إلى الكهنة

إلى الكهنة

القديس لوقا أسقف سيمفروبول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يتوجّه القديس لوقا الجراح إلى الكهنة الذين يقصّرون الخدَم أو لا يقيمونها بانتظام، مذكراً بقول النبي إرميا: “مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِاسترخاء” (ارميا 10:48). وهو كان يقيم جميع الخِدَم بنفسه بتقوى وعناية، دون تسرع أو قطع أو تقصير. كان ينصح الكهنة باستمرار في رسائل دورية بأن يقيموا الخدَم اليومية والصلاة من أجل رعاياهم:

“لدينا كنائس تبقى مغلقة طوال الأسبوع، إلى جانب الأحد. ألا ينبغي أن تفتح الكنيسة كل صباح، وتدق الجرس وتدعو المؤمنين، ولو لفترة قصيرة، إلى دخول الكنيسة قبل الذهاب إلى عملهم؟ إذا علم المؤمنون أن الكنيسة تُفتح كل صباح، أو أن الكاهن يقرأ السحرية أو الساعات أو غيرها، فإن نعمة الله ستتحدث إلى المسيحي الضعيف وسوف تجذبه إلى الكنيسة حيث يجد الكاهن يصلي من أجله…”

أناشد الكهنة احترام طلبي. ليس صعباً أن يقرأ الخدَم حتى عندما يكون الكاهن لوحده من دون مرتّل. إن نعمة الله على الكاهن هذا ستكون عظيمة لأنه يتذكّر أن الله جعله ليصلي من أجل الشعب… إذا كان إيمان الكاهن وروحه فاترَين، فكيف يُضيء نور الإيمان في النفوس التي فقدته، إن لم يتعرّف إلى الله في نفوس الناس الذين أعطاه الله أن يرعاهم ويصلّي من أجلهم..

إن كاهناً لم يقتنِ المعرفة الأولية بمهمته قد يحلّ مشكلة فراغ كهنوتي، لكنه سيخلق مشاكل أكبر وأكثر خطورة… أنتم الكهنة هدفكم في الحياة هو تغذية الناس من الله. قد ترى كهنوتك وسيلة يمكنك أن تأكلها؟ قد ترى خدمتك مثل وظيفة بسيطة، كمجرد مهنة معيلة؟ يجب أن تعلم أن الكهنة من هذا النوع يتعرف عليهم رعاياهم بسهولة…

عديدة هي الضربات التي تلقتها الكنيسة طوال تلك السنوات، وكثيرة هي الجراح، وعظيمة هي الكوارث. وبطبيعة الحال، سمح الله بكل هذا لتنويرنا لأننا أنفسنا مسؤولون أيضًا. من الضروري أن نتوب …

كل هذه الأشياء التي اختبرناها لم تصبح دروسًا لنا ولم تعلمْنا شيئًا. فنستمر في ارتكاب نفس الأخطاء بل وأسوأ من قبل. وبسبب هذا، يصاب الناس بالإحباط وينؤون بأنفسهم عن الكنيسة ويسقطون في شباك البدع وتكون النتيجة النهائية فقدان أرواحهم”

حثّ الكهنة على أن يكرزوا بكلمة الله حتى لو كانوا يفتقرون إلى التربية اللاهوتية:

“إذا كان الكاهن يطلب نعمة الله وإذا امتلأ نوسه وقلبه بكلمات الله فإن فمه سيتكلم من القلب. الروح القدس الذي يسكن في قلب الكاهن سيبشّر بنفسه بفمه المتواضع…

في الكتاب المقدس الكثير من المواضيع التي يعظ بها بحيث يسهل على أي شخص أن يجدها إذا قرأ … دعونا نتذكر أيها الإخوة القديس سيرافيم ساروفسكي الذي كان يقرأ العهد الجديد بأكمله كل أسبوع

إذا كنت لا تستطيع الوعظ بالكلمة فبشّرْ بأشياء أخرى. يجب أن تكون عطراً أمام الناس بحياتك وشخصيتك ومحبّتك للمسيح وبروح المحبة المسيحية والطهارة والإيمان العميق. إذا لم يكن لديك هذا العطر ولا هبة الكلام فلن تكون راعياً وستكون أجيراً ومن ثمّ ما الدفاع الذي ستقدمه أمام عرش المسيح الرهيب؟ قلب الكاهن هو قلب خاص ينبغي أن يتألّق بإيمان يسوع المسيح، يجب أن يكون قلب الكاهن نارًا لينير من نور الإنجيل، ليتألق من المحبة لصليب يسوع المسيح”

الأبوة الروحية

الأبوة الروحية

المتقدّم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

1. مدخل

في هذه الأيام، عندما نتحدث عن أب روحي، فإننا نعني عادةً كاهناً معرّفاً. ولكن في تقليد الكنيسة، فإن معنى الأبوة الروحية أوسع بكثير. الله وحده هو الآب [1]. المسيح، الذي هو ابن الله، يظهر أيضًا كأبينا، بإظهار محبة الآب للعالم. إن المسيح بصفته الأبوية أكثر وضوحا عند الصعود. لقد هجس تلاميذه باليتم الروحي وغمرهم ألم لا يوصف. لكن الرب لا يتركهم يتامى، بل أرسل الروح القدس، الذي يقودهم إلى “كل الحق” [2]

بالروح القدس، ولد الرسل أولاداً روحdين ونقلوا مواهبهم إلى الأساقفة، الذين نقلوها بدورهم إلى خلفائهم. نسمّي العديد من هؤلاء آباءً. الكنيسة الأرثوذكسية رسولية، لكنها أيضًا كنيسة الآباء [3]. في الآونة الأخيرة، لم يستخدم مصطلح “الأب الروحي” كثيرًا بمعنى شخص مستنير بالروح القدس، يساهم في تنمية النعمة ويؤسس الحياة الروحية للمسيحيين في شخص المسيح. عادة، يُنظر إلى الأب الروحي على أنه دليل للسلوك الخارجي، أو مستشار، أو “طبيب نفساني ديني”، أو وصي على القوانين والشرائع، أو مجرد معترف يمنح مغفرة الخطايا

2. الأبوة الروحية

ولكن فلننظر إلى المعنى الأعمق للأبوة الروحية، في التقليد الإنجيلي الكنسي. يكتب القديس بولس: “وأِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” [4]. في نقطة أخرى يشدد: “يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ” [5]. إذًا، يلد القديس بولس الأولاد بالإنجيل وبألم يرى المسيح يتكوّن في الإنسان

بحسب قوانين الرسل (القرن الرابع) أن الله يمنح التبني الإلهي عِبر الأساقفة. لهذا السبب، ينبغي محبة الآباء الروحيين كمحسنين وسفراء لدى الله، إذ هم أعادوا تكوينكم بالماء [المعمودية]، وأشبعوكم بملء الروح القدس [الميرون ووضع الأيدي]، وأطعموكم بالكلمة كما بالحليب، وغذّوكم بالعقيدة [التعليم]، وثبّتوكم بوصاياهم [التعليم الشخصي]، ونقلوا إليكم جسد المسيح المخلص ودمه الثمين، وحلّوكم من خطاياكم [التوبة والغفران]، وجعلوكم شركاء في الإفخارستيا الإلهية المقدسة [الشركة] “[6]

نجد مواقف مشابهة في نصوص إغناطيوس الأنطاكي. لذا ينسب كل من النص الرسولي وما بعد الرسولي الطابع الكنسي إلى الأبوة الروحية. الأسقف هو “صورة الآب” [7]. إنه ليس مسؤولاً فقط عن “ربط الخطايا وحلّها”، ولكنه يعيد التوليد بالمعمودية؛ يغذّي بتعليمه ووعظه؛ ويقدم سر الافخارستيا. في تلك السنوات، كانت التوبة، في الغالب، تسبق المعمودية

يمكننا أن نرى تطورًا متناسبًا للأبوة الروحية ترافق مع ازدهار الرهبنة. صارت تُستخدَم كلمة “أبّا” المأخوذة من اللغة السنسكريتية والتي كانت تعبّر عن العلاقة الجديدة بين المسيحيين والله، بالاقتران مع مصطلح “الشيخ”، خاصةً للنساك والرهبان أصحاب الموهبة. في التقليد الرهباني، “الأب” هو راهب اقتنى التمييز، يتعلّم من الله، هو شيخ ، أبّا، أو ستاريتز. هو شخص أُعطي الاستنارة الإلهية والتمجيد من خلال التطهّر. لا تنبع هذه الأبوة من أي وظيفة تراتبية بل هي مواهبية وبالعادةِ ذات طبيعة شخصية. إلى هذا، تتطوّر هذه الموهبة داخل الكنيسة. ليس غريباً أن يتوجه الأساقفة إلى هؤلاء الرهبان لطلب مساعدتهم ونصيحتهم [8]. وينطبق الشيء نفسه على النساء اللواتي كنّ أمهات في البريّة متميّزات بمواهبهن الروحية. لقد ساعد سكان الصحراء الآخرين على سلوك حياة في المسيح وكانوا يُعرَفون بـ “أبّا” أو “أمّا”

في القرن الرابع كان البعض يعتقدون أن الأسقف والكاهن متساويين من جهة الأبوة الروحية. في الرد على هذا الوهم وإدانته، كتب إبيفانيوس القبرصي أن “رتبة” الأسقف هي “نظام تولّيد الآباء”. الأسقف مكرّس، “لأنه يولد في الكنيسة”، في حين أن تكليف الكاهن، حيث أنه لا يستطيع أن يلد الآباء، هو “توليد أبناءً للكنيسة بإعادة الولادة في الجرن”[10]. وبعبارة أخرى، الكهنة يعمّدون المسيحيين ويجعلونهم أبناء الله. في ظروف استثنائية، كأثناء اضطهاد ديسيوس، أدخَل الأساقفة عملية “التوبة إلى كاهن” (عن الخطايا العقائدية، كالارتداد، والتي تُحال إلى الأسقف في الظروف العادية] مع أن هذا سقط من الممارسة بعد ذلك

يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث (956-1036) أن السلطة الروحية للربط والحلّ أعطاها الرسل القديسون أولاً إلى الأساقفة. مع مرور الوقت، انتقلت من الأساقفة إلى الكهنة الذين تميزوا بقداسة حياتهم، وبعد ذلك، إلى الرهبان. عاملان مهمّان ساهما في انتقال النعمة إلى الرهبان: أولاً، الانتشار السريع للمسيحية وازدياد عدد المسيحيين. وثانياً، التراجع والتهاون في حياة الأساقفة والكهنة. ولكن بحسب القديس سمعان، فإن المرض نفسه أصاب الرهبان وأصبحوا “إجمالاً رهبانًا غير رهبانيين”[11]. إن الانتقاد القاسي من جانب القديس سمعان اللاهوتي الحديث وأوساط تلاميذه لا يعني أي تحدًّ أو انتقاص للبعد المؤسسي للكنيسة. الهدف منه كان تجديد الحياة الرهبانية وحياة الكنيسة بشكل عام، وتنمية الأبوة الروحية كما يمنحها الروح القدس

مواقف القديس سمعان اللاهوتي الحديث حول قدرة الرهبان على ممارسة الأبوة الروحية تعرّضت للانتقاد، خاصةً فيما يتعلق بـالربط والحلّ. وهكذا، بعد قرن من الزمان، وضع فالسامون [ثيودوروس فالسامون، بطريرك أنطاكية وأحد أوائل الخبراء البيزنطييين بالشرع الكنسي] تمييزاً واضحاً بين الرهبان الذين يستمعون إلى أفكار الآخرين من ناحية ويقدّمون الإرشاد، ومن ناحية أخرى سلطة حلّ الخطايا، التي يمنحها الأساقفة فقط للكهنة المأذون لهم [12]. سمعان التسالونيكي (1429) كان أكثر صرامة: “إلى هذا، لا ينبغي منح رتبة الأبوة الروحية للرهبان العاديين غير المُسامين. هذا لأن الأمر مقدس لدرجة أن القوانين تحدد أنها مهمة خاصة بالأساقفة، وليس الكهنة. يمارس الكهنة هذا الخدمة عند الضرورة فقط وعندما لا يكون الأسقف حاضرًا بل غائباً. في الواقع، يجب إحالة أكبر الخطايا، أي إنكار الإيمان والقتل وتعدّي الكهنة، إلى الأسقف، وكذلك كل ما هو خارج معرفة المعرّف. يجب أن يتمّ كل شيء بموافقة الأسقف، لأن التوبة تقع ضمن مجاله الخاص، أي مجال الأسقف. هذا واضح من نشر رسالة وعظية “[13]

على الرغم من ذلك، تشدد مجموعة القوانين البدائية من زمن الحكم التركي على الأساقفة أن يصدروا كتب تفويض للرهبان للقيام بخدمة الأب الروحي. يختلف القديس نيقوديموس الأثوسي مع وجهة النظر أعلاه. مستشهدًا بالتقليد الكنسي السابق، فيكتب ما يلي: “لا ينبغي أن يعترف العلمانيون عند الرهبان، ولا الراهبات، لأن هذا يتعارض مع القوانين” [14]. إلى جانب ذلك، يشير “دليل الاعتراف” الذي وضعه القديس نيقوديموس بشكل مفصّل إلى مهمة الأب الروحي، في ما يتعلق بالامتثال للقوانين المقدسة وتطبيقها. يجب الاضطلاع بممارسة الأبوة الروحية وممارستها فقط من قبل أولئك الذين بلغوا اللاهوى من خلال جهادات النسك. هذه هي السياسة الصارمة في الكنيسة. ولكن في الوقت نفسه، لأن القديس نيقوديموس يعرف احتياجات عصره وأوجه قُصوره، يوصي الأساقفة على الأقل بتكليف الكهنة الأكثر خبرة من كبار السن وجعلهم آباء روحيين، لأنهم، بسبب العمر، أكثر خبرة في المعرفة وبطريقة ما قد روّضوا الأهواء”[15]. إنه لا يستبعد الكهنة الأصغر سنا إذا كانوا فاضلين وقد اقتنوا فكر الشيوخ. حتى أنه يطرح فكرة أن “إلى جانب الكهنة المتبتّلين وغير المتزوجين، فإن المتزوجين الذين يستحقون ذلك” يجب أن يصيروا آباء روحيين [16]

[1] “وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى 9:23)

[2] أنظر يوحنا 13:16

[3] أنظر جورج فلوروفسكي: “الكتاب المقدس والتقليد: نظرة أرثوذكسية”

[4] 1كورنثوس 14:4

[5] غلاطية 19:4

[6] قوانين الرسل 33:2

[7] إغناطيوس الأنطاكي، الرسالة إلى أهل مغنيسية، 1،6، PG 5, 669AB؛ إلى تراليان 3، PG 5, 677AB

[8] P. Evdokimoff, Le monachisme intériorisé.

[9] Palladios, Lausaic History, vol. 1

[10] Against Heresies, 3, 1 55, 4 PG 42, 508CD

[11] V. Christoforidis, Ἡ πνευματικὴ πατρότης κατὰ Συμεὼν τὸν Νέον Θεολόγον, Thessaloniki 1977, pp. 52-53.

[12] Ibid, p. 57.

[13] On Repentance [Περὶ μετανοίας, μτφρ. Ἰ. Φουντούλη, Τὸ ἱερὸν μυστήριον τῆς μετανοίας, Εἰσηγήσεις-Πορίσματα Ἱερατικοῦ Συνεδρίου τῆς Ἱερᾶς Μητροπόλεως Δράμας ἔτους 2002, Drama 2002, p. 407].

[14] البيذاليون [Πηδάλιον, p. 313].

[15] دليل الاعتراف، ص. 12

[16] Ibid, p. 13.

انتظروا المسيح لا ضدّه

انتظروا المسيح لا ضدّه

الأرشمندريت نكتاريوس موروزوف

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

لن تجدوا في الكنيسة مؤمناً واعياً واحداً لا يعرف أن العالم الذي نعيش فيه لن يدوم إلى الأبد، ولم يقرأ رؤيا القديس يوحنا الإنجيلي ولا فكرة لديه عن الأحداث التي ستسبق نهاية التاريخ البشري على الأرض والمجيء الثاني المجيد لربنا يسوع المسيح. ومع ذلك، هناك جزء من الجماعة الكنسية لا يتذكر أن نهاية العالم ستأتي وحسْب بل يترقبّها بلهفة

لا شك في أننا مدعوون إلى الاهتمام ليس فقط بما يحدث في قلوبنا بل وبما يحدث في العالم من حولنا. بحسب المخلّص، يجب أن نميّز علامات الأزمنة (متى 16: 3). وكما كتب القديس أغناطيوس (بريانشانينوف)، من الضروري تمييز روح الزمن واستشعارها حتى لا نستسلم لتأثيرها المعادي للمسيحية، وللبقاء أحراراً من تأثيرها المعادي للمسيحية قدر الإمكان. لكن أود أن أذكّر بشيء آخر مهم: كونوا أناساً تسيطرون على ذواتكم وعقلانيين، حافظين دعوة الرسول بولس: “ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ… أنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ” (2تسالونيكي 1:2-2)

لا يزال معظمنا يتذكر جيدًا “العاصفة” التي “احتدمت” منذ وقت ليس ببعيد: لا في “فنجان شاي” ولكن في مساحات شاسعة من روسيا. كان الأمر يتعلق بأرقام تعريف دافعي الضرائب على أنها “ختم ضد المسيح”. تحطمت الكثير من الرماح حول هذه المسألة. كم عدد “الشهداء” و”المعترفين” الذين ظهروا وهم يناضلون ضد رئاسات الدولة والكنيسة! وأي قدرٍ من الحماقة تجلّى! مجلدات قيلَت عن مفهوم “ما قبل الختم” [أي ختم مبدئي مع عدد الوحش كما يرد في كتاب الرؤيا]. في الوقت الذي هدأت فيه الأهواء، لم يبقَ إلا مصطلح “المقاتلين ضد أرقام التعريف الضريبي” (أي مجموعة من الأشخاص الذين يبدون كأنهم في الكنيسة ولكنهم ليسوا فيها بشكل كامل)

والآن اندلعت “عاصفة” جديدة حول فكرة حقن الرقائق في البشر، والإشعاع، وتطعيم الناس من خلال “زرع الرقاقات” و”معسكر الاعتقال الإلكتروني”، كما يتكهن البعض، حيث جميعنا سيكون محكوماً علينا بالدمار. هذا الوضع، على الرغم من أن وباء الكورونا أثاره، إلا إنه كان يختمر لفترة طويلة

سأكون صريحًا: أنا متأكد من أن إمكانية زراعة الرقائق في الناس حقيقية، لذا فإن هذه الزراعة على المستوى العالمي هي مسألة وقت ومواصفات فنية. أنا متشكك جدًا بشأن التطعيم العالمي، ومدى ملاءمته وسلامته، خاصة وأن العديد من التطعيمات، وفقًا للعديد من الخبراء، هي وهم أو خيال، أو، بعبارة أدق، انخداع. يبدو “معسكر الاعتقال الإلكتروني” كتهديد، ولكن تم بناؤه تقريبًا من نواح كثيرة

