تنقية القلب

تنقية القلب

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

منذ الرابع من آذار 2020، يجري صاحب السيادة المتروبوليت أثناسيوس ليماسول مناقشات أسبوعيّة مع المؤمنين، مفسّرًا الكتاب المقدّس، ومطّلعًا على حاجاتهم، ومجيبًا على تساؤلاتهم

كنّا قد وصلنا إلى الفصل السابع من رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس. في بداية الفصل، يقول الرسول ما يلي: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ أنفُسنا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ بِمَخافَةِ اللهِ” (2 كور 7: 1). ثمّ يتكلّم الرسول بولس على الأحزان التي كان على الكورنثيّين أن يقاسوها. من المفيد جدًّا لنا أن نسمع اليوم هذا الكلام، لأنّنا نرى بذلك أنّ المسيحيّين الأوائل واجهوا هم أيضًا مصاعب الحياة والتجارب والخطايا، وأنّ حياتهم لم تكن ملائكيّة. ولكن ما يهمّ هو أنّهم تعاملوا مع ذلك روحيًّا: من خلال التوبة، ومن خلال جهاد تصحيح الذات

يقول الرسول بولس في الفصل السابق إنّ جسدنا هو هيكل الروح القدس، وإنّ الله يسكن في الإنسان. وبما أنّ جسدنا هو هيكلٌ كهذا، فعلينا أن ننتبه لئلاّ ندنّس جسد الله، كما نفعل مثلاً مع أيّ بناءٍ كنسيّ: فنحن نعتبر الكنيسة مكانًا مقدّسًا ولا نفكّر مجرّد تفكيرٍ بارتكاب أيّ فعلٍ دنيءٍ فيها. يجب أن ينطبق الأمر نفسه على جسدنا، وعلى نفسنا، وعلى وجودنا برمّته، الذي هو هيكل الله. ” فَإِنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ” (2 كور 6: 16). يدعونا الله إلى أن نرفض الخطيئة والشرّ وكلّ تجربة لكي نصير بحقٍّ شعب الله، ولكي يصير الربّ أبانا ونحن أبناءه وبناته (راجع 2 كور 6: 18).

إذًا، تقول بداية الإصحاح السابع: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ…”. إنّ الذي يَعِدُ هو الله نفسه. يَعِدُ بأنّه سيكون أبانا ونحن سنكون أبناءه عندما نرفض الخطيئة وكلّ ما يدنّس وجودنا. وإذا وعد الله بشيء، فهو لا يكذب مطلقًا. مواعد الله تتحقق؛ هو ليس مثلنا نحن الذين نَعِدُ عادةً بالقمر ولا نستطيع حتّى أن نفي نصفه. إذًا، الجهاد الذي نصنعه فيه ترقّب الحياة الأبديّة

عندما ننال موعدًا من الله، لا يمكننا دائمًا أن نفهمه. نحن نرتجي عادةً من الله شيئًا يكون ضمن نطاق إدراكنا وفهمنا. ولكن، كلّ ما نتلقّاه من الله هو بالحقيقة أكبر وأوسع بكثير ممّا يمكننا تخيّله. مواعد الله تعمل مثل التوازن. في الجهة الأولى من الميزان لدينا ثقل أعمالنا الروحيّة وصبرنا ورجاؤنا – والجميع لديهم شيءٌ ما. وفي الجهة الثانية لدينا مواعد الله. النتيجة ليست فقط توازنًا، بل إنّ مواعد الله تبطل مصاعب حياتنا هذه. الله غير مدرَك. من المستحيل أن نفهم ونقتبل بحقٍّ أيّ شيء نتلقّاه من الله. الله غنيّ. هو ليس مثلنا نحن الذين لدينا مقاييسنا الخاصّة وقيودنا الخاصّة. الله فيّاضٌ بالرحمة؛ محبّته لامتناهية ولا يمكن لمخلوقٍ أن يحتويها كلّها. الإنسان الذي يشعر بمحبّة الله يصعب عليه وصفها لأنّها تفوق الوصف

أتذكّر كيف أنّ القدّيس باييسيوس أخبرني ذات مرّةٍ عن رؤيته للقدّيسة أوفيميّة. كان ذلك في الصوم الكبير، كما نحن الآن (في وقت هذا الحديث)، في الأسبوع الثاني منه. ظهرتْ له في الصباح في قلاية الصليب المكرّم في كابسالا، وبقيت معه طول النهار. وصفتْ له القدّيسة أوفيميّة حياتها كلّها، لأنّ الشيخ لم يكن يعرف سيرتها. كان قد سمع عن قدّيسةٍ تُدعى أوفيميّة، ولكنّه لم يعلم أيّ شيءٍ عنها. أخبرته أنّها كانت شابةً تعيش في القرن الرابع في مدينة خلقيدونية، وكان عليها أن تقاسي أمرّ التعذيبات من أجل المسيح. وبينما كانت تخبره عن ذلك، رأى الشيخ حياتها كلّها أمامه، مثل فيلمٍ على التلفاز. ثمّ عندما وصلت إلى عذاباتها، خاف القدّيس باييسيوس ممّا رأى وسألها قائلاً: “كيف استطعتِ احتمال هذه العذابات كلّها؟” لقد كانت شابّةً صغيرة، والعذابات كانت بأكثر وحشيّة يمكن تصوّرها. فأجابته القدّيسة قائلةً: “يروندا، لو علمتُ أيّ مجدٍ سينال الشهداء في السماء من أجل عذاباتهم، لكنتُ جاهدتُ لكي أتعذّب أكثر، لأنّ ذلك كلّه وقتيٌّ ولكنّ مجد الله أبديّ”

دائمًا ما يقول لنا الرسل والآباء القدّيسون أنّه إذا احتملنا تجربةً ما من أجل محبّة المسيح، علينا أن ندرك أنّ مكافأة المسيح ستكون أعظم بكثير. ويجب أن نسعى من أجل نيل المكافأة من الربّ والشركة الأبديّة معه. نعم، قد يبدو الأمر وكأنّنا نخدم مصلحتنا إن طلبنا مكافأة، ولكنّنا أناسٌ ضعفاء في النهاية، ونحتاج ببساطةٍ إلى أن نرى أفق أفعالنا – هكذا هي طبيعتنا. أفق الحياة الأبديّة هو الموعد الذي أعطانا إيّاه الله. إذًا، عندما نمرّ بأوقات صعبة، يجب أن نتذكّر مواعد الله؛ يجب أن نتفكّر بصعودنا إلى الملكوت السماويّ، بأنّ حياتنا لا تنتهي بمضي هذه السنوات القليلة التي أُعطيت لنا لنعيشها هنا على الأرض، بل سوف تستمرّ في الملكوت الأبديّ. حينئذٍ، سنتمكّن من تخطّي أيّة صعوبة نواجهها، أكان على الصعيد الشخصيّ أم الاجتماعيّ أم العامّ، مثل الخطر الناتج عن فيروسات متنوّعة، أو تعدّي الأعداء على أمننا وراحة بالنا. بالطبع، نحن أناس، والقلق على حياتنا داخليٌّ فينا. ولكن مَن يستطيع أن يضمن لنا سلامتنا؟ مَن يستطيع أن يجزم لنا أنّنا لن نصاب بالكورونا؟ الله وحده يمكنه أن يمنح العالم الأمان. عندما يهب الإنسان حياته لله ويقول: “سيهتمّ الله بكلّ شيء”، سيشعر حينئذٍ بسلام النفس. هذا ما اعتاد أجدادنا على قوله، وكانوا أناسًا سلاميّين. دائمًا ما كانوا يقولون: “سيهتمّ الله”، وكانوا يؤمنون بما يقولون. وكانوا في الوقت عينه مستعدّين ليقاسوا أيّ أمرٍ يحدث في حياتهم، ممتلئين إيمانًا بأنّ الله يرى حياتنا كلّها. وحتّى عندما يأتي الموت، أي أسوأ شيء يمكن أن يحدث لإنسان، فهو لن يكون مرعبًا لأنّ الله قد غلبه

نحن نختبر غلبة المسيح على الموت كلّ يومٍ في الكنيسة. لقد دُمّر الموت بموت يسوع المسيح. وإذا كان لنا رجاءٌ في المسيح القائم، سوف نغلب الموت والفساد والمخاوف وعدم الأمان… لقد وعدنا المسيح بأن يكون معنا إلى الأبد. هو لا يطلب منّا سوى شيئًا واحدًا: أن ننقّي ذواتنا من الخطيئة. فكيف نفعل ذلك؟

