله.

سقطة آدم وأحكام الله

سقطة آدم وأحكام الله

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

تعريب الأب أنطوان ملكي

إن لم يدرك المرء أنه أدم، أي ذاك الذي أخطأ أمام الله في الفردوس، كيف له أن يدرك أن نزول ابن الله وكلمته كان من أجله؟ لقد وُضع الناموس بعد السقوط. وكما أن كلاً منا هو من آدم، أي أنه قابل للفساد والموت، ليس بسبب خطيئة صنعها، بل بسبب عصيان جدنا الأول آدم، الذي نأتي نحن من ذريته؛ كذلك كل منا هو من المسيح، لا يموت ولا يفسد، ليس بسبب فضائلنا الشخصية بل بسبب طاعة آدم الثاني الذي هو المسيح ربنا الذي نزل من السماء. نحن نصبح عظماً من عظامه ولحماً من لحمه. وتماماً على غرار ما ينتقل الفساد والموت من جيل إلى جيل من آدم القديم، كذلك ينتقل عدم الموت وعدم الفساد إلى المسيحيين من آدم الجديد. وكما أن مشاركتنا في طبيعة جدنا آدم الذي سقط هي حقيقة ظاهرة في كوننا نخطئ ونخالف وصايا الله، كذلك هي حقيقة أننا مشاركون في النعمة الإلهية التي هي بالمؤسِّس الثاني لجنسنا، الرب المسيح، ونحن نعرفها بهذه العلامة: أننا نخطئ بعد امتلاكنا النعمة الإلهية*. نحن نخرج من ملء المسيح، تماماً كما تصدر من النار وفرة من الأضواء. وتزداد الأضواء بقدر ما تتفجر من مصدرها الذي يزخر بالنار: فالمسيح كونه الله غزير بكل خير.

المسيح، إذ لم ينأى بنفسه عن كل ما هو موجود، تنازل ودخل في الرحم الطاهر للدائمة البتولية، وُلِد، وتغذّى بالحليب، ونما ليصبح رجلاً، وعلى المنوال نفسه عطش وجاع وقام بالأعمال وعَرِق وتعرّض لحسد اليهود بسبب المعجزات التي قام بها مظهراً ألوهيته، رُفِع على الصليب مع اللصوص كما لو أنّه صانع شر، مات ميتة مخزية بإرادته، دُفن وقام مجدداً، صعد إلى السماء ليرسل على المؤمنين الروح القدس الذي ينبثق من الآب الذي أرسله بالحقيقة. فكل التدبير من وراء تجسّد المسيح كان غايته وهدفه أن ينزل الروح القدس في نفوس الذين يؤمنون بالمسيح كإله وإنسان، مسيحاً واحداً في طبيعتين، إلهية وبشرية، من دون امتزاج أو تشوش، حتى يكون هذا الروح القدس، نفسَ نفسِ المؤمنين، وحتى أنهم لهذا يُدعَون مسيحيين، وبفعل الروح القدس يُعاد سبكهم وخلقهم وتجديدهم وتقديسهم في الفكر والضمير وكل الحواس، فلا يحملون من بعد في ذواتهم أياً من أنواع الحياة الفاسدة التي قد تنشئ في نفوسهم ميلاً نحو المتع الجسدية والشهوات الدنيوية ورغبة فيها.

كل إنسان، من يوم ولادته، من لحظة تكوّنه، هو عرضة للفساد والموت، ما يتطلّب قوة إلهية عظيمة لتجديده لعدم الفساد والموت. إذا نما الشر في أي إنسان، مترافقاً مع نموه في الجسد، فبالطبع سوف تنمو قوة الفساد وسلطة الموت سوف تزداد. هذا لأن لسعة الموت تتغلغل في الإنسان بحسب درجة الفساد التي يطورها في ذاته. إذا كان الطفل البريء بحاجة إلى قوة إلهية عظيمة لكي يتحرر من الفساد فكم تكون أعظم القوة التي يتطلبها ذاك الذي ترافق مع نموه في الجسد نمو الشر في نفسه، وبهذا نما في الفساد؟ هذا الفساد هو ما سمّاه داود في المزامير رباطات ومسح، عندما دعا الرب “لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ. لأَنَّكَ أَنْقَذْتَ نَفْسِي مِنَ الْمَوْتِ، وَعَيْنِي مِنَ الدَّمْعَةِ، وَرِجْلَيَّ مِنَ الزَّلَقِ ” (مزمور 7:115-8)، أي أرفع لكل الشكر والتمجيد لأنك فككت قيودي أي الفساد. ومرة أخرى “حَوَّلْتَ نَوْحِي إِلَى رَقْصٍ لِي. حَلَلْتَ مِسْحِي وَمَنْطَقْتَنِي فَرَحًا، لِكَيْ تَتَرَنَّمَ لَكَ رُوحِي وَلاَ تَسْكُتَ. يَا رَبُّ إِلهِي، إِلَى الأَبَدِ أَحْمَدُكَ” (مزمور 11:30-12)، أي أنت عريتني من لباس الوبر الذي كنت ألبسه، أي الفساد، وألبستني الفرح حتى أمجدك، ليس أنا بل الروح القدس من خلالي، لأن الفرح والمجد اللذين أخذهما داود من الله كانا الروح القدس. وبامتلاكه الروح القدس في ذاته، يقول “منطقتني فرحاً”، فلا أكون بحاجة للتوبة، أي لن أخطأ.

وهكذا فإنه ضروري بالمطلَق لكل إنسان أن يبذل كل الجهود الممكنة حتى يكتسب من فوق، من المسيح الإله، هذا الفرح وهذا المجد، أي نعمة الروح القدس ليصبح قادراً على عدم الخطيئة مجدداً. إذ إن ما يقوم به الإنسان باختياره يستطيع أن يبطله باختياره، لكن ما هو من الطبيعة لا يمكن إبطاله طوعياً. إذا كان الإنسان قد صار قابلاً للفساد والموت في الطبيعة، فهو لا يستطيع بقوة الإرادة الحرة وحدها أن يتحرر من الفساد والموت. من وقت ما طُرد آدم من الفردوس، أي منذ أن أصبح قابلاً للفساد والموت بسبب عصيانه، حتى إلى يومنا هذا، لم يكن هناك أي إنسان من دون فساد ولا موت.

