السنة الثانية عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2016

السنة الثانية عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2016

مختارات آبائية

الشيخ يوسف الفاتوبيذي، سؤالان روحيان

الشيخ ثيوذوسيوس من أوبتينا، الأطفال والصلاة

رعائيات / حياة روحية

اﻷرشمندريت كيرللس رئيس دير آسكس، هل من حياة روحية وقداسة اليوم؟

الأرشمندريت بولس باباذوبولوس، الفرق بين الأب الروحي والشيخ

الأب ستيفن فريمان، الإنسان الدهريّ والإنسان المسيحيّ

اﻷب أنطوان ملكي، ظاهرة مار شربل

سيرغي إيفانوف، عودة كنيسة بولندا إلى التقويم اليولياني

دراسات كتابية

ماريا قبارة، دليل الأعلام في الكتاب المقدّس

اﻷب أنطوان ملكي، إقامة ابن أرملة نايين

سؤالان روحيان

سؤالان روحيان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

لماذا لم يمنع الله سقطة آدم مع أنه رآها مسبقاً؟

لو أن الله منع سقطة آدم، لكان بتدخّله هذا أبطل حرية اﻹنسان التي منحه إياها كَهِبَة.لو انتزع حرية اﻹنسان لكان سلوكه وخلاصه أيضاً إلزاميين، ولكان اﻹنسان خسر شخصيته وصار خليقة من دون إرادة. لقد فضّل الله أن يغيّر مخططه حول اﻹنسان على أن يأخذ أهمّ ما في شخصيته أي حريته.

لقد أضاف الله عنصراً آخراً نافعاً للإنسان: عدالته ضد حقد الشيطان وكراهيته. لقد اعتقد الشيطان أنه بتضليله للإنسان سوف يبطِل مخطط الله ويحطّم شبه اﻹنسان به. وهكذا اعتقد أن بإمكانه أن ينتقم من الله وأن يحرم الإنسان من قيمته. لكن الله لم يمنع الشرير من تنفيذ خطته الشريرة لكي يسحقه بالكامل عندما يتّخذ الطبيعة البشرية، بتجسده المقبِل. بهذا، يستطيع الإنسان، الذي هو ضحية للخبث الشيطاني، أن يقوم فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا” (أفسس 21:1). إذاً لو أن الله منع سقوط الإنسان لكن حرمه من مجده الذي ورثه باتحاده الأساسي مع الله نفسه، من خلال تجسده.

ما كان سبب سقوط الإنسان؟

السقوط كان نتيجة عدم خبرة الإنسان المخلوق وقلة اهتمامه. هذان اﻷمران جعلاه يهمل، وعملياً يخون، اتحاده الشخصي وشركته مع الله الآب، معتقداً أن باستطاعته أن ينمو من ذاته.

لهذا، يُنظَر إلى السقوط ويُسمّى على أنه انفصال وانسحاب كل من الكائنات المخلوقة، وجميعها معاً، عن علّة الخلق اﻷولى أي الله. الكون، بحسب الإعلان اﻹلهي، له علته ولم يوجد من ذاته، لكنه موجود ﻷنه يشارك في القوة والتدبير الإلهيين. وعليه، إذا انقطع المخلوق عن قوة الله التي تؤمّن تماسكه، يفسد ويموت.

إن ارتداد الكائنات عن الله أدّى إلى كارثتين متساويتي القوة. الأولى هي التواقح على الخالق الضابط والارتداد عنه. الثانية هي الانفصال عن مصدر الحياة اﻷبدية، أي الله، الذي هو السبب الوحيد للوجود والتماسك.

هذه الجنحة نفسها سببت النكبة في الطبيعتين البشرية والملائكية. الملائكة، بسبب غطرستهم الأنانية، تخيّلوا أنهم يستطيعون الاستقلال عن الله. لم يفقدوا أهميتهم وحسب بل حالتهم واستنارتهم، وتحوّلوا من أكثر المخلوقات جمالاً إلى أكثر الوحوش رعباً وصاروا مثيرين للرعب والإرهاب، من دون أي نية للتوبة أو العودة.

حتى الإنسان الذي صار ضحية للخبث الشيطاني خسر حالة شبهه بالله ونُفي إلى هنا، إلى وادي الدموع، لكنه لم يخسر إمكانية التوبة التي تحضّه على العودة.