طبعًا بواسطة الجهاد الذي علينا كلّنا أن نفعله: جهاد التنقية من الأهواء، جهاد الصوم، والصلاة، والمطالعة الروحيّة، والاعتراف، والاشتراك في أسرار الكنيسة، وعمل الإحسان، ومن خلال أيّ جهادٍ روحيّ ضمن طاقة الإنسان. كلّنا لدينا ضعفاتنا الخاصّة بالطبع، ولا يمكننا التغلّب على خطايانا كلّها. إنّ خلاصنا لا يشتمل على خبرةٍ بلا خطيئة، بل على توبة. يجب أن نتعلّم أن نتوب عن خطايانا وضعفاتنا. إذًا، من خلال التوبة والصلاة، ننال نعمة الله، وتصير التوبة سبب خلاص الإنسان. في النهاية، ليست الحياة التي بلا خطيئة هي التي ستخلّصنا (لا أحد منّا يعيش حياته كلّها من دون أخطاء أو خطايا). سوف نرتكب الأخطاء ونقترف الخطايا، كلّ ذلك بسبب ضعفنا. عندما نمارس جهاد محاربة الخطيئة، سندرك أنّنا لا نستطيع أن نتغلّب على كلّ شيء. وعندما نشعر بضعفنا وعدم قدرتنا على غلبة الخطيئة، سوف نحتاج إلى أن نتوب بصدق. التوبة دليلٌ على التواضع. الإنسان المتواضع تائبٌ دائمًا، ولكنّ الإنسان المتكبّر ليس تائبًا مطلقًا، لأنّ لديه فكرة مضخّمة عن نفسه، ولا يشعر بالحاجة إلى التوبة أمام الله

الصوم الكبير الذي نحن فيه الآن هو الزمن الأجمل، المملوء بالتوبة والتواضع. إذا سمعتم صلوات الصوم التي تُقرأ يوميًّا في الكنيسة، سترون أنّها مملوءةٌ بصرخة التوبة والتواضع، التي لا تقود الإنسان نحو ظلام اليأس والقنوط، بل تمنحه شجاعةً، ورجاءً، وصبرًا، ومخرجًا، ونورًا في نهاية النفق، الذي ليس سوى محبّة الله وحضوره في حياتنا

إذًا، يقول بولس الرسول: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ”. يبدو هنا وكأنّه يفصل بين الخطيئة الجسديّة والروحيّة. في الواقع، لا فرق بينهما لأنّ الإنسان حين يخطأ، يخطأ بجسده ونفسه معًا. ولكن من أجل أن ندرك كلّ وجوه الخطيئة، يفصل الرسول بينها، ويسمّيها دنس الجسد والروح. ثمّة خطايا جسديّة، أي تلك التي يقترفها الجسد، والتي نعرفها كلّنا جيّدًا ونحاربها. ولكنّ الإنسان بكليّته يخلص. على سبيل المثال، نقول إنّنا نصوم، إنّنا نمتنع عن الطعام. إنّ صومًا جسديًّا كهذا له أثرٌ مفيدٌ بلا شكّ على نفسنا أيضًا لأنّ الإنسان هو وحدة نفسٍ وجسد. إنه شيءٌ أن تتناول حساءً خفيفًا، وشيءٌ آخر أن تتناول شيش كباب. ثمّة فرق بينهما. كذلك، ثمّة فرقٌ بين الإنسان الذي يصوم وذلك الذي لا يصوم، بين الإنسان اليقظ الذي يصلّي وذلك الذي ينام عشر ساعات. كلّ حركةٍ للنفس أو الجسد لها أثرٌ على الآخر. مثلاً، تذكُّر الإساءات والحقد هو هوى روحيّ، ولكنّه يؤثّر أيضًا على الجسد. ينعكس تذكّر الإساءات على جسد الإنسان كلّه، على سلوكه، على مظهره. أمّا هيئة الإنسان النقيّ والتقيّ، فتختلف كليًّا. تنطبع تقواه على وجهه. انظروا إلى القدّيسين كم وجوههم جميلة

أتذكّر عندما جاءت إلى الجبل المقدّس مجموعةٌ من الأساتذة من تسالونيكي، كانوا سبعة أو ثمانية. كان اثنان منهم مؤمنَين، وهما اللذان نظّما الرحلة، بينما كان الآخرون للأسف غير مؤمنين بالله. وبعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الرهبان طول الوقت، قالوا: “إنّ حياة الراهب تستحقّ الاحترام طبعًا؛ ولكن هل فعلاً يختلفون عنّا نحن الذين لا نحيا حياةً مسيحيّة؟” أجاب أحد الأساتذة المنظّمين قائلاً: “لا أعلم إن كنتم قادرين على الاستيعاب، ولكن انظروا إلى وجوهكم وإلى وجوه الرهبان – كيف تبدون وكيف يبدون. ألا ترون حقًّا الفرق؟ ما يشعّ منّا يختلف كليًّا عمّا يشعّ من هؤلاء الناس”. وبالفعل، أنا أيضًا لاحظتُ ذلك حينئذٍ. إذا نظرتم إلى وجوه المسيحيّين الذي يجاهدون روحيًّا، سوف ترون فيها نوعًا من السلام الداخليّ الخاصّ. أمّا الإنسان المتكبّر والغاشّ والشرّير والمحبّ المال، فهيئته تختلف كليًّا. طبعًا يجب ألاّ ندين أحدًا من خلال مظهره، ولكن غالبًا ما يبثّ وجهنا حقيقتنا كلّها

عندما يجاهد الإنسان روحيًّا، يتقدّس وجوده كلّه، النفس والجسد على حدّ سواء، لأنّ الإنسان وحدة نفسيّة-جسديّة. لا يمكننا أن نقسم الإنسان ونقول هنا تنتهي النفس وهنا يبدأ الجسد. كلاّ، خذوا الخبز مثلاً. لكي تصنعوا الخبز، عليكم أن تمزجوا الطحين بالماء وتصنعوا العجينة. ثمّ حين نكون قد خبزنا الخبز، لن نستطيع بعد أن نميّز بين الماء والطحين. هما كلٌّ واحدٌ الآن. ينطبق الأمر نفسه على الجسد والنفس البشريّين. ما دام الإنسان حيًّا، يكون وحدة نفسٍ وجسدٍ لا تنفصل؛ ولهذا يكون الموت عدوّ البشريّة، إذ إنّه يدمّر هذه الوحدة. يموت الجسد وترحل النفس إلى حيث تعيش النفوس. إلاّ أنّ المسيح سوف يبيد الموت وسيقوم الإنسان من جديد. سيقوم الجسد وحده لأنّ النفس لا تموت. حينئذٍ، ستتّحد النفس والجسد من جديد. وسيصير الجسد غير فاسدٍ مثل جسد المسيح بعد قيامته. وسوف يستعيد الإنسان وحدته النفسيّة-الجسديّة

إنّ تدنيس النفس والجسد هو أيّة خطيئة يقترفها الجسد أو النفس. لنجاهد إذًا بمخافة الله من أجل تقديس نفوسنا وأجسادنا. القداسة عملٌ روحيّ. كلّ شيء يظنّ الإنسان أنّه يفعله من أجل الله، هو في الحقيقة يفعله من أجل نفسه. على سبيل المثال، نقول: “أصوم محبّةً بالمسيح”، “أعمل الإحسان من أجل المسيح”، “أذهب إلى الكنيسة من أجل المسيح”. إنّ المسيح لا يحتاج إلى هذا كلّه. إذا لم نَصُم اليوم، بماذا يؤثّر ذلك على الربّ؟ أو ماذا سينال الله حين نصنع الإحسان؟ في الحقيقة، نحن الذين سنستفيد من جرّاء أعمالنا الروحيّة، سننال بركة، سنقدّس ذواتنا. أمّا الربّ فلن ينال شيئًا من ذلك. إنّنا نجاهد من أجل أن نكون مع المسيح. نسعى لكي ننقّي ذواتنا من أجل أن نصير المكان الذي يمكن للربّ أن يأتي ويسكن فيه. يجب فقط أن نفعل كلّ هذه الجهادات بمخافة الله، لكي نحصل على النقاء الداخليّ