وهكذا، إذا كان ضرورياً للإنسان أن يعود إلى الحالة الأصلية التي خُلق فيها، أي ليصبح بلا فساد، لا تستطيع أي إرادة بشرية حرة أن ترفعه إلى تلك الحالة، بل وحدها القدرة الإلهية التي تلقّاها بالامتزاج مع الطبيعة الإلهية. فالطبيعة الإلهية هي من القوة لتغلب فنائية الطبيعة البشرية ولتدعوها إلى حالتها الأصلية. إن كلمات الله وأحكامه تصبح ناموس الطبيعة. إذاً، إن الحكم الذي لفظه الله كنتيجة لعصيان آدم الأول، أي حكمه عليه بالموت والفساد، صار للطبيعة قانوناً أبدياً وغير متغيّر. لذلك، لإبطال هذا الحكم، صُلب ابن الله ربنا يسوع المسيح ومات مقدّماً ذاته ضحية لخلاص الإنسان من الموت، ضحية رهيبة وفائقة العظمة. إن حكم الله، “أنت من التراب وإلى التراب تعود”، على غرار كل ما وُضع على الإنسان بعد السقوط، سوف يكون فعلياً إلى نهاية الدهر. لكن برحمة الله، بقوة تضحية المسيح العظيمة، لن يكون لهذا الحكم أي فعل في الزمن الآتي، عندما تتمّ القيامة العامة، فالقيامة لم تكن ممكنة لو لم يقم ابن الله نفسه من الموت، وهو الذي مات لإبطال الحكم المذكور ولقيامة الطبيعة البشرية بأكملها، لأن الذي قام كان إنساناً أي المسيح، تماماً كما أن الذي مات بالأصل كان إنساناً، أي آدم، وكلا الاثنين يحملان كلٌ في ذاته كلَّ الجنس البشري.

في أي حال، فليعلم الجميع أنه بعد تدبير التجسّد ما زال هناك وقت في هذه الحياة لإلغاء القانون الإلهي المتعلّق بالعقاب على الخطايا. إن أحكام الله التي وُضعَت على آدم الأول الذي أخطأ في الفردوس حين كان يحيا حياة بلا اهتمامات، لم تُبطَل عن حق في هذه الحياة وقد وُضعَت للجنس البشري كقانون طبيعي. لكن أحكام المسيح، بعد تدبير التجسد، التي أنزِلَت علينا نحن السالكين في هذه الحياة البائسة، صار ممكناً إبطالها في هذا الجيل. وكل مسيحي، إذا كان قد سقط تحتها، عليه أن يهتمّ بكل غيرة وجهد بأن تُرفَع عنه فيما هو هنا؛ لأنها أكثر هولاً من القوانين السابقة كونها تمتد إلى الدهور الآتية. إذا كانت القوانين السابقة، التي جرّدت الإنسان من الحياة الوقتية، أي قوانين الموت والفساد، تبدو غير مُحتَملة، فإنّ قوانين العقوبات الأبدية التي لا تنتهي التي سوف تُفرَض في الدهر الآتي سوف تكون أكثر ثقلاً ولن يطيقها الذين سوف يحبَرون على اختبارها.

فلنسمعْ الآن لماهيّة هذه القوانين بالتحديد. يقول سيدنا يسوع المسيح “وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ.” (متى 22:5). هذا يعني أن الذي يوجّه هذا الكلام لأخيه، ما أن يلفظه حتى يصير تلقائياً وبشكل مباشر عرضةً للعذاب الأبدي. لكن هذا القرار أو القانون الإلهي يفقد فعله ما أن يتوب الإنسان ويقرر صادقاً وبتصميم ألاّ يقول لأخيه مرة أخرى “يا أحمق”، وأنّه يفضّل أن يموت على أن يقول لأخيه المسيحي “يا أحمق”. على المنوال نفسه، بالتوبة والندم والتصميم على الامتناع عن الخطايا، تفقد كل قوانين الله الأخرى فاعليتها.

لكن فليكن معلوماً عندنا أنّه فقط هنا في هذه الحياة وحيث يوجد انتهاك لوصايا الله، فقط هنا يمكن إبطال قوانين الحساب الإلهي المرعِبة، بسبب رحمة الله غير المحدودة وبقصد توبة صادقة وكاملة. لكنّ مَن لا يتوب تقع عليه هذه القوانين بشكل أكيد. من دون تقصير سوف يُعاقَب الذي يعبد الرب بالإثم مثل شرير: مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها سوف يُعاقَب مثل زانٍ، المغتصِب سوف يُعاقَب مثل عابد أوثان. إلى هذا، إذا تاب أحدٌ عن هذه الخطايا وما شابهها، ولكن في الوقت عينه كان بلا رحمة، غير شفوق وقاسي القلب، أي أنه يقابل الشر بالشر ولا يغفر لأعدائه، فهو لن يحصّل أيّ مردود من توبته، بل سوف تكون عقيمة، بحسب حكم الرب الذي يقول: “لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ.” (متى 2:7). وليس هذا فقط بل قد يكون ما هو أسوأ.

قد يكون أنّ أحدهم بعد أن يتوب توبة صادقة سوف يحصل على رحمة الله وغفران كل ديونه من الخطايا. لكن بعد هذا يصير بلا رحمة ولا شفقة على الآخرين لا يغفر لهم ما له عليهم، فهو يكون قد بدّد بنفسه تنازل الله نحوه والرحمة التي أظهرها له، على ما يقول الكتاب المقدّس: “أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟. وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ.” (متى 33:18-34).

فليعطِنا الرب أن نتوب عن خطايانا وأن نكون رحومين ورؤوفين على إخوتنا، لكي يؤهّلنا للبركة الأبدية بالمسيح نفسه، الإله الحقيقي الذي له المجد إلى الأبد. آمين.

* لا يعني كلام القديس هنا أن المسيحين لا يخطئون بل واضح تعليمه في عظاته بأن المسيحي لا يخطئ طالما النعمة مفعّلة فيه. فالمسيحيون يبقون خطأة أمام الله بقدر ما لا يفعّلون النعمة. فعندما يخطأ المسيحي تطون خطيئته علامة على توقف عمل النعمة فيه. فبحسب تعليم القديس، كل الجهاد في حياة المسيحي هو للحفاظ على هذه النعمة ناشطة وفعّالة ولاكتسابها مجدداً عندما نحسّ بأننا نخسرها. (المترجم)

الخطيئة الجديّة وإعادة ولادتنا

الخطيئة الجديّة وإعادة ولادتنا

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

تعريب الأب أنطوان ملكي

سقط آدم بعيداً عن الحق لأنّه وثق بالشيطان الذي كذب عليه، فتذوّق شجرة المعرفة، وهكذا كإنسانٍ صدّق كاذباً. بعد هذا، جاهدت الطبيعة البشرية كثيراً في طلب الحقيقة لكنّها لم تجدها. هذا تأكَّد بوضوح مع كل حكماء اليونان الذين لم يتمكنوا بأي شكل من الأشكال أن يتوافقوا حول تنوّع الحكمة البشرية أو يتحَدّوا هذا التنوّع أو يوجّهوه على الطريق الصحيح، بالرغم من أن الكثيرين استعملوا وسائل لهذا الهدف وكتبوا كمّاً من الأعمال الطويلة التي فيها يتفحّصون البر والرذيلة من كل وجهات النظر.