Γέροντος Ιωσήφ Βατοπαιδινού, Συζητήσεις στον Άθωνα, Ψυχοφελή Βατοπαιδινά 13, Ιερά Μεγίστη Μονή Βατοπαιδίου, Έκδοσις Α’ 2003

الأطفال والصلاة

الأطفال والصلاة

الشيخ ثيوذوسيوس من أوبتينا

نقلتها إلى العربية علا مقصود

انحفرت واحدة من حلقات حياتنا في أتراسكا في ذاكرتي بشكل خاص، وتركت أثراً في كل حياتي. هذه الحلقة مرتبطة بزيارة سيادة الاسقف يعقوب، أسقف سارتوف ومن ثم رئيس أساقفة نافوغورود.

قام الأسقف بزيارة أتراسك خلال الجولة في أبرشيته. وأقام خدمة القداس الإلهي في الكاتدرائية. كان متعلماً تعليماً عالياً وكان دائماً يقدم عظته ارتجالياً بدون أوراق ملاحظات، لذلك لم يترك أثراً في تاريخ الوعظ الكنسي.

أحبه الناس واستمعوا لعظاته بالكثير من التقديس.

البساطة والدفء النابع من القلب في عظاته كانا استثنائيين، وقريبين من قلوب الناس، لذلك اخترق قلوبهم بعمق. حتى أنا، الصبي الصغير في الحادية عشرة من عمري احفظ في ذاكرتي واحدة منها. أتمنى الآن أن اسجلها في مذكراتي.

اعتبره الناس قديساً وهكذا كان هذا الرجل المقدس. بعد الاحتفال بالقداس الإلهي في كاتدرائية أتراسكا صعد إلى المنبر، ونظر إلى الناس بنظرته الثاقبة. فرأى في وسطهم أطفالاً وكنت أنا من بينهم، فقال أيها الأولاد تعالوا بقربي.

تقدّم العديد إليه ووقفوا أمامه. كنت أنا واقفاً مواجهاً له تمامًا فعندما بدأ يتحدث بدا وكأنه يوجه الحديث لي أنا شخصياً.

أريد أن أحدثكم أيها الأولاد عن الصلاة. هل تعرفون كيف تدربون أنفسكم على الصلاة؟ أولاً عليكم بالصلاة قليلاً لكن بشكل متكرر قدر الإمكان. الصلاة مثل الشعلة مع الوقت من الممكن أن تتحول إلى لهب عظيم. لكن لإشعال هذا اللهب يجب أن يكون لدينا مثابرة وحماسة وأيضاً وقت ومهارة. دعونا نأخذ مثالاً قطعتين من الفحم. الأولى مشتعلة جداً وحمراء. والأخرى ما تزال مطفأة. حاولوا أن تشعلوا القطعة المطفأة من القطعة الأخرى. ماذا عليكم أن تفعلوا؟ عليكم أن تضعوا الباردة قرب المشتعلة لكن وضعهما بجانب بعضهما لا يشعل القطعة الباردة بهذه البساطة، إلا إذا نفختم برقة وباستمرار عليهما، إذا نفختم بشدة ستزداد الشعلة. لكن قطعة الفحم الباردة لن تشتعل، وجهدكم سيكون هباء، لكن إذا نفختم قطعة الفحم المشتعلة باستمرار وبرِقّة، فقريباً ستشتعل قطعة الفحم كلها. من ثم ليس فقط هاتان القطعتان ستشتعلان، فإذا أبعدنا بينهما بمسافة معينة فكل ما يُوضَع بينهما سيشتعل. وبعد ذلك سينتشر وكأنه بحر من اللهب.

لكن فكروا معي. كم من الوقت يلزم شعال مدفأة بواسطة قطعة حطب رطبة أو اشعال قطعة فحم مبللة. كم يتطلب هذا جهداً ووقتاً وصبراً وأكثر مواظبة، وهكذا أريد أن أقول لكم يا أولادي: الصلاة نار، وأكثر من هذا هي جمرة محترقة، إذا كانت قلوبنا جمرة مطفأة، علينا أن نصلي في كل يوم، هذا يشبه تماماً أن نضع جمرة قلوبنا المطفأة بجانب الجمرة المحترقة للصلاة وأن ننفخ فيها قليلاً قليلاً مع الوقت. صدقوني يا أولاد إذا استمعتم إليّ وصليتم قليلاً كل يوم لكن بثبات فقلوبكم ستصبح مشتعلة من لهب الحب الإلهي، وتذكروا أيضاً بعد هذه الانفجارات سيأتي كسل لكن ليس بهذه الشعلة ستشعلون قلوبكم.

