Monthly Archives: June 2012

السنة الثامنة – العدد الثامن – أيار 2012

السنة الثامنة – العدد الثامن

أيار 2012

مختارات آبائية

مختارات من تعاليم القديس أنطونيوس الكبير الروحية ووصاياه المقدسة

 

حياة روحية

موقف المسيحيّ إزاء الموت

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

المحبة والمحاباة

الخورية سميرة عوض ملكي


لاهوت

الموقف الكاثوليكي من قضية انبثاق الروح القدس من الآب والإبن

الأب جورج عطية

 

دراسات آبائية

الفردوس والجحيم لدى الآباء القديسين

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

دراسات كتابية

حول إنجيل العنصرة

كاتب مجهول

 

حول رسالة العنصرة

الأب أنطوان ملكي

 

رعائيات

يسوع أول ضحية أمام العنف

ماريا قبارة

 

أبطال روحيون

آفّي سارّي: المغنّية اليونانية التي غيَّرَها أحد الأديرة

تعريب الأب أثناسيوس بركات

 

غذاء الروح

إلى الإنسان المعاصر. بمحبة مع ألم

Abouna Paisios Book

إلى الإنسان المعاصر. بمحبة مع ألم

إلى الإنسان المعاصر. بمحبة مع ألم


صدر عن دير الشفيعة الحارة، بدبا، الكورة، ببركة من الناشر دير الإنجيلي يوحنا، سوروتي، اليونان، كتاب “إلى الإنسان المعاصر. بمحبة مع ألم“. الكتاب هو الجزء الأول من سلسلة “ياروندا” للناسك المغبوط باييسيوس الآثوسي. ترجم الكتاب عن اليونانية دير الشفيعة الحارة. أنفق على طباعته الأب جورج شاغوري ابتغاءً لشفاعة “هذا الشيخ (باييسيوس) وحلول البرَكة بصلواته على رعيته كفرحبو وعائلته الصغيرة هناك وكل ذريته وأبناء هذا العصر جميعاً لنحظى براحة البال والضمير والمصير، في دفء المحبة ومجد الألم”.

يقع الكتاب في 304 صفحات، مقسّم إلى أربعة أقسام في كل منها عدد من الفصول. الكتاب مجموعة من الأسئلة طُرحَت على الشيخ باييسيوس على مدى 28 سنة ودونتها الراهبات ومن ثمّ جمعنها في كتاب واحد. في بداية الكتاب سيرة مختصرة للشيخ ومقدمة لرئيسة دير السوروتي.

الكتاب مهمّ ومصدر نعمة للقارئ، رجلاً أم امرأة، علمانياً أو كاهناً أو راهباً.

يُطلَب الكتاب من دير الشفيعة الحارة، بدبا.

Abouna Paisios Book

المحبة والمحاباة

المحبة والمحاباة

الخورية سميرة عوض ملكي

إن هاتين الكلمتين قريبتان جداً في التعبير، لكنهما متباعدتان في المعنى والفعل. كلمة “محبة بغنى عن التعريف. أمّا كلمة “محاباة” فهي، في اللغة، تشتقّ من الفعل “حابى” أي “تحيّزَ” أو “مال إلى”، ونذكر على سبيل المثال، “حاباه القاضي في الحكم” اي مالَ إليه منحرفاً عن الحق.

الكلّ يعلم تقريباً أنّ المحبة نابعة من الله لأنّ “الله محبة”. أمّا المحاباة فهي نابعة من الأفكار الشريرة. المحبة أقوى من الخطيئة لكنّ المحاباة خطيئة. المحبة تُتْحِد بالله في حين أنّ المحاباة تَفْصِل عن الله. بدء المحبة مخافة الله، بينما المحاباة فبعيدة عن مخافة الله وهذا ما يتوضّح في الكتاب المقدّس.

يقول الرسول يعقوب في رسالته: “يَا إِخْوَتِي، لاَ يَكُنْ لَكُمْ إِيمَانُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، رَبِّ الْمَجْدِ، فِي الْمُحَابَاةِ. فَإِنَّهُ إِنْ دَخَلَ إِلَى مَجْمَعِكُمْ رَجُلٌ بِخَوَاتِمِ ذَهَبٍ فِي لِبَاسٍ بَهِيٍّ، وَدَخَلَ أَيْضًا فَقِيرٌ بِلِبَاسٍ وَسِخٍ، فَنَظَرْتُمْ إِلَى اللاَّبِسِ اللِّبَاسَ الْبَهِيَّ وَقُلْتُمْ لَهُ:«اجْلِسْ أَنْتَ هُنَا حَسَنًا». وَقُلْتُمْ لِلْفَقِيرِ:«قِفْ أَنْتَ هُنَاكَ» أَوِ: «اجْلِسْ هُنَا تَحْتَ مَوْطِئِ قَدَمَيَّ»، فَهَلْ لاَ تَرْتَابُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَتَصِيرُونَ قُضَاةَ أَفْكَارٍ شِرِّيرَةٍ؟” (1:2-6). في هذه الآيات، يوبّخ الرسول محاباة الإخوة للأغنياء واحتقارهم للفقير. وخطورة المحاباة هنا تظهر في أمرين: أنّ المحاباة بعيدة عن الإيمان، إذ تعتبر أنّ الأغنياء هم عماد الكنيسة وليس الله الذي أعطاهم الغنى، وثانياً أنّ المحاباة إهانة للفقير المخلوق على صورة الله، وهي إهانة للمسيح نفسه الذي افتقر ليغنينا.

ويذكر الرسول في الآية الخامسة ” اسْمَعُوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ: أَمَا اخْتَارَ اللهُ فُقَرَاءَ هذَا الْعَالَمِ أَغْنِيَاءَ فِي الإِيمَانِ، وَوَرَثَةَ الْمَلَكُوتِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ؟ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَهَنْتُمُ الْفَقِيرَ”، كيف أنّ الله اختار فقراء العالم أغنياء في الإيمان ليبيّن أن الله لا يهمّه الغنى المادي بل الغنى الروحي بالإيمان وميراث الملكوت. والمقصود هنا هم القديسون، أمثال النبي موسى الذي كان راعياً للغنم، والنبي داود راعي الغنم الذي مسحه الله ملكاً، وكذلك تلاميذ المسيح… ثمّ يتابع الرسول ليقول: “فَإِنْ كُنْتُمْ تُكَمِّلُونَ النَّامُوسَ الْمُلُوكِيَّ حَسَبَ الْكِتَابِ:«تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». فَحَسَنًا تَفْعَلُونَ. وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ تُحَابُونَ، تَفْعَلُونَ خَطِيَّةً، مُوَبَّخِينَ مِنَ النَّامُوسِ كَمُتَعَدِّينَ.” (8:2-9). تظهر هاتان الآيتان بكل و  ضوح أن المحاباة ضد المحبة، لا بل أكثر من ذلك أنها تعدٍّ على المحبة التي هي الناموس الملوكي.

“ليس عند الله محاباة”، هذا ما يقوله الرسول بولس إلى أهل رومية (11:2)، وهو يدينها لأنّها تقلّل من قيمة الناس الذين مات المسيح من أجلهم. ففي المعمودية، يولّد الكلّ ولادة جديدة فيصبحون كلّهم أعضاء في جسد المسيح الواحد. والإيمان الحقيقي مرتبط بالمحبة للكلّ دون تمييز أو تحيّز (سواء في العائلة أو الرعية أو الأبرشية أو المجتمع)، لأنّ ربّ المجد لن يحابي أحداّ في السماء بل سيمجّد كلّ واحد بحسب أعماله دون النظر إلى مركزه أو شهاداته أو ثروته أو عائلته أو انتماءاته أو أيّ من القدرات العالمية لديه. من هنا أن تعلّق الإنسان أو انشداده إلى المظاهر لا يغني ولا يخلّص، خاصةً إذا دفع هذا الميل إلى محاباة المتقدمين في هذا العالم. وحده الانشداد نحو المسيح وتطبيق وصاياه يرفعان، كما يقول القديس ديمتري أسقف روستوف أن أيَّ متعة أرضية، وأيّ عشق بشري لا يعطي النفس عزاءً مطلقاً لا نهاية له، وفرحاً وبهجة، بالمقدار الذي يعطيها إيّاه عشق الله ومحبة القريب.

حول إنجيل العنصرة

حول إنجيل العنصرة

كاتب مجهول

أخذ المسيح على عاتقه أن يشبعنا ويروينا خلال رحلتنا في هذا العالم حتى نصل إلى السماء حيث الخبز السري والماء السري. لذلك، في العهد القديم، حيث كانت الأمور بالصور والرموز، المسيح كان الصخرة التي تفيض ماء والمنّ الذي أكله الشعب. أما في العهد الجديد فقد أعطانا جسده ودمه بشكل واضح. وليس هذا فحسب بل دعانا لأن نأتي إليه حين نعطش فنشرب، وليس لنشرب فقط بل لأن نتحوّل في داخلنا لصخرة يفيض منها الماء للآخرين. بطن الإنسان هو داخل نفسه وإرادته، هو الإنسان الداخلي حيث يقوم ملكوت الله.

إنّ دور الإنسان في طلب الربّ أساسي ولهذا قال “إن عطش أحد”. مَن لا يعطش لا يبحث عن الماء. ولأن الربّ يتكلم عن العطش الروحي، فكلامه يعني أنّ غير المهتم لن يبحث عن المسيح، والفاتر لن يبحث عنه، والمتكبّر لن يبحث عنه. العطش هو الشعور بالاحتياج للمسيح. أما من لا يشعر بهذا الاحتياج فهو الذي لا يؤمن بالمسيح ولا يثق به ويحبه، وبالتالي لا يسلم له حياته ويقبله كملك بالمحبة ويؤمن بألوهيته ويجرى إليه طالبا الامتلاء من الروح القدس.

أما الأنهار التي تجري من داخل الإنسان فهي مواهب الروح وبركاته التي بها يصير المؤمن بركةً لغيره. فهي تجري لأن المؤمن بالمسيح يتّحد به، ومتى فتح فمه يتكلّم الروح الذي في داخله. وهذا الكلام ينطبق على الكنيسة التي تجري من بطنها الأسرار التي تفيض غنى الروح القدس على أولادها.

وكون المسيح هو مصدر الإرتواء، فهو وحده الذي يشبع النفس والروح. النفس لا تشبع حقًا سوى من الله ولا يكفيها كل ما في العالم. لهذا، لا يحلّ مشكلة الإحساس بالفراغ والعزلة، التي يعاني منها هذا الجيل، سوى المسيح ومحبته. ولكي يحمل الواحد منا المسيح ويفيض به على الآخرين كما يقول الرب في الإنجيل، يجب أن يكون ممتلئاً منه. الروح القدس، من اليوم الذي أرسله الرب، صار يسكن فينا ويملؤنا بحسب جهاد كل واحد. وبقدر امتلاء كل واحد، تظهر ثمار الروح الذي فيه، سلاماً ومحبة وتعليماً على قدر ما أُعطي له.

يفسر الإنجيلي يوحنا كلام المسيح عن الماء بأنه إشارة إلى الروح القدس لأنّ المسيح لم يكن بعد قد مُجِّد. لكن المجد بدأ بالصليب الذي هو قمة رفض هذا العالم. لهذا، من يُقبل على ملذات هذا العالم يكون بلا مجد، لأن العالم باطل. المسيح في صليبه لم يخف من الموت، وهذا قمة المجد الذي يشمل الصليب والقيامة، أي غلبة الموت، والصعود إلى السماوات. هذا كلّه قد تمّ وها نحن نعرف اليوم مجد المسيح. لهذا، علينا أن نسعى إليه لنحصل عليه ونشترك به. هذا المسعى لا يكون إلا بحياة صالحة ترضي الرب الذي لا يملأ روحه القدس قلب الإنسان الذي يمجد المسيح بحياته.