إن الحق هو من الله وهو مشتَمَل في كلمة الله ويُبلَغ إليه بنعمة المسيح. النعمة التي بيسوع المسيح، في قدرتها التي لا تُوصَف،  بسّطَت النظرات المتعددة المعقّدة، صححتها ووحدتها في وحدة ملموسة غير مهتزّة، مظهرةً بهذا أنّ كلّ السبل الأخرى والمقاربات عاجزة وغير عملية وبلا جدوى. إن الذين تقودهم هذه السبل يرتكزون على تحقيقات لكي يجدوا الحقيقة ولكنهم لا ينجحون في إيجادها:  فهي بعدل مختفية عنهم. إذ بما أنّ الإنسان، من ذاته وبدون أي قسوة، قَبِل الكذبة وصدّقها، فقد أدين بالبحث عن الحقيقة وعدم إيجادها، بالسعي وراءها وعدم بلوغها. وإلى هذا، بما أن الحقيقة احتجبت عنّا لأننا صدّقنا الكذب، بالطريقة نفسها تظهر الحقيقة مجدداً لنا عندما نؤمن بالحقيقة. آدم صدّق كذبة كانت مختبئة وغير واضحة، لكننا نؤمن بسرّ عظيم وجليّ: الله المتجسّد.

لقد حملت تلك الكذبة في ذاتها عدم قابلية التصديق لأنّها كانت بشكل مباشَر ضد تطبيق وصية الله، بينما حَمَل سر تجسّد المسيح الشهادة على صحّته من اسم الله. تلك الكذبة، ما أن صدّق آدم أنها الحقيقة، حتى انكشفت فوراً ككذبة لأنّ الذي صدّقها طُرِح بها في الفساد والموت، بينما هذا السر عندما يؤامَن به يستَعلِن حقيقة لأنَه يحرّر المؤمن به من الفساد والموت إذ تُطرَح منه قوة الخطيئة بعيداً وتُعطى له حالة النعمة أو البِر. وهكذا، فإن الحقيقة والكذبة تتضحان من نتيجتهما.

إذا أردتم أن تعرفوا نوع الخطيئة التي ارتكبها الشيطان، وطبيعة خطيئة آدم، فلن تجدوا إلاّ الكبرياء فقط. فالشيطان وآدم تكبّرا بسبب المجد العظيم الذي أُعطياه بسخاء. لقد تكبّرا لأنهما أُلبِسا المجد من دون أن يعرفا التواضع ولا الخزي، فهما لم يريا التواضع ولم يعرفا مقدار ضعة المرء وخزيه عندما يُطرَح من علو المجد. وبالتالي، فقد تكبرا إذ لم يكن فيهما الخوف من حدوث هذا. فقط فكِّروا، كم هو عظيم اتضاع السيد يسوع، وهو الإله، عندما واضع نفسه حتى إلى الموت الطوعي ومات على الصليب الذي كان عقاب أسوأ البشر. وهكذا، لقد كان هناك خطيئة واحدة، الكبرياء، وفضيلة واحدة، التواضع العظيم. فمَن مِنّا، بعد أن وجدنا أنفسنا في هذا الصِغَر والفقر، سوف يتكبّر، إلا إذا كان عادم الإحساس وأحمق؟ لا يملك أيُ واحد في هذه الحياة القوة الإلهية لكي يظهِر مجداً لامعاً، ولا يوجد أي إنسان يرتدي المجد قبل التواضع والخزي. لكن كلّ إنسان يُولَد في هذا العالم بلا مجد وبلا قيمة، وفقط فيما بعد يتقدّم، قليلاً قليلاً، ويصبح ممجَداً.

إذاً، ألا يكون الإنسان عادم الحسّ وأحمقاً إذا تكبّر بعد اختباره المسبَق لهذا الخزي والتفاهة؟ أليس القول بأنّه لا يوجد أحد بلا خطيئة إلا الله، حتى ولو عاش على الأرض يوماً واحداً، إشارة شخصية إلى الذين يخطئون، إذ كيف لابن يوم واحد أن يخطأ؟ لكن في هذا القول تعبير عن إيماننا بأن الطبيعة البشرية خاطئة منذ ولادتها. لم يخلق الله الإنسان خاطئاً بل نقياً ومقدساً. لكن بما أن أول المخلوقات آدم خسر لباس القداسة هذا، ليس بسبب أي خطيئة إلا الكبرياء وحدها، وصار فاسداً وقابلاً للموت، كل البشر الذين أتوا من نسل آدم مشاركون في الخطيئة الجدية منذ الحمل بهم وولادتهم. إن الذي وُلد على هذا المنوال، حتى ولو لم يرتكب أيّ خطيئة، هو خاطئ بهذه الخطية الجدية.

لهذا السبب صار هناك ولادة أخرى، أو ولادة جديدة، تجدد الإنسان بالمعمودية المقدسة بالروح القدس، وتوحّده مجدداً بالطبيعة الإلهية كما كان يوم خلقه بيدي الله، وتعيد كل قوى نفسه، وتجددها وتأتي بها إلى الحالة التي كانت عليها قبل عصيان آدم أول الخلائق؛ بهذه الطريقة تقوده إلى ملكوت الله، حيث لا يدخل أي إنسان بلا معمودية، وتنيره بنورها وتمنحه تذوّق أفراحها. وهكذا فإن كل معتمد يصبح مثل آدم قبل العصيان ويُقاد إلى داخل الفردوس العقلي ويتلقّى الوصية كي يعمل بها ويحفظها: يعمل بها بإتمامه وصايا يسوع المسيح الذي أعاد خلقه، ويحفظها بحفاظه على نعمة الروح القدس التي أُعطيَت له بالمعمودية المقدسة والاعتراف بأن قوة هذه النعمة الساكنة فيه تنجز معه وصايا المسيح. في هذا يكمن الحفاظ على الوصية. وكما أنه يستحيل أن يقف بيت بلا أساس، كذلك أيضاً يستحيل على النفس التي تؤمن بالمسيح أن تظهر الحياة التي ترضي الله إذا لم يكن أساسها نعمة الروح القدس. فالصوم والسهرانيات والنوم على الأرض والسجدات والتضرّع وكل أنواع العذابات التي يسببها الشرير ليست شيئاً من دون النعمة الإلهية. وإذا سمعتم بأن أحداً ما، بعد أعمال مسيحية جليّة، سقط بعيداً عن المسيح، فاعلموا أن نعمة الله لم تكن معه في ذلك الحين. فالروح القدس يعطي الحياة للنفس، كما تعطي النفسُ الحياةَ للجسد، وتصبح النفس قوية راسخة وثابتة.

عظيم هو هذا السر. فليكن الإنسان وقوراً أمامه، ولينتبه له ويحفظه. بهذه النعمة من الروح القدس تتم في القلب ذبيحة التسبيح ويصبح القلب طاهراً منسحقاً متواضعاً وعارفاً بأن لا شيء مما عنده يتعالى من دون الكبرياء. إن تواضع القلب المنسحق الذي يقلل من شأن نفسه، هذا التواضع الحقيقي الذي ليس للتباهي ولا هو من المجد الباطل، هو بالضبط ذبيحة التسبيح المقدمة إلى الله. ليس كل الخطأة غير طاهرين أمام الله بل بالأحرى كلّ المتعالين والمتكبرين، لأنه ليس هناك مَن هو بلا خطيئة. أما متواضع القلب فهو بار وهو يتصرّف ببر، لأنه ممتلئ من نعمة الروح القدس التي تعلّمه على كل خير وتقويه فيه. هذه النعمة تعطيه ذلك الشيء الذي بدونه “لن يرى أحد الرب” (عبرانيين 14:12). لهذا السبب قيل: “فليخزَ الشرير، حتى لا يرى مجد الرب” (أشعياء 10:26). ومَن هو الشرير؟ إنّه المتعالي الذي فيه تتساوى درجة قلة التقوى بدرجة كبريائه، وعلى عكس ما تتساوى درجة التقوى بدرجة التواضع في متواضع القلب.

