التعليم الديني المطوّل – 2

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص ـ

ـ25ـ متى تمّت كتابة الكتب المقدسة؟

في أوقات مختلفة: بعضها قبل ولادة المسيح ، والبعض الآخر بعدهاـ

ـ26ـ أليس لكل من قسمي الكتب المقدسة أسماءه الخاصة؟

نعم لكل منهما أسماؤه. الكتب التي كُتبَت قبل ميلاد المسيح تُدعى كتب العهد القديم، بينما يُطلق على التي كُتبت بعد الميلاد كتب العهد الجديد

ـ27ـ ما هما العهدان القديم والجديد؟

بعبارة أخرى، عهدا الله، القديم والجديد، مع البشر

ـ28ـ مما يتكوّن العهد القديم؟

من أن الله وعد البشر بمخلص إلهي وأعدّهم لاستقباله

ـ29ـ كيف أعدّ الله البشر لاستقبال المخلّص؟

بالكشف التدريجي، بالنبوءات والنماذج

ـ30ـ مما يتألّف العهد الجديد؟

من أن الله أعطى البشر مخلصاً إلهياً، ابنه المولود الوحيد يسوع المسيح

ـ31ـ كم هي كتب العهد القديم؟

القديسون كيرللس الأورشليمي وأثناسيوس الكبير ويوحنا الدمشقي يحصون اثنين وعشرين، متفقين بذلك مع اليهود الذين يحصونها كذلك في اللغة العبرية

(Athanas. Ep. xxxix. De Test.; J. Damasc. Theol. lib. iv. c. 17)

ـ32ـ لمَ علينا أن نحافظ على تعداد العبرانيين؟

لأنهم اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (روما 2:3) كما يقول الرسول بولس، فالكتب المقدسة تسلّمتها كنيسة العهد الجديد من كنيسة العهد القديم العبرانية

ـ33ـ كيف رقّم القديسان كيرللس وأثناسيوس كتب العهد القديم؟

على النحو التالي: 1، كتاب التكوين ؛ 2، الخروج ؛ 3، اللاويين ؛ 4، كتاب العدد؛ 5، تثنية. 6، يشوع بن نون ؛ 7، القضاة، ومعه، كملحق، كتاب راعوث ؛ 8، الملوك الأول والثاني، كجزئين لكتاب واحد (يُعرَف أيضاً بصموئيل: المترجم) ؛ 9، والملوك الثالث والرابع. 10، أخبار الأيام الأول والثاني. 11، والكتاب الأول من عزرا، والثاني، أو، كما هو الحال في اليونانية، وكتاب نحميا ؛ 12، استير. 13، أيوب ؛ 14 المزامير. 15 امثال سليمان. 16، الجامعة، وهو كذلك لسليمان ؛ 17، نشيد الأنشاد لسليمان أيضاً. 18، النبي أشعياء ؛ 19 ارميا. 20 حزقيال. 21 دانيال. 22، الأنبياء الاثني عشر

ـ34ـ لماذا لا يُلحَظ في تعداد كتب العهد القديم هذا كتاب حكمة ابن سيراخ ، وبعض الآخرين؟

لأنها غير موجودة في العبرية

ـ35ـ كيف نعتبر هذه الكتب المذكورة أعلاه؟

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه قد تم تعيينها من الآباء ليقرأها الموعوظون الذين يستعدون للقبول في الكنيسة

ـ36ـ هل هناك أي تقسيم لكتب العهد القديم يمكنك من خلالها تقديم سرد أكثر وضوحاً لمحتوياتها؟

يمكن تقسيمها إلى الأقسام الأربعة التالية:ـ

كتب الناموس، والتي تشكّل أساس العهد القديم

الكتب التاريخية وتحتوي بشكل أساسي تاريخ الجماعة

العقائد، وتحتوي على عقيدة الدين

النبوية، التي تضمّ النبوءات، أو تنبؤات بالأشياء المستقبلية، وخاصة عن يسوع المسيح

ـ37ـ ما هي كتب الناموس؟

الكتب الخمسة التي كتبها موسى: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. يسوع المسيح نفسه يعطي هذه الكتب الاسم الشامل ’ناموس موسى’ (أنظر لوقا 44:24)

ـ38ـ على وجه الخصوص، ماذا يرِد في سفر التكوين؟

رواية خلق العالم والإنسان وبعده تاريخ ومراسيم الدين في العصور الأولى للبشرية

ـ39ـ ما الذي يرِد في الكتب الأربعة الأخرى لموسى؟

تاريخ المعتَقَد في زمن النبي موسى، والشريعة المعطاة من الله من خلاله

ـ40ـ أيٌّ هي الكتب التاريخية في العهد القديم؟

كتب يشوع بن نون، القضاة، راعوث، الملوك، الأخبار، كتاب عزرا، وكتاب نحميا وإستير

ـ41ـ أي منها هي العقائدية؟

كتب ايوب والمزامير وكتب سليمان

ـ42ـ أية خصوصية ينبغي أن نلاحظها لكتاب المزامير؟

يحتوي هذا الكتاب، بالإضافة إلى العقيدة، تلميحات لتاريخه والعديد من نبوءات المسيح المخلّص. إنه دليل مثالي للصلاة والمديح، وعلى هذا الأساس يُستخدَم باستمرار في الخدم الكنسية

ـ43ـ ما هي الكتب النبوية؟

كتب الأنبياء: إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، والاثني عشر الآخرين

ـ44ـ كم هي كتب العهد الجديد؟

سبعٌ وعشرون

ـ45ـ هل من بينها كتب تردّ على الناموس، أو تشكّل أساس العهد الجديد؟

نعم. الإنجيل، الذي يتكوّن من أربعة كتب للإنجيليين متى، مرقس، لوقا، ويوحنا

ـ46ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

هو نفس كلمة Evangely اليونانية، وتعني الخبر الحسن أو البهيج

ـ47ـ ما هو الخبر الحسن في الكتب المسماة الإنجيل؟

إنه الخبر عن ألوهية ربنا يسوع المسيح، عن مجيئه وحياته على الأرض، عن معجزاته وعقيدة الخلاص، وأخيراً عن موته على الصليب، قيامته المجيدة، وصعوده إلى السماء

ـ48ـ لماذا تسمى هذه الكتب الإنجيل؟

لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون خبر أفضل أو أكثر بهجة من هذه، عن المخلص الإلهي والخلاص الأبدي. لنفس السبب، قراءة الإنجيل في الكنيسة مسبوقة دائماً ومُرافقة بالإعلان البهِج المجد لك، يا رب المجد لك

ـ49ـ هل بين كتب العهد الجديد كتب تاريخية؟

نعم، واحد: كتاب أعمال الرسل القديسين

ـ50ـ عمَّ يحكي؟

عن نزول الروح القدس على الرسل وتوسّع كنيسة المسيح من خلالهم

ـ51ـ ما هو الرسول؟

كلمة تعني حامل الرسالة. إنه الاسم الذي يطلق على تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين أرسلهم للتبشير بالإنجيل

ـ52ـ ما هي كتب العهد الجديد العقائدية؟

الرسائل السبع العامة: وهي واحدة من الرسول يعقوب، واثنتان من بطرس، وثلاثة من يوحنا وواحدة من يهوذا؛ وأربع عشر رسالة لبولس الرسول: وهي واحدة للرومانيين، واثنتان إلى أهل كورنثوس، وواحدة إلى أهل غلاطية، وواحدة إلى أفسس، وواحدة إلى أهل فيلبي، وواحدة إلى أهل كولوسي، واثنتان إلى أهل تسالونيكي، وواحدة إلى تيموثاوس، وأخرى إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون، وواحدة إلى العبرانيين

ـ53ـ أبينَ كتب العهد الجديد كتب نبوية؟

نعم إنه كتاب الرؤيا

ـ54ـ ماذا تعني هذه كلمة الرؤيا؟

إنها من اليونانية Apocalypse

ـ55ـ ما هي محتويات هذا الكتاب؟

تمثيل سري لمستقبل الكنيسة المسيحية، وكل العالم

ـ56ـ ما هي القواعد التي يجب مراعاتها في قراءة الكتاب المقدس؟

أولاً ، يجب أن نقرأه بإخلاص ككلمة الله والصلاة لفهمه بشكل صحيح؛ ثانياً، يجب أن نقرأه برغبة صافية في تعلّم الإيمان، والحثّ على الأعمال الصالحة؛ ثالثًا، يجب علينا أن نفهمه ونقبله بما يتوافق مع تفسير الكنيسة الأرثوذكسية والآباء القديسين

ـ57ـ عندما تقدّم الكنيسة عقيدة الوحي الإلهي والكتاب المقدس للناس لأول مرة، ما هي العلامات التي تقدمها على أنه حقاً كلمة الله؟