ما معنى “بمخافة الله”؟ غالبًا ما نقول ذلك في الكنيسة، أو نصف شخصًا بأنّه يملك مخافة الله. يجب أن نفهم أنّ مخافة الله هذه لا تشبه مطلقًا خوفنا النفسيّ، مثلاً حين نخاف من الكلاب أو القطط أو الطائرات أو الأتراك أو الكورونا. نحن لا نخاف على هذا النحو. عندما تدعو الكنيسة قائلةً: “بمخافة الله، وبإيمانٍ ومحبةٍ تقدّموا…”، لا تعني أنّنا يجب أن نصاب فورًا بالخوف والقلق، ونبدأ بالارتجاف رعبًا. مخافة الله تعني شعورنا بالإجلال، بالمهابة المقدّسة، أي الشعور بأنّ الله قدّوس، وبأنّه أبونا ويحبّنا، وبأنّه الأقدس والأثمن في العالم. وحين يشعر الإنسان بالمهابة والمحبّة والإجلال في قلبه، هذه كلّها مجتمعة تكون مخافة الله

إنّ مخافة الله أساسيّة لبناء علاقةٍ مع الله. هذا هو العمل الأهمّ في حياتنا. كيف نبني هذه العلاقة؟ من خلال حفظ الوصايا، من خلال التوبة عن خطايانا والندم عمّا فعلنا، وذلك عبر الجهاد اليوميّ، وعبر الاشتراك في الأسرار الكنسيّة المقدّسة التي هي عنصرٌ ضروريٌّ في الحياة في المسيح. بالطبع، يجب أن يفعل كلّ إنسانٍ ذلك بحسب قدرته. ثمّ بجهادنا بمخافة الله، نقتني النعمة الإلهيّة في قلوبنا

عندما كنتُ رئيس دير ماخيراس، منذ قرابة الثلاثين سنة، ذهبنا إلى مؤتمر في جورجيا نظّمته الكنيسة الأرثوذكسيّة الجورجيّة. كانت في بداية استعادتها لنشاطها بعد سنواتٍ من الاضطهاد. كلّ شيء كان مدمّرًا. وعندما هبطنا في المطار في تبيليسي، لم أصدّق أنّه مطار. بدا وكأنّنا هبطنا في حقلٍ مفتوح: كان هناك قمحٌ ينمو وأبقار ترعى في أرجائه. وكان مبنى المطار عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ واحدة، فيها خزانةٌ خشبيّةٌ كُتب عليها “السوق الحرّة”، حيث كانوا يعرضون للبيع جرار المربّى وغيرها من المعلّبات! كانت الحالة صعبةً جدًّا في جورجيا في ذلك الحين. وكانت الكنيسة في تراجع. كانت الكثير من الكنائس مدمَّرة، ما يشبه كثيرًا ما نراه اليوم في الأراضي القبرصيّة التي يحتلّها الأتراك. ذهبنا نهار الأحد إلى الخدمة التي يترأّسها البطريرك. إنّ البطريرك الجورجي رجلٌ قدّيس، ما زال حيًّا ولكنّه متقدّمٌ في السنّ. بحسب التقليد، يرتدي البطريرك حلّته الكهنوتيّة خلال الخدمة في وسط الكنيسة. ويساعده الشمامسة ومساعدو الشمامسة. كنتُ واقفًا هناك أراقب الاحتفال متسائلاً: “لمَ كلّ هذا؟” (مَن كان يعلم أنّ الأمر نفسه سوف يحصل لي لاحقًا (كمطران)؟). سمع أفكاري كاهنٌ راهبٌ كان يقف بقربي وقال لي:ـ

“أترى كيف يُلبسون البطريرك؟”

أجبته قائلاً: “نعم”

“أتعلم لمَ يلبسونه كذلك؟”

“لا فكرة لديّ. ألا يمكنه أن يرتدي حلّته بنفسه؟”

“أسبقَ لك أن رأيتَ كيف تجري العمليّة الجراحيّة؟”

” لم يسبق لي أن كنتُ في عملية، ولكنّني رأيتُ واحدةً على التلفاز حين كنتُ صغيرًا”

“عندما يُجري الطبيب عمليةً صعبة، حيث من الممكن أن تكون أيّة حركةٍ من قبله مميتة، لا يجول في غرفة العمليات باحثًا عن مبضعٍ وإبرٍ وغيرها من الأدوات. هو فقط يرفع يده ويجب أن يفهم معاونوه ما الذي يحتاجه، أو في أقصى الحالات قد يقول رقم الأداة. يجب أن يركّز الطبيب كليًّا على العمليّة. والأمر نفسه ينطبق على الكاهن أو الأسقف حين يقيم القدّاس الإلهي – يجب ألاّ يتشتّت بما سيرتدي أو بأيّ شيء آخر. ولهذا يدعى الشمامسة شمامسة (المعنى في اليونانية “خادم” أو “معاون”)، إذ إنّهم يخدمون الأسقف ويساعدونه، حتّى يتمكّن من تكريس نفسه بالكليّة للصلاة والقداس الإلهي من دون تشتّت

يقول بولس الرسول نفسه لنا: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ” (في 2: 12). ويعني ذلك أنّ علينا أن نتمّ خلاصنا، وعلاقتنا بالله، وعملنا الروحيّ كلّه بخوفٍ وارتجاف. لا نفعلنّه بعجلةٍ أو تهاون، ولا كنوعٍ من النشاط الجانبيّ، بل بوصفه أهمّ أمرٍ في حياتنا. على سبيل المثال، عندما نقود سيّارة، نثبّت عينينا على الطريق، ولكن ما إن نبدأ بالنظر إلى جانب الطريق حتّى يحصل حادث. يجدر بنا أن نسلك طريق الله على النحو ذاته، مرتقين إلى القداسة بمخافة الله

العنف والتقوى

العنف والتقوى

الأب أنطوان ملكي

أوردت شبكة بي بي سي خبراً في 18 حزيران تحت عنوان “الكاهن الذي ينكر الفيروس التاجي الأب سيرجي رومانوف يستولي على دير روسي”. وفي التفاصيل أن الكاهن المذكور أوقفته الكنيسة الروسية عن الوعظ ومن ثمّ عن تعليق صليبه لأنه كان يحرّض الشعب على عدم طاعة السلطات الكنسية والمدنية، اقتناعاً منه بأن لا وجود للكورونا وأنها جائحة مفتَعَلة. أثناء جلسة محاكمته انسحب من القاعة ومضى واحتلّ الدير الذي انسحبت منه الرئيسة وبعض الراهبات، وقد رافقته مجموعات مسلحة. لاحقاً أوقِف الكاهن مع أنه شدد على أنه لن يترك الدير وأن على الكنيسة في حال أرادت ذلك أن تقصفه لأنه اختير للتعليم. هو يخضع الآن للمحاكمة في الكنيسة والدولة

ما أهمية هذه الحادثة؟ إنها مثال واضح على أن التطرف يؤدّي إلى أعمال تتنافى كلياً مع الغيرة التي قد تكون المحرّك الأول للعنف. فوق هذا، العنف يلفت النظر إلى أن بين جنون العظمة والغيرة خيط رفيع من السهل انقطاعه. غياب اليقظة الروحية الفعلية يسهّل العبور من الغيرة إلى الغرور، والغرور يستسهل اللجوء إلى العنف

هل هذه الحادثة وحيدة من نوعها؟ قطعاً لا ولا يهمنا هنا من الموضوع إلا ما ارتبط منه بتأثير جائحة الكورونا على المؤمنين وفي بلادنا تحديداً. منذ بداية الجائحة، رأينا أشكالاً مختلفة من العنف. على سبيل المثال هدد أحد مطارنة الموارنة باستدعاء القوى الأمنية ضد مَن يفتح كنيسته من كهنته. هذا عنف. دعا أحد المرتعبين من الكورونا إلى تحويل أحد رؤساء الأديار الذين لم يغلقوا أديارهم إلى القضاء. طالبت إحدى الجمعيات بمحاكمة الكهنة الذين لم يلتزموا توصية المجمع بحصر الخدم بالكاهن والمرتّل والخادم. كتب أحد الذين وجدوا في الكورونا فرصة للانقلاب على عدد من الأمور في الكنيسة أن مطران طرابلس الذي لم يوصِ بإغلاق الكنائس جزئياً إلا متأخراً هو مجرم وحمّله مسؤولية كل الإصابات التي سوف تنتج عن إجرامه، والتي لم يظهر منها شيء إلى الآن. اتّصل أحد “المتنوّرين” بكاهن رعيته وهدده برفع دعوى ضده لأنّه يناول بالملعقة المشتركة كعادته. ألزم أحد رؤساء البلديات كاهن رعيته على إغلاق الكنيسة ثم تراجع. تحمل كل هذه الحوادث، التي لا شك أن هناك الكثير غيرها، عنفاً حرّكه الخوف من الكورونا، أو مواقف سابقة رأت في الكورونا فرصة لعرض ما لدى أصحابها