لكن مَن هو متواضع القلب؟ ليس الحكيم، ولا صاحب المعرفة الواسعة، ولا الباحث، ولا الفنان، ولا العامل، بل هو مَن حاز على نعمة الروح القدس التي، إذ تطهر الروح من كل خطيئة وتعلّمها أن تحيا بالبِر وإرضاء الله، تعطي للنفس الحكمة الصحيحة والمعرفة والقدرة على التصرف.

لهذا صار ابن الله إنساناً ومات، مقدّماً ذاته فداءً لكل البشر. ومع ذلك، فإن موته كان ضحية لا غنى عنها من أجل الأبرار الذين ماتوا قبل مجيئه بالجسد. إذ أن أحداً، بعد عصيان آدم، من بين الأبرار، لم يكن ليخلص لأن كل البشر كانوا خاضعين لخطيئة سلفهم آدم وللفساد والموت، فيما كان السيف الملتهب يمنع أياً كان من دخول الفردوس الذي طرد منه آدم، لأن تلك المنازل في الفردوس ما كانت لتستقبل أحداً غير النفوس غير المدنّسة والطاهرة من كل خطيئة على ما يقول الرسول: “لا يرث الفساد عدم الفساد” (1كورنثوس 50:15). وهكذا، كان ضرورياً أن يُقدّم ابن الله غير الفاسد، عن طريق جسده القابل الفساد، كذبيحة ليعتِق هؤلاء الأبرار من الفساد. هم كانوا عاجزين عن التوصل بأنفسهم إلى عدم الفساد الذي سقط آدم منه، بل هذا كان عمل حكمة المسيح الذي تمّ بالرأي الصحيح والبِر. وللذين وُلِدوا بعد ميلاد المسيح، أعطى أيضاً تضحية وغذاءً من خلال تناولهم الأسرار الفائقة الطهارة، التي بها يجدد الإنسان ويعيد ولادته من خلال الاتحاد الذي يدخل فيه مع الذين يتناولون، وبقوة الألوهة غير الموصوفة يضمّهم جوهرياً إلى نفسه، أي أنه يجعلهم آلهة بالنعمة، تماماً كما النار بتغلغلها تجعل الأجسام الصلبة التي تتلقاها ناراً فتخترقها، كما هو حال الحديد والبرونز وما شابهها من الأشياء التي تصير ناراً. ومع ذلك، إنه لا يغيّر طبيعتها بل ما يسببه فقط هو أن هذه الأجساد تكون ناراً طالما هي في هذه الوحدة مع النار. وهذا ما اشتهاه الأنبياء والملوك والأبرار الذين كانوا قبل المسيح، لأنهم رأوا مسبقاً أولئك الذين سوف يكونون جسداً من جسد المسيح وعظماً ومن عظامه، فيما رأوا أنفسهم محرومين من هذه الأمور الحسنة العظيمة.

أمّا للذين تعلّموا سرّ المسيحية العظيم وفهموه وآمنوا به ومن ثم سقطوا لكونهم أناساً يحملون الجسد، فلاستعادة ما فُقِد لا يوجد أي وسيلة غير التوبة عن كل خطاياهم. عليهم أن يسرِعوا إلى الطبيب الروحي، وبعد أن يعترفوا بخطيئتهم ويكشفوا جرحهم أمامه، ولكي يشفوا عليهم، بطاعة ورغبة، أن يقبلوا ما يعطيهم أبوهم الروحي من الفروض التي تتوافق مع القوانين، لأنّ هذه الفروض تفك رباطات الخطيئة وتنفع الجراح كعلاج مناسب للنفس. إنه أساسي، أقول، أن يحمل الذين يخطئون بعد المعمودية فروضاً، لأنهم قد سبق واستناروا وتذوّقوا العطية الإلهية (عبرانيين 4:6)، أي أنهم عرفوا قوة المسيح بالخبرة، وبالتالي عليهم أن يقفوا بشجاعة في وجه التجارب ولا يخطئوا، على ما يقول الرسول: “الخطيئة لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة ” (روما 14:6).

لو أنهم لم يزدروا بنعمة الله التي سبقت لهم معرفتها لما كانوا سمحوا لأنفسهم أن يخطئوا. لقد جعلوا أنفسهم مذنبين نحو دم المسيح بعد أن طهّروا ضميرهم من الأعمال الميتة لكي يخدموا الإله الحي الحقيقي. إذاً، إنهم بحاجة إلى تطهير ثانٍ بالتوبة المصحوبة بالأعمال والعَرَق، بالتأوهات والدموع، حتى أن كلاً منهم يستطيع أن يقول للرب: “أُنظُرْ إلى عنائي وتَعبي، واَغْفِرْ جميعَ خطايايَ” (مزمور 18:24). هذا ضروري ليس لأن الله يحتاج هذه الأعمال والعرق من التائب بل لأن التائب، وقد حصل على نعمة الله بدون تعب، لا يزدريها مجدداً كما في السابق فلا يُدان أبدياً بالاحتراق في نار الجحيم التي لا تُطفأ.

لكن هناك مَن لا يعرفون سر المسيحية وهم مدعوون “مسيحيين” لمجرد أنهم تعمّدوا، وهم القسم الأكبر من المعمّدين. لكن أحداً لم يعلمهم التعليم المسيحي فبقوا جاهلين بالكلية، وأقول، بقوا بغير استنارة، أقصد الاستنارة بالمعمودية وليس الاستنارة بالمعرفة، لأنهم لا يعرفون ولا يفهمون بالحقيقة ما هو سر المسيحية، فعندما يعترفون نادمين بما ارتكبوا من الخطايا بعد المعمودية، فينبغي عدم ربط نفوسهم كثيراً ولا تحميلهم فروضاً صعبة، فهذا لن ينفعهم لأنّهم، كونهم لم يتعلّموا ولم يستنيروا ولا يملكون معرفة سر المسيح، لا يحسون بهذه الفروض والرباطات كما يناسب. إنهم يؤمنون عن جهل وبالجهل خطئوا وكما أنهم أخطئوا من غير فهم، فلن يستطيعوا أن يفهموا حساسية علاجهم الروحي كما يلائم.

أمّا للذين تعلّموا واستناروا ويعرفون سر المسيحية، على قدْر معرفتهم وخطيئتهم، فيُحكَم بحسب نوع معرفتهم للمسيحية وإدراكهم لها وبحسب صرامة الخطيئة التي ارتكبوها، ولهم مطلوبة الرباطات والعلاجات والحروقات وعذاب الشر، أي الأصوام والسهرانيات والنوم على الأرض والركوع وما تبقى. أمّا الذين لم يعرفوا ولم يتعلّموا سر المسيحية فلهم مطلوب في التعليم الآتي إعلان الإيمان والاستنارة، فقط بعد الكفارات القانونية. إذ إنه بلا معنى الربط والحرق، أي أنه بلا معنى فرض الكفارات بحسب القوانين على من يعجز عن الإحساس بها، تماماً كما هو بلا معنى إعطاء العلاج لإنسان ميت.