العلامات على أنه كلمة الله هي ما يلي:ـ

ـ1ـ سمو العقيدة ما يشهد على استحالة أن يكون اختراعاً بشرياً

ـ2ـ طهارة الإيمان ما يدلّ على أنه من فكر الله الكلي الطهارة

ـ3ـ النبوءات

ـ4ـ المعجزات

ـ5ـ تأثير العقيدة القوي على قلوب الناس بما يتخطى الكلّ ما عدا القوة الإلهية

ـ58ـ كيف تكون النبوءات علامات وحي حقيقي من الله؟

لنأخذ مثلاً : عندما تنبأ النبي أشعياء عن ولادة المخلص المسيح من عذراء، وهي شيء لم يكن ممكناً أن يتخيّله العقل الطبيعي، وعندما ولد ربنا يسوع المسيح بعد هذه النبوة بمئات من السنوات من مريم العذراء الفائقة الطهارة، كان من المستحيل عدم رؤية أن النبوة كانت كلمة الكلي المعرفة، وإتمامها هو عمل الله العظيم. ولهذا السبب أيضًا، يقدم متى الإنجيلي القديس هذه النبوءة عندما يروي عن ميلاد المسيح: “وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (متى 22:1-23)

ـ59ـ ما هي المعجزات؟

أعمال لا يمكن إتمامها بأي قوة أو فن بشري، بل فقط بقوة الله الفائقة: مثلاً إقامة الأموات

ـ60ـ كيف تعمل المعجزات كإشارة إلى أن الكلمة المنطوقة هي من الله؟

من يصنع المعجزات الحقيقية يعمل بقوة الله. وبالتالي فهو من الله ومشارك في الروح الإلهي. لكن هذا الانتماء يعني قول الحقيقة الخالصة فقط؛ وهكذا، عندما يتكلّم مثل هذا الرجل باسم الله، نحن على يقين من أن بفمه يتكلّم حقًا كلمة الله

على هذا الأساس ، يجترح ربنا يسوع المسيح نفسه المعجزات كشهادة قوية على رسالته الإلهية: “الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يوحنا 36:5)

ـ61ـ أين يمكن أن نرى بشكل خاص التأثير العظيم لعقيدة المسيح؟

من هذا: الرسل الاثنا عشر، المختارين من بين الفقراء والناس غير المتعلمين، من الطبقة الدنيا، تغلبوا بهذا الإيمان وأخضعوا للمسيح الأقوياء والحكماء والأغنياء والملوك وممالكهم

الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي – 2

الميتروبوليت كاليستوس وير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

الكتاب هو مقابلة أجراها مايكل وكاتينا ميخائيل في اوكسفورد، بريطانيا، في 20 تشرين الأول 2014. بعد تفريغها راجعها الميتروبوليت ووافق على صدورها في كتاب في 18 تشرين الأول 2016. الأسئلة أعدها مايكل ميخائيل وهو استاذ مشارك في قسم الكومبيوتر وتكنولوجيا المعلومات من جامعة وولونغونغ في أوستراليا وحائز على عدد من الشهادات ومن بينها اللاهوت. كاتينا هي زوجته وهي أستاذة في كلية الهندسة في الجامعة نفسها. لكل منهما، كما لهما مجتمعَين، عدد من الكتب والمقالات في عدة حقول

ب. الإبداع والابتكار والتقدم التكنولوجي

كيف يمكننا أن نفهم فكرة أننا مخلوقون على صورة ومثالالله في السعي إلى أعلى مستويات ومسارات التكنولوجيا؟

لا يوجد تفسير وحيد في التقليد المسيحي لما هو المقصود بخلق الإنسان حسب صورة الله ومثاله. لكن النهج الواسع الانتشار، الموجود على سبيل المثال بين العديد من الآباء اليونانيين، هو التمييز بين هذين المصطلحين. تشير الصورة في هذه المقاربة إلى المَلَكات البشرية الأساسية التي تُعطى لنا؛ تلك الأشياء التي تجعلنا مخلوقات بشرية، والقدرات الممنوحة لكل إنسان. الصورة على ما هي عليه، نقطة انطلاقنا، العتاد الأول الممنوح للجميع. ينظر إلى الشبه كنقطة النهاية. المثال يعني أن الإنسان في شركة مع الله، يعيش حياة قداسة. المثال يعني القداسة. الإنسان الحقيقي في هذا النهج هو القديس. فعليه، نحن البشر مسافرون، حجاج، في رحلة من الصورة إلى المثال. يجب أن نفكر في الطبيعة البشرية بعبارات ديناميكية. عنصر النمو أساسي لشخصيتنا. إذن الآن، الصورة تعني أننا نملك قوة التفكير العقلاني، قوة الكلام، التعبير باللغة التي من خلالها يمكننا التواصل مع الآخرين؛ وهذا يعني العقل بالمعنى الأوسع. والأهم من ذلك، أنه يعني أننا بشر ذوو ضمير وشعور بالصواب أو الخطأ، وبأننا نتخذ قرارات أخلاقية. الأهم من ذلك كله هو أن الصورة تعني أننا بشر لدينا وعي بالله وإمكانية الارتباط بالله والدخول في شركة معه من خلال الصلاة. وهذا بالنسبة لي هو المعنى الأساسي للصورة، أننا البشر مخلوقون للتواصل مع الله. هناك اتجاه وتوجّه في إنسانيتنا. نحن لسنا أحرار وحسب. الكائن البشري من دون أي علاقة بالله ليس إنسانًا حقيقيًا. بدون الله نحن مجرد إناس ثانويين. إذاً، الصورة تعطينا القدرة على أن نكون في شركة مع الله، وهذه هي طبيعتنا الحقيقية. لقد خُلقنا للعيش في الصحبة والتواصل مع الله الخالق. لذا فإن الصورة تعني أنك لا تستطيع أن تفكر في البشر ببساطة بمعزل، باعتبارهم مكتفين ذاتياً ومعتمدين على الذات، بل عليك أن تنظر إلى علاقتنا مع الله. عندها فقط سوف تفهم ما هو أن تكون إنساناً

ما هي النقطة التي قد تجعل اللاهوتيين أو الأخلاقيين يعتبرون أننا قد عبرنا الخط من الابتكار المسؤول والبحث العلمي إلى الاستعلائية؟

كلاهوتي مسيحي، لا أرغب في فرض قيود على البحث العلمي، كما من سلطة أعلى. كما ذكرت سابقًا، لقد منحنا الله القدرة على فهم العالم من حولنا. كل الحقيقة تأتي منه. المسيح حاضر في البحث العلمي، حتى لو لم يرد ذكر اسمه. لذلك، أنا لا أسعى بطريقة نظرية لأقول للعالِم: إلى هنا وليس أكثر. على العالِم، باستخدام طرق البحث التي طورها، أن يواصل عمله دون عوائق. لا يمكن للمرء أن يضع حظراً على النظر في أي موضوع. ولكن هنا يرِد السؤال التالي: كيف نطبّق معرفتنا العلمية؟ الإستعلائية تأتي عندما يتجاوز العلماء نظامهم الخاص ويحاولون أن يُملوا علينا كيف نعيش حياتنا. لا تعتمد الأخلاقية على الحقائق العلمية فقط. نحن نأخذ قيمنا، إذا كنا مسيحيين، من إيماننا. العلم الحديث هو تحقيق صادق في الحقيقة. طالما هذا هو الحال، فعلينا أن نقول للعالِم: رجاءً واصل عملك. أنت لا تتحدث عن الله، لكن الله موجود في ما تفعله، سواء أدركتَ ذلك أم لا. يأتي الاستعلاء عندما يعتقد العالِم أنه يستطيع الإجابة على جميع الأسئلة المتعلقة بحياة الإنسان. تأتي العجرفة عندما نعتقد أنه يمكننا ببساطة تطوير تقنيتنا دون التساؤل: هل هذا تطبيق جيد أو سيئ للعلوم؟

هل هناك أي صلة لقصة برج بابل (التكوين 11: 1-9) المعروفة بإشارتها المزدوجة إلى الاستعلاءوالهندسة؟

نعم، هذه طريقة ممتعة للنظر إلى قصة برج بابل. قصة برج بابل هي في الأساس وسيلة لمحاولة فهم سبب كوننا نحن البشر نتحدث العديد من اللغات المختلفة ونجد صعوبة في التواصل مع بعضنا البعض. لكن أساس قصة بابل هو بالضبط الإفراط في الثقة بقوتنا البشرية. في قصة برج بابل، يعتقد الناس أن بإمكانهم بناء برج يمتد من الأرض إلى السماء. يعتقدون أنهم يستطيعون سد الفجوة بين الإنساني والإلهي بقوة الهندسة. وهذا بالضبط هو أن نعزو إلى التكنولوجيا، إلى مَلَكَة الهندسة عندنا، ما هو خارج نطاق التكنولوجيا ويتخطّى الهندسة. بمجرد أن تنتقل من عالم الواقع الفعلي إلى عالم السماء، فأنت تنتقل إلى عالم مختلف حيث لا نعود نعتمد ببساطة على قدراتنا البحثية ولا على أهليّتنا لتطبيق العلم. لهذا، بالضبط، قصة برج بابل هي قصة اعتقاد البشر بأن قوتهم غير محدودة، وبخاصة قوة غير محدودة لتوحيد الأرضي مع السماوي، في حين أن هذه الوحدة لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الاعتراف باعتمادنا على الله