حول رسالة العنصرة

حول رسالة العنصرة

الأب أنطوان ملكي

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم معلّقاً على المقطع الذي قرأناه من الرسالة إلى العبرانيين: “عجائب الإيمان اثنتان: من جهة ينتج إنجازات كبيرة ومن جهة أخرى ينشئ عذابات كبيرة لا يقدّر حجمها”. من هنا أن المؤمن لا يكتفي بالإنجازات بل يتوقّع أيضاً العذابات. وتحمّل العذاب بحد ذاته هو إنجاز كبير. ذَكَرَ الرسول بولس في المقطع الذي قرأناه العديد من القديسين الذين نعرفهم كما أورد صفات تنطبق على كثيرين ممن لا نعرف. هؤلاء جميعاً تقدّسوا لأنّهم قبلوا بالعذابات من أجل الإيمان واحتملوها ولم يكتفوا بقشور ولا تطلعوا إلى تحقيق الإنجازات. تسمير العينين على الإنجازات يزرع الخوف في الإنسان فيفقد القدرة على احتمال المشقات، لأنه يرى فيها ابتعاداً عمّا اعتبره هدفاً وإنجازاً. القديسون سعيهم هو إلى لقاء المسيح، لذا رأوا في الشهادة اقتراباً من هدفهم. فأين نحن اليوم من هذا؟ نسمع في العالم كله أخباراً عن اضطهاد المسيحيين، وخسارتهم “حقوقهم”، وتعرّضهم للضغوط، فبمَ نفكّر، جماعياً أو فردياً؟ نجرَّب كلّ يوم بأخبار ومشاهد ودعوات ودعايات وأفكار واحتياجات، إذا ما استجبنا لها تبعدنا عن الله. فعلى أي أساس نتعاطى معها؟

القراءة من الرسالة اليوم هي لكل مَن يسمع هذه الأخبار أو يحيا هذه التحديات. لكن، القديسون الذين عدّدهم الرسول بولس تغلّبوا على هذه التجارب ومع هذا ليس لهم أن يكملوا من دوننا. ما معنى هذا الكلام؟ هؤلاء القديسون ينتظروننا حتّى يتكللوا. إنّهم ينتظروننا حتّى يقول لهم الربّ: “انظروا ما أزهرت أتعابكم فهؤلاء الذين كنتم لي شهوداً لديهم، قد تعلّموا منكم فصبروا كما صبرتم، واحتملوا مثلما احتملتم، لهذا سوف أكلّلهم كما كلّلتكم، فيكون فرحي بكم كاملاً ويكون فرحكم ببعضكم البعض كاملاً، لأنكم أحببتم بعضكم كما أنا أحببتكم”.

هذه هي علاقتنا بالقديسين. إنهم هذه السحابة من الشهود الذين نتمثّل بهم حتى “نطرح كل ثقل والخطيئة المحيطة بنا بسهولة”. هذا هو معنى شفاعة القديسين، أن نتمثّل بهم لنغلب الخطيئة. ليس القديسون محجة لطلباتنا وحسْب، نرسمهم على حسب احتياجاتنا، ونخصص كل واحد منهم بموهبة، فهذا للمرض وذاك للثروة والآخر لراحة البال… القديسون هم المثال الذي نتبعه، الشمعة التي تسير أمامنا، الدليل المجرَّب الذي اختبر كل ما نختبره ونجح فيه. الشفاعة هي وجود هؤلاء القديسين محيطين بنا كالسحابة “لنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا”، على ما يرِد في القراءة من رسالة اليوم. علاقتنا بالقديسين هي في هذا التمثّل بهم والسير على طريقهم، لأنه طريق مجرَّب ومكفول أنّه يوصِل إلى الله.

يسوع أول ضحية أمام العنف

يسوع أول ضحية أمام العنف

“يا أبا الآب…. أجِز عني هذه الكأس” (مر36:14)

ماريا قبارة

لغتنا اليوم مفعمة ومحبوكة بمفردات عنفية وحربية (صراع- مواجهات-خصومات- قتل-مناورات-جهاد-استراتيجيات…)، فقوى السلاح الهدّامة تتفاوت، فمن الكلمة إلى كرات الثلج إلى المدفعية والرصاص. فمتى أصبح الآخر خصمي وسدّ الطريق في وجهي أضطر إلى شلّ قواه؛ أو فالأسهل حذفه والتخلّص منه.

انفجار العنف هو دوماً علامة فشل ومظهر من مظاهر أفكار وهمية. العنف نظام مخالف لطبيعة ونظام الإنسان. ميّز الفيلسوف أرسطو في الأفعال بين: فعل موافق لطبيعة الإنسان، وفعل عنيف. الأول يُرجع الأشياء إلى موقعها الطبيعي، والثاني يعمل إلى إبعادها. نوع من هكذا أفعال عنفيّة يمتدّ ليتسع ويشمل مجالات أوسع في النواحي الأدبية والاجتماعية والسياسية والدينية. فاستخدام العنف في تغيير واقع سياسي يقود إلى عنف أكبر فأكبر. لا عنف أسوأ من عنف سلطة تدّعي الله ضامناً لها، أكانت سلطة دينية أم مدنية.

قاوم يسوع الشرّ والأذى، فخاصمته السلطات الدينية والمدنيّة. قاومَ التزمت الفريسيّ والعنف السياسيّ، ورفض تأليه السلطة بإكراه المواطنين للامتثال لها “أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (مت21:22). لم يحرض يسوع على العنف ولم يرضَ على استخدامه من قبل التلاميذ. لم يحمل سيفاً أو سلاحاً “ردّ سيفك إلى مكانه. لأنّ كلّ الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون ” (مت52:26).لم يحرّض شخصاً ضدّ آخر من أجله، ولم ينظّم أيّ جيش، ولم يأتِ لإقامة مملكة أرضية أو امبراطورية عالمية. رفض استراتيجية العنف بشجاعته الأدبية “إن كنت قد تكلَّمت رديّاً فاشهد على الردي وإن حسناً فلماذا تضربني” (يو23:18). رفض منازلة العنف بمثله، ورفض دينونة الإنسان للآخر.

ماتَ يسوع ضحية عنف السلطات الدينية لأنّه تجرأ فأعلن ذاته نبيّاً بالنسبة للسلطات الدينية في زمانه. ماتَ شاهداً للحقيقة، حاملاً في قلبه حباً للبشرية جمعاء، ولأعدائه، وللذين سيذيقونه الموت. لم يسفك يسوع دمّ البشريّة، بل سفك دمه هو. رضيَ أن يقدّم حياته ثمناً كي يسود السّلام على الأرض. دفعَ حياته على الصليب ساعياً إلى عدم إثارة أيّ عنف مباشر“طوبى لصانعي السلام. لأنّهم أبناء الله يُدعَون” (مت9:5)، “سلاماً أترك لكم. سلامي أعطيكم…” (يو27:14).

محاكمة يسوع بدأت في عهد معاصريه وستبقى مفتوحة إلى أن يقبل الإنسان التمييز بين مُلك القيصر وملكوت أبيه الأبدي. ففردوس الأبدية واشتياقنا له يفسرّ حبّنا للحياة وعيشنا مع إخوة إنسانية جامعة، وإلى مصالحة تتجاوز التناقضات، وإلى الفرح مع الله والآخرين. بهذا ينهزم عطشنا إلى السّيطرة، وحبّنا للقساوة فتختفي الاختلافات، ولا يعود الذئب ذئباً بل يرعى مع الحمل في فردوس السلام.

مختارات من تعاليم القديس أنطونيوس الكبير الروحية ووصاياه المقدسة

مختارات من تعاليم القديس أنطونيوس الكبير الروحية ووصاياه المقدسة

عن كتاب بستان الرهبان (المطوّل)

راجعها ونقّحها الأب أنطوان ملكي

 

الأقوال التالية مقتطعة من عدّة مقاطع وعظات، وأغلبها موجّهة إلى الرهبان وتبدأ بعبارة “يا بنيّ” وقد حُذفَت تخفيفاً للتكرار:

قبل كل شيء لا تحسب نفسك شيئاً، فمن هنا يلِد الاتضاع، والاتضاع يلد التعليم، والتعليم يلد الإيمان، والإيمان يلد الرجاء، والرجاء يلد المحبة، والمحبة تلد الطاعة، والطاعة تلد الثبات بلا مُنازع.

لا ترغب في أن تُعرَفْ في شيء من أعمالك.

احتسب مَنْ هو دونك في الفضيلة مختاراً ومساوٍ لك في الفضيلة، ومَن هو مساوٍ لك في الفضيلة مختاراً وأفضل منك.

إذا صنعت أعمالاً فاضلة، فلا تفتخر وتقُل إني صنعتها، لأنك أن ظننت أنك صنعتها فلستَ بحكيم.

لا تُزكِّ نفسك عند الناس، بل كُن في ذاتك حكيماً وديعاً طويل الروح كثير الأناة مجتهداً مُحباً للبشرّ.

لا تمشِ مع المتكبرين، بل رافق المتواضعين.

تعرَّ من الشرّ والبس الوداعة.

أطرح عنك العين الخبيثة واتخذ لك عيناً بسيطة.

لا تتشبه بمن هو أضعف منك، بل بمن تراه مختاراً أكثر منك.

لا تَخفْ من شتائم الناس. لا تُنَمّ ولا تشتم أحداً.

ابْغضْ كل شيء قد تخسر فيه نفسك.

لا تترك مشيئة الله وتصنع إرادة الناس.

لا تحسد من يتقدم بالظلم، بل اجعل جميع الناس أعلى منك لكي يكون الله معك.

لا ترجع إلى ورائك فيما ابتدأتَ به من الأعمال الصالحة.

لا تَملّ من محبة الله.

اصبر في كل ما تُريد أن تصنعه، فإذا صبرت يُعضدك الله في كل ما تُريد أن تصنعه الآن وفيما يأتي.

ابغض الحديث الباطل في كل شيء لهذا العالم.

اجعل اهتمامك عظيماً بالفضيلة وهو الذي يُصيرك يقظاً.

فإذا عملت بذلك يا ابني، فأنك ترث ما لم ترَه عين ولم تسمع به أُذن ولم يخطر على قلب بشرّ.

لا تضجر من الأفكار التي تأتي عليك…، واعلم أن الرب لا ينسى شيئاً من أتعابك، وأن منها يكون لك النمو، ونعمة الله تعضدك.

ليكن القوم الذين أحبوا الرب بكل قلوبكم وداموا في العمل صورة لك ومثالاً، ولا تَسْتحي أن تطلب منهم (كلمة منفعة) لحياتك لأنهم قد تكلموا في الفضيلة.

لا تتشبه بالذين يداومون على الراحة في هذا العالم، لأنهم لا يتقدمون أبداً، بل تشبه بالذين عاشوا تائهين في الجبال والبراري من أجل الله، لكي تأتي إليك القوة من العُلا ويطيب قلبك في كل شيء تصنعه بحسب مشيئة الله. لا ترجع إلى ورائك في شيء من هذه الوصايا الإلهية، والرب يسوع المسيح يريحك فتُكمَّل كل ما ابتدأتَ به من الأعمال الصالحة بسلامة، لأن آباءنا الكاملين ومَنْ ماثلهم بهذه قد كملوا.

لا تُكثر الكلام الباطل فتُبعد روح الله منك.

لا تتمسك بشيء من الشرّ، ولا تدن أحداً.

لا تكن مرائياً ولا كذاباً.

لا تتكلم بغضب بل ليكن كلامك بحكمة ومعرفة، وكذلك صمتك أيضاً، لأن آباءنا الحكماء كان كلامهم مملوءاً من الحكمة والتمييز، وكذلك صمتهم.

لا ترفع صوتك، وإذا مضيت إلى أحد فليكن خوف الله في قلبك، واحفظ فمك من كلام الشر، فترجع إلى بيتك بسلام.

ليكن لسانك تابعاً لعقلك، لأن الكلام بدون تعقل هو شوك وحسك.

احزن مع أخيك وكن له شريكاً صالحاً.

كن متواضعاً جميع أيام حياتك، وتمسَّك بكل شيء حسن.

لا تسأل عن الأشياء الرديئة، بل اجعل طريقك بعيداً عنها.

أحبب الرحمة وتذرع بالإيمان.

لا تجعل قلبك رديئاً يُفكّر في الشرّ، بل اجعله صالحاً، واطلب الصلاح واقتنِ غيرة في جميع الأعمال الحسنة.

أحبب آباءك الروحانيين الذين يهتمون بك من أجل الله أكثر من تعلّقك بآبائك الجسدانيين.

أُذكر من يُكلّمك بالتعليم الصالح واحفظ وصاياه فتحيا ويطول عمرك في إرادة الرب، كما يقول الرسول: “ادرس في هذه الأمور وتشاغل بها لكي يكون تقدُّمك ظاهراً لكل أحد” (أنظر 1تي4: 13 – 15)

إذا شُتمْتَ لا تُبغض شاتمك.