ولكن هذا ليس المهمّ. المهمّ هو أنني لا أريد أن أعيش في رعب في وجه كل هذا. أريد فقط أن أعيش حياة مسيحية، دون خوف من أي شيء ودون أن أموت قبل موتي. كالعديد من الكهنة الآخرين، عليّ أن أجيب كل يوم على العديد من الأسئلة، مثل: “ماذا يجب أن نفعل إذا حدث ذلك قريبًا؟ إنه يحدث بالفعل الآن!” أجيب الناس ولكن قبل كل شيء أجيب نفسي

أولاً وقبل كل شيء، علينا أن نفهم أن هذا لم يحدث بعد. صحيح، هناك ظروف مواتية للغاية لحدوث ذلك، ولكن لا أحد يعرف ما إذا كان سيحدث الآن أم لا. لذا لا يستحق الأمر الصراخ طلباً للمساعدة في الوقت الحالي، وإلا فإننا سوف نجعل الجميع يضحكون ومن ثم لن يصدقنا أحد. دعونا نلقي نظرة على التاريخ: إنها فرصة رائعة لمقارنة أحداث الماضي مع ما نشهده الآن. وسنرى أن العالم شهد مرات عديدة أحداثًا جعلت الناس يعتقدون أنهم كانوا آخر العالم، أي أنهم غرقوا في حالة “نهاية العالم الآن”. الكوارث الطبيعية والأوبئة (بما في ذلك تلك الأكثر خطورة بكثير من الكوفيد 19، وانهيار العالم القديم وولادة عالم جديد، والحروب الدموية، وأخيراً، أفظعها – الحرب العالمية الثانية التي عطلت حياة عشرات الملايين من الناس. يبدو أن يوم القيامة كان في متناول اليد… ولكن لا، لم تأتِ نهاية هذه الأرض بعد ولم يتم استبدالها بأرض جديدة

مما لا شك فيه أن العصر الحديث يختلف جوهريًا عن الماضي القريب، ناهيكم عن الماضي البعيد. لقد خطت التكنولوجيا خطوات رائعة إلى الأمام. تعمل تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية على إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والسياسي أمام أعيننا. يتغير البشر بسرعة أكبر، ومع ذلك يظلون بشرًا. هذا يجلب فرصًا جديدة لضد المسيح المستقبلي وفريقه الذي يشبهه بالتفكير، ويشرح الآليات التي سيحقق من خلالها النتائج التي نقرأ عنها في سفر الرؤيا، بمثابة توضيح لهذا الكتاب

لكننا ما زلنا لا نستطيع أن نقول أن ضد المسيح سيأتي غدًا أو حتى بعد غد. يمكننا فقط أن نقول أننا اليوم اقتربنا من هذه النقطة وقد تكون قريبة جدًا الآن. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا في الأمر؟ لماذا يجب أن يؤدي إدراكنا لهذا الواقع إلى إثارة الارتباك وتسريع الذعر؟ لماذا هذه الفكرة بأنّ علينا أن نتوقف عن فعل كل شيء فوراً ونكرّس طاقتنا بالكامل لمقاومة بيل غيتس وأبراج جيل الاتصالات الخامس في جميع أنحاء العالم؟ من أين يأتي هذا الخوف الذي يشلّ إرادتنا ويتحوّل إلى عدوانية ثم إلى ذهول عقيم؟

المجد لله أن هذه ليست حالة معظم الناس في الكنيسة. لكن المشكلة هي أن التهويل مُعْدٍ، وممثليه نشطون وصاخبون، ويقلقون راحة بال بعضهم البعض ومَن حولهم. بالنظر إليهم من الخارج، يتكوّن لدى الناس انطباع قوي بأن هذا هو حال جميع المسيحيين. ونحن المسيحيون بالفعل نصاب بفيروس الخوف واليأس هذا تدريجياً. عند نقطةٍ ما سوف نجد أنه يتأكلنا من الداخل

إلى هذا، أريد أن أذكّر الآخرين ونفسي بأن علينا أن نعيش اليوم بغض النظر عن كيف نتخيّل غدَنا، بشعاً وثقيلاً ومرهقاً أو واعداً وباهراً. هذا الغد لم يأتِ بعد، فيما اليوم موجود بكل حاجاته وعمله، مع الحاجة إلى اتخاذ القرارات وتنفيذ الأعمال ومجابهة الصعوبات واحتمال الأحزان بشجاعة وتقديم الشكر لله من أجل كل هذا، كما من أجل الأفراح الوفيرة. لطالما كانت كلمات المسيح التالية صائبة وسوف تبقى: “يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (متى 34:6)

لا تنتظروا ضد المسيح، ولا تهيؤوا لمجيئه. بالمقابل انتظروا الربّ وتعلّموا أن تحيوا معه هنا وفي هذه اللحظة. هذا الخوف والألم والتشوّش يشيرون إلى كم نحن بعيدون عن الرب الآن وكم أن شَبَهَنا بتلاميذه ضعيف! وإلا لما كان هناك هذا الخوف

وإذا كان علينا أن نشغل أنفسنا بالأحداث الجارية و”علامات الأزمنة” التي تهددنا وتشوّشنا، فالأحرى إزالة كل ما يمنعنا من أن نكون مع المسيح ويقف في طريقنا إليه؛ علينا أن نفتح قلوبنا له ونتركه في أعماقها. وبعد ذلك سيعلّمنا هو نفسه ما ينبغي فعله ويرينا كيف نجتاز العديد من المحاكمات القاسية دون أي ضرر على أرواحنا

إن هذا بمقدورنا. فهو شيء يعتمد علينا. أما ما تبقّى فوهْمٌ وخيال مثل “اللقاح العجيب”. إنه الخديعة نفسها

التعليم الديني المطوّل – 2

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص ـ

ـ25ـ متى تمّت كتابة الكتب المقدسة؟

في أوقات مختلفة: بعضها قبل ولادة المسيح ، والبعض الآخر بعدهاـ

ـ26ـ أليس لكل من قسمي الكتب المقدسة أسماءه الخاصة؟

نعم لكل منهما أسماؤه. الكتب التي كُتبَت قبل ميلاد المسيح تُدعى كتب العهد القديم، بينما يُطلق على التي كُتبت بعد الميلاد كتب العهد الجديد

ـ27ـ ما هما العهدان القديم والجديد؟

بعبارة أخرى، عهدا الله، القديم والجديد، مع البشر

ـ28ـ مما يتكوّن العهد القديم؟

من أن الله وعد البشر بمخلص إلهي وأعدّهم لاستقباله

ـ29ـ كيف أعدّ الله البشر لاستقبال المخلّص؟

بالكشف التدريجي، بالنبوءات والنماذج

ـ30ـ مما يتألّف العهد الجديد؟

من أن الله أعطى البشر مخلصاً إلهياً، ابنه المولود الوحيد يسوع المسيح

ـ31ـ كم هي كتب العهد القديم؟

القديسون كيرللس الأورشليمي وأثناسيوس الكبير ويوحنا الدمشقي يحصون اثنين وعشرين، متفقين بذلك مع اليهود الذين يحصونها كذلك في اللغة العبرية

(Athanas. Ep. xxxix. De Test.; J. Damasc. Theol. lib. iv. c. 17)

ـ32ـ لمَ علينا أن نحافظ على تعداد العبرانيين؟

لأنهم اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (روما 2:3) كما يقول الرسول بولس، فالكتب المقدسة تسلّمتها كنيسة العهد الجديد من كنيسة العهد القديم العبرانية

ـ33ـ كيف رقّم القديسان كيرللس وأثناسيوس كتب العهد القديم؟

على النحو التالي: 1، كتاب التكوين ؛ 2، الخروج ؛ 3، اللاويين ؛ 4، كتاب العدد؛ 5، تثنية. 6، يشوع بن نون ؛ 7، القضاة، ومعه، كملحق، كتاب راعوث ؛ 8، الملوك الأول والثاني، كجزئين لكتاب واحد (يُعرَف أيضاً بصموئيل: المترجم) ؛ 9، والملوك الثالث والرابع. 10، أخبار الأيام الأول والثاني. 11، والكتاب الأول من عزرا، والثاني، أو، كما هو الحال في اليونانية، وكتاب نحميا ؛ 12، استير. 13، أيوب ؛ 14 المزامير. 15 امثال سليمان. 16، الجامعة، وهو كذلك لسليمان ؛ 17، نشيد الأنشاد لسليمان أيضاً. 18، النبي أشعياء ؛ 19 ارميا. 20 حزقيال. 21 دانيال. 22، الأنبياء الاثني عشر

ـ34ـ لماذا لا يُلحَظ في تعداد كتب العهد القديم هذا كتاب حكمة ابن سيراخ ، وبعض الآخرين؟

لأنها غير موجودة في العبرية

ـ35ـ كيف نعتبر هذه الكتب المذكورة أعلاه؟

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه قد تم تعيينها من الآباء ليقرأها الموعوظون الذين يستعدون للقبول في الكنيسة

ـ36ـ هل هناك أي تقسيم لكتب العهد القديم يمكنك من خلالها تقديم سرد أكثر وضوحاً لمحتوياتها؟

يمكن تقسيمها إلى الأقسام الأربعة التالية:ـ

كتب الناموس، والتي تشكّل أساس العهد القديم

الكتب التاريخية وتحتوي بشكل أساسي تاريخ الجماعة

العقائد، وتحتوي على عقيدة الدين

النبوية، التي تضمّ النبوءات، أو تنبؤات بالأشياء المستقبلية، وخاصة عن يسوع المسيح

ـ37ـ ما هي كتب الناموس؟

الكتب الخمسة التي كتبها موسى: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. يسوع المسيح نفسه يعطي هذه الكتب الاسم الشامل ’ناموس موسى’ (أنظر لوقا 44:24)