إذا كنا نحمل بذرة عبقرية الله الخلاّقة في داخلنا، فلماذا لا نستطيع أو لا ينبغي أن نكتشف ونبتكر، ونذهب إلى آخر ما هو ممكن بشريًا في الابتكار؟

نعم ، نحن نحمل بذرة عبقرية الله الخلاقة في داخلنا، لكن من وجهة النظر المسيحية للعالم نحن البشر مخلوقون ونعيش في عالم ساقط. الآن، كيف يمكن تفسير السقوط في التقاليد المسيحية يمكن أن تختلف، ولكن أساس كل أشكال فهم السقوط هي فكرة أن العالم الذي نعيش فيه قد وقع في الخطأ بطريقة أو بأخرى. هناك تباين مأساوي بين هدف الله ووضعنا الحالي. لذلك، كبشر ساقطين علينا أن نقدّم مشاريعنا لحكم الله. علينا أن نسأل، ليس ما إذا كان هذا ممكنًا وحسب، بل أيضًا ما إذا كان هذا وفقًا لإرادة الله. من الواضح أن هذا ليس مسألة علمية أو تكنولوجية. المسألة ليست ما هو ممكن بل ما هو صحيح. بالطبع، صحيح أن كثيرين لا يؤمنون بالله، وبالتالي لن يقبلوا ما قلته للتو بأنّ هذا العالم ساقط. ومع ذلك، فهم أيضًا، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالله، عليهم التعاطي مع العلم والتكنولوجيا بتطبيق فهمٍ أخلاقي. آمل أن يفعلوا ذلك من خلال التفكير في معنى ما يجب أن يكون عليه الإنسان، وعلى قيمة الشخصانية. وأعتقد أنه في هذا المجال، يستطيع المسيحيون وغير المسيحيين، المؤمنون وغير المؤمنين، إيجاد قدر كبير من الأرضية المشتركة. في الوقت نفسه، لا يمكننا أن نفهم تمامًا حدودنا كبشر ساقطين دون الرجوع إلى إيماننا. لذا فإن التعاون مع غير المؤمن يمتد فقط إلى درجة محدودة معينة

التعليم الديني المطوّل

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم

القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

ـ1ـ ما هو التعليم الديني الأرثوذكسي؟

التعليم الديني الأرثوذكسي هو تعليم عن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، ينبغي تعليمه لكل مسيحي، لتأهيله لأن يرضي الرب ويخلّص نفسه

ـ2ـ ما معنى كلمة تعليم ديني (Catechism)؟

إنها كلمة يونانية ، تعني التعليم، أو التوجيه الشفهي، وقد كانت قيد الاستعمال منذ زمان الرسل للإشارة إلى أن التعليم الأساسي في الإيمان الأرثوذكسي ضروري لكل مسيحي (لوقا 4:1، أعمال 25:18)

ـ3ـ ما هو الضروري لإرضاء الله وخلاص النفس؟

في المقام الأول، معرفة الإله الحقيقي والإيمان الصحيح به؛ في المقام الثاني، حياةٌ وفقًا للإيمان، وأعمال صالحة

ـ4ـ لماذا الإيمان ضروري في المقام الأول؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، من دون الإيمان يستحيل إرضاء الله (عبرانيين 6:6)

ـ5ـ لماذا يجب أن تكون الحياة وفقًا للإيمان، والأعمال الصالحة منفصلة عن هذا الإيمان؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، فإن الإيمان بدون أعمال ميت (يعقوب 20:2)

ـ6ـ ما هو الإيمان؟

بحسب تعريف القديس بولس، الإيمان هو الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عبرانيين 1:11) ؛ وهذا يعني، الثقة في الغيب كما لو كان قد شوهد، بينما الثقة في ما يؤمل وينتظر كما لو كان حاضرًا

ـ7ـ ما هو الفرق بين المعرفة والإيمان؟

تعمل المعرفة على أشياء مرئية ومفهومة. الإيمان يعمل على الأشياء غير المرئية وحتى غير المفهومة. تستند المعرفة إلى الخبرة وإلى فحص موضوعها؛ لكن يستند الإيمان إلى تصديق شهادة الحقيقة. المعرفة تنتمي بشكل صحيح إلى العقل، رغم أنها قد تعمل أيضًا على القلب؛ ينتمي الإيمان أساسًا إلى القلب، على الرغم من أنه ينتقل عبر العقل

ـ8ـ لماذا الإيمان ضروري للتعليم الديني وليس المعرفة فقط؟

لأن الهدف الرئيسي من هذا التعليم هو أن الله غير مرئي وغير مفهوم، وأن حكمة الله مخبأة في لغز؛ وبالتالي، أجزاء كثيرة من هذا التعليم لا يمكن قبولها بالمعرفة، ولكن قد يتم تلقيها بالإيمان. الإيمان، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي، هو العين التي تنير ضمير كل إنسان؛ إنه يعطي الرجل المعرفة. لأنه، كما يقول النبي، إذا لم تصدقوا فلن تفهموا (إشعياء 9:7)

ـ9ـ هل يمكن الاستفاضة في توضيح ضرورة الإيمان؟

القديس كيرلس يوضح ذلك: الإيمان ليس شيئًا عظيمًا فقط بيننا نحن الذين سمعوا باسم المسيح؛ لكن كل شيء يجري في العالم، حتى من البشر الذين لا صلة لهم بالكنيسة، يتمّ بالإيمان. الزراعة تأسست على الإيمان. لأن من لا يؤمن بأن عليه أن يجمع من ثمار الأرض لا يأخذ على عاتقه أعمال الزراعة. البحارة يقودهم الإيمان عندما يسلّمون مصيرهم إلى لوح طفيف، ويفضّلون المياه غير المستقرة على الأرض الأكثر استقرارًا. إنهم لا يسلّمون أنفسهم لتوقعات غامضة، ولا يحتفظون لأنفسهم إلا بالإيمان الذي يثقون به أكثر من أي مرساة. (العظة الخامسة)

حول الإعلان الإلهي

ـ10ـ من أين تُستمّد عقيدة الإيمان الأرثوذكسي؟

من الإعلان الإلهي

ـ11ـ ماذا يُقصَد بعبارة الإعلان الإلهي؟

هي ما أعلنه الله بذاته للبشر، لكي يؤمنوا به عن حق وللخلاص ولكي يمجّدوه كما يليق

ـ12ـ هل أعطى الله هذا الإعلان لكل البشر؟

لقد أعطاه للجميع، لكونه ضروري للجميع على السواء وقادر على جلب الخلاص للجميع. لكن، لكون البشر ليسوا جميعاً مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله، فقد اعتمد على أشخاص محددين كمذيعين لإعلانه، ليبلّغوه إلى كل الذين يرغبون بتلقّيه

ـ13ـ لماذا ليس جميع البشر مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله؟

بسبب تلوثهم الآثم وضعفهم في الجسد والنفس معاً

ـ14ـ مَن هم مذيعو الإعلان الإلهي؟

آدم، نوح، موسى وغيرهم من الأنبياء تلقّوا وكرزوا ببدايات الإعلان الإلهي؛ لكن ابن الله المتجسّد، ربنا يسوع المسيح، هو مَن أنزل الإعلان إلى الأرض بملئه وكماله، ونشرَه في كل العالم بتلاميذه ورسله

يقول الرسول بولس في بداية الرسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)

والرسول نفسه يكتب ما يلي في الرسالة إلى الكورنثيين: ” بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ… فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. (1كورنثوس 7:2-8، 10).