لا تُنصت لكلام الشرّ، بل كن مُحباً للناس فتحيا.

لا تُجازٍ شراً بشرّ ولا الشتيمة بشتيمة، لأنه مكتوب: “إذا أنت لم تنتصر لنفسك فأنا أنتصر لك، قال الرب”.

لا تُبغض أحداً من الناس، بل أحبِّب الجميع كنفسك كما هو مكتوب “أحبب قريبك كنفسك”.

أيها الأمين المُختار، ما دُمت كائناً في الطاعة فاعرف ما يُقال لك وتمسك به واعمل بمقتضاه. وإذا اجتمعت بالأمناء أمثالك فاختر لنفسك السماع واعرف ما يُقال، وذلك أفضل من الكلام.

الرجل المحب للذَّات غير صالح في الأعمال.

إذا كنت بغير خطيئة فتكلّم باسم الرب، وعَلِّم الذين يُفترى على اسم الرب بسببهم لأنهم موتى عن الرب، لكي يرجعوا عن أعمالهم وينالوا الكرامة منه.

لتكن نفسك مع الله في كل وقت، وجسدك على الأرض كائناً كالصورة والمثال.

نفاق عظيم أن تُحزن إنساناً وتترفع عليه.

لا ينبغي أن تُعلِّم أحداً شيئاً قبل أن تعمل به أولاً.

فكّر في أعمال الله ولا تُكسل، لأن صلاة الكسلان كلام باطل.

اجتهد أن تبتعد عن الناس العادمي الرأي.

عارٌ عليك أن تأمر غيرك بأوامر لم تُتممها في ذاتك، لأنك لا تنتفع بعمل غيرك.

الرجل الحكيم يعرف طريق سلوكه فلا يُبادر بالكلام، بل يتأمل فيما يقول وما يفعل، أما الرجل القليل الأدب فلا يحفظ ما يُقال له من الأسرار.

لا تُظهر كلمتك لمن لا يُقدّرها.

اجعل سائر الناس أحباء لك لكن ليس كلهم مُشيرين.

لا تجعل كل الناس أصدقاء، وإن صاروا لك أصدقاء فلا تأمن لهم كلهم، لأن العالم قد ثبت في المكر.

لا تجعل لك أخاً إلا مَن يخاف الرب والتصق أنت بالله وحده مثل ابن مع أبيه، لأن الناس جميعاً يسلكون بالغش ما خلا نُدرة منهم، والأرض قد امتلأت من الباطل والأتعاب والأحزان.

إن كُنت تحبّ المعيشة في الهدوء فلا تختلط مع المهتمين بالباطل. وإن صرت في وسطٍ فيه اختلاط بكثيرين فكن كَمَن ليس مختلطاً بهم إن كنت تُحب أن تُرضي الله.

تعبَّد للمسيح وهو يُخلصك ويعتقك.

العمل الجيد الذي تشتهي أن تعمله لا تتكلم به فقط بل كمّلْه بالفعل.

لا تحب اللذات لأن كل من يحب اللذات لا يسمع له الرب.

اذكر أن مناقصك قد كثرت جداً وشبابك قد عبر، وقد جاء الأوان الذي تُفارق فيه (الجسد) وتُعطي جواباً عن أعمالك، واعلم أن أخاً لن يفدي أخاه وأباً لا يُخلِّص ولده.

افرح في الشدائد الآتية عليك لأن ثمرتها تتبعها.

لا تستلذ بملذات العالم لئلا تموت موتاً رديئاً.

اسرع وانتبه لئلا تضل وتُكسل وتتوانى فتكون حقيراً في الدهر الآتي، لأنه مكتوب: “الويل للمتوانين، فإن آخرتهم قد اقتربت وليس لهم مُعين ولا رجاء خلاص”

مُت مع المسيح كل يوم لكي تحيا، لأن كل من يخاف الرب يحيا.

لا تنسَ الأتعاب التي احتملتَها لأجل الفضيلة، فتتكاسل وتضل في الساعة الأخيرة، بل أحبب الرب إلى المنتهى فتنال الرحمة.

لا تبتعد عن الله لأجل الزائلات، بل أذكر ما قررتَه في وقت حرارتك

اذكر دموع التوبة وتلك الطلبات التي طُلبت عنك، واسرع وابتعد من الأفكار الخبيثة لئلا تضل علانية.

حَمّ سريرك كل ليلة وبلَّ فراشك بدموعك، واتضع أمام المسيح لكي يمحو خطاياك ويُجددك ويُعينك في الأعمال الصالحة، ويورثك ملكوته السرمدي.

هذا الذي ينبغي له التسبيح والإكرام والتمجيد والتقديس والسجود مع أبيه الصالح وروجه القدوس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

موقف المسيحيّ إزاء الموت

موقف المسيحيّ إزاء الموت*

نقلتها عن الفرنسية راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

لقد نالت كنيسة المسيح في قرطاجة نصيباً يُعتدّ به في حمل الصليب، فهي قد عاصرت اضطهاد داكيوس، وعانت الأمرّين من جرّاء ما أنزله بها الفرس في العام 252م من خسائر وأضرار جمّة، وكذلك من الرعب الذي ساد الموقف في كلّ مكان. ولم تكد هذه الاضطهادات التي أرهقت الشعب تكفّ حتّى تفشّى وباء الطاعون في كلّ البلاد، حاصداً الكثير الكثير من نفوس العباد، فأصبح الموت رفيق الناس الوفيّ الذي يأبى أن ينأى بظلّه عنهم. لذا هبّ الأسقف القدّيس كبريانوس الشهيد (258م) ليضمّد كلوم أولاده الأليمة، فكتب لهم مشدّداً مقالات تناول فيها الموت ومعناه من منظار مسيحيّ إيمانيّ قائلاً: “إنّ المؤمن لا يُعفى من التجربة الواقعة، بل يجب أن يخوضها بشجاعة وينتصر عليها. فالمؤمن ينظر إلى الموت نظرته إلى الراحة بعد الصراع، من خلال نداء المسيح له”.

يفتح الموت للمسيحيّ أبواب الأبديّة، ويساعده لجني المكافأة النهائيّة. لذا لا يخشى المسيحيّ المؤمن من الانطلاق إلى عالم أفضل حيث الغبطة الدائمة الموعود بها في الكتب الإلهيّة. وبهذا المعنى يقول القدّيس كبريانوس: “دعونا نفكّر، أيّها الإخوة الأعزّاء، بأنّنا منذ الآن قد زهدنا في العالم، وتخلّينا عن مسرّاته، وبأنّنا نعيش على هذه الأرض كضيوف وغرباء، لا بل كنزلاء وقتيّين. لا بدّ لكم، يا إخوتي، أن تقتنوا فكراً حازماً، وإيماناً ثابتاً أكيداً غير عابئين بالخيرات الزائلة الفانية، إيماناً شجاعاً يتصدّى لاضطرابات هذا العالم، و يتحدّى أوهامه الكاذبة، لأنّه بإيمان كهذا يصون المؤمن ذاته من الغرق في صعاب هذه الحياة. لنتقْ إلى اليوم الذي فيه سيُحدَّد لكلّ منّا مسكنه الخاصّ، إلى اليوم الذي نعود فيه إلى الفردوس وإلى ملكوت السماوات، وقد حُرِّرنا من قيود هذه الدينا.

إنّ أهميّة الإيمان وقيمته تكمنان في مقاومة التجارب. إنّي ألاحظ البعض بينكم لا يشهدون بجدّية وحزم لعمل الروح القدس الكائن في داخلهم، ربّما بسبب ضعف إيمانهم، أو بسبب تعلّقهم بمباهج هذه الحياة وملذّاتها، أو بسبب جهلهم للحقّ الإلهيّ. لن أتوانى عن تحذيركم فأقول: ثقوا بوعود الله، وارهبوا فتور الهمّة والانقياد للأفكار الباطلة. وطننا الحقيقيّ هو السماء حيث ينتظرنا عدد لا يحصى من الأحبّاء والإخوة والآباء والأمّهات والأبناء، الذين يشتاقون إلى حضورنا بينهم، مترجّين خلاصنا. فلنسرع، إذاً، في الوصول إليهم والالتحاق بهم، متطلّعين بحرارة نفس أن نكون في أقصر وقت عندهم مع المسيح.

لا يليق بمن تجنّد لله أن يبدي أيّ اضطراب أو قلق تجاه العواصف التي تعكّر عالمنا، بل بالأحرى أن يتمسّك بالله، واضعاً رجاءه عليه. لقد سبق المسيح وأنبأنا عن الحروب والمجاعات والزلازل هنا وثمّة، وعن كلّ الحوادث الأخرى التي سوف تطالعنا في مسيرة حياتنا، مشجّعاً ومثبّتاً إيّانا، نحن أعضاء كنيسته، لكيما نكون قادرين على مواجهة ما سوف يحدث في نهاية العالم. إنّ إعلانه عن الكوارث التي ستظهر كعلامات لنهاية الزمان الحاضر، والتي تتحقّق تدريجيّاً، تظهر لنا أنّ إعلاناته ليست بكاذبة، وكذلك وعوده للمؤمنين به الذين ينتظرون مجيئه الثاني مع ملائكته القدّيسين لكي يحاكم كافّة أجناس البشر من كلّ أطراف الأرض، وها هو يدعونا لنسمع قوله: “إذا رأيتم هذه الأحداث وقعت، فاعلموا أنّ ملكوت الله قريب” (لوقا 31:21).

أيّها الإخوة الأحبّاء، لقد أُعدّت لنا الأبديّات عوضاً عن الفانيات، والسماويّات عوضاً عن الأرضيّات، والأمور الجليلة عوضاً عن الباطلة. إنّ الأشياء التي فقدناها، بخضوعنا للخطيئة، كالفرح بالخلاص الأبديّ كمكافأة عن جهادنا في هذه الحياة الحاضرة، والرجوع إلى الفردوس، والغبطة الدائمة، سوف تعود إلينا مع انتهاء العالم. كلّ من لا يقدّر قيمة هذا الميراث، يرتعب من الموت وهو عديم الرجاء وقليل الإيمان. فالذي يخاف من الموت لا يرغب في المضيّ إلى المسيح. ومن يا تُرى لا يريد ذلك؟ هو ذاك الذي لا يؤمن بأنّه سوف يملك مع المسيح إلى الأبد.

وكما نعم البارّ سمعان الشيخ بالراحة الأبديّة، هكذا أيضاً سيتذوّقها كلّ رجل صدّيق، لأنّه مكتوب إنّ “البارّ بالإيمان يحيا” (رو 17:1). فالإنسان البارّ يحيا بالإيمان إن كان حقّاً يؤمن بالله. لماذا لا تثق بوعود الله الغير الكاذبة يا من أنت مدعوّ لكي تكون مع المسيح؟ إنّ وعوده ما هي إلاّ دعوة صادقة للقائه، ونوال الحريّة من قبضة الشيطان، أفلا يفرّحك هذا؟!

لقد حفظ سمعان الشيخ الصدّيق والبارّ ومثال الشوق للانطلاق، وصايا الله، وأيقن بوعده بإيمان كلّيّ، وبوحي إلهيّ عرف بالروح بأنّه لن يرى الموت قبل أن يعاين المسيح الربّ، فما إن أتى بالطفل يسوع أبواه إلى الهيكل، وعرفه الشيخ، حتّى أدرك أنّه لا بدّ له أن ينطلق من هذا العالم. لقد ترقّب الموت وانتظره بفرح. لم ينزعج، بل احتضن الطفل بذراعيه، وهتف مبارِكاً السيّد: “الآن تطلق عبدك يا سيّد حسب قولك بسلام لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك” (لو 29:2). شهد سمعان بأنّ خادم الله، عندما يتحرّر من عواصف هذه الحياة، يفلت من عذابات هذا العالم المريرة، ويدركه السلام والحريّة والهدوء والطمأنينة. إنّنا بالموت نبلغ الميناء الخلاصيّ حيث تجد النفس راحتها الدائمة وسلامها الحقيقيّ وأمانها الأبديّ.