ـ38ـ على وجه الخصوص، ماذا يرِد في سفر التكوين؟

رواية خلق العالم والإنسان وبعده تاريخ ومراسيم الدين في العصور الأولى للبشرية

ـ39ـ ما الذي يرِد في الكتب الأربعة الأخرى لموسى؟

تاريخ المعتَقَد في زمن النبي موسى، والشريعة المعطاة من الله من خلاله

ـ40ـ أيٌّ هي الكتب التاريخية في العهد القديم؟

كتب يشوع بن نون، القضاة، راعوث، الملوك، الأخبار، كتاب عزرا، وكتاب نحميا وإستير

ـ41ـ أي منها هي العقائدية؟

كتب ايوب والمزامير وكتب سليمان

ـ42ـ أية خصوصية ينبغي أن نلاحظها لكتاب المزامير؟

يحتوي هذا الكتاب، بالإضافة إلى العقيدة، تلميحات لتاريخه والعديد من نبوءات المسيح المخلّص. إنه دليل مثالي للصلاة والمديح، وعلى هذا الأساس يُستخدَم باستمرار في الخدم الكنسية

ـ43ـ ما هي الكتب النبوية؟

كتب الأنبياء: إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، والاثني عشر الآخرين

ـ44ـ كم هي كتب العهد الجديد؟

سبعٌ وعشرون

ـ45ـ هل من بينها كتب تردّ على الناموس، أو تشكّل أساس العهد الجديد؟

نعم. الإنجيل، الذي يتكوّن من أربعة كتب للإنجيليين متى، مرقس، لوقا، ويوحنا

ـ46ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

هو نفس كلمة Evangely اليونانية، وتعني الخبر الحسن أو البهيج

ـ47ـ ما هو الخبر الحسن في الكتب المسماة الإنجيل؟

إنه الخبر عن ألوهية ربنا يسوع المسيح، عن مجيئه وحياته على الأرض، عن معجزاته وعقيدة الخلاص، وأخيراً عن موته على الصليب، قيامته المجيدة، وصعوده إلى السماء

ـ48ـ لماذا تسمى هذه الكتب الإنجيل؟

لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون خبر أفضل أو أكثر بهجة من هذه، عن المخلص الإلهي والخلاص الأبدي. لنفس السبب، قراءة الإنجيل في الكنيسة مسبوقة دائماً ومُرافقة بالإعلان البهِج المجد لك، يا رب المجد لك

ـ49ـ هل بين كتب العهد الجديد كتب تاريخية؟

نعم، واحد: كتاب أعمال الرسل القديسين

ـ50ـ عمَّ يحكي؟

عن نزول الروح القدس على الرسل وتوسّع كنيسة المسيح من خلالهم

ـ51ـ ما هو الرسول؟

كلمة تعني حامل الرسالة. إنه الاسم الذي يطلق على تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين أرسلهم للتبشير بالإنجيل

ـ52ـ ما هي كتب العهد الجديد العقائدية؟

الرسائل السبع العامة: وهي واحدة من الرسول يعقوب، واثنتان من بطرس، وثلاثة من يوحنا وواحدة من يهوذا؛ وأربع عشر رسالة لبولس الرسول: وهي واحدة للرومانيين، واثنتان إلى أهل كورنثوس، وواحدة إلى أهل غلاطية، وواحدة إلى أفسس، وواحدة إلى أهل فيلبي، وواحدة إلى أهل كولوسي، واثنتان إلى أهل تسالونيكي، وواحدة إلى تيموثاوس، وأخرى إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون، وواحدة إلى العبرانيين

ـ53ـ أبينَ كتب العهد الجديد كتب نبوية؟

نعم إنه كتاب الرؤيا

ـ54ـ ماذا تعني هذه كلمة الرؤيا؟

إنها من اليونانية Apocalypse

ـ55ـ ما هي محتويات هذا الكتاب؟

تمثيل سري لمستقبل الكنيسة المسيحية، وكل العالم

ـ56ـ ما هي القواعد التي يجب مراعاتها في قراءة الكتاب المقدس؟

أولاً ، يجب أن نقرأه بإخلاص ككلمة الله والصلاة لفهمه بشكل صحيح؛ ثانياً، يجب أن نقرأه برغبة صافية في تعلّم الإيمان، والحثّ على الأعمال الصالحة؛ ثالثًا، يجب علينا أن نفهمه ونقبله بما يتوافق مع تفسير الكنيسة الأرثوذكسية والآباء القديسين

ـ57ـ عندما تقدّم الكنيسة عقيدة الوحي الإلهي والكتاب المقدس للناس لأول مرة، ما هي العلامات التي تقدمها على أنه حقاً كلمة الله؟

العلامات على أنه كلمة الله هي ما يلي:ـ

ـ1ـ سمو العقيدة ما يشهد على استحالة أن يكون اختراعاً بشرياً

ـ2ـ طهارة الإيمان ما يدلّ على أنه من فكر الله الكلي الطهارة

ـ3ـ النبوءات

ـ4ـ المعجزات

ـ5ـ تأثير العقيدة القوي على قلوب الناس بما يتخطى الكلّ ما عدا القوة الإلهية

ـ58ـ كيف تكون النبوءات علامات وحي حقيقي من الله؟

لنأخذ مثلاً : عندما تنبأ النبي أشعياء عن ولادة المخلص المسيح من عذراء، وهي شيء لم يكن ممكناً أن يتخيّله العقل الطبيعي، وعندما ولد ربنا يسوع المسيح بعد هذه النبوة بمئات من السنوات من مريم العذراء الفائقة الطهارة، كان من المستحيل عدم رؤية أن النبوة كانت كلمة الكلي المعرفة، وإتمامها هو عمل الله العظيم. ولهذا السبب أيضًا، يقدم متى الإنجيلي القديس هذه النبوءة عندما يروي عن ميلاد المسيح: “وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (متى 22:1-23)

ـ59ـ ما هي المعجزات؟

أعمال لا يمكن إتمامها بأي قوة أو فن بشري، بل فقط بقوة الله الفائقة: مثلاً إقامة الأموات

ـ60ـ كيف تعمل المعجزات كإشارة إلى أن الكلمة المنطوقة هي من الله؟

من يصنع المعجزات الحقيقية يعمل بقوة الله. وبالتالي فهو من الله ومشارك في الروح الإلهي. لكن هذا الانتماء يعني قول الحقيقة الخالصة فقط؛ وهكذا، عندما يتكلّم مثل هذا الرجل باسم الله، نحن على يقين من أن بفمه يتكلّم حقًا كلمة الله

على هذا الأساس ، يجترح ربنا يسوع المسيح نفسه المعجزات كشهادة قوية على رسالته الإلهية: “الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يوحنا 36:5)

ـ61ـ أين يمكن أن نرى بشكل خاص التأثير العظيم لعقيدة المسيح؟

من هذا: الرسل الاثنا عشر، المختارين من بين الفقراء والناس غير المتعلمين، من الطبقة الدنيا، تغلبوا بهذا الإيمان وأخضعوا للمسيح الأقوياء والحكماء والأغنياء والملوك وممالكهم

الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي – 2

الميتروبوليت كاليستوس وير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

الكتاب هو مقابلة أجراها مايكل وكاتينا ميخائيل في اوكسفورد، بريطانيا، في 20 تشرين الأول 2014. بعد تفريغها راجعها الميتروبوليت ووافق على صدورها في كتاب في 18 تشرين الأول 2016. الأسئلة أعدها مايكل ميخائيل وهو استاذ مشارك في قسم الكومبيوتر وتكنولوجيا المعلومات من جامعة وولونغونغ في أوستراليا وحائز على عدد من الشهادات ومن بينها اللاهوت. كاتينا هي زوجته وهي أستاذة في كلية الهندسة في الجامعة نفسها. لكل منهما، كما لهما مجتمعَين، عدد من الكتب والمقالات في عدة حقول

ب. الإبداع والابتكار والتقدم التكنولوجي

كيف يمكننا أن نفهم فكرة أننا مخلوقون على صورة ومثالالله في السعي إلى أعلى مستويات ومسارات التكنولوجيا؟

لا يوجد تفسير وحيد في التقليد المسيحي لما هو المقصود بخلق الإنسان حسب صورة الله ومثاله. لكن النهج الواسع الانتشار، الموجود على سبيل المثال بين العديد من الآباء اليونانيين، هو التمييز بين هذين المصطلحين. تشير الصورة في هذه المقاربة إلى المَلَكات البشرية الأساسية التي تُعطى لنا؛ تلك الأشياء التي تجعلنا مخلوقات بشرية، والقدرات الممنوحة لكل إنسان. الصورة على ما هي عليه، نقطة انطلاقنا، العتاد الأول الممنوح للجميع. ينظر إلى الشبه كنقطة النهاية. المثال يعني أن الإنسان في شركة مع الله، يعيش حياة قداسة. المثال يعني القداسة. الإنسان الحقيقي في هذا النهج هو القديس. فعليه، نحن البشر مسافرون، حجاج، في رحلة من الصورة إلى المثال. يجب أن نفكر في الطبيعة البشرية بعبارات ديناميكية. عنصر النمو أساسي لشخصيتنا. إذن الآن، الصورة تعني أننا نملك قوة التفكير العقلاني، قوة الكلام، التعبير باللغة التي من خلالها يمكننا التواصل مع الآخرين؛ وهذا يعني العقل بالمعنى الأوسع. والأهم من ذلك، أنه يعني أننا بشر ذوو ضمير وشعور بالصواب أو الخطأ، وبأننا نتخذ قرارات أخلاقية. الأهم من ذلك كله هو أن الصورة تعني أننا بشر لدينا وعي بالله وإمكانية الارتباط بالله والدخول في شركة معه من خلال الصلاة. وهذا بالنسبة لي هو المعنى الأساسي للصورة، أننا البشر مخلوقون للتواصل مع الله. هناك اتجاه وتوجّه في إنسانيتنا. نحن لسنا أحرار وحسب. الكائن البشري من دون أي علاقة بالله ليس إنسانًا حقيقيًا. بدون الله نحن مجرد إناس ثانويين. إذاً، الصورة تعطينا القدرة على أن نكون في شركة مع الله، وهذه هي طبيعتنا الحقيقية. لقد خُلقنا للعيش في الصحبة والتواصل مع الله الخالق. لذا فإن الصورة تعني أنك لا تستطيع أن تفكر في البشر ببساطة بمعزل، باعتبارهم مكتفين ذاتياً ومعتمدين على الذات، بل عليك أن تنظر إلى علاقتنا مع الله. عندها فقط سوف تفهم ما هو أن تكون إنساناً