هذا عنف اليسار قابله عنف اليمين على المقلب الآخر، من نوع عنف الكاهن سيرجي رومانوف. العظات التي لم تخلُ من الحدّة في تحدي الدولة والرئاسة الكنسية هي عنف حتى ولو كان محرّكها الغيرة. اتّخذ البعض حادثة طرد التجار من الهيكل ليسمح لنفسه باعتبار مَن لا يماشيه تاجراً أو مارقاً أو عميلاً لضد المسيح. انتشر الكلام عن ارتباط الرئاسات بضد المسيح. هذا كلام كبير ما من كلام آخر يضاهيه في إسعاد ضد المسيح. أن يهاجم كاهن مطرانه وجهاً لوجه مكيلاً الكلام غير اللائق للمطران والمجمع هو عنف ثابت، لا بل هو جرم

أين المشكلة؟ إنها في التقوى. غالباً ما نحكي عن الإيمان والعقل وننسى التقوى. تقليدنا مليء بالقصص التي تحكي عن التقوى كحافظة للإيمان حين يخونه العقل. لكن التقوى قد تنقلب تقوية فترفض العقل وتجرح الإيمان. انحراف الغرب قد يكون بدأ مع العقل، لكنه ما كان ليبلغ الحدة التي هو عليها لولا التقوية. التقوية تتحكّم بظهورات مريم وتضع كلاماً في أفواه القديسين وتقرّب المجيء الثاني وتبعده وأسوأ ما فيها أنها تجعل الإدانة أمراً سهلاً وبالتالي تحوّل العنف شهادة. من الجهة الأخرى، غياب التقوى يجعل الكتاب المقدّس مجرد أدب، والأيقونات مجرّد فن، والجسد والدم مجرد خبز وخمر قابلَين لحمل المرض والموت، والآباء مجرّد أدباء، وحتى يسوع يصير إنساناً قابلاً للأهواء والتسييس. التقوى هي التي تصنع الاعتدال بين الإيمان والعقل وغيابها يطيح بالإثنين معاً

السنة السادسة عشرة، العدد الثامن، أيار 2020

السنة السادسة عشرة، العدد الثامن، أيار 2020

مختارات آبائية

البطريرك بافل الصربي، عن السذاجة والحكمة

القديس يوحنا ماكسيموفيتش، ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله

لاهوت

جورج منتزاريذس، الهدوئية واللاهوت

رعائيات

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، التلقيح وفيروس التضليل

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، الأمراض النفسجسمية

المطران ثيودوسي (سنيغيريف)، الكورونا افتقاد من الله

رسالة من أم أرثوذكسية في أزمة الكورونا

الأب بيتر هيرز، رسالة إلى المحبوبين مطارنة وكهنة الكنائس الأرثوذكسية في أميركا وكل مكان

الأب أنطوان ملكي، واقع “المجموعات” في الكنيسة الأنطاكية

رسالة إلى المحبوبين مطارنة وكهنة الكنائس الأرثوذكسية في أميركا وكل مكان

رسالة إلى المحبوبين مطارنة وكهنة الكنائس الأرثوذكسية في أميركا وكل مكان

الأب بيتر هيرز

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

إلى المحبوبين مطارنة وكهنة الكنائس الأرثوذكسية في أميركا وكل مكان:

من أبناء رعاياكم

31 أيار، 2020 – أحد الآباء القديسين

في أيار 1848، كتب البطاركة الشرقيون رسالة عميقة للبابا رداً على ادعاءاته المعيبة حول أوليّة البابا. في نهاية هذا العمل الأهم والأعمق، نقل البطاركة إلى البابا أنه على عكس طريقة الإدارة الشمولية في كنيسته، في الأرثوذكسية “لا يمكن للبطاركة ولا المجالس أن يدخِلوا أي استحداثات، لأن حامي الدين هو جسد الكنيسة، الشعب أنفسهم، الذين يرغبون في أن تظل عبادتهم الدينية دون تغيير ومن نفس نوع عبادة آبائهم”

أيها الآباء القديسون، نحن مسيحيون أرثوذكسيون مؤمنون نرغب في القيام فقط بما يترتب على إدراكنا لتحذير الرب ” لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 16:3). وهكذا، نشعر بأننا مضطرون للرد على التغييرات المقترحة التي على وشك أن تحدث، تحت إرشادكم، لسر المناولة المقدسة، كما على المعلومات غير الدقيقة لاهوتياً التي يتم نشرها، للأسف، من كهنة ولاهوتيين أرثوذكسيين في كنيستنا

للأسف، هذه الأيام يُصنَّف المسيحيون الأرثوذكسيون الذين يدافعون عن إيمانهم بأنهم “أصوليون” و”تقليديون”، أو حتى متطرفون، لأنهم ببساطة يرغبون بالحفاظ على إيمانهم دون تغيير أو أذى بفعل ولايات دهرية أو أهواء مجتمعية. يجب ألا تخضع عقائد إيماننا الأرثوذكسي لأي منهما؛ بل يجب أن تبقى الكنيسة الأرثوذكسية وفية لتعاليم المسيح وآباء كنيستنا والمجامع المسكونية السبعة.

أيها الآباء القديسون، نطلب منكم بكل احترام أن تشرحوا لنا، كيف يمكن لله أن يدنّس أو يفسد الإنسان بأي شكل من الأشكال من خلال المناولة المقدسة بملعقة مشتركة فيما تلك الملعقة تتلامس مع جسد ودم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي هو نار آكلة بحسب صلوات المناولة؟ استخدمت الكنيسة الملعقة المشتركة للمناولة المقدسة خلال عددٍ لا يُحصى من الأوبئة والأمراض المعدية لمئات السنين، ولم تكن مصدرًا للتلوث. ولكن الآن، ندّعي فجأة أن “الناس قلقون وخائفون بحق”. وكما يقول الأب كاليفاس في روايته: “يتسبب فيروس كورونا في إثارة تساؤل العديد من الناس حول الاستمرار باستخدام الملعقة المشتركة للمناولة المقدسة.” بالضَبط من هو الذي يطرح هذا السؤال، ولماذا كهنتنا ومطارنتنا لا يجيبون على هذه المخاوف والشكوك بتعاليم إيماننا الأرثوذكسي الصحيحة وحقائقه التي ستبدد بلا شك أي مخاوف قد تكون لدى المؤمنين؟ يواصل الأب كاليفاس كتابة ما يلي: “لا ينبغي تجاهل مخاوف الناس وتحفظاتهم ومخاوفهم الحقيقية… كما لو أن فعل المناولة خالٍ من الاعتبارات البشرية وحدود النظام المخلوق.” على العكس تماماً، فإن النقيض هو الصحيح! يجب أن تُبدَّد كل المخاوف حبياً من خلال تعاليم إيماننا الصحيحة. يجب تعليم المؤمنين الأرثوذكسيين حقائق كنيستنا والمعجزات التي لا حصر لها في تاريخ الكنيسة والتي تثبِت أن فعل المناولة يجب أن يكون خاليًا من كل تفكير ناكثٍ. إذا كنا نؤمن حقًا بالسرّ، فلا يمكن ولا يجب أن تكون هناك أي قيود مادية موضوعة على سرّ المناولة المقدسة

ألا يحطّم الأب كاليفاس الفهم الأرثوذكسي للتألّه من خلال ادعائه العقلاني التالي: “ملعقة المناولة هي جسم مادي غير كامل. إنها لا تشارك في عدم فساد جسد المسيح القائم والمؤلَّه، الذي هو حاضر عندنا بالفعل من خلال العناصر الإفخارستية. بحد ذاتها، الملعقة هي ببساطة ملعقة ، إناء”؟ أقلّ ما يُقال أنها حجة مؤسفة من مثل هذا اللاهوتي المرموق!!! الخشب الذي صُلب المسيح عليه كان ببساطة صليباً خشبياً… المسامير المطروقة في يديه وقدميه كانت مصنوعة ببساطة من الحديد… زنار العذراء مريم هو قماش وحسب… رفات القديسين هي مجرد عظام… ومع ذلك، فإن الروح القدس تدفّق ويتدفق دائمًا عبر هذه الأشياء المادية المقدسة فيما هي تعمل كدليل على شفاء عدد لا يحصى من الناس المؤمنين