ومع ذلك، يقول بولس الإلهي، أن الذين أخطئوا في الناموس، أي عن معرفة بسر الإيمان والمسيحية، فسوف يدانون بالناموس، أي أنهم سوف يحاكَمون ويعطَون كفارات بحسب كامل صرامة القوانين المقدسة. أمّا الذين أخطئوا من دون الناموس، أي أنهم لا يعرفون كل ما يتعلّق بالإيمان وما هو ضروري للخلاص ولم يتعلّموه، فسوف “فَبِغيرِ شريعةِ موسى يَهلِكونَ” (روما 12:2) أي أنّهم سوف يهلكون، حتى ولو بدون تطبيق القوانين الإلهية عليهم، إذا لم يتوبوا، وبالرغم من أنهم قد يقدّمون، بلا جدوى، في دفاعهم حقيقة أنّهم لم يعرفوا كيف ينبغي أن يتصرّفوا، لأن الرب قال “يكرَز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم” (متى 14:24). إذا أُدينت الشعوب بهذه الطريقة (بسبب الجهل)، فكم بالحري هؤلاء المسيحيون سوف يدانون كونهم في حظيرة كنيسة المسيح، لا يعرفون التعليم الحقيقي عن الورع المسيحي لأنهم لم يهتمّوا في أن يتعلّموا فيه بالطريقة الصحيحة، بسبب قلّة الاهتمام والازدراء بهذا العمل العظيم الذي قام به ابن الله لأجلنا. بالنسبة لهم، الله، كونه إلهاً، صار إنساناً وتحمّل الهزء المفرِط وقبل الموت على الصليب حتى ولو كان صانع شر.

إن الإيمان بالمسيح لهو عمل جيد وعظيم، لأنّه بدون الإيمان بالمسيح من المستحيل لأي كان أن يخلص، لكن على المرء أن يُرشَد في كلمة الحق ويفهمها. إنّ التعلّم في كلمة الحق أمر حسن، وفهمها ضروري. لكن على الإنسان أن يتقبَل المعمودية باسم الثالوث الإلهي المعطي الحياة لإحياء النفس. إنه لأمر حسن تقبّل المعمودية ومن خلال المعمودية الحياة الروحية الجديدة لكنه ضروري أن يحسّ الإنسان بشكل واعٍ بهذه الحياة السرية أو هذه الاستنارة العقلية في الروح. لكن على المرء أن يظهِر أعمال النور. إنّه لأمر حسن القيام بأعمال النور لكن على الإنسان أن يلبس تواضع المسيح وطول أناته لكي يكون شبيهاً به بشكل كامل. إن الذي يبلغ إلى هذا يصبح متواضعاً ومتخشعاً في القلب وكأنه بشكل طبيعي صاحب هذه الصفات، سوف يدخل على الأكيد ملكوت السماوات وفرح ربّه.

فضلاً عن ذلك، في ما يختصّ بكل الساعين على درب الرب بحسب الرتيب الذي أشرتُ إليه، إذا حدث وقطع الموت سعيهم في وسطه، فسوف لن يُبعَدوا عن أبواب ملكوت الله ولن تُغلَق هذه الأبواب أمامهم، على نحو رحمة الله غير المتناهية. أما الذين لا يركضون بهذه الطريقة، فإن إيمانهم بالسيد المسيح تافه، هذا إذا كان عندهم إيمان. للرب المجد والشرف الآن وإلى الأبد وإلى دهر الداهرين. آمين.

خطيئة آدم وخلاصنا

خطيئة آدم وخلاصنا

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لن يجد أحد أن الفردوس خُلِق بسبب الضرورة أو العجز، ولا لأي سبب حاسم آخر، إنّما فقط بسبب الازدراء بوصية الله، بسبب العقوق والردة اللذين أظهرهما آدم نحو الله خالقه. إلى هذا، فقد أعطاه الله فرصة للتوبة كي يحصل على الغفران. هذا كان لسببين: أولاً، لأنه لم يبتكر الشر بنفسه، لكنه خُدِع واقتيد إلى الخطأ بمشورة الشيطان، وثانياً، لأنّه كان يلبس بَشَرة، إذ إن آدم كمخلوق كان عُرضَةً للتغيّر، لكنّه لم يكن ممكناً له السقوط الكليّ في الارتداد عن الله، لى غرار ما فعل الشيطان والأبالسة غير المتجسّمين الذين تبعوه.

إذاً، لقد تُرِك للإنسان أمل كبير باقتناء المغفرة، إذ أنه لابس ذلك العيب الطبيعي الذي اكتسبته الطبيعة البشرية بعد السقوط، وبسببه هو يخطأ. مع هذا، هذا لا يبرّر خطاياه، لكن ينبغي فقط أن يوحي إليه بأن يستعجل إلى الله بأسرع ما يمكن مع إحساس بعرفان الجميل نحوه لأنه أعطاه فرصة أن يتوب، وأن يطلب منه المغفرة والقوة: المغفرة عن خطاياه، لأنه وإن أخطأ بسبب الضعف البشري، فعليه أن يقاوم إلى الموت. والقوة، حتى يتلقّى من الله القدرة، بنعمة المسيح، على ألاّ يخطأ، بل ليقوم فقط بالأعمال الحسنة التي ترضي الله.

لم يخطأ أحد، ولا يستطيع أحد أن يخطأ أبداً، كما فعل آدم، لأن أحداً لم يساوِه ولن يساويه في كل شيء. هذا يعني أن لا أحد مثله في كونه غير معرَّض للمِحَن، بلا اهتمام، ومتحرراً من كل الحاجات الطبيعية. إذ، لاحظوا، أي عقاب عُيِّن لآدم وذريته لانتهاك الوصية في الفردوس: العطش، الجوع، البرد في الشتاء، الحر في الصيف، ومن كل هذه الحاجة للطعام والشراب واللباس والمأوى، وكل هذه تتطلّب عملاً وإقلاقاً للنفس وعرقاً مدى الحياة. وماذا يتبع أيضاً؟ نفاد الصبر بسبب كل الحاجات التي ذكرناها، ومعارضة لحُكْم الله لأن كل إنسان مخلوق لهذه الحياة الحاضرة، ولا يعلم أن كل هذا العقوبات المؤقَّتة قد وُضعَت على كل الجنس البشري بسبب معصية الجد الأول آدم، يتلقّاها لا بالشك بل بالتأفف الوقح منها. وإذ يرغب بالراحة من حاجاته فهو يحسد ويجاهد ليكسب أكثر من حاجته فيأخذ ما لغيره، ويكون غير عادل.

وهكذا، هذه هي خطايانا، أي أننا لا نحمل العقوبات الوقتية التي من الله ولا نشكره عليها بل نتواقح ونتصرّف كأننا أعداء الله فنكون ضد الحكم الإلهي القائل بعرق جبينك تأكل خبزك (تكوين 19:3)، ونبذل كل قوتنا لكي نجد الراحة ولا نجدها لأنه لا يوجد أي فرصة لدينا للهروب من الأعمال والأعراق، ولا من هذا الاستعباد للحاجات، مهما عملنا.