ما هي النقطة التي قد تجعل اللاهوتيين أو الأخلاقيين يعتبرون أننا قد عبرنا الخط من الابتكار المسؤول والبحث العلمي إلى الاستعلائية؟

كلاهوتي مسيحي، لا أرغب في فرض قيود على البحث العلمي، كما من سلطة أعلى. كما ذكرت سابقًا، لقد منحنا الله القدرة على فهم العالم من حولنا. كل الحقيقة تأتي منه. المسيح حاضر في البحث العلمي، حتى لو لم يرد ذكر اسمه. لذلك، أنا لا أسعى بطريقة نظرية لأقول للعالِم: إلى هنا وليس أكثر. على العالِم، باستخدام طرق البحث التي طورها، أن يواصل عمله دون عوائق. لا يمكن للمرء أن يضع حظراً على النظر في أي موضوع. ولكن هنا يرِد السؤال التالي: كيف نطبّق معرفتنا العلمية؟ الإستعلائية تأتي عندما يتجاوز العلماء نظامهم الخاص ويحاولون أن يُملوا علينا كيف نعيش حياتنا. لا تعتمد الأخلاقية على الحقائق العلمية فقط. نحن نأخذ قيمنا، إذا كنا مسيحيين، من إيماننا. العلم الحديث هو تحقيق صادق في الحقيقة. طالما هذا هو الحال، فعلينا أن نقول للعالِم: رجاءً واصل عملك. أنت لا تتحدث عن الله، لكن الله موجود في ما تفعله، سواء أدركتَ ذلك أم لا. يأتي الاستعلاء عندما يعتقد العالِم أنه يستطيع الإجابة على جميع الأسئلة المتعلقة بحياة الإنسان. تأتي العجرفة عندما نعتقد أنه يمكننا ببساطة تطوير تقنيتنا دون التساؤل: هل هذا تطبيق جيد أو سيئ للعلوم؟

هل هناك أي صلة لقصة برج بابل (التكوين 11: 1-9) المعروفة بإشارتها المزدوجة إلى الاستعلاءوالهندسة؟

نعم، هذه طريقة ممتعة للنظر إلى قصة برج بابل. قصة برج بابل هي في الأساس وسيلة لمحاولة فهم سبب كوننا نحن البشر نتحدث العديد من اللغات المختلفة ونجد صعوبة في التواصل مع بعضنا البعض. لكن أساس قصة بابل هو بالضبط الإفراط في الثقة بقوتنا البشرية. في قصة برج بابل، يعتقد الناس أن بإمكانهم بناء برج يمتد من الأرض إلى السماء. يعتقدون أنهم يستطيعون سد الفجوة بين الإنساني والإلهي بقوة الهندسة. وهذا بالضبط هو أن نعزو إلى التكنولوجيا، إلى مَلَكَة الهندسة عندنا، ما هو خارج نطاق التكنولوجيا ويتخطّى الهندسة. بمجرد أن تنتقل من عالم الواقع الفعلي إلى عالم السماء، فأنت تنتقل إلى عالم مختلف حيث لا نعود نعتمد ببساطة على قدراتنا البحثية ولا على أهليّتنا لتطبيق العلم. لهذا، بالضبط، قصة برج بابل هي قصة اعتقاد البشر بأن قوتهم غير محدودة، وبخاصة قوة غير محدودة لتوحيد الأرضي مع السماوي، في حين أن هذه الوحدة لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الاعتراف باعتمادنا على الله

إذا كنا نحمل بذرة عبقرية الله الخلاّقة في داخلنا، فلماذا لا نستطيع أو لا ينبغي أن نكتشف ونبتكر، ونذهب إلى آخر ما هو ممكن بشريًا في الابتكار؟

نعم ، نحن نحمل بذرة عبقرية الله الخلاقة في داخلنا، لكن من وجهة النظر المسيحية للعالم نحن البشر مخلوقون ونعيش في عالم ساقط. الآن، كيف يمكن تفسير السقوط في التقاليد المسيحية يمكن أن تختلف، ولكن أساس كل أشكال فهم السقوط هي فكرة أن العالم الذي نعيش فيه قد وقع في الخطأ بطريقة أو بأخرى. هناك تباين مأساوي بين هدف الله ووضعنا الحالي. لذلك، كبشر ساقطين علينا أن نقدّم مشاريعنا لحكم الله. علينا أن نسأل، ليس ما إذا كان هذا ممكنًا وحسب، بل أيضًا ما إذا كان هذا وفقًا لإرادة الله. من الواضح أن هذا ليس مسألة علمية أو تكنولوجية. المسألة ليست ما هو ممكن بل ما هو صحيح. بالطبع، صحيح أن كثيرين لا يؤمنون بالله، وبالتالي لن يقبلوا ما قلته للتو بأنّ هذا العالم ساقط. ومع ذلك، فهم أيضًا، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالله، عليهم التعاطي مع العلم والتكنولوجيا بتطبيق فهمٍ أخلاقي. آمل أن يفعلوا ذلك من خلال التفكير في معنى ما يجب أن يكون عليه الإنسان، وعلى قيمة الشخصانية. وأعتقد أنه في هذا المجال، يستطيع المسيحيون وغير المسيحيين، المؤمنون وغير المؤمنين، إيجاد قدر كبير من الأرضية المشتركة. في الوقت نفسه، لا يمكننا أن نفهم تمامًا حدودنا كبشر ساقطين دون الرجوع إلى إيماننا. لذا فإن التعاون مع غير المؤمن يمتد فقط إلى درجة محدودة معينة

التعليم الديني المطوّل

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم

القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

ـ1ـ ما هو التعليم الديني الأرثوذكسي؟

التعليم الديني الأرثوذكسي هو تعليم عن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، ينبغي تعليمه لكل مسيحي، لتأهيله لأن يرضي الرب ويخلّص نفسه

ـ2ـ ما معنى كلمة تعليم ديني (Catechism)؟

إنها كلمة يونانية ، تعني التعليم، أو التوجيه الشفهي، وقد كانت قيد الاستعمال منذ زمان الرسل للإشارة إلى أن التعليم الأساسي في الإيمان الأرثوذكسي ضروري لكل مسيحي (لوقا 4:1، أعمال 25:18)

ـ3ـ ما هو الضروري لإرضاء الله وخلاص النفس؟

في المقام الأول، معرفة الإله الحقيقي والإيمان الصحيح به؛ في المقام الثاني، حياةٌ وفقًا للإيمان، وأعمال صالحة

ـ4ـ لماذا الإيمان ضروري في المقام الأول؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، من دون الإيمان يستحيل إرضاء الله (عبرانيين 6:6)

ـ5ـ لماذا يجب أن تكون الحياة وفقًا للإيمان، والأعمال الصالحة منفصلة عن هذا الإيمان؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، فإن الإيمان بدون أعمال ميت (يعقوب 20:2)

ـ6ـ ما هو الإيمان؟

بحسب تعريف القديس بولس، الإيمان هو الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عبرانيين 1:11) ؛ وهذا يعني، الثقة في الغيب كما لو كان قد شوهد، بينما الثقة في ما يؤمل وينتظر كما لو كان حاضرًا

ـ7ـ ما هو الفرق بين المعرفة والإيمان؟

تعمل المعرفة على أشياء مرئية ومفهومة. الإيمان يعمل على الأشياء غير المرئية وحتى غير المفهومة. تستند المعرفة إلى الخبرة وإلى فحص موضوعها؛ لكن يستند الإيمان إلى تصديق شهادة الحقيقة. المعرفة تنتمي بشكل صحيح إلى العقل، رغم أنها قد تعمل أيضًا على القلب؛ ينتمي الإيمان أساسًا إلى القلب، على الرغم من أنه ينتقل عبر العقل

ـ8ـ لماذا الإيمان ضروري للتعليم الديني وليس المعرفة فقط؟

لأن الهدف الرئيسي من هذا التعليم هو أن الله غير مرئي وغير مفهوم، وأن حكمة الله مخبأة في لغز؛ وبالتالي، أجزاء كثيرة من هذا التعليم لا يمكن قبولها بالمعرفة، ولكن قد يتم تلقيها بالإيمان. الإيمان، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي، هو العين التي تنير ضمير كل إنسان؛ إنه يعطي الرجل المعرفة. لأنه، كما يقول النبي، إذا لم تصدقوا فلن تفهموا (إشعياء 9:7)