ابدأوا هكذا: أولاً قوموا بثلاث سجدات مع هذه الكلمات (يا رب يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطىء)، ومجدداً سجدة (يا جميع القديسين تشفعوا بي أنا الخاطىء) ومجدداً سجدة. وسيكون هذا كافياً لكم: وفي اليوم التالي كرروها بدون كلل وهكذا يوماً بعد يوم ومن ثم يا أولاد ستلاحظون أن الملل يبدأ وكأن هذه الصلاة أصبحت عبئاً ثقيلاً عليكم، لكن إذا أصررتم وقمتم بهذه السجدات الثلاث ستلاحظون أنكم بدلاً من ثلاث سجدات فقط سترغبون بالمزيد. ومن ثم الصلاة ستطلب الزيادة لنفسها وهذا سيعني أن قطعة الفحم الباردة في القلب تبدأ بالاشتعال بحب الله. والمثابرة بجهودكم تبدأ تعطي ثمارها ومنها سينتج العطش لمزيد من الصلاة.

اختبروا أقوالي أيها الأولاد ستعرفون بأنفسكم أنه تماماً مثلما أخبرتكم. اجروا إلى الرب كما إلى أمهاتكم. هو طيب ويعرف الجميع. يحبنا كما الأم تحب أبناءها. وإذا طلبتم منه فهو يسمعكم ويحقق طلباتكم، إذا لم تتعارض مع إرادته المقدسة، فهو قال (اسألوا تعطوا)، ولذا اركضوا إليه بإصرار مع كل احتياجاتكم: عند الذهاب إلى المدرسة اركعوا على ركبكم لكن في مكان لا يراكم فيه سوى الله، واطلبوا منه أن ينير عقولكم وذاكرتكم وسترون أنكم ستكونون قادرين على تعلم الدروس بشكل أسرع وأسهل من الآخرين وحتى أسرع من أنفسكم عندما لم تكونوا تعودون إلى الله في هذا الموضوع. افعلوا هذا قبل البدء بأي شيء آخر.

صلوا يا أولاد صلوا بشكل متكرر، سامحوا هؤلاء الذين آذوكم، والله إله السلام سيكون معكم، في كل نهار وليلة. توبوا أمام الله عن كل خطيئة اقترفتموها، والتمسوا طيبته. حاولوا ألا تخطئوا بهذا مرة أخرى. وإذا وقعتم مجدداً بالخطيئة بطريقة ما فمجدداً ومباشرة توبوا وقولوا يا رب أنا أخطأت، لتكن رحمتك علينا، ساعدني كي أصحح طرقي فسيسامحكم الله ويساعدكم على التغير، صلوا بشكل متكرر لله يا أولاد وهو يحفظكم.

هذا الدرس طُبع في ذاكرتي وعلى الرغم من مرور العديد من السنوات ما أزال احتفظ به وكأنني أقرأ من كتاب. عندما أنهى الأسقف العظة، أخذت بركته، ومن ليلة ذلك اليوم المذكور بدأت يومياً أقوم بثلاث سجدات للرب يسوع المسيح، لوالدة الإله ولجميع القديسين.

هل من حياة روحية وقداسة اليوم؟

هل من حياة روحية وقداسة اليوم؟

اﻷرشمندريت كيرللس، رئيس دير آسكس

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

جوابي الفوري على جزئي هذا السؤال هو نعمشديدة. الله لا يتغير. يسوع المسيح هو نفسه، أمس واليوم وإلى الأبد. وطبيعة البشر لم تتغير هي أيضاً. منذ آدم، البشر مشرَّفون بالسلطة على مصيرهم، حتّى أنهم قادرون، إلى حد كبير، على أن يديروا ظهورهم إلى الله، إلى الحياة الروحية، إلى السعي نحو القداسة. ولكن إلى نهاية العالم، سوف يكون هناك دائماً أناس، حتى ولو أقليّة، يستدعون نعمة الله على الأرض وعلى إخوتهم البشر. إن استمرار العالم هو دليل على وجود القداسة اليوم. يقول القديس سلوان: “أقول لكم أنه عندما لا يعود هناك رجال صلاة على الأرض، يأتي العالم إلى نهايته“.