يعبّر القديس سمعان اللاهوتي الجديد في نهاية صلاة المناولة التي كتبها عن شعوره بأنه غير كامل كالقش، ولكن “بعد أن يشترك بنار الرب [القربان المقدس]، يصير كالعليقة التي رآها موسى”، التي مع أنها غير محترقة كانت تشتعل. مجد المسيح الإلهي خلال تجليه المقدس مجّد كل شيء من حوله وكمّله. نعم، حتى الأشياء تشترك في مجد الله! وفقاً للأرشمندريت زكريا زاكارو، “حيث يتدخل الروح القدس، يتوقف كل فساد”. كما نرى في أمثلة لا حصر لها في الكتاب المقدس، حيث يشاء الله، يُهزَم النظام الطبيعي للأشياء. إذا كان مجرد ظلّ الرسول بطرس يمكن أن يشفي اختلال الأجساد البشرية، فهل يمكن أن يكون هناك شك بأن الجسد الفائق النقاوة والدم الثمين للابن المتجسد وكلمة الله يمكن أن يقدس ويكمّل الملعقة المقدسة أثناء المشاركة في الأسرار المقدسة؟ لم يكن الأب كاليفاس على قيد الحياة وصحيحًا حتى يومنا هذا، بعد أن تناول بقايا الكأس المقدسة التي لامست لعاب مئات الآلاف من الأفواه خلال فترة أربع وستين سنة من الكهنوت الفعلي، لولا حقيقة أن سر المناولة المقدسة الإلهي كان ولا يزال بشكل مطلق وقطعي ووجودي دواء الخلود ولن يكون أبدًا مصدرًا لأي انتقال للأمراض

نكرر بكل احترام أن هذا الشكل من التعليم المسيحي يجب أن يكون أحد المهام الرئيسية لكهنتنا وأساقفتنا. هل يعلم إخوتنا الأرثوذكسيون عن الكاهن في كريت الذي خدم المصابين بالجذام الذين عاشوا في جزيرة سبينالونجا لمدة عشر سنوات على الأقل؟ الجذام كان مرضاً شديد العدوى. ومع ذلك، كان هذا الكاهن الأمين الكاهنَ الوحيد الذي يرغب في الذهاب لإقامة القداس الإلهي يوميًا، وكان يناول هؤلاء المصابين بالجذام. ما قد يفزع الكثيرين هو أنه كان يتناول بقايا الكأس المقدسة بأمانة بعد كل قداس إلهي. لقد رقد في الرب في شيخوخة متقدمة، دون أن يصاب بمرض الجذام الشديد العدوى (مرض هانسن). هل نتذكّر مثال القديس يوحنا ماكسيموفيتش الذي تناول من بعد امرأة مصابة بداء الكَلَب؟ …

كما تعلمون أيها الآباء القديسون، هذه ليست حكايات خرافية. ومع ذلك، يبقى لنا أن نتساءل ونأسف لماذا بدلاً من أن نخبر مؤمنينا عن هذه المعجزات والحقائق الأخرى المتعلقة بسر المناولة المقدسة، فإننا نلجأ إلى زيادة مخاوفهم وشكوكهم من خلال تغيير طريقة المناولة المقدسة واتّخاذ تدابير لا عمل لها غير زغل وتدنيس تعاليم وعقائد إيماننا. لماذا قد يهتم لاهوتي معروف مثل الأب كاليفاس بتخفيف “انتقال الميكروبات الطفيلية الخطيرة” من خلال اقتراح التخلص من و/أو تطهير الملعقة المشتركة، عندما يتم تغطيس “هذا الشيء المادي غير الكامل” في جسد ودم ربنا يسوع المسيح” بعد مناولة كل مسيحي أرثوذكسي؟ هل الكحول أو الخل أكثر علاجية من معالج جميع العلل؟ ألا يملك “مطهر الجميع” القدرة على تطهير شيء مخلوق عندما يطهّر هو نفسه المؤمنين من جميع الذنوب والتجاوزات؟

لأسباب سبق ذكرها، وبالنسبة للعديد من حقائق إيماننا الأرثوذكسي المقدس الخالدة، ببساطة، لا يوجد حجة مقنعة يجب الاستناد إليها لاستبدال الملعقة المشتركة كوسيلة لمناولة المسيحيين الأرثوذكسيين. وعليه نعلن أنه في ظل هذه الظروف، تغيير كهذا هو تجديف. المناولة المقدسة هي سر مقدس منحنا إياه المسيح مجاناً لتطهير أجسادنا وأرواحنا واتحادنا به. لا يوجد مجال على الإطلاق للعلم أو المنطق البشري للدخول باستخفاف إلى أرض الله المقدسة، قدس الأقداس، الأسرار المقدسة ومعجزات إيماننا الأرثوذكسي الغالي. يجب أن تكون كنيستنا خارج حدود “العلم”، أو أي منظمة أخرى قد تسعى لاستبدال عجائب إيماننا التي لا يمكن تفسيرها بالحدود التجريبية للعلوم. بالنسبة للمسيحي الأرثوذكسي، ليس هناك مجال للخوف. ولكن، لكي تتحقق هذه الجسارة، على المسيحي أن يفهم ما علّمه المسيح ووعد به مَن هو على استعداد “لحمل صليبه واتّباعه”. هل نحن على استعداد لحمل صليبنا واتّباعه أم أنه من الأسهل والأكثر ملاءمة الاستسلام للشكّ واتباع أي فكرة مضللة وخاطئة تريح مخاوفنا بشكل ملائم؟

في الأشهر القليلة الماضية ، ساد الخوف على العالم، وقامت حكومات دولنا ووسائل الإعلام بعمل ممتاز في السيطرة على الجماهير وفرض قيود عليها من خلال استخدام الخوف. لماذا كنائسنا وأماكن عبادتنا تقوم بالشيء نفسه وتتحول إلى معاقل واضحة للخطاب الدهري والسياسي في حين أنها يجب أن تنمو كأماكن سكن لجسد المسيح الذي ينبغي لممثليه من الرؤساء تبديد مخاوف الناس من خلال العقائد المعلنة إلهياً و تعاليم إيمان المسيح، لأن الكنيسة هي حرفياً مكان “خارج هذا العالم!” لماذا يفشل الكثير من كهنتنا وأساقفتنا في تعليم المؤمنين ومساعدتهم على فهم أسرار الكنيسة الأرثوذكسية الإلهية حتى يتمكن المؤمنون من الاقتراب بحرية وجرأة ليتناولوا الأسرار المقدسة دون خوف أو تردد؟ فقط عندما يفهم المؤمنون إيمانهم المقدس ويطورون علاقة مع ربنا يسوع المسيح، يمكن تبديد مخاوفهم واستبدالها بالسلام الذي يأتي من معرفته!

نحن، أبناؤكم، نناشدكم أيها الآباء القديسون، أن تبددوا فيروس الخوف هذا، وَثَن رهاب الموت، بتعليم المؤمنين الحقائق التي نتمسك بها على أنها مقدّسة وحقيقية. الحقائق التي تم ختمها بدماء قديسين وشهداء كنيستنا، الحقائق التي يجب أن تبقى دون تغيير وصافية، الآن وإلى الأبد وإلى أبد الأبد

مع الاحترام

(التوقيع) معلمو مدارس الأحد، المرتلون، قادة الجوقات وأعضاؤها، أعضاء الجمعيات ومجالس الرعايا، وكل أبنائكم في المسيح

معجزة جديدة في تخطي العقم للقديس سابا الجديد

معجزة جديدة في تخطي العقم للقديس سابا الجديد

إعداد بول ملكي

روى نيكوس ممكاس قصة معجزة رائعة قام بها القديس سابا الجديد الذي في كاليمنوس. نيكوس هو منتج الراديو للإذاعة الكنسية “اليثيا ف.م. كاليمنوس”، وقد روى هذه القصة في برنامج على راديو كنيسة بيريه (بيراييكي إكليسيا) مع ليكورغس مركوديس صباح الأحد (أحد مريم المصرية) في عيد القديس سابا الجديد كاليمنوس.ـ

يعمل نيكوس في متجر الكتب الكنسية في كاليمنوس كل يوم جمعة. قبل ثلاث سنوات، دخل زوجان سائحان عجوزان المتجر وعند شرائهما لبعض الأشياء، اعطاهما أيقونة صغيرة للقديس سابا الجديد كَبَرَكة.ـ