ـ9ـ هل يمكن الاستفاضة في توضيح ضرورة الإيمان؟

القديس كيرلس يوضح ذلك: الإيمان ليس شيئًا عظيمًا فقط بيننا نحن الذين سمعوا باسم المسيح؛ لكن كل شيء يجري في العالم، حتى من البشر الذين لا صلة لهم بالكنيسة، يتمّ بالإيمان. الزراعة تأسست على الإيمان. لأن من لا يؤمن بأن عليه أن يجمع من ثمار الأرض لا يأخذ على عاتقه أعمال الزراعة. البحارة يقودهم الإيمان عندما يسلّمون مصيرهم إلى لوح طفيف، ويفضّلون المياه غير المستقرة على الأرض الأكثر استقرارًا. إنهم لا يسلّمون أنفسهم لتوقعات غامضة، ولا يحتفظون لأنفسهم إلا بالإيمان الذي يثقون به أكثر من أي مرساة. (العظة الخامسة)

حول الإعلان الإلهي

ـ10ـ من أين تُستمّد عقيدة الإيمان الأرثوذكسي؟

من الإعلان الإلهي

ـ11ـ ماذا يُقصَد بعبارة الإعلان الإلهي؟

هي ما أعلنه الله بذاته للبشر، لكي يؤمنوا به عن حق وللخلاص ولكي يمجّدوه كما يليق

ـ12ـ هل أعطى الله هذا الإعلان لكل البشر؟

لقد أعطاه للجميع، لكونه ضروري للجميع على السواء وقادر على جلب الخلاص للجميع. لكن، لكون البشر ليسوا جميعاً مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله، فقد اعتمد على أشخاص محددين كمذيعين لإعلانه، ليبلّغوه إلى كل الذين يرغبون بتلقّيه

ـ13ـ لماذا ليس جميع البشر مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله؟

بسبب تلوثهم الآثم وضعفهم في الجسد والنفس معاً

ـ14ـ مَن هم مذيعو الإعلان الإلهي؟

آدم، نوح، موسى وغيرهم من الأنبياء تلقّوا وكرزوا ببدايات الإعلان الإلهي؛ لكن ابن الله المتجسّد، ربنا يسوع المسيح، هو مَن أنزل الإعلان إلى الأرض بملئه وكماله، ونشرَه في كل العالم بتلاميذه ورسله

يقول الرسول بولس في بداية الرسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)

والرسول نفسه يكتب ما يلي في الرسالة إلى الكورنثيين: ” بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ… فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. (1كورنثوس 7:2-8، 10).

ويكتب الإنجيلي يوحنا في إنجيله: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18:1)

ويسوع المسيح نفسه يقول: ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.” (متى 27:11)

ـ15ـ ألا يستطيع الإنسان من ثمّ أن يمتلك أي معرفة لله من دون إعلان خاص منه؟

قد يحصّل الإنسان بعض المعرفة لله من معاينة الأشياء التي خلقها لكن هذه المعرفة غير كاملة ولا كافية ولا يمكن أن تخدم إلا للتهيئة للإيمان، أو كمساعدة نحو معرفة الله من إعلانه

“لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رومية 20:1)

“وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 26:17-28)

في ما يتعلّق بالإيمان بالله، فيسبقه فكرة أن الله كائن، وهي فكرة نكوّنها من الأشياء المخلوقة. عند دراسة خلق العالم بِانْتِباه، ندرك أن الله حكيم وقوي وصالح؛ كما أننا ندرك أيضًاً صفاته غير المرئية. عِبر هذه الوسائل، نُقاد إلى الاعتراف به على أنه الحاكم العليّ. إذ نرى أن الله هو خالق العالم كله، ونحن جزء من العالم، فهذا يعني أن الله هو خالقنا أيضًا. على هذه المعرفة يتبع الإيمان، وعلى الإيمان العبادة. (القديس باسيليوس الكبير، الرسالة 232)

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ16ـ كيف ينتشر الإعلان الإلهي بين البشر ويُحفَظ في الكنيسة الحقيقية؟

عبر قناتين: التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ17ـ ماذا يُقصد بالتقليد الشريف؟

إن التقليد الشريف هو إسم يشير إلى عقيدة الإيمان، ناموس الله، الأسرار، والطقوس كما تسلّمها المؤمنون الحقيقيون ومتعبّدو الله بالكلمة والمثال الواحد من الآخر، ومن جيل إلى جيل

ـ18ـ هل يوجد أي مستودع للتقليد الشريف؟

إن المؤمنين جميعاً متّحدين في تقليد الإيمان الشريف، جمعياً وبالتتابع، بمشيثئة الله يؤلّفون الكنيسة، وهي المستودع الأكيد للتقليد الشريف أو كما يعبّر القديس بولس “كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تيموثاوس 15:3)

وهكذا يكتب القديس إيرينايوس: يجب ألا نطلب الحقيقة من بين أمور أخرى نطلبها من الكنيسة؛ لأن فيها، كما في خزانة كنز غني، وضع الرسل في ملئها كلّ ما يتعلق بالحقيقة، حتى كل مَن يسعى يتمكن من الحصول منها على طعام الحياة. إنها باب الحياة

(ضد الهراطقة، lib. iii. c. 4.)

ـ19ـ ما الذي نسمّيه الكتاب المقدس؟

بعض الكتب المكتوبة بالروح القدس عبر البشر المتقدّسين بالله، المسمّين أنبياء ورسل. هذه الكتب تُسمّى على نحو مشترك الإنجيل

ـ20ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

إنها كلمة يونانية، وتعني الكتب. يشير الاسم إلى الكتب المقدسة تستحق الاهتمام أكثر من غيرها

ـ21ـ أيّ هو الأقدم: التقليد الشريف أو الكتاب المقدس؟

أقدم وأول وسيلة لنشر الإعلان الإلهي هو التقليد الشريف. منذ آدم إلى موسى لم يكن هناك كتب مقدسة. ربنا يسوع المسيح نفسه أوصَل عقيدته الإلهية ووصاياه إلى رسله بالكلمة والمثال، وليس بالكتابة. الطريقة نفسها اتّبعها الرسل الذين في البداية نشروا الإيمان في كل اتجاه وأسسوا كنيسة المسيح. ضرورة التقليد تتضح أكثر من هنا، حيث لا يمكن إتاحة الكتب إلا لجزء صغير من الجنس البشري، ولكن التقليد هو للجميع

ـ22ـ لماذا إذاً ومتى أعطي الكتاب المقدس؟

لهذه الغاية، حتى يُحفَظ الإعلان الإلهي وبشكل دقيق وثابت. في الكتاب المقدس نقرأ كلمات الأنبياء والرسل بشكل دقيق وكأننا عشنا معهم وسمعناهم، مع أن آخر الكتب الكقدسة كُتِب قبل ألف وعدة مئات من زمننا

ـ23ـ أعلينا أن نتبع التقليد الشريف حتى ولو عندنا الكتاب المقدس؟

علينا أن نتبع التقليد الشريف الذي يتوافق مع الإعلان الإلهي والكتاب المقدس، كما علّمنا إياه الكتاب المقدس. يكتب الرسول بولس: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا (2تسالونيكي 15:2)

ـ24ـ لمَ التقليد ضروري حتّى إلى اليوم؟

كمرشد إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس، للخدمة الصحيحة للطقوس، وللحفاظ على الطقوس المقدسة والخِدَم في نقاوة تأسيسها الأصيلة

عن هذا يتحدّث القديس باسيليوس الكبير: “بعض العقائد والوصايا التي تحتفظ بها الكنيسة موجودة لدينا كتعليمات مكتوبة. لكن البعض تلقيناه من التقليد الرسولي، عن طريق التسلسل سرياً. فلكلٍّ من الأول والثاني نفس القوة في التقوى، وهذا لا يعارضه كلّ مَن كان لديه معرفة قليلة جدًا بفرائض الكنيسة؛ لأننا إن كنا نتجرأ على رفض العادات غير المكتوبة، كما لو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، فكأننا بلا إكتراث نقبّح الإنجيل، حتى في أهم النقاط، أو بالأحرى نجعل تعليم الرسل مجرّد اسم فارغ. فلنذكر أولاً، على سبيل المثال، العادة الأكثر شيوعًا لدى المسيحيين الأوائل، وهي أن على الذين يؤمنون باسم ربنا يسوع المسيح أن يميزوا أنفسهم بعلامة الصليب: مَن الذي علم هذا بالكتابة؟ التوجّه نحو الشرق في الصلاة، أي كتاب عندنا يقول ذلك؟ كلمات استدعاء الروح القدس لتحوّل الخبز في القداس ولكأس البركة، مَن من القديسين ترك لنا هذا كتابةً؟ وكأننا غير راضين عن تلك الكلمات التي سجلها الرسول أو الإنجيل، ولكن قبل وبعدها نتلو صلوات أخرى أيضًا، نعتبر أنها ذات قوة كبيرة للسر، مع أننا تلقيناها من التعليم غير المكتوب. استناداً على المنوال نفسه، إلى أي كتاب مقدّس نحن نبارك الماء للمعمودية، والزيت للمسحة، والشخص المعتمد نفسه؟ أليس استناداً إلى تقليد صامت وسرّي؟ ماذا أكثر من ذلك؟ إن ممارسة مسحة الزيت نفسها، أي كلمة مكتوبة عندنا عنها؟ من أين أتى قانون التغطيس ثلاثاً؟ وما تبقى من طقوس المعمودية وطرد الشيطان وملائكته؟ من أي كتاب مقدس مأخوذة هذه؟ أليست كلها من هذا التعليم الخاص وغير المنشور الذي حفظه الآباء بعيداً عن الفضول والبحث المدنِّس، كوننا تعلمنا أولاً الحفاظ على قداسة الأسرار بصمت؟ فكيف كان من المناسب نشر عقيدة هذه الأمور كتابةً، والتي قد لا يطّلع عليها غير المعتمدين؟ 

يتبع

طريق الخلاص

من باتيريكون آباء أوبتينا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس أناتولي أوبتينا

من دون الشتاء لا ربيع، ومن دون الربيع لا صيف. هكذا ايضاً هو الأمر في الحياة الروحية: بعض التعزية، ومن ثم قليل من الحزن، وهكذا شيئاً فشيئاً تتكوّن طريق الإنسان إلى الخلاص

القديس نيكن أوبتينا

لو كان باستطاعة الإنسان تعليم طرق الرب، أي تعليم كيف نحيا لنخلص، لكان اللاهوتيون المتعلّمون أول المخلَّصين. لكن في الحقيقة، لا تجري الأمور على هذا المنوال، اي أن كثيرين من العالِمين لا يسيرون على درب الرب… لكن ما المطلوب من المرء ليتعلّم طرق الرب؟ من الضروري أن يكون الإنسان حليماً، متواضعاً، ومن ثم يعلّمه الرب كيف يسلك دربه. إن معرفة هذا الأمر ضرورية جداً في الزمان الحالي حيث ندرة المرشدين ساطعة. واضع نفسَك بمعونة الله، كُن حليماً، لا تضمر أي شر نحو إخوتك وهيئ نفسك لتقبّل التعليم الإلهي من خلال الحياة الوديعة الصالحة والرب نفسه سوف يعلّمك طرقه.