لهذا، مغبوط هو ذلك الذي يحتمل كل هذه التأديبات الوقتية بامتنان، معترفاً بأنه أدين عن حق بسبب الخطيئة الجدية. نعم هو سوف يجد الراحة من أعماله لأن بسبب هذه الضربات أعطى الله الكلي الصلاح الموتَ للبشر حتى أن الذين يحتملون هذه الآلام بالشكران يرتاحوا منها لبعض الوقت ومن ثم يُقامون ويمجَّدون في يوم الدينونة من خلال آدم الجديد، يسوع المسيح البريء من الخطأ والرب الذي “أُسلِم من أجل خطايانا و أٌقيم لأجل تبريرنا”(روما 25:4).

إن الرب الذي أتى إلى العالم وتأنّس قدّم للبشر الصلاحين العظيمين التاليين: لقد وحّد الطبيعة الإلهية مع البشرية حتى يُتاح للإنسان أن يصير إلهاً، وفي هذا الإنسان الذي صار إلهاً بالنعمة، سكن الثالوث الفائق القداسة سرياً. فكيف يستطيع مَن مُنِح هذه العطايا العظيمة أن يخطأ بعد هذا. كما يقول الإنجيلي يوحنا: “كلّ مّن هو مولود من الله لا يفعل خطيئة لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنّه مولود من الله” (1يوحنا 9:3).

وما هي الخطيئة؟ الأفكار والكلمات والأعمال الشريرة. فإن الذي مُنِح فعلاً أمور الله الصالحة في تأنّس الإله لا يستطيع أن يأذن لهذه الأشياء بأن تحدث له. لا يمكن له بأن يسمح بها، وإذا سمح بها ولو قليلاً، فهو يكف عن كونه ما هو عليه. إن مَن يفتكر أحياناً بأمور حسنة وأحياناً بأمور سيئة، مَن كلامه أحياناً حسن وأحياناً سيء، مَن أعماله أحياناً صالحة وأحياناً شريرة، هو مثل إنسان يذهب أحياناً إلى هيكل الله وأحياناً إلى هيكل الأصنام، أحياناً يعبد الله وأحياناً الشياطين. أيمكن لإنسان يقيم الله فيه أن يكون على هذا المنوال؟

إذاً، على المسيحي دائماً أن يفكّر ويتكلّم ويعمل فقط ما هو صالح، إذ بحسب قول السيد “لا يقوم بيت مقسوم على ذاته” (متى 25:15). لكن على المرء أن يحفظ دائماً في فكره أنه من المستحيل على الأفكار أن تكون دائماً حسنة، ومن هذه الأفكار تنشأ عادةً الكلمات والأعمال المشابهة لها، إلاّ إذا أتى المسيح السيد وسكن أولاً في الفكر، وهذا ما ينبغي بنا أن نبذل من أجله ما في استطاعتنا، أي أن يأتي المسيح السيد ويسكن في فكرنا.

يقول يوحنا الإنجيلي “لأجل هذا أُظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس” (1يوحنا 8:3). أعمال الشرير هي كل أنواع الخطايا: حسد، كذب، مكر، كراهية، خصومة، حقد، افتراء، غضب، غيظ، غرور، زهو، فقدان للرحمة، اشتهاء ما للغير، اغتصاب، إثم، شهوة رديئة، مخاصمة، استياء، اهتياج، سخرية، تجديف، نسيان لله، وكل ما عداها من الشرور. وهكذا، ماذا يجني المسيحيون الذين يقومون بهذه الأعمال من تسميتهم مسيحيين، ما لم يقضِ تجلِّ ابن الله فيهم على أعمال الشرير هذه؟

إذا قال أحد ما أن الذين على هذه الحال يشرحون الكتاب المقدس ويتفوّهون باللاهوت ويعلّمون العقائد الأرثوذكسية، فليعلم أن عمل المسيح ليس في هذا. لا يقول يوحنا الإنجيلي أن ابن الله ظهر لهذا الهدف، أي لكي يتفوّه البعض باللاهوت ويفاخروا بأرثوذكسيتهم، بل لكي يبيد أعمال الشرير. في ما يختص بهؤلاء، أقول أن على الإنسان أن يطهّر الإناء أولاً ومن ثم يضع فيه الطيب حتى لا يتدنّس الطيب نفسه وبدل العبير يخرِج رائحة رديئة. إن ابن الله، الكلمة، لم يتأنّس فقط لكي يؤمن الناس بالثالوث الأقدس ويمجدوه ويتكلّموا لاهوتياً عنه، بل لكي يهدم أعمال الشرير. من بين كل الذين تسلّموا إيمان المسيح، يُعهَد بأسرار اللاهوت والعقائد الأرثوذكسية إلى الذي أبيدَت فيه أعمال الشرير. أمّا الذين لم تزل فيهم هذه الأعمال وما زالوا مرتبكين بها بما فيه الإهانة لله والتجديف عليه، فهم بالجوهر في نفس درجة الوثنيين الممنوعين المحظورين، ليس فقط من قراءة الكتاب المقدس وشرحه، بل حتى من دخول هيكل السيد للصلاة هناك، كما هو مكتوب: “وللشرير قال الله ما لك تحدّث بفرائضي وتحمل عهدي على فمك. وأنتَ أبغضتَ التأديب وألقيت كلامي خلفك” (مزمور 16:49-17).

إن الذي لا يحمل في قلبه ناموس الله يكره التأديب والإصلاح اللذين توحي بهما كلمات السيد ويسدّ إذنيه حتى لا يسمع كلمة الله التي تعلن عن الدينونة الآتية وعقاب الخطأة، أو نار جهنم التي لا تُطفأ والعذابات الأخرى في الجحيم، والحكم الأبدي الذي لا ينجو منه أي إنسان متى خضع له. إن الذي لا يكافح بكل قوته لأن يضع دائماً أمام عينيه وصايا الله ويحفظها، بل بالمقابل يزدري بها ويفضّل عكسها عليها ويتصرّف على هذا الأساس، يطرح كلمات الرب وراءه.

سوف أفسّر بهذا المثل. عندما يسمع أحدهم وصايا الرب “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات” (متى 17:4)، وأيضاً “؟؟؟ لتدخلوا في الباب الضيق” (لوقا 24:13)، فلا يتوق إلى التوبة وإلى إلزام نفسه بالعبور بالباب الضيق، بل يقضي أيام حياته في طيش عظيم مضيفاً إلى خطاياه السابقة في كل ساعة خطايا جديدة، مقدماً الراحة لجسده على حساب ما هو ضروري لا بل وما هو لائق، ما يقدم إشارة إلى الطريق الواسع العريض الذي يؤدي إلى الضياع، وليس إلى الطريق الضيق المحزِن الذي يقود إلى الحياة الأبدية، أليس جلياً أن هذا الإنسان يطرح وراءه كلمات الله أي أنه يزدري بها ويفعل إرادته، أو بتعبير أفضل، إرادة الشيطان؟ بالواقع، يصف داود النبي مَن يلقي وراءه كلمات الله: “أطلقتَ فمَك بالشرّ ولسانك يخترع غشاً. تجلس تتكلّم على أخيك. لابن أمّك تصنع معثرة. هذه صنعتَ وسكتُّ. ظننتَ أني مثلك. أوبخك وأصف خطاياك أمام عينيك. افهموا أيها الناسون الله لئلاّ أفترسكم ولا منقذ. ذابح الحمد يمجدني والمقوّم طريقه أريه خلاص الله” (مزمور 19:49-23).