ويكتب الإنجيلي يوحنا في إنجيله: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18:1)

ويسوع المسيح نفسه يقول: ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.” (متى 27:11)

ـ15ـ ألا يستطيع الإنسان من ثمّ أن يمتلك أي معرفة لله من دون إعلان خاص منه؟

قد يحصّل الإنسان بعض المعرفة لله من معاينة الأشياء التي خلقها لكن هذه المعرفة غير كاملة ولا كافية ولا يمكن أن تخدم إلا للتهيئة للإيمان، أو كمساعدة نحو معرفة الله من إعلانه

“لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رومية 20:1)

“وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 26:17-28)

في ما يتعلّق بالإيمان بالله، فيسبقه فكرة أن الله كائن، وهي فكرة نكوّنها من الأشياء المخلوقة. عند دراسة خلق العالم بِانْتِباه، ندرك أن الله حكيم وقوي وصالح؛ كما أننا ندرك أيضًاً صفاته غير المرئية. عِبر هذه الوسائل، نُقاد إلى الاعتراف به على أنه الحاكم العليّ. إذ نرى أن الله هو خالق العالم كله، ونحن جزء من العالم، فهذا يعني أن الله هو خالقنا أيضًا. على هذه المعرفة يتبع الإيمان، وعلى الإيمان العبادة. (القديس باسيليوس الكبير، الرسالة 232)

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ16ـ كيف ينتشر الإعلان الإلهي بين البشر ويُحفَظ في الكنيسة الحقيقية؟

عبر قناتين: التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ17ـ ماذا يُقصد بالتقليد الشريف؟

إن التقليد الشريف هو إسم يشير إلى عقيدة الإيمان، ناموس الله، الأسرار، والطقوس كما تسلّمها المؤمنون الحقيقيون ومتعبّدو الله بالكلمة والمثال الواحد من الآخر، ومن جيل إلى جيل

ـ18ـ هل يوجد أي مستودع للتقليد الشريف؟

إن المؤمنين جميعاً متّحدين في تقليد الإيمان الشريف، جمعياً وبالتتابع، بمشيثئة الله يؤلّفون الكنيسة، وهي المستودع الأكيد للتقليد الشريف أو كما يعبّر القديس بولس “كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تيموثاوس 15:3)

وهكذا يكتب القديس إيرينايوس: يجب ألا نطلب الحقيقة من بين أمور أخرى نطلبها من الكنيسة؛ لأن فيها، كما في خزانة كنز غني، وضع الرسل في ملئها كلّ ما يتعلق بالحقيقة، حتى كل مَن يسعى يتمكن من الحصول منها على طعام الحياة. إنها باب الحياة

(ضد الهراطقة، lib. iii. c. 4.)

ـ19ـ ما الذي نسمّيه الكتاب المقدس؟

بعض الكتب المكتوبة بالروح القدس عبر البشر المتقدّسين بالله، المسمّين أنبياء ورسل. هذه الكتب تُسمّى على نحو مشترك الإنجيل

ـ20ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

إنها كلمة يونانية، وتعني الكتب. يشير الاسم إلى الكتب المقدسة تستحق الاهتمام أكثر من غيرها

ـ21ـ أيّ هو الأقدم: التقليد الشريف أو الكتاب المقدس؟

أقدم وأول وسيلة لنشر الإعلان الإلهي هو التقليد الشريف. منذ آدم إلى موسى لم يكن هناك كتب مقدسة. ربنا يسوع المسيح نفسه أوصَل عقيدته الإلهية ووصاياه إلى رسله بالكلمة والمثال، وليس بالكتابة. الطريقة نفسها اتّبعها الرسل الذين في البداية نشروا الإيمان في كل اتجاه وأسسوا كنيسة المسيح. ضرورة التقليد تتضح أكثر من هنا، حيث لا يمكن إتاحة الكتب إلا لجزء صغير من الجنس البشري، ولكن التقليد هو للجميع

ـ22ـ لماذا إذاً ومتى أعطي الكتاب المقدس؟

لهذه الغاية، حتى يُحفَظ الإعلان الإلهي وبشكل دقيق وثابت. في الكتاب المقدس نقرأ كلمات الأنبياء والرسل بشكل دقيق وكأننا عشنا معهم وسمعناهم، مع أن آخر الكتب الكقدسة كُتِب قبل ألف وعدة مئات من زمننا

ـ23ـ أعلينا أن نتبع التقليد الشريف حتى ولو عندنا الكتاب المقدس؟

علينا أن نتبع التقليد الشريف الذي يتوافق مع الإعلان الإلهي والكتاب المقدس، كما علّمنا إياه الكتاب المقدس. يكتب الرسول بولس: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا (2تسالونيكي 15:2)

ـ24ـ لمَ التقليد ضروري حتّى إلى اليوم؟

كمرشد إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس، للخدمة الصحيحة للطقوس، وللحفاظ على الطقوس المقدسة والخِدَم في نقاوة تأسيسها الأصيلة

عن هذا يتحدّث القديس باسيليوس الكبير: “بعض العقائد والوصايا التي تحتفظ بها الكنيسة موجودة لدينا كتعليمات مكتوبة. لكن البعض تلقيناه من التقليد الرسولي، عن طريق التسلسل سرياً. فلكلٍّ من الأول والثاني نفس القوة في التقوى، وهذا لا يعارضه كلّ مَن كان لديه معرفة قليلة جدًا بفرائض الكنيسة؛ لأننا إن كنا نتجرأ على رفض العادات غير المكتوبة، كما لو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، فكأننا بلا إكتراث نقبّح الإنجيل، حتى في أهم النقاط، أو بالأحرى نجعل تعليم الرسل مجرّد اسم فارغ. فلنذكر أولاً، على سبيل المثال، العادة الأكثر شيوعًا لدى المسيحيين الأوائل، وهي أن على الذين يؤمنون باسم ربنا يسوع المسيح أن يميزوا أنفسهم بعلامة الصليب: مَن الذي علم هذا بالكتابة؟ التوجّه نحو الشرق في الصلاة، أي كتاب عندنا يقول ذلك؟ كلمات استدعاء الروح القدس لتحوّل الخبز في القداس ولكأس البركة، مَن من القديسين ترك لنا هذا كتابةً؟ وكأننا غير راضين عن تلك الكلمات التي سجلها الرسول أو الإنجيل، ولكن قبل وبعدها نتلو صلوات أخرى أيضًا، نعتبر أنها ذات قوة كبيرة للسر، مع أننا تلقيناها من التعليم غير المكتوب. استناداً على المنوال نفسه، إلى أي كتاب مقدّس نحن نبارك الماء للمعمودية، والزيت للمسحة، والشخص المعتمد نفسه؟ أليس استناداً إلى تقليد صامت وسرّي؟ ماذا أكثر من ذلك؟ إن ممارسة مسحة الزيت نفسها، أي كلمة مكتوبة عندنا عنها؟ من أين أتى قانون التغطيس ثلاثاً؟ وما تبقى من طقوس المعمودية وطرد الشيطان وملائكته؟ من أي كتاب مقدس مأخوذة هذه؟ أليست كلها من هذا التعليم الخاص وغير المنشور الذي حفظه الآباء بعيداً عن الفضول والبحث المدنِّس، كوننا تعلمنا أولاً الحفاظ على قداسة الأسرار بصمت؟ فكيف كان من المناسب نشر عقيدة هذه الأمور كتابةً، والتي قد لا يطّلع عليها غير المعتمدين؟ 

يتبع

طريق الخلاص

من باتيريكون آباء أوبتينا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس أناتولي أوبتينا

من دون الشتاء لا ربيع، ومن دون الربيع لا صيف. هكذا ايضاً هو الأمر في الحياة الروحية: بعض التعزية، ومن ثم قليل من الحزن، وهكذا شيئاً فشيئاً تتكوّن طريق الإنسان إلى الخلاص

القديس نيكن أوبتينا

لو كان باستطاعة الإنسان تعليم طرق الرب، أي تعليم كيف نحيا لنخلص، لكان اللاهوتيون المتعلّمون أول المخلَّصين. لكن في الحقيقة، لا تجري الأمور على هذا المنوال، اي أن كثيرين من العالِمين لا يسيرون على درب الرب… لكن ما المطلوب من المرء ليتعلّم طرق الرب؟ من الضروري أن يكون الإنسان حليماً، متواضعاً، ومن ثم يعلّمه الرب كيف يسلك دربه. إن معرفة هذا الأمر ضرورية جداً في الزمان الحالي حيث ندرة المرشدين ساطعة. واضع نفسَك بمعونة الله، كُن حليماً، لا تضمر أي شر نحو إخوتك وهيئ نفسك لتقبّل التعليم الإلهي من خلال الحياة الوديعة الصالحة والرب نفسه سوف يعلّمك طرقه.

إذا كان كل ما تقوم به هو انتظار الظروف الملائمة لخلاصك، فلن تباشر بالسلوك في الحياة التي ترضي الله.