إذا كان كل ما تقوم به هو انتظار الظروف الملائمة لخلاصك، فلن تباشر بالسلوك في الحياة التي ترضي الله.

عندما يتعلّم إنسان اللعب بالكمان، فالأصوات التي يصدرها في البداية تكون غير ممتعة، خاطئة وحادّة… لكن تدريجياً يكتسب اتقانها، ويبدأ بتعلّم العزف، وتصير الأصوات أكثر انضباطاً، وفي النهاية تخرج الأصوات الناعمة الجميلة في موسيقى بهية. الواحد ينجح في هذا سريعاً، الآخر يأخذ وقتاً اطول، بينما الأخير بالرغم من كل الجهود لا يتحسن اداؤه، فكل صوت يخرج مخالفاً لما يرغب به. الحاجة هي للصبر. والأمر هو على هذا المنوال في الحياة الروحية. يريد الإنسان امراً ما، لكنه يقوم بالحقيقة بشيء مختلف كلياً عمّا يريده. عقله يريد شيئاً بينما حواسه تطلب شيئاً آخراً. والإنسان يرى ويحس بألم بأن هذا كله خطأ، فيفهم أن ما يقوم به ليس جيداً وأن الأمور ليست على ما ينبغي أن تكونه، فيفقد حماسته إذ يرى أنه لا ينجح في جهاده ضد أهوائه وأن حياته الروحية لا تتحسن. لكن لا؛ لا ينبغي بالمرء أن يصير قانطاً. علينا الاحتمال… علينا أن نلزِم ذواتنا بصبر على أن نتمم كل برٍّ من أجل الرب، وبجديّة نرصد أحاسيسنا وأفكارنا وأعمالنا، ونطلب معونة الرب إلهنا ونبلغ حالة من التواضع وندرك بأننا لا ننجح بشيء بأعمالنا من دون المعونة الإلهية. وعندما يتهيأ في النهاية إناء النفس والجسد، عندما تنضبط أوتار إنشاده بكل طرق التواضع والصبر والتقوى… يأتي الوقت وتُسمَع أغنية رائعة، ويتدفق صوت الحياة الروحية العذب، وكثيرون يرون ويجزعون وينتظرون الرب، لأن هذا الغناء الذي لا يُوصَف يأتي كنتيجة لاتحادنا بالربّ.

القديس أمبروسيوس أوبتينا

إن بداية خلاصنا تكمن في تخلينا عن أهوائنا ومفاهيمنا، وتحقيقنا لما يريد الله.

إن أحكام الإنسان أمر وأحكام الله أمر آخر. يقول الرب بنبيه: لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ (أشعياء 9:55). بحسب الفكر البشري، تبدو طريق الخلاص سهلة هادئة وسلامية، بينما بحسِّ الكتاب المقدّس، فإنها محزنة كربة وضيقة (متى 14:7). “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، لكي أفصل بين محبي الله والباذخين، والمتواضعين عن محبي العالم. وكحقيقة، فإن خلاصنا بحسب القديس بطرس الدمشقي يكمن بين الخوف والرجاء، حتى لا نكون متكلين على ذواتنا ولا نيأس، بل بإيمان صالح ورجاء برحمة الله ومعونته قد نسلك في حياة باحترام لوصايا الله. أنتم تسعون إلى حالة للنفس على الأرض سلامية بالكامل، يحثّكم على ذلك مَن يجربنا عن جهة اليسار أي عن الجهة المقابِلة. وبالإضافة إلى ذلك، أنتم تعتقدون بذلك بسبب قلة خبرتكم الروحية، لأن هذه الحالة هي شيء ينتمي إلى الزمان الآتي، بينما في العالم فسيكون لكم ضيق (يوحنا 33:16) كما قال الرب لتلاميذه وللجميع من بعدهم.

لديك نقطة ضعف معينة: أنت تخرج عن طريق الرب البسيطة إلى العديد من المسارات المختلفة، في حين أن الكتاب المقدس والتجربة نفسها يثبتان أنّ من الضروري تبسيط طريقة الحياة الإنجيلية، والجمع بين الوصايا الأصغر والفضائل في الأكبر. يقول كاتب المزامير الإلهي: كل طرق الرب رحمة وحق (مزمور 10:24)… من هنا وصاعداً فلنضع أساساً ثابتاً ولا نحيدنّ عن طريق المسيح إلى تفاصيل متنوعة، بل فلنجمعنّ معاً كل الأمور المهمة في واحد: أن نحب الرب بكل نفسنا ونكون في سلام ووقار مع الجميع، غير مفتكرين بسوء أو بشك في أيٍّ كان.

قديسون معاصرون

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

عن حق أو لا، فالأزمنة التي نعيش فيها عرضة للانتقاد لأسباب عديدة. ومع ذلك، على الرغم من صعوبتها بالتأكيد، ففيها كنوز مخفية، وقد أنتجت قديسين منهم صغارًا ومنهم عظماء. بصرف النظر عن القديسين المعترَف بهم رسمياً، فقد كان هناك أيضا قديسين مخفيين طوال القرن العشرين.

البارة ميثوذيا من كيمولوس (+1908)، القديس يوحنا كرونشتادت (+1908)، آفثيميوس أسقف زيلا (+1921)، بروكوبيوس أسقف أيكونيوم (+1922)، غريغوريوس اسقف سيدونية (+1922)، أمبروسيوس أسقف موسخونيسيا (+1922)، خريسوستوموس اسقف إزمير (+1922)، البار أناتولي الشاب، شيخ دير أوبتينا الرائع (+1922)، وسحابة من الأبرار والشهداء الجدد في روسيا وجورجيا وآستونيا وبولندا وأجزاء أخرى من أوروبا وآسيا وأميركا.

أيضاً في القرن العشرين عندنا القديسون: أرسانيوس الكبادوكي (+1924)، نيكولاوس بلاناس من أثينا (+1932)، سلوان الأثوسي (+1938)، البار سابا في كاليمنوس (+1948)، البار جاورجيوس كارسليذس من ذراما (+1959)، الأرشمندريت أنثيموس فايانوس من خيوس (+1960)، يوحنا ماكسيموفيتش العجائبي رئيس أساقفة شانغهاي وسان فرانسيسكو (+1966)، الأرشمندريت الصربي يوستينوس بوبوفيتش (+1979)، والشهيد فيلومانوس الأورشليمي (+1979).

بعض الشيوخ أيضاً ذاع صيت قداستهم وحياتهم الفائقة الفضيلة: الأرشمندريت ييرونيموس السيمونوبتريتي (+1957)، يوسف الهدوئي قاطن الكهف (+1959)، أمفيلوخيوس ماكريس الرئيس السابق لدير باتموس، فيلوثايوس زرفاكوس رئيس دير لونغوفاردا في باروس (+1980)، يعقوب تساليكيس رئيس دير البار داود في آفيا (+1991)، الشيخ بورفيريوس الكافسوكاليفي الرائي (+1995)، الشيخ الحكيم صوفروني سخاروف (+1993)، الراهب المعروف باييسيوس الأثوسي الذي كان ممتلئاً من النعمة (+1994)، أفرام الكاتوناكي المكرّس بالكلية للطاعة والصلاة (+1998) وغيرهم.

حياة الرهبنة المقدسة تتحدانا وتدعونا إلى موقف بطولي ومزيد من التقشف والبساطة والعفّة والتواضع. نحن ملزَمون بالحفاظ على روح الرهبنة الأرثوذكسية دون مغالطة، نابضةً بالحياة ونقية مهما كان الثمن علينا. نحن مدعوون إلى التدرّب على صبر الأجيال السابقة من الشيوخ.

إن روعة كنيستنا هي في أنها تواصِل إنتاج القديسين حتى يومنا هذا. سيحتاج العالم إلى قداسة أكبر بكثير في القرن الحادي والعشرين. اعتاد الشيخ بايسيوس الأثوسي أن يقول إنه ببساطة لم يكن مسموحًا لنا بالفشل في الحفاظ على الرهبنة كما هي. القداسة ليست حلماً منسياً ولا أملاً باطلاً. إن “الحياة الصالحة”، والدهرية، والتراخي تعيق نمو شجرة القداسة. روح التمتع السائدة اليوم، التسرّع، العمل بلا جهد ولا كدح، والاستهتار تحرم القداسة.