فالحياة هي كفاح مستمرّ ضدّ الأهواء والشيطان والعالم. المؤمن، على هذه الأرض، هو في حرب لا هوادة فيها ضدّ الشهوات الجسديّة وإغراءات هذا العالم، وهو في جهاد دائم ضدّ سهام إبليس الذي يحاصر فكر الإنسان من كلّ جانب، وبالجهد يستطيع هذا المجاهد الأمين أن يقاومها. فإن استهان مثلاً بحبّ المال، أثار عليه الشهوات الأخرى، وإن انتصر على الشهوات، أسره بحبّ الظهور، وإن ازدرى بحبّ الظهور والشهرة، حاربه بالغضب والكبرياء، وأغراه بالسكر بالخمر، وطعنه بالحسد، ومزّق وفاقه مع الآخرين، وأفسد صداقاته بغيرة مرّة، وجعل اللعن والحلف قرين لسانه، فيصبح متعدّياً الناموس الإلهيّ لا عاملاً به.

كم من الاضطرابات تجابهها النفس كلّ يوم، وما أكثر الأخطار التي تحدق بالقلب من جرّاء ضغط الملمّات وحروب الشياطين، ورغم ذلك نفرح ببقائنا طويلاً على الأرض بينما كان الأجدر بنا أن نوجّه كلّ اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع للالتقاء بالمسيح. فالربّ علّمنا قائلاً: “الحقّ الحقّ أقول لكم إنّكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكنّ حزنكم يتحوّل إلى فرح” (يو 20:16). فمن منّا لا يشتاق أن يتحرّر من هذا الحزن؟ ومن منّا لا يتطلّع لنوال هذا الفرح؟ ومتى يتحوّل حزننا إلى فرح؟ هذا ما أعلنه لنا الربّ بقوله: “ولكنّني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو 22:16). ما دام فرحنا هو في رؤية المسيح، فأيّ غمّ يصيب أذهاننا، وأيّ جنون ينتابنا حتّى نحبّ أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الغبطة التي لا يمكن لأحد أن ينتزعها منّا؟ إنّ مصدر المتناقضات والمضادّات التي تعوقنا عن لقاء المسيح يكمن في نقص إيماننا. وكما ذكرت سابقاً إنّ سبب ارتباطنا بالعالم ومحبّتنا له يعود، يا إخوتي الأحبّاء، إلى ضعف إيماننا، وعدم ثقتنا بوعود الله لنا.

الله صادق، وكلمته ثابتة لمن يؤمن به، لا بل هي حقيقيّة أبديّة. فإذا وعدكم إنسان ذو مكانة مهمّة وشأن عظيم بأمر ما، ألا تثقون بوعده من دون أن تشكّوا في إمكانيّة خداعه لكم؟ طبعاً الجواب نعم، لأنّكم تعرفون أنّه صادق في كلامه، ويفي بوعده. فكم بالأحرى يجدر بنا ألاّ نشكّ إطلاقاً في وعد الله لنا بالحياة الأبديّة؟ فإن ساورنا الشكّ وعدم الإيمان، نكون قد أظهرنا جحودنا وأخطأنا إلى المسيح، وأثبتنا عدم معرفتنا العميقة به، وهذا ما يثير سخط الله علينا، وأعني بهذا خطيئة الشكّ والكفر بالمسيح معلّمنا وسيّدنا. أيعقل أن نكون أبناء الكنيسة والإيمان ونحن لا نملك الإيمان؟ السعادة الحقيقيّة، يا إخوتي، هي خارج هذا العالم.

يا لها من فائدة جليلة ننعم بها بانطلاقنا من هذا العالم!! لقد رأى السيّد المسيح ما فيه خير نفوسنا إذ عندما لاحظ، مثلاً، مدى حزن تلاميذه عندما أزمع أن يمضي إلى الآب قال لهم: “لو كنتم تحبّوني لكنتم تفرحون لأنّي قلت أمضي إلى الآب” (يو 28:14). يعلّمنا السيّد بهذا القول كم ينبغي أن نفرح عند رحيل أحد أحبّائنا من هذا العالم، وألاّ نحزن متذكّرين قول الرسول بولس: “لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح” (في 21:1). هنا يعتبر الرسول الموت ربح أعظم من الحياة، ولا يستطيع أن نناله في هذا العالم. بالموت نلبّي دعوة المسيح لنا ونفرح بالخلاص الأبديّ. بالموت ننعتق من خطايا الجسد ورذائله، ونتخلّص من ضغط العالم المحزن، ونتحرّر من أنياب الشيطان السامّة.

هناك من يعتقد بأن المرض لا يصيب إلاّ غير المؤمنين. ومن هذا المنظار، فالمسيحيّ معفى منه كما لو كانت غاية إيمان المسيحيّ هي اتّقاء الأمراض والأخطار، والتمتّع بسعادة هذا العالم، ناجياً من كلّ أذى، وارثاً الغبطة الأبديّة من دون أن يتعرّض لهموم هذا العمر وضيقاته وآلامه. والبعض يتعجّب كوننا معرّضين للموت كالوثنيّين وغير المؤمنين ويتساءلون قائلين: ما الفرق إذاً بيننا وبينهم ما دام جسدنا خاضعاً للموت نظيرهم؟ نجيب هؤلاء بقولنا إنّنا نشترك مع كافّة البشر في كلّ خصائص هذا الجسد طالما نحن في هذا العالم. إلاّ أنّنا نتميّز عنهم في الروح، أي بلبس هذا الفاسد عدم الفساد وهذا المائت عدم الموت “حتّى يُبتلع المائت بالحياة” (2كو 4:5)، ثمّ يقودنا الروح القدس بعد ذلك إلى الآب.

فنحن نشترك إذاً مع غير المؤمنين في كلّ شيء. فإذا حصلت مجاعة، أو أصاب الأرض قحط وما عادت تنتج إلاّ المحاصيل الضعيفة، فإنّ هذه الظواهر تشمل الجميع. وإن غزا العدوّ مدينة، وسبا سكّانها أو شرّدهم، فهذا يطال الكلّ أيضاً من دون أيّ تمييز بين مؤمن وغير مؤمن. كذلك عندما يحتبس المطر ويتهدّدنا الجفاف. أو إذا تحطّمت سفينة فإنّ الغرق يهدّد كلّ من على متنها من دون فرق. وهكذا يعاني الجميع من أمراض العيون والحمّى وغيرها… طالما نحمل كلّنا هذا الجسد الفاني الواحد بصفاته وضعفاته.

التجربة تطهّر الإنسان المؤمن. فإذا عرف المسيحيّ بأيّ ناموس هو يؤمن، لأدرك حتماً بأنّ عليه أن يتألّم ويتحمّل أكثر من غير المؤمنين طالما هو عرضة لحروب الشيطان بالأكثر، لذلك يقول الكتاب المقدّس: “يا ابني إن أقبلت لخدمة الربّ الإله، أعدد نفسك للتجربة” (بن سيراخ 1:2-2) وأيضاً “كلّ ما أتاك فاقبله واصبر على الألم في اتضاعك. كن صبوراً، لأنّ الذهب يجرَّب بالنار والناس المقبولون يجرَّبون في أتون التواضع” (بن سيراخ 4:12-5). هاك أيّوب مثالاً إذ لم تخر عزيمته ولم ينهزم بعد أن فقد كلّ ممتلكاته وأبنائه الأعزّاء إلى جانب قروحه ودوده، إنّما على العكس، أظهر صبراً وسط بلاياه وأتعابه فقال: “عرياناً خرجت من بطن أمّي وعرياناً أعود إلى هناك. الربّ أعطى والربّ أخذ، فليكن اسم الربّ مباركاً” (أي 21:1). وعندما استفزّته زوجته، لجهلها، لكي يخطئ إلى الله ويجدّف قال لها: “تتكلّمين كلاماً كإحدى الجاهلات. أنقبل الخير من الله ولا نقبل الشرّ؟ في كلّ هذا لم يخطئ أيّوب ولا بشفتيه” (أي 10:2)، ولذلك شهد له الربّ قائلاً لإبليس: “هل جعلت قلبك على عبدي أيّوب؟ فإنّه ليس له مثيل في الأرض، رجل كامل ومستقيم يتّقي الله ويحيد عن الشرّ” (أي 8:1).

أمّا طوبيّا بعد أن عمل الخير والرحمة بنبل وإخلاص، احتمل فقدان بصره، ثابتاً في مخافة الله، ومبارِكاً إيّاه في خضمّ آلامه: “وبالرغم من جسده المتألّم كان يزداد شكراً لله” (طو 14:2). وإذ بدأت زوجته تعيّره أيضاً قائلة: أين هو ربّك؟ فليأت وينظر ما تتحمّله من آلام، أمّا هو فكان يتشدّد ويتقوّى بخوف الله متسلّحاً بإيمانه، ومحتملاً الآلام غير مستسلم لضعف زوجته. وهكذا تزكّى طوبيّا أيضاً بالأكثر ومدحه الملاك رافائيل بعد ذلك: “أمّا أنا، فأعلن لكما الحقّ وما أكتم عنكما أمراً مستوراً، إنّك حين كنت تصلّي بدموع، وتدفن الموتى، وتترك طعامك، وتخبّئ الموتى في بيتك نهاراً وتدفنهم ليلاً، كنت أرفع صلاتك إلى الربّ. وإذ كنت مقبولاً أمام الله كان لا بدّ أن تُمتحن بتجربة. والآن فإنّ الربّ قد أرسلني لأشفيك وأخلّص سارة كنّتك من الشيطان. فإنّي أنا رافائيل الملاك أحد السبعة الواقفين أمام الربّ” (طو 11:12-15).

كذلك لم يتذمّر أيضاً الرسل الأبرار بسبب الضيق الذي لحق بهم، بل كانوا يتقبّلون كلّ ما يأتي عليهم بشجاعة وصبر كبيرين بخلاف الشعب اليهوديّ الذي أسخط الله في البريّة بتذمّره الدائم كما يشهد عليهم سفر العدد بقوله: “فتكفّ تذمّراتهم عنّي لكي لا يموتوا” (عد 10:17). احفظوا ذواتكم من كلّ تذمّر، أيّها الإخوة الأحبّاء، واحتملوا بصبر وشجاعة كلّ ما يحدث لكم إذ إنّه مكتوب: “القلب المتخشّع والمتواضع لا يرذله الله” (مز 17:50)، والروح القدس يحذّرنا على فم موسى النبيّ في سفر التثنية فيقول: “تذكّر كلّ الطريق التي فيها سار بك الربّ إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يذلّك ويجر       ّبك ليعرف ما في قلبك: أتحفظ وصاياه أم لا” (تث 2:8). وأيضاً: “الربّ إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبّون الربّ إلهكم من كلّ قلوبكم ومن كلّ نفوسكم” (تث 4:13).

وكذلك أيضاً تجربة إيمان إبراهيم أتت صورة واضحة على رضى الله عليه لعدم تذمّره عندما أمره أن يقدّم اسحق ابنه ذبيحة. إنّ إبراهيم لم يتردّد، ولم يخش فقدان وحيده. فإن كان الإنسان بحالته الطبيعيّة المقترنة بالضعف البشريّ لا يستطيع أن يحتمل فقدان ابنه عندما يأتي موته طبيعيّاً، فكيف يكون حاله إذاً إن أُمر أن يقوم هو بذبحه؟ يحتاج الإنسان، في كلّ وقت، إلى مخافة الله والإيمان القويّ حتّى يكون مستعدّاً لقبول كلّ طارئ محزن سواء كان خسارة ماديّة كفقدان الممتلكات، أو خسارة في الأرواح كموت زوجته أو أولاده أو أحد أحبّائه. على المؤمن الحقيقيّ أن يجاهد ولا يدع إيمانه يضعف أو يخور أويُسحق، بل، بالحري، فليظهرْ إيمانُه قوةَ نضاله ومدى ثقته بالخيرات المنتظرة التي تجعله يزدري بأحزان هذا الزمان الحاضر. وعلينا أن نعلم بأنّه إن لم تكن هناك معركة، فلن يكون هناك انتصار، وبالتالي لن تكون هناك أكاليل للظافرين. إنّ الربّان الماهر يُعرف وسط العاصفة، والجنديّ يُختبر في ميدان القتال. وهكذا أيضاً، فاجتياز الضيقات هو اختبار للفضيلة وإظهار للشجاعة الحقيقيّة. إنّ الشجرة ذات الجذور الضخمة لا تتزعزع مهما عنفت العاصفة، والسفينة التي يقودها طاقم ماهر لا تترنّح متى لطمتها الأمواج ولا تتكسّر. وهكذا أيضاً عندما يدرس الفلاّح القمح في الأجران لا يترسّب منها في الأسفل سوى الحبّات الثقيلة، أمّا التبن فيتطاير بعيداً عند أوّل نفخة ريح.