بعبارة أخرى، الحياة الروحية والقداسة التي هي ثمرتها ليست حصراً في الماضي. يمكننا أن نرى القداسة في أسلافنا ونتعلم منهم، ولكننا لا ندرس الحياة الروحية كما في معرض أو في متحف تاريخي. إنها واقع حي ونحن مدعوون إليها جميعاً. لكل إنسان بعد روحي. الله ليس منحازاً: إنه يدعو كل واحد إلى حيز الوجود بمحبة شخصية، ويمنح كل إنسان إمكانية مشاركة حياته الخاصة. قال الرسول بطرس مستخدماً مصطلحات زمانه أننا مدعوون إلى أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية “[2 بطرس 1: 4]. وهذه هي القداسة: “كونوا قديسين لأني أنا قدوس، وأنا أوصي بأن يكون عندكم كل ما لي، من دون تحفظ“. هذه هي دعوة الله لنا جميعاً، أياً كان مكاننا في المجتمع، أو رتبتنا في الكنيسة : علمانيين أو كهنة. يكتب القديس سلوان: “كل شخص في هذا العالم لديه مهمة للقيام بها، سواء كان ملكاً أو بطريركاً، طباخاً، حداداً أو معلماً، ولكن الرب الذي تمتد محبته إلى كل واحد منا سيعطي أكبر مكافأة لمَن محبته لله هي الأكبر“. ومرة أخرى:” لا يمكن لأي شخص أن يكون إمبراطوراً أو أميراً، ولا يمكن لأي شخص أن يكون بطريركاً أو رئيس دير، أو زعيماً. ولكن في كل مناحي الحياة نستطيع أن نحب الله ونكون مرضين له، وهذا فقط هو المهم”.

الحياة الروحية هي الحياة التي تأخذ بعين الاعتبار البعد الروحي للإنسان. ليس العمل على علاقتنا مع الله هوايةً لفئة معينة من الأشخاص، كما يقول البعض هو أو هي من النوع المتديّن“. هذه العلاقة ليست خياراً إضافياً. إنها ما يجعل حياتنا إنسانية حقاً. عندما يستبعد علم الأحياء وعلم النفس المساهمة الإلهية في تكوين الإنسان إنما يعطيان صورة غير كاملة. الرجل الدهري هو مجرد حيوان متفوق، وفعلياً دون البشر. من دون جهد روحي لا ننمي روحنا. لا يمكن طمسها، ولكن يمكن خنقها وضمرها، تجاهلها أو إنكارها. لا نكون ملء ذواتنا ولا أشخاص مكتملين إلا إذا كنا نعيش حياة روحية. تشمل الحياة الروحية الجوانب المادية والنفسية فينا. ما أفكّر به وأعمله على كل مستوى من مستويات وجودي يؤثر على نفسي. وعندما تلمس نعمةُ الله روحي وتفكيري وشعوري وجسدي أيضاً تتبارك جميعها.

كثيرون من الناس تخلّوا عن المسيحية وخاصة في الدول الغربية. المؤلف الإنجليزي تشيسترتون قال بحكمة أنه عند تخلّي الناس عن الاعتقاد بالحقيقة، لا ينتقلون إلى الاعتقاد بلا شيء بل إلى الاعتقاد بأي شيء. وهكذا قد يبقى الاعتقاد بالله عندما يتمّ التخلي عن المسيح، لهذا يمكن أن يجد اﻹنسان في كل بلد من البلدان جميع أنواع الروحانيات. هذا ليس مفاجئاً، لأنهليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، والجوع الروحي موجود حتى حيث تختلط الأفكار حول الكائن المطلق. إلى هذا، تتقاسم الكثير من الطرق الروحية المختلفة بصفات مشتركة. الفروقات الجذرية بين الأديان لا تظهر دوماً في بداية الطريق: فقط عندما يتقدم اﻹنسان تصير الاختلافات واضحة. بعض معاصرينا يعلّمون أنّه بقدر ما تتقدّم في أي من اﻷديان، تتقارب الطرقات، بينما العكس هو الصحيح. فعلى الساعين أن يسعوا إلى الحق، ويجدوا الطريق القائم على الدين الصحيح والرؤية الصحيحة لله كما كشف ذاته لنا هو نفسه. من ثمّ يؤكّد لنا حسُّنا الداخلي أن بالفعل يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة. يمكن بلوغ ملء الحياة في الله فقط بالإلهاﻹنسان أي بالواحد الذي يشترك معنا بالطبيعة البشرية فيما يحتفظ بالطبيعة اﻹلهية كواحد من الثالوث القدوس. تقدّم لنا الكنيسة اﻷرثوذكسية نموذجاً حقيقياً: يمكننا أن نرى ونسمع ونلمس ونتذوّق الكائن المطلَق. يمكننا أن نختبر عطر كيان الله الفعلي. هكذا يمكننا أن نمضي إلى نهاية طريق الكنيسة بثقة. ما من طريق آخر، مهما سمت ممارسته وأخلاقياته وإيحاءاته، يمكن أن يوصل بسلام إلى النهاية. مع أنه ما من أحد معدوم بالكليّة من النعمة، فإن ملء القداسة يتطلّب العقيدة المستقيمة. إن تعليمنا لا يمكن التفوق عليه، وهو ليس عتيقاً من خارج الزمن. لقد أثمر في أجيال كثيرة وظروف عديدة وحضارات متعددة. اﻷرثوذكسية هي للجميع. يمكننا أن نفهم سبب قول ترتليان بأن كل نفس هي بالفطرة مسيحية“.