فسألاه: “من هذا؟” أجاب: “هذا شفيع جزيرتنا، القديس سابا”، ثم سألاه: “لماذا هو قديس؟ ماذا فعل؟”، فأجابهما: “إنه قديس لأنه أحبّ الله كثيراً، وكان ناسكاً عَمِل ولا يزال يعمل المعجزات فيشفي من السرطان، ويساعد الأزواج الذين يعانون من العقم على الإنجاب.” عندما سمعا هذا، خرجا وطلبا من ابنتهما وزوجها اللذين كانا ينتظران في الخارج بأن يدخلا. ثم طلبا من السيد نيكوس بأن يكرر ما قاله قبلاً. فكرر: “القديس سابا يساعد الأزواج الذين يعانون من العقم على إنجاب الأولاد”. فطلبوا منه أن يأخذهم إلى دير القديس سابا، فقبل طبعاً وذهبوا معاً إلى الدير.ـ

المرأة، أي الابنة، لم تكُن أرثوذكسية لكنها كانت تملك الكثير من الاحترام والوقار، وسألت إن كان مسموحاً لها الدخول إلى الكنيسة مع كونها غير أرثوذكسية. فأجيبت بأنه يمكنها الدخول بالطبع. ثم سألت رئيسة الدير إن كان يمكنها أن تصلي أمام النعش الذي يُحفظ فيه جسد القديس سابا غير المنحل، فأجابتها رئيسة الدير بأنه طبعاً يمكنها ذلك.ـ

سجدت أمام القديس وصلَّت بدموع لحوالي عشر دقائق، قائلةً: “أيها القديس سابا، أنا لست أرثوذكسية، ولا أعلم الكثير عن يسوع المسيح، لكني أؤمن بالله، وأؤمن أنه بإمكانك مساعدتنا”. ثم وقفت وأعطتها رئيسة الدير زيتاً من قنديل القديس لترسم إشارة الصليب به على بطنها. وغادر السياح بعدما شكروا الجميع.ـ

بعد سنة، في يوم جمعة، دخل الزوجان العجوزان متجر الكتب فوجدوا السيد نيكوس وسلما عليه بحرارة وفرح، إلا أنه لم يتعرف اليهما مباشرةً بل بعدما ذكّراه بالقصة. طلبا منه أن ينتظر قليلاً وخرجا لنداء ابنتهما وزوجها، فدخلا يحملان طفلةً صغيرة. “هذه سابينا”، قالا.ـ

كانا يحملان طفلةً جميلة، وليس فقط هذا، بل وقد أصبحوا جميعاً أرثوذكسيين واعتمدوا – أهلاً وأولاداً – بمساعدة المتروبوليت المعروف كاليستوس وير في انكلترا. طلبوا من السيد نيكوس أن يأخذهم إلى دير القديس سابا لكي يشكروه. عند وصولهم، تقدمت أم الطفلة بعاطفة جياشة ووضعت ابنتها على نعش القديس سابا مخاطبةً إياه وقائلة: “خذها، فهي لك وليست لي!” وقد احضرت هذه المرأة معها من انكلترا حقيبة ملأى بالفحوصات والإستشارات الطبية من أفضل المستشفيات تفيد بعدم قدرتها على الحبل إذ كانت تعاني من مشاكل في أنابيب الرحم. وقد شددت على السيد نيكوس أن يقرأها ويدرك حجم المعجزة. لقد جربوا العديد من الطرق العلمية وأنفقوا المال الكثير، حتى أنهم أُجبروا أن يبيعوا قطعة أرض… الله حي!ـ

القديس سابا الجديد الذي في كاليمنوس هو من القديسين الجدد في الكنيسة الأرثوذكسية. وُلِد عام 1862 لأبوين تقيين. في عمر الثانية عشرة انضمّ إلى رهبان إسقيط القديسة حنة في جبل أثوس. من ثمّ تنقّل في عدة أماكن، إلى أن انتهى به المطاف صديقاً للقديس نكتاريوس وخادماً معه لدير الثالوث في آيينا. بعد رقاد القديس نكتاريوس هرب من كثرة الزوار في الدير ومضى إلى كاليمنوس بدعوة من أحد أبنائها حيث قضى ما تبقى من عمره أباً روحياً لراهبات دير جميع القديسين وكاهناً للدير. رقد في السابع من نيسان 1947، وقد أُخرِجَت رفاته بعد عشر سنوات في 1957 ووُجِدَت غير منحلة وهي محفوظة في دير جميع القديسين إلى اليوم.ـ

هو ناسك كبير ومعترف وكاتب أيقونات وصانع عجائب. هو الكاهن الذي قام بتجنيز القديس نكتاريوس وأول مَن رسم أيقونة له. يعيّد له عيدان في السابع من نيسان وفي الأحد الخامس من الصوم مع أمنا البارة مريم المصرية.ـ

في عيده، أردنا التعريف عن هذه المعجزة الجديدة للقديس سابا الجديد في هذا الزمن الذي نحتاج فيه لشفاعته أكثر من أي وقت آخر. لتكُن صلواته وشفاعته مع العالم كله.ـ

***

السنة السادسة عشرة، العدد الخامس، شباط 2020

مختارات آبائية

القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، العظة الثالثة على كولوسي 1: 15-18

رسالة الأرشمندريت نيكن من دير أوبتينا إلى والدته

أقوال آبائية مختارة لزمن الكورونا

حياة روحية

الشيخ تريفن، الغضب

الشيخ تريفن، عندما يتهيّأ لنا أن الله غائب

الأب أنطوان ملكي، الصوم إماتة أو جهاد ونسك؟

دراسات كتابية\حياة روحية

أسرة التراث الأرثوذكسي، العلم والمحبة في رسالة أحد الدينونة

لاهوت

الخورية سميرة عوض ملكي، قصة الخلق والميثولوجيا

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، النأي بالنفس: إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي، لماذا يترك المؤمنون الكنيسة

العلم والمحبة في رسالة أحد الدينونة

الأب أنطوان ملكي

في نص رسالة أحد الدينونة، وهي من الرسالة الأولى إلى كورنثوس التي فيها يناقش الرسول الأكل من ذبائح الأوثان، نقرأ عن فكرتين مهمتين هما العلم والمحبة. فالعلم الذي يقصده الرسول هو ما نعتبره اليوم بديهية بأنه لا يوجد إله سوى الله، وليس العلم بالمعنى المعاصر للكلمة. أما المحبة فهي تلك المراعاة لمشاعر الآخرين خاصةً الذين ليس لهم علم. ويخرج الرسول بولس بنتيجة أن المحبة أهم من العلم حتى لا يكون المؤمن أي العالِم عثرةً لأحد. وفي هذا الكلام مفهوم روحي أساسي في سلوكنا اليومي المعاصر. فبيننا عديدون يتصرّفون بحسب قناعتهم وهواهم دون مراعاة لمشاعر الآخرين مفتكرين “بما إننا على حق فلا يهمنا أحد” وبهذا يكونون سبب عثرة للآخرين. فبولس يقول أن هذا ضد المحبة. ذاك لأن العلم بدون محبة ينفخ ويملأ النفس غرورًا وكبرياء. فيفقد العلم قيمته عندما يدفع الإنسان إلى عدم مراعاة مشاعر الآخرين. وهنا تنفع الإشارة إلى أن كل الذين نادوا بالهرطقات كانوا علماء متكبرين، أي لهم علم دون محبة فسقطوا وأعثروا كثيرين

وعلى أساس هذا الفهم يستنتج الرسول أن الطعام لا يقدّمنا إلى الله أي أن الأكل لن يزيد فضائلنا. والله لن يكافئنا على علمنا بل على محبتنا للآخرين. ومثله أننا لا ننقص إن لم نأكل أي أن رضى الله علينا لن ينقص إذا امتنعنا عن الأكل، إلا إذا كان امتناعنا مراعاة لئلا نعثر إخوتنا. فملكوت الله ليس أكلًا وشرابًا (رو 14: 17) بل هو برّ وسلام وفرح