كم من مرّة تعرّض القدّيس بولس للغرق ولانكسار السفينة إلاّ أنّه بقي راسخاً لم ينله حزن ولا تأسّف، بل حملت له الجلدات والعذابات القاسية جزيل الفائدة، إذ بقدر ما احتمل من أحزان بقدر ما نال من تزكية وتعزية وشجاعة لذلك يقول: “ولئلاّ أرتفع بفرط الإعلانات، أُعطيت شوكة في الجسد، ملاك الشيطان ليلطمني ولهذا تضرّعت إلى الربّ ثلاث مرّات أن يفارقني فقال لي: تكفيك نعمتي لأنّ قوّتي في الضعف تكمل” (2كو7:12-9). فمتى كنّا ضعفاء وعاجزين عندئذ تكمل قوّتنا، وإن جاهدنا يتثبت إيماننا ونتكلّل، كما هو مكتوب: “كما أنّ الأتون يمتحن أواني الخزف هكذا امتحان الإنسان في تفكيره” (بن سيراخ 5:27).

إنّ الفرق شاسع بيننا وبين من لا يعرفون الله إذ نراهم دائمي التشكّي والتذمّر إبّان الضيقات، أمّا نحن المؤمنين، فالضيق لا يثنينا عن حياة الجهاد لبلوغ الفضيلة وعن الإيمان بالحقّ. بمكابدتنا الآلام يقوى إيماننا ونزداد صلابة وقوّة على الاحتمال. فالمؤمن بثباته في الاحتمال ينال المكافأة على الضيق والأمراض التي تستنفذ كلّ قواه الجسديّة. كلّ هذه الإصابات والخسائر الجسديّة تساهم في تزكية الإيمان، وتعطي مجداً وبركة للروح التي تحتمل بقوّة وهدوء الهجمات المتعدّدة والمتكرّرة. فيا لسموّ لتلك النفس التي تنتصب ثابتة وسط هذه الأمراض ولا تسقط مع الذين لا رجاء لهم في المسيح، بل تفرح منتهزة الفرصة التي وهبها لها الله لكي تتقدّم وتسير في الطريق الضيّق الذي سار فيه الربّ، وتنال المكافأة على أتعابها التي كابدتها بإيمان وطيد. فمن يخاف من الموت يبرهن أنّه لم يولد بعد من الماء والروح ولم يختبر صليب المسيح وآلامه. إنّه يخاف الموت لأنّه ينتظر بعد الموت موتاً آخر أي النار الأبديّة والعقاب الدائم. من يخاف الموت يفرح بعمره المديد إذ يُتاح له تأجيل تنهّداته وتأوّهاته. الإنسان البارّ لا يخشى الموت أبداً. المسيحيّ المؤمن حقّاً يعتبر الموت انتقالاً وتحرّراً من رباطات هذا العالم. إذا كان الموت هو كارثة بالنسبة لليهود وللوثنيّين ولمن لا يعرفون المسيح، فهو على العكس بالنسبة لخدّام الله إذ إنّه سبب نياح وراحة وخلاص. من الواضح أنّ الموت يصيب الجميع الأبرار والأشرار، وكلّهم يخضعون لجسد الموت هذا الصالحون والطالحون على السواء، إلاّ أنّ الأبرار يذهبون إلى الراحة الأبديّة أمّا الأشرار فإلى العذاب الأبديّ. لقد استفاد الصالحون الذين أرضوا الله من مناسبات عديدة في هذه الدنيا لكي يربحوا الملكوت. فالعذارى انتقلن من هذا العالم بسلام داخليّ مكلّلات بإكليل المجد بلا وجل من تهديدات أعداء المسيح، وبلا خوف من شرّ الحكّام واضطهادهم، ولا من إفساد عفّتهنّ. بالموت ينجو الأولاد من تحمّل الضيقات التي تفوق قدرة عمرهم البريء وعودهم الطري إذ يتخلّصون من التجارب الصعبة، وينالون السعادة والغبطة بفضل نقاوتهم. بالموت لا تعود الفتاة المدلّلة تهاب مضطهديها ومعذّبيها. إنّ الخوف الذي يُحدثه الموت الحتميّ في النفوس وبخاصة في الأوقات العصيبة (كالتي تفرضها علينا الحروب أو الأمراض وما شابهها…) يمد النفوس اللامبالية أو ربّما الخائرة بالحميّة والقوّة، ويحفز الغير المؤمن لكي يعود إلى إيمانه، ويدعو الكفّار إلى التوبة، ويدعو الشباب إلى دخول المعركة، والشعب المؤمن إلى طلب الراحة الأبديّة. أعداد وافرة من فئات مختلفة من الناس تستعدّ لمواجهة الموت في كلّ وقت وساعة طالما تحمل هذا الجسد القابل الموت والفساد.

أيّها الإخوة الأحبّاء، ما المغزى من تردادنا هذا لذكر الموت؟ نعم، قد يكون الموت وباء مرعباً يفتك بالناس ولا ينجو منه أحد. بيد أنّه في الوقت ذاته يُختبر فيه برّ كلّ إنسان، وتُمتحن أفكار الناس، ويُكشف مدى اهتمام الأصحّاء بالمرضى، وترفّق الإنسان بقريبه، وعطف السادة على الخدّام، واستجابة الأطبّاء لصرخات المصابين. نعم، إنّ هذا الوباء يحثّ القساة لكي يتخلّوا عن قساوة قلوبهم، ويوحي للجشعين بالابتعاد عن محبّة المال، وينبّه المتشامخين ليحنوا رقابهم وداعة واتّضاعاً، ويأمر الأشرار أن ينزعوا عنهم شرّهم وفسادهم. إنّ هذا الوباء يعلّم المسيحيّين ألاّ يخافوا إذ يجعلهم يشتاقون للاستشهاد، فيمسي ذكره تدريباً لهم على الثبات في الإيمان والتأمّل في ساعة خروج النفس من الجسد استعداداً لربح الإكليل.

ربّما يعترض البعض قائلين: إنّ المرض الذي حلّ بنا سبّب لنا الكدر الكبير إذ حرمنا من نعمة الاستشهاد واحتمال الآلام، وبهذا يضيّع علينا فرصة ثمينة. يجب أن تعلم، أوّلاً، بأنّ الاستشهاد هو هبة من الله فاحص القلوب والكلى، والعارف الخفيّات، وهو سوف يكافئك على هذا الشوق الذي يعتمر في قلبك، وإن كنت لم تحققه بالفعل. هل قتل قايين أخيه عندما كان يقوم بتقديم الذبيحة؟ إنّ الله، بسابق علمه ومعرفته، أدان القتل الذي رآه داخل قايين. فكما رأى الله هذا الفكر الشرّير والنيّة السيّئة، هكذا أيضاً يرى هذا الاشتياق للاستشهاد داخل من يشتهيه. فالله الديّان يكلّل القصد والنيّة في عمل الفضيلة. من الثابت أنّ هناك فرقاً بين أن تكون لديك هذه النيّة أو لاتكون، أو إن لم تسمح لك الظروف بتحقيقها رغم ترقّبك لها، واعلم أنّ دينونة الله ستكون على حسب ما في قلبك. فالله نفسه شهد قائلاً: “ستعرف جميع الكنائس أنّي أنا هو الفاحص الكلى والقلوب” (رؤ 23:2). إنّ الله لا يطلب منك الدم بل الإيمان. فإبراهيم واسحق ويعقوب لم يستشهدوا بسفك الدم، ولكنّهم، رغم ذلك، كُرّموا لعظيم إيمانهم وبرّهم، فاستحقّوا أن ينالوا المجد والإكرام. وسوف يجتمع على مائدتهم السماويّة كلّ من كان أميناً وباراً وجديراً بالمديح. لنكن منطقيّين مع ذواتنا إذ كيف نطلب في صلاتنا أن يمنّ الله علينا بالخضوع لمشيئته تحقيقاً للصلاة التي علّمنا إيّاها (لتكن مشيئتك)، بينما نعصى أمر الموت كالعبيد المتكبّرين المتصلّبي الرأي، فيكون رحيلنا كرهاً وليس طاعة لإرادة الله، وبعدها ننتظر المكافأة السماويّة في السماء من الذي أتينا إليه رغماً عنّا وبعكس رغبتنا؟!! فلماذا نطلب بحرارة أن يأتي ملكوته إذا كانت تأسرنا لهذا الحدّ الأمور الأرضيّة؟ وهل نرغب حقّاً في البقاء هنا على هذه الأرض مستعبدين للشيطان عوضاً أن نملك مع المسيح؟ إن كان الجواب لا، فلماذا التأجيل إذاً؟

أن يتفجّع الإنسان أمام الموت، هذا يعني أنّه ناقص الإيمان. لقد طلب الربّ منّا تكراراً، نحن الضعفاء وآخر الناس، بأن ننبّه إخوتنا بألاّ ينتحبوا على أحبّائهم الذين نقلتهم دعوة الربّ من هذا العالم، عالمين أنّهم لم يذهبوا للهلاك، بل هم سبقونا، فقط، في الرحيل، وغادرونا كمسافرين، وأسرعوا في الإبحار قبلنا. فلا ينبغي إذاً أن نبكيهم بل أن نغار منهم ونحسدهم، ولا أن نتّشح بالسواد فيما هم يتلألأون بثياب الفرح البيضاء اللامعة البهيّة! لا يليق بنا أن نعطي فرصة لغير المؤمنين كي يسخروا بنا بسبب حزننا المفرط على أولئك الذين ندّعي بأنّهم كانوا يحيون مع الله، كما لو كانوا هالكين. إنّنا بهذا التصرّف ننكر إيماننا، ونخون رجاءنا، ويبدو ما ننادي به وكأنّه وهم وإدعاء كاذب. لا يصحّ أن نظهر الشجاعة في الكلام فقط، ثمّ ننقض بأفعالنا ما نقول. يوبّخ الرسول بولس ويعنّف بشدّة أولئك الذين يغالون في الحزن على ارتحال ذويهم قائلاً: “لا أريد أن تجهلوا أيّها الإخوة من جهة الراقدين، لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم، لأنّه إن كنّا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع، سيُحضرهم الله أيضاً معه” (1تسا 13:4-14)، فهو يصف الذين يحزنون على أحبّائهم حزناً شديداً “بالذين لا رجاء لهم”. أمّا نحن الذين نحيا بالرجاء، ونؤمن بأنّ المسيح تألّم لأجلنا وقام من بين الأموات، وإنّنا نقيم فيه، ونحيا به، فيجب إذاً أن نؤمن، أيضاً، أنّنا سنقوم معه ثانية. “من يحيا ويؤمن بي لن يرى الموت أبداً”. قولوا لي، يا إخوتي، لماذا لا نودّ الانتقال من هذا العالم إن كنّا فعلاً نقيم في المسيح ونحيا به ومعه؟ ولماذا نبكي ونكتئب على فراق أحبّائنا كما لو كنّا قد خسرناهم إلى الأبد؟ إنّ المسيح ربّنا وإلهنا يشدّدنا بقوله: “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي وإن مات فسيحيا. وكلّ من كان حيّاً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد (يو 25:11-26). فإن كنّا نؤمن بالمسيح، وإن كانت لنا ثقة في كلامه وفي مواعيده، وإن كنّا أناساً خالدين، فلنتقدّم، إذاً، إليه بفرح وثقة، لكي نحيا ونملك معه إلى الأبد، لأنّه هو الذي وعدنا بذلك، ووعده صادق.