إذاً، الحياة الروحية يمكن تحديدها بأنها الحياة في المسيح. فلنتداول بهذا للحظة. هذه العبارة استعملها القديس نيكولا كاباسيلاس كعنوان لكتابه حول اﻷسرار. وكصدى له، أعطى القديس يوحنا كرونشتادت، صانع العجائب العظيم الذي كان كاهناً متزوجاً في روسيا ورقد سنة 1905، عنواناً مماثلاً إلى يوميات روحيةعندما طُلب منه نشرها. أحد الكتاب المعاصرين عنون أحد كتبه التي يشارك فيه رؤاه الروحية حياته حياتي” (His Life is Mine) أي حياة المسيح حياتي. أن يكون اﻹنسان في المسيح يعني أن يكون مدموجاً في جسده الحقيقي وممسوحاً بروحه، كلمة المسيح تعني الممسوح، ومُتَخَذاً ابناً لأبيه السماوي. ليس اﻹيمان المسيحي مجرد قول نعملدستور اﻹيمان. إنه لبس المسيح (غلاطية 27:3). كيف؟ بالمعمودية التي بالتحديد يسبقها اعتراف الإيمان. نحن بسهولة نأخذ هذه الهبة العظيمة على أنها مفروغ منها، لكن الذين يتحوّلون من جراء التبشير أو بعد بلوغهم سن الرشد يمكنهم أن يخبرونا عن خبرتهم التي هي عبور من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة. نحن ننسى أحياناً أن الكاهن يقول لنا في المعمودية: “لقد تطهرت، لقد تقدّست، لقد تبررت باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا“. هذه الكلمات الرائعة، المستعارة من رسالة الرسول بولس إلى الكورنثيين، يمكن أن تظهر كمجرد عبارة طقوسية إذا أهملنا تفعيل عطية النعمة اﻹلهية في حياتنا. إن بذار الحياة الروحية قد زُرِع فينا. نحن متقدسون بالمسيح يسوع، ومدعوون إلى أن نكون قديسين” (1كورنثوس 2:1). هذه هي مهمتنا.

إذا كنا أكيدين أننا وجدنا اﻹيمان الحقيقيفليس لدينا ما نخشاه من كثرة الطرق الروحية حولنا، حتى ولو بدا اﻷمر مشوِّشاً. “لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ” (2تيموثاوس 7:1). إذا بقينا مخلصين نُغني باستمرار خبرتنا ومعرفتنا بحياة الكنيسة وتعليمها، ونكون أكثر ملاءمة لمساعدة معاصرينا. السؤال اﻷساسي هو دوماً: ماذا تعتقد بالمسيح؟ ذكّر الرسول يوحنا مراسليه بأن بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ” (1يوحنا، 2:4).

بالطبع، إعلاننا لما نعتقد بالسيد سوف يكون متواضعاً، من دون صلف وثقة بالنفس، مملؤاً محبة وامتنان. يقول القديس سلوان الله محبة وبالتالي يجب أن يكون تعليم كلمته نابعاً دائماً من المحبة. عندها يستفيد المعلّم والمستمع معاً. ولكن إن كنت لا تفعل إلا اﻹدانة فإن نفس الشعب لن تهتم لك، ولن ينتج أي خير عن ذلك“. بالطبع، ليس الجميع مدعوين إلى أن يكونوا مبشرين متفرغين، لكن كل مَن يشهد للمسيح يكون متحدثاً عن الذي أوجد اﻹمكانية لكلّ البشر ليكونوا أشخاصاً حقيقيين. الحياة الروحية هي، بحسب العقيدة اﻷرثوذكسية، تعاون بين إرادتنا الحرّة وإرادة الله. إن أفضل سفراء المسيح هم أولئك الذين هيّأتهم حياتهم الروحية فيه ليتّحدثوا صلاتياً، حتى يطلب اﻵخرون منهم أن يشرحوا إيمانهم. “قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1بطرس 15:3).