عندما يتعلّم إنسان اللعب بالكمان، فالأصوات التي يصدرها في البداية تكون غير ممتعة، خاطئة وحادّة… لكن تدريجياً يكتسب اتقانها، ويبدأ بتعلّم العزف، وتصير الأصوات أكثر انضباطاً، وفي النهاية تخرج الأصوات الناعمة الجميلة في موسيقى بهية. الواحد ينجح في هذا سريعاً، الآخر يأخذ وقتاً اطول، بينما الأخير بالرغم من كل الجهود لا يتحسن اداؤه، فكل صوت يخرج مخالفاً لما يرغب به. الحاجة هي للصبر. والأمر هو على هذا المنوال في الحياة الروحية. يريد الإنسان امراً ما، لكنه يقوم بالحقيقة بشيء مختلف كلياً عمّا يريده. عقله يريد شيئاً بينما حواسه تطلب شيئاً آخراً. والإنسان يرى ويحس بألم بأن هذا كله خطأ، فيفهم أن ما يقوم به ليس جيداً وأن الأمور ليست على ما ينبغي أن تكونه، فيفقد حماسته إذ يرى أنه لا ينجح في جهاده ضد أهوائه وأن حياته الروحية لا تتحسن. لكن لا؛ لا ينبغي بالمرء أن يصير قانطاً. علينا الاحتمال… علينا أن نلزِم ذواتنا بصبر على أن نتمم كل برٍّ من أجل الرب، وبجديّة نرصد أحاسيسنا وأفكارنا وأعمالنا، ونطلب معونة الرب إلهنا ونبلغ حالة من التواضع وندرك بأننا لا ننجح بشيء بأعمالنا من دون المعونة الإلهية. وعندما يتهيأ في النهاية إناء النفس والجسد، عندما تنضبط أوتار إنشاده بكل طرق التواضع والصبر والتقوى… يأتي الوقت وتُسمَع أغنية رائعة، ويتدفق صوت الحياة الروحية العذب، وكثيرون يرون ويجزعون وينتظرون الرب، لأن هذا الغناء الذي لا يُوصَف يأتي كنتيجة لاتحادنا بالربّ.

القديس أمبروسيوس أوبتينا

إن بداية خلاصنا تكمن في تخلينا عن أهوائنا ومفاهيمنا، وتحقيقنا لما يريد الله.

إن أحكام الإنسان أمر وأحكام الله أمر آخر. يقول الرب بنبيه: لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ (أشعياء 9:55). بحسب الفكر البشري، تبدو طريق الخلاص سهلة هادئة وسلامية، بينما بحسِّ الكتاب المقدّس، فإنها محزنة كربة وضيقة (متى 14:7). “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، لكي أفصل بين محبي الله والباذخين، والمتواضعين عن محبي العالم. وكحقيقة، فإن خلاصنا بحسب القديس بطرس الدمشقي يكمن بين الخوف والرجاء، حتى لا نكون متكلين على ذواتنا ولا نيأس، بل بإيمان صالح ورجاء برحمة الله ومعونته قد نسلك في حياة باحترام لوصايا الله. أنتم تسعون إلى حالة للنفس على الأرض سلامية بالكامل، يحثّكم على ذلك مَن يجربنا عن جهة اليسار أي عن الجهة المقابِلة. وبالإضافة إلى ذلك، أنتم تعتقدون بذلك بسبب قلة خبرتكم الروحية، لأن هذه الحالة هي شيء ينتمي إلى الزمان الآتي، بينما في العالم فسيكون لكم ضيق (يوحنا 33:16) كما قال الرب لتلاميذه وللجميع من بعدهم.

لديك نقطة ضعف معينة: أنت تخرج عن طريق الرب البسيطة إلى العديد من المسارات المختلفة، في حين أن الكتاب المقدس والتجربة نفسها يثبتان أنّ من الضروري تبسيط طريقة الحياة الإنجيلية، والجمع بين الوصايا الأصغر والفضائل في الأكبر. يقول كاتب المزامير الإلهي: كل طرق الرب رحمة وحق (مزمور 10:24)… من هنا وصاعداً فلنضع أساساً ثابتاً ولا نحيدنّ عن طريق المسيح إلى تفاصيل متنوعة، بل فلنجمعنّ معاً كل الأمور المهمة في واحد: أن نحب الرب بكل نفسنا ونكون في سلام ووقار مع الجميع، غير مفتكرين بسوء أو بشك في أيٍّ كان.

قديسون معاصرون

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

عن حق أو لا، فالأزمنة التي نعيش فيها عرضة للانتقاد لأسباب عديدة. ومع ذلك، على الرغم من صعوبتها بالتأكيد، ففيها كنوز مخفية، وقد أنتجت قديسين منهم صغارًا ومنهم عظماء. بصرف النظر عن القديسين المعترَف بهم رسمياً، فقد كان هناك أيضا قديسين مخفيين طوال القرن العشرين.

البارة ميثوذيا من كيمولوس (+1908)، القديس يوحنا كرونشتادت (+1908)، آفثيميوس أسقف زيلا (+1921)، بروكوبيوس أسقف أيكونيوم (+1922)، غريغوريوس اسقف سيدونية (+1922)، أمبروسيوس أسقف موسخونيسيا (+1922)، خريسوستوموس اسقف إزمير (+1922)، البار أناتولي الشاب، شيخ دير أوبتينا الرائع (+1922)، وسحابة من الأبرار والشهداء الجدد في روسيا وجورجيا وآستونيا وبولندا وأجزاء أخرى من أوروبا وآسيا وأميركا.

أيضاً في القرن العشرين عندنا القديسون: أرسانيوس الكبادوكي (+1924)، نيكولاوس بلاناس من أثينا (+1932)، سلوان الأثوسي (+1938)، البار سابا في كاليمنوس (+1948)، البار جاورجيوس كارسليذس من ذراما (+1959)، الأرشمندريت أنثيموس فايانوس من خيوس (+1960)، يوحنا ماكسيموفيتش العجائبي رئيس أساقفة شانغهاي وسان فرانسيسكو (+1966)، الأرشمندريت الصربي يوستينوس بوبوفيتش (+1979)، والشهيد فيلومانوس الأورشليمي (+1979).

بعض الشيوخ أيضاً ذاع صيت قداستهم وحياتهم الفائقة الفضيلة: الأرشمندريت ييرونيموس السيمونوبتريتي (+1957)، يوسف الهدوئي قاطن الكهف (+1959)، أمفيلوخيوس ماكريس الرئيس السابق لدير باتموس، فيلوثايوس زرفاكوس رئيس دير لونغوفاردا في باروس (+1980)، يعقوب تساليكيس رئيس دير البار داود في آفيا (+1991)، الشيخ بورفيريوس الكافسوكاليفي الرائي (+1995)، الشيخ الحكيم صوفروني سخاروف (+1993)، الراهب المعروف باييسيوس الأثوسي الذي كان ممتلئاً من النعمة (+1994)، أفرام الكاتوناكي المكرّس بالكلية للطاعة والصلاة (+1998) وغيرهم.

حياة الرهبنة المقدسة تتحدانا وتدعونا إلى موقف بطولي ومزيد من التقشف والبساطة والعفّة والتواضع. نحن ملزَمون بالحفاظ على روح الرهبنة الأرثوذكسية دون مغالطة، نابضةً بالحياة ونقية مهما كان الثمن علينا. نحن مدعوون إلى التدرّب على صبر الأجيال السابقة من الشيوخ.

إن روعة كنيستنا هي في أنها تواصِل إنتاج القديسين حتى يومنا هذا. سيحتاج العالم إلى قداسة أكبر بكثير في القرن الحادي والعشرين. اعتاد الشيخ بايسيوس الأثوسي أن يقول إنه ببساطة لم يكن مسموحًا لنا بالفشل في الحفاظ على الرهبنة كما هي. القداسة ليست حلماً منسياً ولا أملاً باطلاً. إن “الحياة الصالحة”، والدهرية، والتراخي تعيق نمو شجرة القداسة. روح التمتع السائدة اليوم، التسرّع، العمل بلا جهد ولا كدح، والاستهتار تحرم القداسة.

القداسة هي غرض الحياة. القداسة هي الأمنية الرئيسية. إن التقرّب من القداسة يجلب السلام والفرح والرصانة والصبر وضبط النفس وهبة النعمة. إن قائمة القديسين الجدد تنمو في القرن الحادي والعشرين. أحيانًا تكون القداسة مخفية حيث لا تتوقعها، في المدن والقرى، وليس فقط في الجبل المقدس. الرهبنة تزدهر اليوم. يحدونا الأمل في أن تستمر في إنتاج القديسين سالكة طريق التقليد. اعتاد القديس ستيليانوس الأثوسي أن يقول مستنداً على تجربته الخاصة: “الرب يحبنا حتى التخمة، وبالصلاة يجعلنا مستحقين للتحدث معه والتوبة وتمجيده. لا أستطيع أن أصف كم يحبنا الرب. بالروح القدس يتمّ التعرف على هذه المحبة وروح الشخص المصلّي تتعرّف على الروح القدس …

من رسالة إلى نقولا رانغوس (حول الوضع الكنسي)

القديس (الجديد*) دانيال الكاتوناكي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الثالث من تشرين الثاني، 1926

أحزن كثيرا إذ أتذكر جيل اليوم، كيف بسبب خطايانا سمح الله للشيطان الماكر أن يجد قبضة على جانبين.

من جهة، الرؤساء الذن يقودون كنيستنا، بدلاً من الدفاع عن التقاليد الورعة، يدخِلون ابتكارات وابتداعات؛ بينما من الجهة الأخرى، فإن الأتقياء والمؤمنين، بدلاً من الكتابة بتمييز كبير وبروح من السلام في التعبير عن آرائهم، يحقّرون الرئاسات ويستجمعون كل ما حرّمه الآباء القديسون، لكيما قدر الإمكان يحطون من قدر الرؤساء الآثمين؛ وفي هذا هم يسترضون الناس، وبدلاً من الإفادة يتضرر الجانبان.