وهنا لا بد أن نلاحظ أن الكثيرين في زماننا، والجميع اليوم يعلمون، يكررون الكلام أعلاه أي أن الأكل أو الصوم لا يزيد الإنسان، وعليه هم يمتنعون عن الصوم بحجة أن الله يعرفهم ويعرف ما في قلوبهم. إنهم بهذا يهملون أن الصوم مع الصلاة طريق رسمه السيد لنهزم به الشياطين (مت 17: 21)، وأنه هو نفسه قد صام أربعين يومًا ومثله الرسل ومنهم بولس الذي صام كثيرًا (2كو 11: 27). كما أن السيد نفسه قال أننا نصوم حين يُرفع العريس عنا (لو 5: 35). لهذا يقول الرسول بولس”ولكن انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء”. السلطان هو العلم. بالمسيح قد صارت لنا حرية أن نأكل أي شيء دون أن نتنجس كما عَلّمَ السيد بأن ما يدخل الفم لا ينجّسه، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجّس. هذا الكلام يأخذه الكثيرون حجةً للامتناع عن الصوم من دون أن يكون معناه ذلك. فوائد الصوم كثيرة ,ابسطها تطبيق الوصية. لكن الذين يمتنعون عنه ويوردون الآيات لدعم آرائهم فبهذا يكونون معثرة للضعفاء الذين إذ يرون مَن يتقدّمون عليهم في العلم لا يصومون يفتكرون بأن هؤلاء العالِمين على حق فيمتنعون عن الصوم أيضاً

“وهكذا إذ تخطئون إلى الاخوة وتجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح.” أي أن التصرف الخاطئ يعثر الأخ الذي مات المسيح لخلاصه، ما يجعل الإساءة للأخ إساءة للسيد. لهذا يعلنها صراحة الرسول: “لذلك إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخي”. هذا الإعلان ليس عن أكل اللحم بل هو مبدأ هام في المسيحية: على المسيحي أن يمتنع لا عن الخطأ وحسب، بل عن كل ما يجعل الآخر يتعثر لكونه مسئولاً عن حياة الآخرين الروحية. ما يريد الرسول قوله لنا هو إن جوهر الصوم هو محبة الإخوة

* عن نشرة الكرمة

التعليم الديني المطوّل – 2

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص ـ

ـ25ـ متى تمّت كتابة الكتب المقدسة؟

في أوقات مختلفة: بعضها قبل ولادة المسيح ، والبعض الآخر بعدهاـ

ـ26ـ أليس لكل من قسمي الكتب المقدسة أسماءه الخاصة؟

نعم لكل منهما أسماؤه. الكتب التي كُتبَت قبل ميلاد المسيح تُدعى كتب العهد القديم، بينما يُطلق على التي كُتبت بعد الميلاد كتب العهد الجديد

ـ27ـ ما هما العهدان القديم والجديد؟

بعبارة أخرى، عهدا الله، القديم والجديد، مع البشر

ـ28ـ مما يتكوّن العهد القديم؟

من أن الله وعد البشر بمخلص إلهي وأعدّهم لاستقباله

ـ29ـ كيف أعدّ الله البشر لاستقبال المخلّص؟

بالكشف التدريجي، بالنبوءات والنماذج

ـ30ـ مما يتألّف العهد الجديد؟

من أن الله أعطى البشر مخلصاً إلهياً، ابنه المولود الوحيد يسوع المسيح

ـ31ـ كم هي كتب العهد القديم؟

القديسون كيرللس الأورشليمي وأثناسيوس الكبير ويوحنا الدمشقي يحصون اثنين وعشرين، متفقين بذلك مع اليهود الذين يحصونها كذلك في اللغة العبرية

(Athanas. Ep. xxxix. De Test.; J. Damasc. Theol. lib. iv. c. 17)

ـ32ـ لمَ علينا أن نحافظ على تعداد العبرانيين؟

لأنهم اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (روما 2:3) كما يقول الرسول بولس، فالكتب المقدسة تسلّمتها كنيسة العهد الجديد من كنيسة العهد القديم العبرانية

ـ33ـ كيف رقّم القديسان كيرللس وأثناسيوس كتب العهد القديم؟

على النحو التالي: 1، كتاب التكوين ؛ 2، الخروج ؛ 3، اللاويين ؛ 4، كتاب العدد؛ 5، تثنية. 6، يشوع بن نون ؛ 7، القضاة، ومعه، كملحق، كتاب راعوث ؛ 8، الملوك الأول والثاني، كجزئين لكتاب واحد (يُعرَف أيضاً بصموئيل: المترجم) ؛ 9، والملوك الثالث والرابع. 10، أخبار الأيام الأول والثاني. 11، والكتاب الأول من عزرا، والثاني، أو، كما هو الحال في اليونانية، وكتاب نحميا ؛ 12، استير. 13، أيوب ؛ 14 المزامير. 15 امثال سليمان. 16، الجامعة، وهو كذلك لسليمان ؛ 17، نشيد الأنشاد لسليمان أيضاً. 18، النبي أشعياء ؛ 19 ارميا. 20 حزقيال. 21 دانيال. 22، الأنبياء الاثني عشر

ـ34ـ لماذا لا يُلحَظ في تعداد كتب العهد القديم هذا كتاب حكمة ابن سيراخ ، وبعض الآخرين؟

لأنها غير موجودة في العبرية

ـ35ـ كيف نعتبر هذه الكتب المذكورة أعلاه؟

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه قد تم تعيينها من الآباء ليقرأها الموعوظون الذين يستعدون للقبول في الكنيسة

ـ36ـ هل هناك أي تقسيم لكتب العهد القديم يمكنك من خلالها تقديم سرد أكثر وضوحاً لمحتوياتها؟

يمكن تقسيمها إلى الأقسام الأربعة التالية:ـ

كتب الناموس، والتي تشكّل أساس العهد القديم

الكتب التاريخية وتحتوي بشكل أساسي تاريخ الجماعة

العقائد، وتحتوي على عقيدة الدين

النبوية، التي تضمّ النبوءات، أو تنبؤات بالأشياء المستقبلية، وخاصة عن يسوع المسيح

ـ37ـ ما هي كتب الناموس؟

الكتب الخمسة التي كتبها موسى: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. يسوع المسيح نفسه يعطي هذه الكتب الاسم الشامل ’ناموس موسى’ (أنظر لوقا 44:24)

ـ38ـ على وجه الخصوص، ماذا يرِد في سفر التكوين؟

رواية خلق العالم والإنسان وبعده تاريخ ومراسيم الدين في العصور الأولى للبشرية

ـ39ـ ما الذي يرِد في الكتب الأربعة الأخرى لموسى؟

تاريخ المعتَقَد في زمن النبي موسى، والشريعة المعطاة من الله من خلاله

ـ40ـ أيٌّ هي الكتب التاريخية في العهد القديم؟

كتب يشوع بن نون، القضاة، راعوث، الملوك، الأخبار، كتاب عزرا، وكتاب نحميا وإستير

ـ41ـ أي منها هي العقائدية؟

كتب ايوب والمزامير وكتب سليمان

ـ42ـ أية خصوصية ينبغي أن نلاحظها لكتاب المزامير؟

يحتوي هذا الكتاب، بالإضافة إلى العقيدة، تلميحات لتاريخه والعديد من نبوءات المسيح المخلّص. إنه دليل مثالي للصلاة والمديح، وعلى هذا الأساس يُستخدَم باستمرار في الخدم الكنسية

ـ43ـ ما هي الكتب النبوية؟

كتب الأنبياء: إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، والاثني عشر الآخرين

ـ44ـ كم هي كتب العهد الجديد؟

سبعٌ وعشرون

ـ45ـ هل من بينها كتب تردّ على الناموس، أو تشكّل أساس العهد الجديد؟

نعم. الإنجيل، الذي يتكوّن من أربعة كتب للإنجيليين متى، مرقس، لوقا، ويوحنا

ـ46ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

هو نفس كلمة Evangely اليونانية، وتعني الخبر الحسن أو البهيج

ـ47ـ ما هو الخبر الحسن في الكتب المسماة الإنجيل؟

إنه الخبر عن ألوهية ربنا يسوع المسيح، عن مجيئه وحياته على الأرض، عن معجزاته وعقيدة الخلاص، وأخيراً عن موته على الصليب، قيامته المجيدة، وصعوده إلى السماء

ـ48ـ لماذا تسمى هذه الكتب الإنجيل؟

لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون خبر أفضل أو أكثر بهجة من هذه، عن المخلص الإلهي والخلاص الأبدي. لنفس السبب، قراءة الإنجيل في الكنيسة مسبوقة دائماً ومُرافقة بالإعلان البهِج المجد لك، يا رب المجد لك

ـ49ـ هل بين كتب العهد الجديد كتب تاريخية؟

نعم، واحد: كتاب أعمال الرسل القديسين

ـ50ـ عمَّ يحكي؟

عن نزول الروح القدس على الرسل وتوسّع كنيسة المسيح من خلالهم

ـ51ـ ما هو الرسول؟

كلمة تعني حامل الرسالة. إنه الاسم الذي يطلق على تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين أرسلهم للتبشير بالإنجيل