بالواقع نحن نعبر بالموت إلى الحياة، ولا يمكن أن نحظى بالحياة الخالدة إن لم نخرج أوّلاً من العالم. فالموت إذاً ليس محطّة نهائيّة لحياتنا على الأرض، إنّما هو انتقال ونقطة إنطلاق من حياة مؤقّتة إلى أخرى أبديّة. فمن لا يحثّ الخطى، إذاً، نحو هذا الخير الأعظم؟ ومن لا يشتاق لأن يتغيّر ويتحوّل إلى صورة المسيح، ويتمتّع بشرف المجد السماويّ؟ لقد أعلن لنا الرسول بولس قائلاً: “إنّ سيرتنا نحن هي في السماويّات التي فيها أيضاً ننتظر مخلّصاً هو الربّ يسوع المسيح الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده” (في 20:3-21). وهذا أيضاً ما وعدنا به السيّد عندما وجّه صلاته للآب لكيما نكون معه في المساكن الأبديّة، ونشاركه الفرح في ملكوته حيث قال: “أيّها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني أن يكونوا معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنّك أحببتني منذ إنشاء العالم” (يو 24:17). فمن ينعم بمجد الملكوت السماويّ صحبة المسيح لا يليق به أن يحزن وينوح إذ إنّ الموت يُعتق المختارين من فساد هذا الدهر وانحلاله. أنّ الله نقل أخنوخ لأنّه أرضاه “وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأنّ الله أخذه” (تك 24:5). فالله، إذاً، يؤهّل كلّ من يسرّ به للانتقال من تأثير هذا الدهر ومغرياته. ويعلّمنا الروح القدس بفم سليمان الحكيم بأنّ الذين أرضوا الله يؤخذون باكراً حتّى لا تغيّر الرذيلة عقولهم ولا تدنّسها بتلبّثهم أكثر في هذا العالم فيقول: “إنّه كان مرضيّاً لله فأحبّه، وكان يعيش بين الخطأة فنقله. خطفه لكي لا يغيّر الشرّ عقله، ولا يطغي الغشّ نفسه” (حك 10:4-11). ونقرأ أيضاً في سفر المزامير: “ما أحبّ مساكنك يا ربّ القوّات تشتاق وتتوق نفسي إلى ديار الربّ” (مز 1:84-2)، فالنفس المرضيّة لإلهها تسارع نحو السيّد بلهفة وشوق.    فلنتغرّب، إذاً، عن العالم، لأنّ كلّ شيء فيه باطل!!

إنّ من يرغب البقاء طويلاً في هذه الدنيا، يثبت أنّه يجد فيها بهجته، وتستهويه ملذّاتها وتغريه. إذا كان العالم يبغض المسيحيّ، فلماذا إذاً يؤثر هذا المسيحيّ البقاء في أرض الشقاء على اتّباع المسيح الذي افتداه وأحبّه؟!! إنّ يوحنّا الحبيب في رسالته يحثّنا على أن لا نسعى إلى محبّة العالم إذ يقول: “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحبّ أحد العالم، فليست فيه محبّة الآب، لأنّ كلّ ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العين وتعظّم المعيشة ليس من الآب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته معه وأمّا الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد” (1يو 15:2-17). فلنكن، إذاً، يا إخوتي الأحبّاء، ذوي نفوس مستقيمة وإيمان غير متزعزع وشجاعة صلبة، سريعين في الخضوع لإرادة الله، ولنقصي عنّا كلّ خوف من الموت، ومتأمّلين بالخلود الذي يتبعه، بما يتوافق مع إيماننا، غير متألّمين بمرارة على موت أحبائنا. وعندما يحين وقت خروجنا من هذا الجسد الفاني تلبية لدعوة الله لنا، فلنسر نحوه من دون تردّد أو تلكؤ. فلنتحرّر، يا إخوتي، من القيود الأرضيّة، ولا ننس بأنّنا غرباء، ولنبارك اليوم الذي سيعود فيه كلّ واحد منّا إلى منزله الحقيقيّ في فردوس النعيم وفي ملكوت السماوات. فها هوذا العالم يعلن بذاته عن زواله إذ سيفنى بدوره. يا لغبطة أبناء الله المنتقلين عنّا، لأنّهم تخلّصوا من تيّارات الهجمات الشرّيرة وعواصفها سيّما ونحن نترقّب أموراً أكثر أسىً مزمعة أن تأتي علينا، لذلك، ومن هذه الحيثيّة، يُحسب لنا الانطلاق مكسباً كبيراً. لو كانت جدران بيتك تهتزّ أما كنت تغادره بسرعة؟ ولو كنت تبحر في سفينة، وداهمتها العواصف والأمواج أما كنت تطلب العودة إلى الميناء؟ هوذا العالم يترنّح ويتداعى ليس بفعل الزمن إنّما بسبب النهاية التي لا بدّ منها، أفلا تفرح لأنّ الخلاص أتاك بهذا الرحيل المبكّر؟ ألا تشكر الله لأنّك تحرّرت من المتاعب والكوارث التي كانت تتهدّدك؟

علينا إذاً، أيّها الإخوة الأحبّاء، أن نفكّر دائماً، نحن الذين جحدنا ملذّات العالم، أنّنا نقيم زمناً قصيراً في مكان العبور هذا، فأيّ مسافر لا يبادر بالعودة إلى وطنه تاركاً بلاد الاغتراب البعيدة؟ وأيّ ملاّح لا يسرع لرؤية أهل بيته؟ بل كم يتمنّى بحرارة لو تهبّ ريح قويّة تمكّنه سريعاً من معانقة أحبّائه؟ وطننا هو الفردوس حيث يرتع آباؤنا البطاركة القدّيسون، فلماذا لا نهرع لملاقاتهم وإلقاء التحيّة على الأهل والأقارب الذين سبقونا؟ جماعات وجماعات من أحبّائنا وذوينا ينتظروننا هناك، يترقّبون رؤيتنا ومشاطرتهم الفرح. ما أحلى أن يموت الإنسان من دون جزع، وما أهنأ العيش في الأبديّة حيث أجواق الرسل وجماعة الأنبياء وقوافل لا تحصى من الشهداء المكلَّلين بالمجد لانتصارهم على الأعداء وعلى الآلام التي كابدوها محبّة بمسيحهم. هناك تتلألأ بالنور الإلهيّ العذارى اللواتي دفعن ثمن جهاداتهنّ ضدّ الشهوات. هناك نال الصالحون المكافآت على إحساناتهم وبرّهم. فلنسرع إذاً، نحن أيضاً، لكي نجتمع بهم ونظهر ظافرين أمام المسيح الناظر إلى شوقنا ورغبة نفوسنا وتوقّد إيماننا، هو الذي يجازي بالمجد ويكرّم من يتوقون إليه بحرارة وشوق.

* Le chretien devant la mort (Cyprien et Ambroise) collection: Les peres dans la foi. 1980 Edition: Desclee de Brouwer

الموقف الكاثوليكي من قضية انبثاق الروح القدس من الآب والإبن

الموقف الكاثوليكي من قضية انبثاق الروح القدس من الآب والإبن

الأب جورج عطية

يعتبر الغربيون أن إرسال الروح القدس الى الخارج والذي تمّ ليس فقط من قبل الآب بل أيضاً من قبل الإبن هو بنوع من مواصلة الصدور الأزلي في الزمان. ولهذا فعبارة ((الذي من عند الآب ينبثق) لا تنفي في نظرهم الإنبثاق من الإبن بل نفترضه بسبب مساواة أو وحدة  الإبن مع الآب في الجوهر (يوحنا16: 25). ولهذا ولأن الآب يبثق الروح القدس فالإبن يبثقه كذلك لأن كل ما للآب هو للإبن (يوحنا16: 15). ولكن هذا الإفتراض خاطىء بالأساس. صحيح أن وحدة جوهر الآب والإبن تفترض وحدة الصفات الأزلية مثل الحضور في كل مكان، القدرة على كل شيء… لكنها تفترض أيضاً أنهما شخصان متميزان وهذا التميّز بحسب الآباء يقوم فقط بتميّز صفاتهما الأقنومية التي لا يجوز تعميمها كما رأينا لئلا يحصل التشوش ونصل الى الصاباليوسية. فيبطل أن يكون هناك ثالوث.

السؤال: هل انبثاق الروح القدس صفة جوهرية أم صفة أقنومية؟

فإن كان صفة جوهرية يمكن أن نعممها فعندئذ يجب قبول انبثاق الروح القدس من الآب والإبن. لكننا في هذه الحال نصل الى نتائج لا حدود لتجديفها وغرابتها. فمثلاً إن كان الروح القدس ينبثق من الآب لأن الإبن متحد مع الآب في الجوهر، وكل ما للآب هو للإبن، فلماذا لا ينبثق الروح القدس من ذاته؟ – لأنه هو أيضاً متحد معهما في الجوهر وكل ما لهما له. ولماذا لا ينبثق الآب والإبن من الروح أيضاً؟ – الإبن يولد من الآب، فلماذا لا تكون للآب والروح صفة الولادة أيضاً طالما هو متحد في الجوهر معهما وكل ما لهما هو له؟ ولماذا لا تكون للإبن والروح صفات عدم الصدور والايلاد التي للآب…؟

ولكي لا يصل الكاثوليك الى نتائج كهذه قالا أن الإبن بسبب ولادته الأزلية يملك كل ما يملكه الآب إلا الأبوة وعدم الصدور، إذ يمكنه أن يشارك غيره بالبثق ولكنه لا يستطيع أن يشارك غيره بالولادة. أليس هذا إستثناءً إعتباطياً غير مبني على أساس؟

عند بعض اللاهوتيين الكاثوليك جواب آخر هو أن ترتيب الأقانيم الإلهيين هو الآب، الإبن، الروح القدس. ولأن الروح القدس هو الثالث في الترتيب لذلك لا يستطيع أن يلد الإبن أو أن يبثق الذي هو قبله، وبالطبع فهذا يقود في حال قبوله الى نوع من المرتبية والأسبقية بين الأقانيم، على اعتبار أن الإبن يولد من الآب قبل أن ينبثق الروح القدس منه.

ولعل الإدّعاء الذي ورد الفقرة (د) بأن الروح القدس ينبثق من الآب والإبن، كمن مبدأ أوحد وبنفخ أوحد، هو محاولة للتهرب من الوصول الى هذه المرتبية والأسبقية الزمنية بين الأقانيم التي لا بد أن المغبوط أوغسطين قد لاحظها ولذا شدّد: “يجب أن لا نقبل (من مبدأين) لأن هذا بالكلية مختلق وأخرق. لا بل هرطقة وليس بحسب العقيدة الجامعة”. وفي الواقع فإن مجرد الدفاع عن انبثاق الروح القدس من الآب والإبن هو بحد ذاته القول بأن الروح القدس ينبثق من مبدأين أي مصدرين هما الآب والإبن، وبالتالي الى اعتبار الروح مركبّا وليس بسيطاً، لأنه مأخوذ من مصدرين ولا تنفع في هذه الحالة إضافة كلمات (كمن مبدأ واحد وبنفخ واحد) إذ لا يمكنها أن تغيّر واقع الإدعاء الأول، وفي هذا المجال يقول البطريرك فوتيوس مَنْ مٍنَ المسيحيين يستطيع أن يسمح أن يُدخل علتان في الثالوث الأقدس للإبن والروح القدس، فيجعل للروح أيضاً (الإبن)… ولماذ ينبثق الروح (ومن الإبن) فإن كان الإنبثاق من الآب هو تام (وهو تام لأن الروح إله تام من إله تام) فلماذا إذاً الإنبثاق من الإبن؟ ولماذا؟

بناء على ما تقدم، بثق الروح القدس ليس هو صفة جوهرية يمكن تعميمها على الأقانيم بل هو صفة أقنومية شخصية تخص الآب وحده، وبها يتميز عن الإبن والروح القدس. وهي مختلفة جذرياً عن إرسال الروح القدس في الزمن، والمعني به افاضة مواهبه وقواه على الخليقة التي افتداها الإبن بتجسده وقيامته. ولعل هذا هو ما قصده السيد عندما جمع في عبارة واحدة بين الإرسال والإنبثاق (يوحنا 15: 26) لكي يميز بوضوح بينهما وليس لكي يدل على أن الإرسال الى الخارج يفترض بالضرورة مواصلة الصدور الأزلي في الزمان كما تدّعي كتب اللاهوت الكاثوليكية. وللبرهنة على خطأ هذا الإدعاء يكفي أن نقول بأنه في حال تسليمنا به يجب أن نقبل بأن الإبن يولد من الأزل من الروح القدس، لأن الكتاب المقدّس يعلّمنا بأن الإبن يُرسل في العالم من الروح القدس “روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين….. أرسلني لأشفي المنكسري القلوب” (أشعياء 61: 1 ولوقا 4: 18).