لا أشك في أن دراسة أ.ف. قد وصلتكم، وفيها يدحض المجلس الجديد، لكن بلغة مسيئة، لم يستعمل مثلها أي من الآباء القديسين حتى ضد أعظم الهراطقة.

ستشكل دراستي المتواضعة أكبر ضربة بشكل جوهري، موجهة لهؤلاء المبتكرين ابتداءً من ف. ، لأنه سيُعزى إليه الهيجان والعاطفة، ناهيك عن الأنانية، ولكن سوف يكون ثابتاً أن الكنيسة نفسها تتحدث، قالبةً المراجعات التي يعتزم أولئك الراغبون بالمجلس الجديد القيام بها.

* تمّ وصف القديس بالجديد لأن قداسته قد أعلنها البطريرك المسكوني في العشرين من تشرين الأول 2019، أثناء زيارته للجبل المقدس.

مَن هو القديس الجديد دانيال الكاتوناكي؟

هو ديمتريوس المولود في إزمير سنة 1846. منذ صباه كان متميزاً وقد حفظ الفيلوكاليا عن ظهر قلب في مراهقته. التقى القديس أرسانيوس باروس في جزيرته وباركه وأرسله إلى دير القديس بندلايمون في أثوس. هناك صار راهباً باسم دانيال. لاحقاً انتقل إلى دير الفاتوبيذي وبقي لعشر سنوات يعاني من إلتهاب الكلىى إلى أن شُفي عجائبياً في 31 آب أثناء احتفال الدير بعيد وضع زنار والدة الإله. من ثم انتقل إلى كاتوناكيا حيث قضى تقريباً ثلاث سنوات لوحده ومن ثم جاءه طلاب، من سنة 1883، حتى تكونت أخويته. طُلب منه التسقف لكنه رفض مصراً على عدم أهليته.

تمتع الشيخ دانيال بموهبة المشورة الروحية والتعزية في الأحزان. لقد حمى أو شفى من العديد من الرهبان والعلمانيين من الخطأ. ربطته بالقديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس صداقة قوية، كما تبادل الكثير من الرسائل مع القديس فيلوثايوس زرفاكوس وغيره من رهبان دير لونغوفاردا في جزيرة باروس. ساهمت هذه الرسائل في حماية الرهبان من الوقوع في هرطقات اللاهوتي ماكراكيس. كتب حوالي المئتي رسالة إلى الأم ثيوذوسيا في جزيرة تينوس.

في أيلول 1929 أصيب الشيخ بالرشح. عرف مسبقاً موعد رقاده فطلب المناولة المقدسة. في الثامن من أيلول (21 بحسب التقويم المتّبع)، أي في عيد ميلاد السيدة العذراء. بعد القداس الإلهي والمناولة أقيمت له صلاة مسحة الزيت للمدنَف ومن ثم أسلم الروح.

From Contemporary Ascetics of the Holy Mountain vol 1

الشيخ دانيال الكاتوناكي (1846-1929)

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان الشيخ دانيال من سميرنا زهرة مقدسة عطرة من إيونيا أرض الشهداء. جلب عطره الفرح للكثيرين، عندما زُرع في حديقة السيدة، إلى جانب ثمار فضائله. هو نجل أبوين شديدي الإخلاص، درس الكتاب المقدس والفيلوكاليا، وتخرج بامتياز من مدرسة سميرنا الإنجيلية. بعد سجوده في الأديرة والكنائس في البيلوبونيز وجزر بحر إيجة، وبناءً على طلب البارّ أرسانيوس (1800-1877) في باروس ، دخل دير القديس بندلايمون في جبل أثوس.

تميزت فترة اختباره بطاعته الثابتة والطوعية. عند سيامته سُمّي دانيال بدلاً من ديميتريوس. سرعان ما عُرِف لمهاراته وأصبح أمينًا للدير الذي كان يضم 250 راهبًا. بسبب الاختلافات بين اليونان والروس، قَبِل النفي الذي أحزنه وأغمّه. استضافه دير القديسة أناستاسيا في فاسيليكا في خالكيديكي لمدة ستة أشهر، وهناك كان مصدر فائدة للآباء. ثم عاش في دير فاتوبيذي خمس سنوات، حيث شفي من مرض إلتهاب الكلىى الشديد. لقد أحب والدة الإله كثيراً طوال حياته. أخيرًا ، ذهب إلى كاتوناكيا الرائعة. هناك أسس منسكاً للآباء الأثينيين الموقرين. بعد سنوات قليلة، جمع أخوية صغيرة. لقد أرشدهم بالفيلوكاليا التي درسها وحفظها بثبات.

ساعدته فضيلته وحكمته وصلواته وتواضعه ودراسته وتجربته في تحديد المغالطات وتصحيح أولئك الواقعين في الضلالة وعلاج الذين يضربهم الشيطان وإعادة مؤيدي ماكراكيس إلى طريق الآباء القديسين. أتباع ماكراكيس آمنوا بالتركيب الثلاثي للإنسان.

لقد ساعد الرهبان الواقعين في تجارب شديدة وكانوا ممتنين له. المرضى والمكتئبون والحزانى والمحبَطون والمضطربون وجدوا العزاء والأمل في كلماته ورسائله. حتّى أنه هو نفسه ترك منسكه من أجل المصالحة بين الإخوة.

رسائله غنية إلى الرهبان والراهبات والإكليروس من كل الدرجات والمعلمين والأشخاص الذين يعانون من صعوبات مختلفة. كان على علاقة روحية بالمؤلف ألكساندروس مورايتيدس، المعروف لاحقًا باسم الراهب أندرونيكوس، الذي وصفه بأنه “ليس جباراً متعدد الأغراض ومتعدد الألوان، بل راهب كثير التعب”، يقدّم كحلوى “كلمات تقطّر الحلاوة السماوية”. وقال أيضًا: “عندما جئت إلى الجبل المقدس، ظننت أنني لمست الله، لكن عندما قابلت الشيخ دانيال، أدركت كم هو بعيد عني”.

نشأت بين الشيخ دانيال القديس نكتاريوس (1846-1920) معرفة هامة وصداقة ومراسلات. كتب القديس له بكل تواضع عن راهباته: “هذه الرسالة، التي يمليها التطبيق العملي والنظري(theoria)، هي بالنسبة لهن، كونهن محرومات من هذا التعليم الحي، فرحة روحية ودعم روحي حقيقي”.

بالإضافة إلى رسائله الكثيرة، فإن ثمار حكمته هي ما يقرب من سبعين عملاً حول المسائل الروحية الخطيرة، وخاصةً الروحية ذات التركيبة المعادية للهراطقة. على مدار خمسين عامًا في كاتوناكيا مع كلماته وكتاباته وشروحاته، اشاد بيتًا نبيهاً (famous) للفضيلة ورسم الأيقونات والكتابة والموسيقى والضيافة. كان بابه مفتوحًا دائمًا للجميع كي يجدوا الراحة. لقد صار طبيباً ومرشدًا ومحررًا للأشخاص المتألمين أو الواقعين في الخطأ أو المضطربين أو الواقعين في الضيق. تعب للحفاظ على يقظته طوال الليل لكتابة الرسائل والدراسة لدعم إخوته وتنويرهم.

كانت أعظم سعادة في حياته عندما غادر الأرض في يوم عيد ميلاد والدة الإله المحبوبة. بعد القداس الإلهي والمسحة بالزيت المقدس، ارتسم الفرح بوضوح على وجهه. ختم حياته بمحبته الحارة لوالدة الإله، والتي هي سمة من سمات جميع الأثوسيين الأبرار. ما لا شك فيه أن الشيخ دانيال كان دليلاً مستنيراً وصاحب تمييز بكلماته وأعماله، “ممتلئاً من الروح القدس”. فلتكن صلواته معنا.

إن جمجمته محفوظة بتوقير في علبة خشبية وقد اكتسب لوناً أصفراً بنياً. لقد تبركنا به في الذكرى الثمانين لرقاده المبارك (2009).