ـ52ـ ما هي كتب العهد الجديد العقائدية؟

الرسائل السبع العامة: وهي واحدة من الرسول يعقوب، واثنتان من بطرس، وثلاثة من يوحنا وواحدة من يهوذا؛ وأربع عشر رسالة لبولس الرسول: وهي واحدة للرومانيين، واثنتان إلى أهل كورنثوس، وواحدة إلى أهل غلاطية، وواحدة إلى أفسس، وواحدة إلى أهل فيلبي، وواحدة إلى أهل كولوسي، واثنتان إلى أهل تسالونيكي، وواحدة إلى تيموثاوس، وأخرى إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون، وواحدة إلى العبرانيين

ـ53ـ أبينَ كتب العهد الجديد كتب نبوية؟

نعم إنه كتاب الرؤيا

ـ54ـ ماذا تعني هذه كلمة الرؤيا؟

إنها من اليونانية Apocalypse

ـ55ـ ما هي محتويات هذا الكتاب؟

تمثيل سري لمستقبل الكنيسة المسيحية، وكل العالم

ـ56ـ ما هي القواعد التي يجب مراعاتها في قراءة الكتاب المقدس؟

أولاً ، يجب أن نقرأه بإخلاص ككلمة الله والصلاة لفهمه بشكل صحيح؛ ثانياً، يجب أن نقرأه برغبة صافية في تعلّم الإيمان، والحثّ على الأعمال الصالحة؛ ثالثًا، يجب علينا أن نفهمه ونقبله بما يتوافق مع تفسير الكنيسة الأرثوذكسية والآباء القديسين

ـ57ـ عندما تقدّم الكنيسة عقيدة الوحي الإلهي والكتاب المقدس للناس لأول مرة، ما هي العلامات التي تقدمها على أنه حقاً كلمة الله؟

العلامات على أنه كلمة الله هي ما يلي:ـ

ـ1ـ سمو العقيدة ما يشهد على استحالة أن يكون اختراعاً بشرياً

ـ2ـ طهارة الإيمان ما يدلّ على أنه من فكر الله الكلي الطهارة

ـ3ـ النبوءات

ـ4ـ المعجزات

ـ5ـ تأثير العقيدة القوي على قلوب الناس بما يتخطى الكلّ ما عدا القوة الإلهية

ـ58ـ كيف تكون النبوءات علامات وحي حقيقي من الله؟

لنأخذ مثلاً : عندما تنبأ النبي أشعياء عن ولادة المخلص المسيح من عذراء، وهي شيء لم يكن ممكناً أن يتخيّله العقل الطبيعي، وعندما ولد ربنا يسوع المسيح بعد هذه النبوة بمئات من السنوات من مريم العذراء الفائقة الطهارة، كان من المستحيل عدم رؤية أن النبوة كانت كلمة الكلي المعرفة، وإتمامها هو عمل الله العظيم. ولهذا السبب أيضًا، يقدم متى الإنجيلي القديس هذه النبوءة عندما يروي عن ميلاد المسيح: “وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (متى 22:1-23)

ـ59ـ ما هي المعجزات؟

أعمال لا يمكن إتمامها بأي قوة أو فن بشري، بل فقط بقوة الله الفائقة: مثلاً إقامة الأموات

ـ60ـ كيف تعمل المعجزات كإشارة إلى أن الكلمة المنطوقة هي من الله؟

من يصنع المعجزات الحقيقية يعمل بقوة الله. وبالتالي فهو من الله ومشارك في الروح الإلهي. لكن هذا الانتماء يعني قول الحقيقة الخالصة فقط؛ وهكذا، عندما يتكلّم مثل هذا الرجل باسم الله، نحن على يقين من أن بفمه يتكلّم حقًا كلمة الله

على هذا الأساس ، يجترح ربنا يسوع المسيح نفسه المعجزات كشهادة قوية على رسالته الإلهية: “الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يوحنا 36:5)

ـ61ـ أين يمكن أن نرى بشكل خاص التأثير العظيم لعقيدة المسيح؟

من هذا: الرسل الاثنا عشر، المختارين من بين الفقراء والناس غير المتعلمين، من الطبقة الدنيا، تغلبوا بهذا الإيمان وأخضعوا للمسيح الأقوياء والحكماء والأغنياء والملوك وممالكهم

السنة السادسة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2019

مختارات آبائية

من باتيريكون آباء أوبتينا، طريق الخلاص

القديس الشيخ دانيال الكاتوناكي، إرشادات للشباب الأرثوذكسي في الحياة الروحية

الشيخ إميليانوس سيمونوبترا، كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

أسرة التراث الأرثوذكسي، من الشيخ أفرام الفيلوثايوي

الأب جورج كابسانيس الأثوسي، المسيح والمسألة الاجتماعية

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي، لمَن يؤثِر الخلاص

حياة روحية / دراسات إنجيلية

أسرة التراث الأرثوذكسي، النزاعات: نظرة أرثوذكسية

الأب أنطوان ملكي، عن يوسف الخطيب وحياتنا

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، غلطة الشاطر بألف

مسكونيات

الأب أنطوان ملكي، أزمة تتعمّق ووحدة تتمزّق

حول إنجيل شفاء ابن أرملة نايين

الأب أنطوان ملكي

“فلما رآها الرب تحنن عليها”. أمام منظر الأم الثكلى لا ينفع الكلام الذي يتكرر في الجنازات، وحده حنان الرب يسوع ينفع. ترِد كلمة تحنن 13 مرة في العهد الجديد وهي دائماً تشير إلى السيد المسيح، لأنه هو المتحنن. في المقطع الإنجيلي يقابل الرب يسوع معطي الحياة موكب الجنازة، أي تتقابل الحياة مع الموت والحزن، فيغيّر تحننه الحزنَ إلى فرح. عند اليهود، كان لمس نعش الميت عملاً منجّساً، ولكن القدوس الطاهر لمس النعش وأقام الميت، فهو لا يتنجس.

في البداية قال الرب للأم “لا تبكي” أي أنه قبل أن يلمس النعش لمس قلبها. كلمة “لا تبكي” لا تعزّي أمّاً فقدت وحيدها إلا أن مقابلة المسيح أدخلت العزاء إلى قلبها. تختلف هذه المعجزة عن إقامة ابنة يايرس وإقامة لعازر، إذ إن المسيح هو الذي يبادر بصنع المعجزة دون أن يسأله أحد وذلك ليعلن أنه أتى ليعطي الحياة للبشر، فهو ليس قادراً على أن يقيم من الموت الجسدي وحسب بل على أن يقيمنا من موت الخطيئة أيضاً.

إيليا وأليشع وغيرهما ممن أقاموا أموات، أقاموهم بالصلاة لله. أما المسيح فبأمره ودون أن يصلي. الأرملة هنا تشير إلى البشرية التي صارت كأرملة بفقدها نعمة الله ولذة العشرة معه. أما الشاب الميت فيشير لكل نفس أفقدتها الخطيئة حياتها. هناك أموات كثيرين ماتوا أيام السيد المسيح ولم يقمهم، فالسيد لا يهتم بأن يقيم الأجساد لتموت ثانية، بل هو يريد أن يعلن أنه يريد قيامتنا من موت الخطيئة لحياة أبدية، وإقامته لهذا الشاب خير دليل على إمكانية حدوث هذه القيامة الأبدية.

لمسُ السيد للنعش يظهِر أن جسد المسيح المتحد بلاهوته قادر أن يعطي حياةً لمن يتلامس معه، فهو له سلطان على محو الموت والفساد “من يأكلني يحيا بي”، وهو بهذا يقصد سر الافخارستيا الذي يعطي فيه جسده للأكل “خذوا كلوا هذا هو جسدي”.

“قال ايها الشاب لك اقول قمْ. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه الى أمه”. هذا هو يسوع المتحنن الرؤوف أعاد المفقود الى أمه لأنه هو القيامة والحياة وغالب الموت. إن يسوع المسيح هو ينبوع الحنان الحقيقي الذي يمكن أن يشرب منه الإنسان المُتعَب والمحتاج، فهو الذي أخذ جسداً وشابَهَنا في طبيعتنا حتى يمكن ان نرتوي من حنانه وبصورة مباشرة.

* عن نشرة الكرمة