جواب الكاثوليك على هذا البرهان هو قولهم بأن الروح القدس يرسل هنا الإبن كإنسان وليس بحسب طبيعته الإلهية التي هي حاضرة في كل مكان وليست قابلة للإرسال. وردّنا نحن على جوابهم بأن الروح القدس هو أيضاً بحسب أقنومه الإلهي حاضر في كل مكان وليس قابلاً للإرسال، وإنما أرسل بهيئة منظورة في الزمن، أي بشكل ألسنة نارية في العنصرة لكي يبقى مع الكنيسة، بحسب قواه المعزية والمرشدة المقدسة.

الآباء القديسون: يفسرون إرسال الروح القدس في العالم بواسطة الإبن، وإرسال الإبن بواسطة الروح القدس من خلال وحدة الجوهر الإلهي التي يعبّر عنها بوحدة عملهما الخارجي. ولذلك حيث يعمل أحد الأقانيم يكون حاضراً وفاعلاً بشكل تلقائي الأقنومان الآخران. ولهذا يقول الآباء أن الإبن أرسل في العالم من الآب ومن الروح القدس لكي يظهر من خلال هذا أن الآب والروح ليسا غريبين عن العمل الخلاصي للإبن بل يشاركان في هذا العمل، وكذلك الحال بالنسبة لإرسال الروح القدس في العالم من الآب والإبن.

تستشهد كتب العقائد الكاثليكية ببعض أقوال المجامع مثل موافقة المجمع المسكوني الثالث على الحروم الإثني عشر للقديس كيرللس الإسكندري ومنها الحرم التاسع الذي يسمّى فيه الروح القدس خاصّة الإبن. وفي الحقيقة إذا تمعنّا في نص هذا الحرم لوجدنا أن التشديد ضد نسطريوس هو أن يسوع صنع العجائب بواسطة الروح القدس، ليس كأنه قوة غريبة عنه بل بواسطته كقوة خاصة به لأن الروح القدس متحد معه في الجوهر. القديس كيرلس أوضح فيما بعد هذه الحقيقة في جوابه على بعض النقاط التي أثارها ثيودوريتس القورشي، ومن بينها هذه النقطة بالذات، فيقول بأنه سمّى الروح القدس خاصة الإبن لأنه بالرغم من انبثاقه من الآب إلا أنه ليس غريباً عن الإبن.

كذلك يستشهد الكتّاب الكاثوليك بأقوال بعض الآباء فيفسرون بعض العبارات تفسيراً يتفق مع دعمهم للفيليوكفي، مثل: “الروح القدس يستقر في الإبن”، “يرتاح في الإبن”، هو “أيقونة الإبن”، “عنده المنبع في الإبن”… ولكن إذا نظرنا أيضاً الى هذه العبارات في مجمل النص الذي جدت فيه وبعلاقته مع العقيدة العامة للآباء القديسين الذين استعملوها لوجدناها تتحدث عن الإرسال الزمني للروح أو على وحدة الجوهر مع الإبن، وليس البتة عن انبثاق الروح من الإبن. فمثلاً الفديس أثناسيوس الكبير يسمّي الإبن: “نبع الروح القدس” لأن الإبن هو من يرسل الروح القدس في العالم لكي يساعد البشر على اقتبال الخلاص.

والقديس يوحنا الدمشقي يستعمل عبارة: “الروح القدس يرتاح في الإبن” لأنه واحد مع الآب في الجوهر، وهكذا….

ويضيف الكاثوليك أنه الى جانب هذه العبارات الآبائية غير المباشرة، هناك من الآباء والكتّاب الكنسيين من يعلّم الإنبثاق من الإبن بصورة مباشرة. ويستنتجون من هذا قدم وعمومية هذه العقيدة في الكنيسة المسيحية. إلا أنه كما يلاحظ (B- Bartman) الكاثوليكي، تظهر الفيليوكفي لأول مرة عند أوغسطين الذي أعلن “لا نستطيع أن نقول بأن الروح القدس لا ينبثق من الإبن لأنه ليس بدون هدف أن يقال عن الروح نفسه بأنه روح الآب أو روح الإبن”. وتبعه في ذلك كتّاب غربين كنسيون آخرون مثل البابا لاون الكبير وجناديوس المارسيلي وفيليكس دى نولا وفولجنتسيو دى روسبي Fulgentiu de Ruspe  ومع ذلك فلم يكن رأى أوغسطين نفسه ثابتاً دائماً في هذه النقطة كما وان رأى هؤلاء الكتّاب الكنسيين لا يشكل البرهان بأن هذا هو اعتقاد الكنيسة الأولى بل هو مجرد رأي شخصي انحرف عن تعليم الكنيسة.

يوجد بعض الآباء الذين استعملوا عبارة “الروح القدس ينبثق من الآب بالإبن وقد استعملها بشكل خاص بعض الآباء الشرقيين. وبالطبع فاللاهوتيون الغربيون يعتبرون أن عبارة بالابن تعبّر عن فكرة من الإبن ولا يوجد أي فرق بينهما.

أما بالنسبة للآباء فالبعض منهم استعمل عبارة بالابن للتعبير عن إظهار الروح القدس في العالم وليس انبثاقه. بينما البعض الآخر استعملها بالعلاقة مع أصله.

فمثلاً فيما يختص بالإستعمال الأول، نقرأ عن القديس غريغوريوس العجائبي: “أن الروح القدس عنده الكيان من الله وأظهر للناس بواسطة الإبن” وكذلك عند القديس كيرللس الإسكندري “يأتي الحي من الآب بالإبن”. يأتي منه بحسب بحسب الجوهر ويمنح للخليقة بواسطة الإبن أي أن هؤلاء الآباء يريدون القول أن الإبن هو السبب الذي من أجله أرسل الآب الروح القدس. ولو لم يأتِ الإبن في العالم لما كان أرسل الروح القدس.

فيما يتعلق بالإستعمال الثاني لعبارة بالابن، هناك بعض الآباء استخدموها عندما كانوا يتكلمون عن أصل الروح القدس، لكنهم مع ذلك لم يكونوا يقصدون انبثاق الروح القدس من الإبن، أي لم يستعملوها بمعنى الصدور منه بل كانوا يقررون معنى آخر مختلفاً جذرياً عنها، فمثلاً القديس غريغوريوس النيصصي يكتب بأن “الإبن يصدر من الآب بدون واسطة، لكن الروح القدس هو أيضاً من الآب إنما بالإبن أي بالذي هو بلا واسطة”.

بهذه الكلمات لا يريد أن يقول بأن الروح القدس ينبثق (ومن الإبن) بل وبحسب تعبيره هو: :اننا نحن البشر نفتكر بأن الآب قبل الإبن إنما بواسطة الإبن ومعه الإبن. يعرف الروح متحداً، وهذا بدون أن يكون الروح القدس كوجود بعد الإبن”.

ولهذا يستعمل بعض اللاهوتيين عبارة (بالإبن) بمعنى: “والإبن”، “مع الإبن”، أي “في نفس الوقت مع الإبن”. إذاً يريدون أن يقولوا بأن الروح القدس عنده الوجود أو ينبثق من الأزل من الآب مع الإبن (في نفس الوقت مع الإبن).

القديس مكسيموس المعترف (+662) أيضاً عنده تعبير بالابن ولكنه يستبعد هو نفسه إمكانية تفسير هذه العبارة بحسب المفهوم الغربي ففي رسالة وجهها الى الكاهن مارين من قبرص يقول فيها مدافعاً عن غربيي ذلك الزمان: “عندما يقبل اللاتين بأن الروح القدس ينبثق من الآب لا يجعلون من الإبن علة (مصدرا) للروح، لأنهم يعرفون مصدراً واحداً فقط للإبن وللروح هو الآب، الأول بالولادة والثاني بالإنبثاق، وإنما يقولون هذا لكي يظهروا بأن الروح القدس يصدر بواسطة الإبن ولكي يشيروا بهذا الى وحدة وتماثل الجوهر”.

القديس يوحنا الدمشقي استعمل عدة مرات عبارة بان الروح القدس ينبثق من الآب بالإبن، وبكلا المعنيين المذكورين أعلاه بالنسبة للمعنى الأول يقول “لا نقول الروح من الإبن لكن نعترف أنه بالإبن ظهر وأعلن لنا… روح قدس لله الآب منه منبثق، ولكن إذا قيل روح الإبن فهذا يعني أنه بواسطته ظهر وأعلن للخليقة، وبدون أن يكون حاصلاً على وجوده منه”.

أما بالنسبة للمعنى الثاني فيقول: “الروح القدس ليس إبن الآب بل روح الآب لأنه ينبثق من الآب…. وروح الإبن ليس بمعنى أنه منه بل بمعنى أنه منبثق من الآب به، لأن الآب فقط هو المسبب”.

بالنتيجة نحن الأرثوذكس نشدد مع الآباء على كون الآب وحده هو سبب انبثاق الروح القدس، ولهذا لا يمكننا أن نقبل بتعبير “ومن الإبن” الذي يجعل الإبن كمصدر ثانٍ للروح القدس. كل ما يمكننا أن نقبل به هو تعبير “بواسطة الإبن” والذي ورد كرأي لاهوتي عند بعض الآباء. إذ لا يتعارض، كما فسروا، مع كون الآب هو المصدر الأوحد.

3 – وختاماً ما نلفت النظر الى خطورة النقطة الثالثة من التعليم الكاثوليكي الخاص عن الثالوث الأقدس، والتي تشكل بمجملها نموذجاً عن المقايسة والتفكير العقلاني المحض في اللاهوت الغربي. نكتفي هنا بالتوقف عند القول ب، الروح القدس يصدر عن إرادة الآب والإبن أو عن محبتهما المتبادلة، فنلاحظ أن هذا تأكيد واضح على أن اللاهوتيين السكولاستيكيين لم يميزوا بين الأقنوم الإلهي وبين ما يصدر عنه من قوى وأفعال. ولهذا فهم يحدرون أقنوم الروح القدس ليس فقط الى مستوى القوى الإلهية غير المخلوقة التي تصدر عن الثالوث الأقدس وبل وحتى الى مستوى ما ينتج عن هذه القوى من أفعال مخلوقة، إذ يقررون أنه يصدر عن إرادة الآب أو الإبن أو عن محبتهما المتبادلة أو يقولون أنه يصدر عن فعل محبة. لأن المخلوقات بحسب الآباء تصدر عن إرادة الأقانيم وبسبب محبتها، وهي بالضبط فعل محبتها. معنى هذا الإدعاء إذن، أنه يؤدي، من حيث لا يدرون، الى درج أقنوم الروح القدس بين المخلوقات وبالتالي الى إلغاء مفهوم الثالوث القدوس أو على الأقل جعله مقتصراً على أقنومين فقط هما الآب والإبن. لأن انبثاق الروح عند آباء الكنيسة، هو كولادة الإبن، لا يصدر عن إرادة الآب أو عن محبته بل عن طبيعته الخاصة، لكنه بالطبع ليس ضد هذه الإرادة.

كما أن هذا التقسيم الغريب والمنصاع الى تأملات المفكرين الأغريق في الألوهة الفلسفية المجردة، بين ما يحبه الله بالضرورة وما يحبه مختاراً، هو في نظرنا اتهام واضح للثالوث القدوس اله المحبة بالأنانية المجبرة، لأنه بحسب مفهومهم يحب ذاته بالضرورة!!!.

آفّي سارّي

آفّي سارّي

المغنّية اليونانية التي غيَّرَها أحد الأديرة

نقلها إلى العربية الأب اثناسيوس بركات


آفّي سارّي هي واحدةٌ من أكثر المغنّيات شعبيّةً في اليونان، مرَّت بظروف صعبةٍ خلال السنوات القليلة الماضية، مما أدّى بها إلى  التَّفتيش في أعماق نفسها وإعادة اكتشاف إيمانها. (وكان ذلك عن طريق علاقة وطيدة، بأحد أديار الراهبات، لم تنقطع حتى الآن).