ألا ترون أن هذا الإنسان قد نسي الله وهو يستحق عقاباً أعظم من الكافر الذي لم يعرف الله أبداً؟ إذ، كونه عرف الله، كما يقول الرسول، هو لا يمجده بل يسيء إليه في عَمْلِه أعمال الشرير. وهكذا فهو عدو الله، حتى ولو بدا وكأنه الأكثر جدارة بالثقة بين معلمي العقائد الإلهية واللاهوت الأرثوذكسي. ومن المستحيل أن يقدر هكذا إنسان على إعلان العقائد الإلهية والتفوّه باللاهوت بأمانة، إذ كيف للفكر المعتّم بضمير مدنس أن يفكر على نحو صحيح وبطهارة؟ وحده الذي تحرر من أعمال الشرير وهو ثابت في احتواء الله في فكره يستطيع أن يعلن أسرار الله بأمانة كونه لم يعد مربوطاً بأعمال الشيطان. فلينجّنا جميعنا سيدنا يسوع المسيح من هذه الأعمال حتى ندخل ملكوته، له المجد إلى الأبد. آمين.

خطيئة آدم وافتداء المسيح لنا

خطيئة آدم وافتداء المسيح لنا

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

1.  مما تكوّنت خطيئة آدم؟

آدم أول الخليقة، كونه كان في الفردوس، سقط في الغرور بخديعة الحية. ولأنه حلم بأن يكون إلهاً على ما أخبره الشرير، تذوّق الشجرة التي منها أمره الرب بالاّ يأكل. لهذا سُلّم إلى تأديبات عظيمة: الفساد والموت وتذليل زهوه. لكن يعط حكماً عندما يدين الرب لسبب ما، وحكمه صار الأعمال والعقاب الأبد، ولم يعد هناك أي إمكانية لإبطال هذا الحكم الصادر عن قضاء الله.

لكن افتكروا الآن: أخطأ آدم خطيئة كبيرة إذ لم يؤمن بكلمات الله، لكنه صدّق أقوال الحية. قارنوا الله بالحية، وسوف ترون كم هي عظيمة خطيئة آدم الحكيم. في حكمته العظيمة أعطى أسماء لكل الحيوانات (تكوين 19:2-20). ولكن بكل وحه صدّق الحية وليس الله، فتخلت عنه النعمة الإلهية التي كانت قد استراحت عليه. ظن آدم أن الله يحسده وأنه لا يرغب له بأن يعرف الخير والشر، وافتكر أن الله أوصاه بعدم تذوق ثمرة شجرة معرفة الخير والشر حتى لا يصبح هو بدرره إلهاً مثل الله الذي خلقه. فتذوّق، وعرف مباشرة عريه، وبدل أن يصبح إلهاً أصبح قابلاً للفساد، وكفاسد صار قابلاً للموت.

2.  كيف صار كل الناس، بسبب خطيئته، قابلين للفساد والموت؟

ولاحظوا كما ترون، حكم الله يبقى إلى الأبد كعقاب أبدي. وكلنا نحن البشر أصبحنا قابلين للفساد والموت، وليس هناك ما يزيح هذا الحكم العظيم المرعب. وإذ ليس هناك إمكانية لرفع هذا الحكم، فما هي الفائدة في الحكمة أو الثروة أو السلطة أو حتى في العالم كله؟ لهذا السبب، ابن الله ذو القدرة الكليّة، الرب يسوع المسيح، واضع نفسه في مكان آدم. وبالحقيقة قد واضع نفسه حتى إلى موت الصليب. كلمة الصليب، كما يقول الكتاب المقدّس، هي “ملعون كلّ مَن عُلّق على خشبة” (غلاطية 13:3).

أخذ آدم من ثمرة الشجرة بدون أن يكون محتاجًا لها، وهي الشجرة التي أوصاه الله بألاّ يذوقها، منذراً إياه بأن يموت إذا تذوقها. لقد تذوّق ومات. علنا أن نعرف بما أنّ للإنسان جسد ونفس، فعنده موتان: موت النفس وموت الجسد. وعلى المنوال نفسه، هناك أيضًا بقاءان: بقاء النفس وبقاء الجسد، بالرغم من أنهما في إنسان واحد، لأن النفس والجسد هما إنسان واحد.

وهكذا، آدم مات بالروح مباشرة ما أن تذوّق. ولاحقًا، بعد تسعمئة وثلاثين سنة مات بالجسد. فكما أنّ موت الجسد هو افتراق النفس عنه، كذلك موت النفس هو افتراقها عن الروح القدس الذي به خلق الله الإنسان وسرّ بأن يظلله حتى يعيش كالملائكة مستنيراً دائماً بالروح القدس ويبقى صامدًا في وجه الشر. لاحقاً، لهذا السبب، صار كل الجنس البشري قابلاً للموت في الجسد والنفس، تمامًا كما صار آدم الأب الأوّل. لم يعد الإنسان كما خلقه الله. ولم يعد هناك أي إمكانية لأن يصبح أيّ مخلوق كما كان آدم قبل عصيانه الوصية. لكنه كان ضرورياً أن يوجد إنسان مثل هذا.

3. كيف حرّر الإله المحب البشر الجنس البشري من الفساد والموت بواسطة تدبير التجسد؟

وهكذا الله، رغبةً منه في أن يكون الإنسان مثل آدم عند خلقه في البدء، أرسل إلى الأرض في الزمان الأخير ابنه الوحيد. فأتى وتجسّد وقبل بشرية كاملة، حتى يكون إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً، وهكذا يكون للألوهة إنسان مستحق لها.

وانظروا إلى هذا الإنسان! لم يكن ولا يوجد اليوم ولن يكون مثله. ولكن لماذا صار المسيح هذا الإنسان؟ لكي يحفظ الشريعة والوصايا، وهكذا ليدخل في معركة مع الشرير ويغلبه. كلاهما، الإنسان والإله كانا فيه. إذ لو كان المسيح الإله فقط، أي الذي أعطى الوصايا والشريعة، فكيف له ألاّ يحفظ ما أعطاه بنفسه؟ وإذا كان هو الله، كما هو بالحقيقة، فكيف يمكن له أن يُخدَع أو يُضلّل بتحايل الشيطان؟ فالشيطان على الأكيد، كونه أعمى وأحمقًا، قام مصارعًا المسيح. لكن هذا كان حتى يتمّ سر عظيم مهيب، أي حتى أنّ المسيح البريء من الخطأ يتألّم، وعبر هذا الألم يحصل آدم الذي أخطأ على الغفران. لهذا أيضًا كان الصليب بدل شجرة المعرفة، وبدل حركة قدمي الجدّين الأولين نحو الشجرة المحرّمة، وبدل مدهما ليديهما لأخذ ثمرة الشجرة، علّقت يدا ورجلا المسيح البريء، وبدل تذوّق الثمرة، كان طعم المرّ والخل، وبدل موت آدم كان موت المسيح.