القديس صوفروني آسكس

نقلتها إلى العربية بتصرف أسرة التراث الأرثوذكسي

سيرة مختصرة للقديس

وُلد القديس صوفروني ساخاروف سنة 1896 في موسكو. درس الفنون الجميلة وتفرّغ للرسم. من ثمّ درس في معهد القديس سرجيوس اللاهوتي في باريس إلى 1925 حين ترك إلى الجبل المقدس أثوس، حيث ثبت في دير القديس بندلايمون وهناك التقى القديس سلوان الأثوسي وارتبط به. هذه العلاقة كانت أساسية لحياته الروحية وبقي مع القديس حتى رقاده ومن ثم ببركة الدير انتقل إلى صحراء الجبل. هناك خدم كأب روحي لأديار القديس بولس وغريغوريو وسيمونوبترا وكسنوفوندوس كما للكثير من القلالي والأساقيط. في 1948، نشر في فرنسا ما تركه له القديس سلوان من الأعمال ومعها تحليلاً مطولاً لتعليم القديس وبعض السيرة (موجود بالعربية، ترجمة الأم مريم زكا). منذ 1959 سكن في دير السابق البطريركي في آسكس بريطانيا الذي أسسه. رقد بالرب في 11 تموز 1993. كتاباته بالأصل بالروسية لكن تُرجمَت إلى الإنكليزية والعربية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصربية والسويدية والفلمنكية (من اشتقاقات الألمانية وتُستعمل في بعض مناطق بلجيكا وألمانيا) والإسبانية، ومقتطفات منثورة في عدة لغات.

الأرشمندريت زخريا زخاريو عن الأيام الأخيرة للقديس صوفروني

قبل أربعة أيام من رقاده، أغمض عينيه ولم يعد يتحدث إلينا من بعد. كان وجهه مضيئًا وغير حزين لكنه مليء بالتوتر؛ كان ذاك نفس التعبير الذي كان يبدو عليه عند إقامته القداس. لم نكن كلنا نمضي لرؤيته، فقط الأب كيريل وأنا والأب نيكولاس والأب سيرافيم. قبل أسبوعين أو ثلاثة من وفاته، دعا جميع الإخوة، واحدًا تلو الآخر، للذهاب والجلوس معه لمدة ساعة تقريبًا في مطبخه، لإجراء آخر محادثة معه. لكننا الأربعة كنا نملك مفتاح بابه ونذهب لرؤيته كل بضع ساعات. كنا ندخل ونقول “بارك يا أب”. لم يكن يفتح عينيه أو ينطق بكلمة، لكنه يرفع يده ويباركنا. باركنا دون كلام ففهمت أنه ماضٍ. أنا شخصياً لم أرغب في احتجازه. سابقاً كنتُ أصلي أن يمدّ الله سنيه، كما نقول في قداس القديس باسيليوس الكبير: “شدّد الشيوخ ( το γήρας περικράτησον)”. لكن في تلك الأيام رأيت أنه ذاهب ولذا بدأت أقول: “يا رب، امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُولاً إِلَى مَلَكُوتِك”. صليتُ مستعملاً كلمات الرسول بطرس كما نقرؤها في رسالته الثانية. لذا، كنتُ أردد: “يا رب امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُول مَلَكُوتِك واجعل نفسَه مع آبائه”، وكنتُ أسمّي كل النساك الذين أعرف أنه رافقهم في الجبل المقدس بدءً من القديس سلوان ومن ثم الآخرين.

في اليوم الأخير، ذهبت لرؤيته عند الساعة السادسة صباحًا. كان يوم أحد، وكان دوري في إقامة القداس باكراً، بينما كان الأب كيريل مع الكهنة الآخرين سقيمون القداس الثاني. (لأغراض عملية، في أيام الأحد نقيم قداسين في ديرنا). أدركت أنه سوف يتركنا في ذلك اليوم. ذهبت وبدأت بصلاة نصف الليل، وبدأت الساعات عند السابعة، ومن ثم القداس الإلهي. في القداس قلت صلوات التقدمة (الأنافورا) فقط، إذ أن العادة عندنا أن نقرأها بصوت مسموع. أما ما تبقى فكانت صلاتي بشكل مستمر: “يا رب امنح عبدك بِسِعَةٍ دُخُول مَلَكُوتِك”. لقد كان ذلك القداس مختلفاً فعلاً عن غيره. لحظة أعلنتُ “القدسات للقديسين” دخل الأب كيريل الهيكل. نظرنا أحدنا إلى الآخر، وراح ينشج ففهمت أن الأب صوفروني قد انتقل. سألت في أي وقت مضى، وعلمتُ أنه أثناء قراءتي الإنجيل. ذهبتُ جانباً لأن الأب كيريل أراد أن يكلّمني فقال لي: “تناول وناول المؤمنين، من ثم أعلن خبر رقاد إلأب صوفروني واعمل تريصاجيون، وسوف أعمل الأمر نفسه في القداس الثاني”. فقطّعتُ الحَمَل، تناولتُ، ناولتُ المؤمنين، ختمتُ القداس، ولا أعرف كيف أتممت كل هذا. من ثم توجهتُ إلى الشعب قائلاً: “أيها الأخوة المحبوبين، الرب يسوع المسيح إلهنا هو علامة الله لكل الأجيال في هذا الزمان، إذ إننا في كلمته نجد الخلاص والحلول لكل مشاكل البشرية. لكن قديسي الله هم ايضاً علامات لزمانهم، ومنهم الأب الذي منحنا إياه الله بشخص الأب صوفروني. بكلمته نجد الحلّ لمشاكلنا، والآن علينا أن نعمل كما تعلمنا الليتورجيا، أي أن “إياه نشكر”، “إياه نسبّح”، و”إليه نطلب”. لهذا، لنعطِ شكراً لله الذي أعطانا أباً كهذا، ولنصلِّ لراحة نفسه. تبارك الله إلهنا…”، وبدأتُ التريصاجيون.

وضعناه في الكنيسة لمدة أربعة أيام، لأن القبو لم يكن منتهياً بعد ولم يتم بناء القبر. تركناه مكشوفاً في الكنيسة لمدة أربعة أيام، فيما كنا نقرأ باستمرار الأناجيل المقدسة، من أولها إلى النهاية، مراراً وتكراراً، كما هي العادة في جناز الكاهن. قرأنا الأناجيل المقدسة، كما قرأنا الجناز وغيرها من الصلوات. كنا نقيم الخدم والقداس وهو هناك في وسط الكنيسة لمدة أربعة أيام. (لقد كان حقًا مثل باشا، أي جو جميل ومبارك كان!) لم يظهر أحد أي هستيريا. الجميع صلّوا بإلهام. أحد أصدقائي وكان أرشمندريتاً، وكان يأتي إلى الدير كل عام ويقضي بضعة أسابيع خلال فصل الصيف: ييروثيوس فلاخوس الذي كتب “أمسية في بريّة الجبل المقدس”، وهو الآن متروبوليت. هذا جاء حالما سمع أن الأب صوفروني رقد. أحسّ بهذا الجو وقال لي: “إن لم يكن الأب صوفروني قديساً، إذاً لا يوجد قديسين!” هذا صادف وجود بعض رهبان الجبل المقدس الذين كانوا قد جاؤوا لرؤية الأب صوفروني، لكنهم لم يجدوه حياً. كان الأب تيخن من سيمونوبترا أحدهم.

من عادة اليونانيين عندما يأتون إلى إنجلترا لأغراض طبية أن يأتوا إلى الدير لقراءة صلاة الأب صوفروني لأن كثيرين شُفوا بها. إنهم يخبرون أموراً مثل هذه. قام اثنان منهم من باب الامتنان ببناء كنيسة في اليونان مكرّسة للقديس سلوان. بعد رقاد الأب صوفروني بيومين أو ثلاثة، جاءت عائلة مع طفل في الثالثة عشر من العمر. كان يعاني من ورم في الدماغ وقد حُددت العملية الجراحية له في اليوم التالي. جاءني الأب تيخن الذي من سيمونوبترا وقال: “هؤلاء القوم حزينون جداً فقد أتوا ولم يجدوا الأب صوفروني. لمَ لا تقرأ بعض الصلوات للولد؟” فقلت له “لنذهبّن سوية، تعالَ وكنْ قارئي. سوف نتلو بعض الصلوات في الكنيسة الأخرى”. مضينا وتلونا بعض الصلوات للولد وعند النهاية قال الأب تيخن: “لمَ لا ندخِل الفتى تحت كفن الأب صوفروني؟ سوف يشفى.” أجبتُه بأني لا أستطيع أن أعمل ذلك، فالناس سوف يقولون أنه ما أن توفي نحن نحاول التسويق لإعلان قداسته. وقلت له “أنت اقترحْ ذلك. فأنت راهب أثوسي لا يستطيع أحد أن يقول عليك ذلك”. أخذ الطفل بيده، وجعله يمرّ تحت الكفن. في اليوم التالي فحصوا الولد ولم يجدوا شيئاً. أغلقوا الجمجمة وقالوا: “لقد كان التشخيص خاطئاً، لربما كان ذاك مجرد التهاب”. لكن طبيباً يونانياً كان يرافق الولد وكان معه الصور الشعاعية التي تظهِر الورم، فقال لهم: “نحن نعرف تماماً معنى هذا التشخيص الخاطئ”. في الأسبوع التالي، أتت إلى الدير كل عائلة ذلك الطفل وهم من تسالونيكي، ليقدموا الشكر عند قبر الأب صوفروني. الولد صار اليوم في الحادية العشرين من عمره وهو في صحة ممتازة.