ما الذي قادك إلى الرَّهبنة، يا آفّي؟

دعنا نبدأ من البداية: في طفولتي، لعب عمّي دوراً أساسياً في حياتي. غالباً ما كنت أذهبُ إلى الكنيسة بصحبة أهلي حتى عمر المراهقة. وكنت أصوم وأصلّي وأذهب إلى الكاهن الذي كان أبي الروحي- وهو الذي درستُ على يده الكتابات المقدَّسة في صف التعليم المسيحي- وكنت أمارس سر الإعتراف. ثم تغيَّرت الأمور بعضَ الشَّيء، بسبب انخراطي في الموسيقى. لكن، كان ذلك ظاهريّاً. رغم أنني لم أكن أذهب، غالباً، إلى الكنيسة، بسبب عملي، إلا أنه، في غرفتي، دائماً ما كانت توجد أيقونةٌ لوالدة الإله- وهي التي حمتني من المخاطر- فكنت أشعرُ بأن أحداً ما في الأعالي كان يعتني بي.

ما الذي تعنينه بذلك؟ عندما كنتِ تُغنّين “في فراش غريبٍ ستحلم بي”، هل كنتِ، في الوقت نفسِه، تُضيئين الشموع؟

ما الغريبُ في الأمر؟ “من كان منكم بلا خطيئة فليرجُمْها بحجر”، مَن الذي يَحكم عليّ؟  لقد قمت بأحد الأمرين للمعيشة أما الآخر فلخلاص نفسي. ممّا لا شك فيه أنني كنت حذرة للغاية في هذه الأمور، إذ أنني، في الأماكن التي كنت أغني فيها، لم أكن أرغب بأن يتهكَّم عليَّ الجميع بسبب إيماني.


هناك مسافةٌ كبيرةٌ بين أن تؤمني بالله والقديسين، وبين أن تَحبسي نفسَك في أحد الأديرة.

أوافقُكَ الرَّأي. لكن، أثناء أحد الظروف الصعبة التي كنت أمرُّ بها، صدف أن قرأتُ كتابات الأم غابرييلا، عن طريق زميلة لي كنت أثق بها- وهي مغنّية ذائعةُ الصّيت، لكنني لن أَكشف عن اسمِها. أحسستُ بأن كلماتها و”محبتها النسكية” كانت الرجاء الذي كنت أبحثُ عنه، وقد فاجأني أن أكتشف بأن ذلك لا يوجدُ، بالحقيقة، إلا لدى ذوي الفضيلة.

متى حدث ذلك، يا آفّي؟

منذ حوالي الخمس سنوات، عندما بدأ لاكيس لازوبولوس يهزأ بي في عرضِه، بتقديمه أموراً شنيعةً تتناولني، فكان بذلك ينتهك روحي. حينها وفي إحدى اللَّيالي،اتَّصلتُ، من تلقاء نفسي، بدير نسائي يقع في الضاحية الشرقية من أثينا. تكلّمت مع الأم الرَّئيسة، وأخبرتها مَن أكون، وكان من الطبيعي أن تتعرَّف عليَّ، فأخبرتني بأن “طريقَ الله مفتوحةٌ لكلِّ الناس”. فهدأت بمجرد سماع صوتها على الهاتف.

وهل ذهبتِ، حينها، بشكل نهائي إلى الدير؟

لما يقارب الأربعة أسابيع، كنت أتردَّدُ، كلَّ مساء، إلى ذلك الدير وأصلّي. هناك، كنت أتكلَّم مع بعض الراهبات- واحدةٌ منهنَّ كانت قد شاركت في خورص أحدى مجموعاتي التي أصدرتها مع كارفيلاس؛ صوتها كان مميَّزاً جداً في أغنية “أتريد هَجري؟ غير ممكن!”- ويوماً فيوماً، وبشكل تَدريجي، بدأت أشعر بأن الدير صار بيتي الثاني. أذكر أنني، في تلك الأوقات، كنت أذهب، يومياً، إلى الطبيب النفسي- فقد خضعت لعدة جلسات نفسجسدية بسبب التَّشهير الذي تعرّضتُ له من لازوبولوس- وقد أصبح الدير ملجئي. كان الأمر كما لوكنتُ في بيئتي الطبيعية، هذا ما أحسستُ به.

ومتى اعتنقتِ الرَّهبنة؟

بعد انقضاء شهرين من الزمن، تنامى شعوري بعدم جدوى حياة هذا العالم، قلت لنفسي: “يا آفّي، إنه الوقت المناسب الذي ينبغي أن تقومي فيه بخطوة جبّارة في حياتك، أن تقومي بقفزة وتتخطّي الأمر”. لبرهة وجيزة، نظرتُ إلى الفساتين الجميلة التي أملكها في خزانتي، وألقيت نظرةً على أسطواناتي الذَّهبية، وتذكرت محادثةً جرت مع راهبةٍ جعلتني أخجل عندما قالت لي: ” لم يَجدر بكِ قولُ (غناء) ¢العارية في اليونان¢”. ابتسمتُ بعذوبةٍ وأنا أفكر بالخطايا الصغيرة التي اقترفتُها في حياتي، وبالناس الذين ظلموني عن غير قصد، وظننتُ بأني ،الآن، من الممكن أن أُعاقَبَ على خطاياي البريئة، لذا اتَّخذت القرار الكبير. اتَّصلتُ برئيسة الدير وأعلنتُ عن رغبتي العميقة، فحوَّلتني إلى راهبةٍ أخرى كانت تَرْأَسُ ديراً جديداً يبعد بضعة كيلومترات عن أثينا. أقفلتُ باب بيتي، ووضَّبتُ حقيبة صغيرةً تحوى بعض الضروريات، وأتَّصلتُ بصديقة أقلَّتني مباشرةً إلى هناك.

وعشتِ كمبتدئة؟

بالضّبط. كل الراهبات هناك، وعددهن حوالى العشرون، استقبلنني واهتممن بي، ودفعن إليَّ مَقاطع محدَّدة من الإنجيل لقراءتها. أتذكّر الأمَّ الرئيسة، وهي امرأةٌ قدّيسة لا غشَّ فيها، جعلتني أَحفَظُ عن ظهر قلب، الرسالةَ الثانية لبولس الرسول إلى أهل كورنثوس، وقالت لي بأن تلك الكلمات يجب ان تُصبحَ مرشدة لي في حياتي. لا شك بأنها امرأةٌ ذكيَّة ذات حس كبير بالفكاهة، أَذكُرُ أنها قالت لي كلاماً مميَّزاً: “كما تَحفَظين أغانيك، هكذا سوف تحفظين تلك الكلمات”.


ومنذ ذلك اليوم صرت تشاركين بانتظام في الحياة الرهبانية؟

بأفضل ما يكون عليه الإنتظام! في الصباح التالي، استيقظتُ الساعة 5:00 للمشاركة في صلاة السحر. أخذتُ استراحةً خلال القداس. جلست خلف القرّاية؟ وفتحتُ كتاب خدمة ذلك اليوم، وشاركتُ أَخواتي بالتَّرتيل. في النهاية، لم أخسر شيئاً. برز صوتي أكثر من أصوات البقيّة. كلَّهن هنَّأنني. بعدها، ذهبتُ مع أختٍ، وكانت مسئولة عني في الدير لكي أصبح راهبةً حقيقية، وأخذتني إلى حقل كبير، قالت لي الأخت أنه يعود للدير لسنوات عديدة، حيث قطفنا الزيتون. لا أُخفي بأن ذلك شكَّلَ تَحَدّياً لي بعض الشيء، إذ لم أفعل، طوال حياتي، شيئاً كهذا. لكنني، عندما كنت أفكّرُ بشراسة مَن اضطهدني وظلمني على التلفزيون، كنت أشعر بأن الأمر هو من أجل خلاصي، بما لا يُقارَن.


هل عانيت من صعوبات مع القلنسوة الرهبانية؟

عانيت الكثير. قبل كل شيء كان الفصل صيفاً، في شهر حزيران، فكنتُ أتعرَّق بشدّة. فحتى ذلك الوقت، كنت معتادة على التَّنقّل بثوب قصير ورِجلاي تتعرّضان للهواء. رغم تلك الأمور، فقد تحمَّلت لأن ذلك كان جزءاً من الاختبار.

وهل كنت تنجحين بالنّهوض يومياً الساعة الخامسة، في حين أن ذلك كان، لسنوات عديدة، وقت ذهابك للنوم؟

بكل تأكيدّ! كنا نتناول العشاء حوالى الساعة 8:00- عادةً ما كان يتألّف من الخبز والزيتون والأعشاب- وحالاً، نتلو صلواتنا وننام في قلالينا. إنه عالَمٌ آخَر!

ماذا كانت تقول الراهبات لكِ؟ هل كنَّ يعرفن من أنت؟

الجميع عرفن من أنا! منذ اللحظة الأولى. لن أُخفي بأن البعض كنَّ متشكِّكات بشأني، وقد سمعت البعض يقلن بأن “بيت الله لا تناسبه الفنّانات”، إلا أن الغالبية العظمى تقبَّلنني بكثير من المحبة.


ولماذا لم تبقي في الدير؟

في حديث مع الرئيسة، قالت لي بأنه عليَّ أن أجاهد وأحاورالعالم، وبأن الدير موجود دائماً لاستقبالي، إلا أنه علي إيجاد طريقي من خلال ما يثير اضطرابي بين الناس وأن أقوم بحَلّه. وقالت بأن الدير هو عزائي طالما أعيش هناك، لكنه لن يمكن أن يصبح حلَّاً لحياتي. كان قد مرَّ عشرون يوماً منذ أن صرت هناك، حينها جمعت حاجيّاتي من قلايتي الصغيرة، التي كنت أتشاركها مع مبتدئة أخرى، وعدت إلى بيتي في أليموس.

أتقولين لي بأنكِ قد خضتِ كلَّ ذلك بسبب برنامج تلفزيزني ساخر؟

هذا الرجل بالذّات قد مرّغ روحي “بفكاهته”. أما الدير فكان قيامتي.


في النهاية، هل كانت إقامتُكِ في الدير لصالحك؟

كانت كذلك دون شك. أظن بأنني آفّي جديدة، الآن. اتّصالي بالأمور الإلهية ساعدني لأَفصِلَ نفسي عن كثير من الأمور في نفسي، ولكي أنتقي الناس، وأُصَنّف، وما أحاول فعله هو مسامحتهم، حتى الذين أساؤوا إليَّ في العمق.


ألم يكن الدير، ربما، ملجأً مؤقَّتاً لا أكثر؟

هل هناك طريقة نَقيس فيها الإيمان ولا أعرفُها؟ لقد قال المسيحُ نفسُه: “من أراد أن يتبعني، فليأتِ”. وأيضاً: “طوبى للجياع والعطاش”.

أيّاً من الإثنين كنتِه؟

كنت متعطِّشة للفهم. كنت متعطّشة لمن يصغي إلي بهدوء حول المصاعب التي واجهتها في تلك الفترة. وهذا ما وجدته في الأخوات الراهبات. في الأسطوانة القبلة، سوف أعود لتلك الخبرة الرائعة التي عشتها.

بكلمات أخرى، هل سوف تترجمين هذه الخبرة بترانيم؟

إنه مزيج من التراتيل الكنسيّة وأعمالي المشهورة الناجحة. لا أستطيع التكلم عن ذلك أكثر.

لماذا قرَّرتِ تسجيل ذلك الآن، بعد كل الذي مررتِ به؟

بسبب ما تمرّ به اليونان، الآن، ولكن، أيضاً، بسبب أيام الفصح، إضافة إلى أنني أردت أن أقدّم نموذجاً للعالم، وهو أن المحبة والإيمان يؤديان إلى الخلاص. أنا، التي لم تكن بحاجة لأي شيء في حياتها، أقول لك ذلك. لأنه كان لدي الكثير من الحب، كان الشباب والكهول يركعون أمام قدمَيَّ متوسّلين لمسة عابرة، من أجل المال، والدّعاية، والنجاح المنقطع النظير. رغم ذلك، كانت تلزمني كلمات شريرةٌ يقولها رجلٌ لكي تؤدّي إلى تحريري وإبلاغي بأن كلَّ ما أحرزتُه خلال السنين وتَحوُّلي إلى واحدةً من أفضل مطربات الأغاني الفولكلورية في اليونان، كلُّ ذلك ذهب في أدراجَ الرياح. بدون إيمان لستُ بشيء. هذا ما أعرفه الآن. لست آفّي التي كنتم تعرفونها. لقد انفصلَتْ حياتي، الآن، عن ما قبل الدير، إلى ما بعد الدير. وصدّقوني بأن هذا الفصل الثاني هو أكثر فرحاً من الأول.

 

from http://www.gazzetta.gr/genikes-eidiseis/article/item/281728-h-efi-sarri-kalogria