ثم ماذا جرى؟ رقد المسيح في القبر لثلاثة أيام، من أجل سرّ الثالوث الأقدس، ولكي يُظهر أنّ التدبير هو عمل الثالوث  كله حتى ولو كان الوحيد الذي تجسّد وتألّم.

وممّا يتكوّن هذا التدبير؟ أحد أقانيم الثالوث القدّوس، أي إبن الله وكلمته، في تجسده قدّم نفسه بالجسد كضحية لألوهة لله وألوهة الابن وألوهة الروح القدس، حتى يُغفّر عصيان آدم الأول خيرياً بسبب هذا العمل العظيم المهيب أي بسبب الضحية المسيح ولكي تتمّ بقوتها ولادة جديدة وإعادة خلق للإنسان بالمعمودية حيث نتطهّر بالماء الممزوج بالروح القدس. منذ ذلك الحين، يعتمد الناس بالماء ويغطَّسون فيه ويُنتَشَلون ثلاث مرات على صورة دفن السيد الثلاثي الأيام، وبعد أن يموتوا فيه عن هذا العالم الشرير، في النشلة الثالثة هم أحياء وكأنهم أُقيموا من الأموات أي أن نفوسهم قد أتت إلى الحياة مجدداً وحصلت على نعمة الروح القدس كما كانت عند آدم قبل الخطيئة. ومن ثمّ يُدهَنون بالميرون المقدّس وبه يُمسَحون مع يسوع المسيح، ويشعّون بطريقة تفوق الطبيعة. وكونهم بهذا صاروا مستحقين لأن يكونوا مشاركين مع الله، فهم يتذوّقون جسده ويشربون دمه، ومن خلال الخبز والخمر المقدَّسين يصيرون من نفس جسد ودم الله الذي تجسّد وقدّم نفسه كضحية.

بعد هذا لا يهود ممكناً للخطيئة أن تتسلّط عليهم أو أن تستبد بهم، لأنهم آلهة بالنعمة. بما أنّ آدم سقط تحت اللعنة وعِبره كل البشر المتحدّرين منه، إذًا حكم الله المتعلّق بهذا لا يمكن إبطاله، وبالتالي المسيح كان لعنة لنا من خلال تعليفه على شجرة الصليب لكي يقدّم نفسه ضحية لأبيه، كما قيل، ولكي يبطِل حكم الله بقيمة الضحية الكبيرة. إذ ما هو الأعظم من الله، كما أنه لا يوجد في الخليقة المنظورة ما هو أعظم من الإنسان (لأن كل شيء خُلق من أجله)، كذلك الله هو أعلى من اكل المخلوقات بشكل لا يٌقارَن ولا يستطيع أي شيء أن يقارَن به، لا الخليقة المنظورة ولا غي المنظورة.

وهكذا، الله، الأعلى بكل لا يُقارن من كل خليقة منظورة وغير منظورة، قبل الطبيعة البشرية الأرفع من كل الخليقة المنظورة وقدّمها كضحية إلى ربّه وأبيه. ولأن أراد أن يشرف هذه الضحية، لم يتركها بيد الموت. لذلك أبطل حكمه وأقام أولاً من الموت ذاك الذي قدّم نفسه ضحية للفداء وكبديل عن البشر الذين هم من سلالته، وهم سوف يقيم أيضاً كل البشر في اليوم الأخير عند نهاية هذا العالم. وإلى هذا، نفوس الذين يؤمنون بيسوع المسيح ابن الله، بهذه الضحية العظيمة الرهيبة، يقيمها الله في الحياة الحاضرة. ونعمة التي يعطيها الروح القدس التي يمنحها لكل مسيحي وكأنها نفس جديدة هي إشارة إلى هذه القيامة. إن نفس المسيحي هذه تسمّى “جديرة بالثقة” أو مؤمنة، لأنها مؤتمنة على الروح القدس الذي من الله وهي مقبولة منه. فروح الله هو الحياة الأبدية، لأن الروح القدس هو الله الأزلي المنبثق من الله الآب.

4. ممّا يتكوّن سر ودفن ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح؟

وهكذا إذاً أصبح الصليب وكأنه مذبح هذه الضحية الرهيبة – إذ على الصليب مات ابن الله بسبب سقوط الإنسان – فلذلك يوقّر الصليب بحق ويكرّم ويصوّر كرمز القيامة العامة لكل البشر، حتى يتحرر الذين يسجدون خشبة أمام الصليب من لعنة آدم ويحصلون على بركة الله ونعمته لعمل كل الصالحات. عند المسيحيين، الصليب هو تمجيد وبهاء وقوة: لأن كل قوتنا هي في قوة المسيح المصلوب، وكل قابلية الخطيئة عندنا أميتت بموت المسيح على الصليب، وكل رفعتنا ومجدنا هي في اتضاع الله الذي تنازل إلى درجة أن يُسرّ بالموت حتى بين الأشرار واللصوص. لهذا السبب بالذات، المسيحيون الذين يؤمنون بالمسيح، يرسمون إشارة الصليب لا بشكل مجرد ولا كما يتفق ولا بقلة اهتمام، بل بكل انتباه وخوف ورعدة وبوقار مفرط. هذا لأن صورة الصليب تظهر المصالحة والصداقة التي دخل فيها الإنسان مع الله.

لهذا تخشى الشياطين صورة الصليب ولا يجرؤون على النظر إلى إشارته مصورة حتى ولا في الهواء، بل هم يهربون منها مباشرة عارفين أن الصليب هو إشارة المودة بين الله والبشر وبأنهم، كمرتدين عن الله وأعداء له مبعدين عن وجهه الإلهي، ليس لديهم الحرية للاقتراب من الذين تصالحوا معه واتحدوا به، ولا هم يستطيعون أن يجربوهم. وإذا بدا وكأنهم يجربون بعض المسيحيين، فليعلم الجميع أنهم يحاربون الذين لم يفهموا سر الصليب الرفيع بشكل مناسب.

أمّا الذين فهموا هذا السر واختبروا بالحقيقة سلطة الصيب وقوته على الشياطين، هم فهموا أيضاً أن الصليب يعطي النفس القوة والقدرة والحكمة الإلهية. هؤلاء يصرخون بفرح عظيم: ” ” (غلاطية 14:6). وهكذا، بقدر ما هي إشارة الصليب عظيمة ومرهوبة، على كل مسيحي أن يرسمها بخوف ورعدة، بتوقير وانتباه، لا بشكل مجرد ولا كما يتفق، لمجرد العادة وبلا انتباه، إذ بحسب درجة التوقير التي يظهرها المرء للصليب، يتلقّى هذا المرء قوة مناسبة ومعونة من عند الله، له المجد والسلطان إلى الأبد. آمين.