القداسة هي غرض الحياة. القداسة هي الأمنية الرئيسية. إن التقرّب من القداسة يجلب السلام والفرح والرصانة والصبر وضبط النفس وهبة النعمة. إن قائمة القديسين الجدد تنمو في القرن الحادي والعشرين. أحيانًا تكون القداسة مخفية حيث لا تتوقعها، في المدن والقرى، وليس فقط في الجبل المقدس. الرهبنة تزدهر اليوم. يحدونا الأمل في أن تستمر في إنتاج القديسين سالكة طريق التقليد. اعتاد القديس ستيليانوس الأثوسي أن يقول مستنداً على تجربته الخاصة: “الرب يحبنا حتى التخمة، وبالصلاة يجعلنا مستحقين للتحدث معه والتوبة وتمجيده. لا أستطيع أن أصف كم يحبنا الرب. بالروح القدس يتمّ التعرف على هذه المحبة وروح الشخص المصلّي تتعرّف على الروح القدس …

من رسالة إلى نقولا رانغوس (حول الوضع الكنسي)

القديس (الجديد*) دانيال الكاتوناكي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الثالث من تشرين الثاني، 1926

أحزن كثيرا إذ أتذكر جيل اليوم، كيف بسبب خطايانا سمح الله للشيطان الماكر أن يجد قبضة على جانبين.

من جهة، الرؤساء الذن يقودون كنيستنا، بدلاً من الدفاع عن التقاليد الورعة، يدخِلون ابتكارات وابتداعات؛ بينما من الجهة الأخرى، فإن الأتقياء والمؤمنين، بدلاً من الكتابة بتمييز كبير وبروح من السلام في التعبير عن آرائهم، يحقّرون الرئاسات ويستجمعون كل ما حرّمه الآباء القديسون، لكيما قدر الإمكان يحطون من قدر الرؤساء الآثمين؛ وفي هذا هم يسترضون الناس، وبدلاً من الإفادة يتضرر الجانبان.

لا أشك في أن دراسة أ.ف. قد وصلتكم، وفيها يدحض المجلس الجديد، لكن بلغة مسيئة، لم يستعمل مثلها أي من الآباء القديسين حتى ضد أعظم الهراطقة.

ستشكل دراستي المتواضعة أكبر ضربة بشكل جوهري، موجهة لهؤلاء المبتكرين ابتداءً من ف. ، لأنه سيُعزى إليه الهيجان والعاطفة، ناهيك عن الأنانية، ولكن سوف يكون ثابتاً أن الكنيسة نفسها تتحدث، قالبةً المراجعات التي يعتزم أولئك الراغبون بالمجلس الجديد القيام بها.

* تمّ وصف القديس بالجديد لأن قداسته قد أعلنها البطريرك المسكوني في العشرين من تشرين الأول 2019، أثناء زيارته للجبل المقدس.

مَن هو القديس الجديد دانيال الكاتوناكي؟

هو ديمتريوس المولود في إزمير سنة 1846. منذ صباه كان متميزاً وقد حفظ الفيلوكاليا عن ظهر قلب في مراهقته. التقى القديس أرسانيوس باروس في جزيرته وباركه وأرسله إلى دير القديس بندلايمون في أثوس. هناك صار راهباً باسم دانيال. لاحقاً انتقل إلى دير الفاتوبيذي وبقي لعشر سنوات يعاني من إلتهاب الكلىى إلى أن شُفي عجائبياً في 31 آب أثناء احتفال الدير بعيد وضع زنار والدة الإله. من ثم انتقل إلى كاتوناكيا حيث قضى تقريباً ثلاث سنوات لوحده ومن ثم جاءه طلاب، من سنة 1883، حتى تكونت أخويته. طُلب منه التسقف لكنه رفض مصراً على عدم أهليته.

تمتع الشيخ دانيال بموهبة المشورة الروحية والتعزية في الأحزان. لقد حمى أو شفى من العديد من الرهبان والعلمانيين من الخطأ. ربطته بالقديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس صداقة قوية، كما تبادل الكثير من الرسائل مع القديس فيلوثايوس زرفاكوس وغيره من رهبان دير لونغوفاردا في جزيرة باروس. ساهمت هذه الرسائل في حماية الرهبان من الوقوع في هرطقات اللاهوتي ماكراكيس. كتب حوالي المئتي رسالة إلى الأم ثيوذوسيا في جزيرة تينوس.

في أيلول 1929 أصيب الشيخ بالرشح. عرف مسبقاً موعد رقاده فطلب المناولة المقدسة. في الثامن من أيلول (21 بحسب التقويم المتّبع)، أي في عيد ميلاد السيدة العذراء. بعد القداس الإلهي والمناولة أقيمت له صلاة مسحة الزيت للمدنَف ومن ثم أسلم الروح.

From Contemporary Ascetics of the Holy Mountain vol 1

الشيخ دانيال الكاتوناكي (1846-1929)

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان الشيخ دانيال من سميرنا زهرة مقدسة عطرة من إيونيا أرض الشهداء. جلب عطره الفرح للكثيرين، عندما زُرع في حديقة السيدة، إلى جانب ثمار فضائله. هو نجل أبوين شديدي الإخلاص، درس الكتاب المقدس والفيلوكاليا، وتخرج بامتياز من مدرسة سميرنا الإنجيلية. بعد سجوده في الأديرة والكنائس في البيلوبونيز وجزر بحر إيجة، وبناءً على طلب البارّ أرسانيوس (1800-1877) في باروس ، دخل دير القديس بندلايمون في جبل أثوس.

تميزت فترة اختباره بطاعته الثابتة والطوعية. عند سيامته سُمّي دانيال بدلاً من ديميتريوس. سرعان ما عُرِف لمهاراته وأصبح أمينًا للدير الذي كان يضم 250 راهبًا. بسبب الاختلافات بين اليونان والروس، قَبِل النفي الذي أحزنه وأغمّه. استضافه دير القديسة أناستاسيا في فاسيليكا في خالكيديكي لمدة ستة أشهر، وهناك كان مصدر فائدة للآباء. ثم عاش في دير فاتوبيذي خمس سنوات، حيث شفي من مرض إلتهاب الكلىى الشديد. لقد أحب والدة الإله كثيراً طوال حياته. أخيرًا ، ذهب إلى كاتوناكيا الرائعة. هناك أسس منسكاً للآباء الأثينيين الموقرين. بعد سنوات قليلة، جمع أخوية صغيرة. لقد أرشدهم بالفيلوكاليا التي درسها وحفظها بثبات.

ساعدته فضيلته وحكمته وصلواته وتواضعه ودراسته وتجربته في تحديد المغالطات وتصحيح أولئك الواقعين في الضلالة وعلاج الذين يضربهم الشيطان وإعادة مؤيدي ماكراكيس إلى طريق الآباء القديسين. أتباع ماكراكيس آمنوا بالتركيب الثلاثي للإنسان.

لقد ساعد الرهبان الواقعين في تجارب شديدة وكانوا ممتنين له. المرضى والمكتئبون والحزانى والمحبَطون والمضطربون وجدوا العزاء والأمل في كلماته ورسائله. حتّى أنه هو نفسه ترك منسكه من أجل المصالحة بين الإخوة.

رسائله غنية إلى الرهبان والراهبات والإكليروس من كل الدرجات والمعلمين والأشخاص الذين يعانون من صعوبات مختلفة. كان على علاقة روحية بالمؤلف ألكساندروس مورايتيدس، المعروف لاحقًا باسم الراهب أندرونيكوس، الذي وصفه بأنه “ليس جباراً متعدد الأغراض ومتعدد الألوان، بل راهب كثير التعب”، يقدّم كحلوى “كلمات تقطّر الحلاوة السماوية”. وقال أيضًا: “عندما جئت إلى الجبل المقدس، ظننت أنني لمست الله، لكن عندما قابلت الشيخ دانيال، أدركت كم هو بعيد عني”.

نشأت بين الشيخ دانيال القديس نكتاريوس (1846-1920) معرفة هامة وصداقة ومراسلات. كتب القديس له بكل تواضع عن راهباته: “هذه الرسالة، التي يمليها التطبيق العملي والنظري(theoria)، هي بالنسبة لهن، كونهن محرومات من هذا التعليم الحي، فرحة روحية ودعم روحي حقيقي”.

بالإضافة إلى رسائله الكثيرة، فإن ثمار حكمته هي ما يقرب من سبعين عملاً حول المسائل الروحية الخطيرة، وخاصةً الروحية ذات التركيبة المعادية للهراطقة. على مدار خمسين عامًا في كاتوناكيا مع كلماته وكتاباته وشروحاته، اشاد بيتًا نبيهاً (famous) للفضيلة ورسم الأيقونات والكتابة والموسيقى والضيافة. كان بابه مفتوحًا دائمًا للجميع كي يجدوا الراحة. لقد صار طبيباً ومرشدًا ومحررًا للأشخاص المتألمين أو الواقعين في الخطأ أو المضطربين أو الواقعين في الضيق. تعب للحفاظ على يقظته طوال الليل لكتابة الرسائل والدراسة لدعم إخوته وتنويرهم.

كانت أعظم سعادة في حياته عندما غادر الأرض في يوم عيد ميلاد والدة الإله المحبوبة. بعد القداس الإلهي والمسحة بالزيت المقدس، ارتسم الفرح بوضوح على وجهه. ختم حياته بمحبته الحارة لوالدة الإله، والتي هي سمة من سمات جميع الأثوسيين الأبرار. ما لا شك فيه أن الشيخ دانيال كان دليلاً مستنيراً وصاحب تمييز بكلماته وأعماله، “ممتلئاً من الروح القدس”. فلتكن صلواته معنا.

إن جمجمته محفوظة بتوقير في علبة خشبية وقد اكتسب لوناً أصفراً بنياً. لقد تبركنا به في الذكرى الثمانين لرقاده المبارك (2009).