دول العائلة في تنشئة المؤمن: من سيرة القديس الجديد ييرونيموس السيمونوبتريتي

الأب أنطوان ملكي

القديس ييرونيموس السيمونبتريتي هو أحد القديسين الجدد في الكنيسة الأرثوذكسية الذين أعلن البطريرك القسطنطينية قرار مجمع الكنيسة المسكونية ضمّهم إلى سنكسار الكنيسة أثناء زيارته للجبل المقدس أثوس مطلع تشرين الأول 2019.

القديس ييرونيموس من مواليد آسيا الصغرى في سنة 1871. دخل دير سيمونوبترا في الجبل المقدس كمبتدئ سنة 1888. رقد بالرب سنة 1957.

تربّى القديس في عائلة مؤمنة كان لها الأثر الكبير في تكوّن شخصيته وتوجهه الإيماني. والداه نيكولاوس وماريا عاشا في قرية ريزدير القريبة من ألاتاستا حيث غالبية الناس مزارعون. في المعمودية سمي يوحنا. في المدرسة تميّز بذكائه ووعيه. منذ حداثته جعل من كنيسة القرية مركزاً لحياته، حيث كان يساعد الكاهن في الهيكل والجوقة في الترتيل. كان يجد الفرح في الاشتراك في السهرانيات ومجالسة الكهنة. كانت كل تصرفاته توحي بأنه أكبر من عمره، خاصةً صمته وجدّيته وتقواه.

هذه الصفات اكتسبها في عائلته الفقيرة، التي ساهم فكرها بتعرفه على الصعوبات منذ صغره، ولكن على احتمالها ومواجهتها بصبر ورجاء. هذا ساعده لاحقاً، كراهب على احتمال الصعوبات طوعياً. كان لأمه أثر مهم على حياته، فمنها قد تعلّم سيَر القديسين، وعلى يدها تعلّم أن يصوم ويصلّي ويحبّ الله. كان يقول أن أوائل أصدقائه كانوا القديسين. لطالما أضاعته العائلة لكن والدته كانت تعرف أن تجده في الكنيسة. أصيب مرة بألم هائل في رجله فترك البيت وسكن في كنيسة القديس ديمتريوس لأربعين يوماً صائماً، فشفاه القديس. وتكرر الأمر نفسه عندما أصيب بجدري الماء. في المرتين كانت عائلته داعمة له بالرغم من صغر سنه.

في إحدى المرات، وكان في السابعة من عمره، سمع أخته تقول أبيات المديح لوالدة الإله. في الصباح سألته إن كان يعرف المديح، وإذ لم يكن يعرفه قالت له أن حان دوره ليتعلّم، وعلّمته. ومن حينه ظهرت محبته الكبيرة لوالدة الإله التي رافقته طوال حياته.

في سن الثانية عشرة ذهب مع ثلاثة من رفاقه إلى خيوس ليقابلوا الشيخ برثانيوس (القديس) المعروف في حينه بتمييزه، والذي كان يسلك في النسك في مغارة بالقرب من الدير الذي أسسه. عند وصولهم استقبلهم مسمياً بأسمائهم، ثم قال لكل منهم عن الدرب التي سوف يسلكها في حياته، وقد فرح يوحنا عندما أخبره بأنه سوف يكون راهباً.

يحكي الأب ييرونيموس عن أن أكبر همومه في مراهقته كان إرضاء الله، وهذا ما جعله يختار حياة الرهبنة غير خائف إذ إن الرب قال “تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”. أعطته عائلته البركة للذهاب إلى جبل أثوس. في وداعه، قال له أبوه “إذهبْ ولا تعدْ” لأنه أراد منه أن يثبت في الطريق الذي اختاره، إذ إن البعض كانوا يمضون إلى الأديار ثم يعودون منها متخلين عن ما اختاروه في مسيرتهم.

لاحقاً، دخلت والدته ماريا الدير وصارت الراهبة ميلاني محققة ما كانت تتمناه منذ صباها ومظهِرة إيمانها بشكل أكثر فعالية. أخوه صار راهباً أيضاً متّخذاً اسم ماكسيموس. كما أن راهبتين، مجدلينا وكاسياني، خرجتا من العائلة نفسها كانتا متزوجتين قبلاً، بعد أن كبر أبناؤهما.

إن عائلة القديس الجديد ييرونيموس، كمثل عائلات أخرى لقديسين كثيرين نعرفهم كالقديس غريغوريوس بالاماس والذهبي الفم والشهيد بندلايمون وغيرهم، بالإضافة إلى عائلات كثيرة لا نعرفها، كلها شهادات على أن الجو العائلي هو أهم العوامل التي تفعل في تحديد التزام الأبناء وسلوكهم نحو الله. ليس الهدف في هذه العجالة التركيز على كثافة الرهبان في عائلة القديس ييرونيموس ولا القول بأن الحياة الرهبانية هي الطريق الوحيد إلى الله، إنما الهدف هو التركيز على دور العائلة، لأن هذا أمر نفتقده في أيامنا. إن وقوف العائلات في أيامنا بوجه طالب الرهبنة هي دليل على خفتان روح الالتزام حيث أن البيوت غير مستعدة لأن تقدّم لله. من الضروري الانتباه إلى مجمل الجو الذي تهيئه العائلات والذي، للأسف في أيامنا، لا تأتي الكنيسة والإيمان على رأس اهتماماته. فهموم العائلة الرئيسية غالباً ما هي الأكل والملبس والعلم، مع أن هذه أمور تُزاد للعائلة المؤمنة التي تطلب ملكوت الله وبرّه (متى 33:6).

فبشفاعة قديسك الجديد ييرونيموس أيها الرب يسوع المسيح ارحمنا وخلصنا. آمين.

مختارات في تربية الأطفال

مجموعة من آباء الكنيسة القديسين

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس البار يوحنا كرونشتادت

أيها الأولياء والمعلمون، احفظوا أطفالكم متحررين من النزوات، لأنه إن لم تفعلوا ذلك، فسيتجاهلون قريبًا قيمة محبتكم، ويلوثون قلوبهم بالكراهية، ويفقدون المحبة الحارة الصادقة والدفء في وقت مبكر جدًا. عندما يكبرون، سوف يتذمرون منكم بمرارة بسبب تدليلهم أكثر من اللازم ورضوخكم لأهوائهم. النزوات هي جراثيم فساد القلب، تآكل القلب، العثة التي تفسد المحبة، بذرة الغضب، ورجس أمام الرب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذا انطبع التعليم الحسن على نفس غير ناضجة، فلن يتمكن أحد من محوه عندما تصبح تلك النفس ناضجة وغير مرنة، كما يحدث غالبًا مع ختم الشمع. هنا مخلوق خائف ومرتعب من مظهرك وكلمتك، ومن كل ما تفعله. استخدم قوتك عليه لفعل ما هو جيد. سوف تكون أول من يستمتع بثمار جهدك إذا ربّيت ابنًا صالحًا، وبعد ذلك سيفرح الله به أيضًا. أنت تفعل ذلك من أجل ذاتك.

القديس نيلس السينائي

ينبغي على الراغبين في تربية أطفالهم بجدية أن ينشئوهم في التقشف والمصاعب بحيث يتمتع الأطفال بثمار عملهم في النهاية، بعد أن يتميزوا في الدراسات والسلوك.

القديس إغناطيوس بريانشانينوف

إعلم أن حياتك تهمّ ابنتك كثيراً أكثر من اي شيء آخر تذكره

القديس تيخن الزادونسكي

يجب أن لا تستخدم العقوبات القاسية، كما يأمر الرسول أيضًا، “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كولوسي 21:3). جِدوا الطريق الوسط، كما هو مذكور أعلاه.

القديس فيلاريت موسكو

صحيح أن الأساليب الحديثة في التنشئة تجعل الأطفال أكثر ميلًا إلى المعاندة. غالبًا ما أُفاجأ برؤية كم في سلوك الأطفال من الغطرسة والطيش بحضور آبائهم ، في حين يبدو الوالدان مترددين للغاية في لمسهم.

القديس مكاريوس أوبتينا

في الواقع، من الصعب الحفاظ على الشاب سالماً من سيل الحرية الذي غطى وجه الأرض وأغرق العقل البشري، المظلم بسبب عدم الإيمان، في مياهه القذرة. ازرعوا بذور الإيمان الأرثوذكسي في قلوب أطفالكم بمساعدة الله. اسقوا تلك البذور بخوف الله الذي يؤدي إلى المحبة باتّباع وصايا الرب. إن بذور التقوى المزروعة في تربة قلوبهم الشابة سوف على الأرجح تثمر ثمار القداسة والإيمان الأرثوذكسي القوي.

القديس ثيوفانس الناسك

كلمة المحبة لا تزعج أبدًا. الكلمة المتعجرفة لا تثمر. يجب أن تصلي طوال اليوم وطوال الليل لكي يجعل الرب أطفالك يتجنبون الأخطار. الله رحيم!