إذا التزمنا بالطريق التي عليها فقط يمكننا اكتساب ما يسمّيه الرسول بولس فكر المسيح، لا يعني أن شخصيتنا تضيع. إن إلهنا هو واحد في الطبيعة وثلاثة في اﻷقنوم. يعلمنا آباؤنا أننا لا نقسّم الطبيعة ولا نخلط بين اﻷقانيم. وهذا يقوم في أن تكون البشرية واحدة كما أن الله واحد. إذا سلك العالم في المسيح، فإن وصاياه تكون الهدف اﻷول لكل شخص: محبة الله ومحبة اﻵخر. وعليه فإن أحداً لا يذوب بل يتثبّت ويكتمل في علاقات المحبة.

من المفيد كثيراً أن نقرأ عن اﻷناس القديسين، الذين أعلنوا قديسين أو غيرهم، كمثل شيوخ القرن العشرين يعقوب (تساليكيس)، برفيريوس (القديس)، وغيرهم كثيرون. أذكر أولئك من القرن اﻷخير ﻷنه تقريباً اليوم، وهو قرن اﻵﻻم العظيمة. في رأسي رجال ونساء قديسون تعرّفت إليهم ﻷن القديسين لا يلبسون ملصقاً إعلاناً عن ذاتهم: “أنظروا إليّ أنا قديس“. إن طريق المسيح هي التواضع، والبعض شُرِّفوا كقديسين فيما هم على اﻷرض، والبعض اﻵخر لا. إن كنيستنا، بحكمة، لا تمنح الاعتراف الرسمي بأحد حتى يعبر بوابات الموت، وحتى عندها ليس بسرعة. لذا من المبكر جداً الكلام عن قديسين في القرن الحادي والعشرين. ولكن إن نظرنا فقط إلى القرن العشرين، فهناك تنوع من الشخصيات والمستويات العلمية ودرجات التقوى في الشباب والخلفيات الدينية وغيرها. من ثم هناك العديد من السبل في الحياة التي أدّت إلى القداسة. لقد أعطى جبل أثوس للعالم العديد من القديسين العظماء كالقديس سلوان الذي رقد سنة 1938، ولكن ليس كل قديسي القرن العشرين كانوا في اﻷديار. هناك الملايين من الشهداء والمعترفين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، من الاتحاد السوفياتي. هناك كاهن رعية القديس نيكولاس بلاناس. هناك القديس نكتاريوس حيث أن معجزاته الباهرة تظهر أن الله هو إله حي يعمل إلى اﻵن. هناك الكثيرون ممن تحمّلوا العذابات بإيمان، حتّى ولو لم يشتهروا، فهم اﻵن يحصّلون مكافأتهم ويصلون من أجل العالم. كل هؤلاء القديسين شاركونا في نفس الخدم وقبلوا دستور اﻹيمان نفسه. لكنهم مثل حديقة ذات أنواع مختلفة من اﻷزهار. إنهم يقدّمون لنا البرهان على أن الله معنا ومُتاح لنا جميعاً هنا واﻵن.

يعرف الذين تلقّوا تدريباً علمياً أن البراهين تأتي بالدرجة اﻷولى عبر التجربة. إن أفضل الطرق لدينا للإجابة على السؤال الذي طرحه علينا صاحب الغبطة اليوم (هل من قداسة وقديسين اليوم؟) هي في أن نختبر بأنفسنا إن عشتم بحسب الجسد تموتون، ولكن إن أمتم بالروح أعمال الجسد تحيون“. الجسد وأعمال الجسد هنا هي القوى الخاطئة كالكراهية والكبرياء والشهوة وغيرها من اﻷهواء التي تسبب التحلل وتغلق الباب دون روح الله. الحياة الروحية تتضمن بعض اﻹماتات“. من اﻷمثال هو اﻷصوام التي نلتزم بها معاً في فترات محددة من السنة الكنسية، وذلك بالضبط لكي تساعدنا على الصلاة وتطهير قلوبنا من اﻷهواء الخاطئة. يتابع الرسول بولس قائلاً: “لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ.إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُيَا أَبَا الآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.” (رومية 14:8-16). عندما رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّعَلَيْنا (1بطرس 14:4)، يصير واضحاً أن هناك حياة روحية وقداسة في أيامنا.

الفرق بين الأب الروحي والشيخ

الفرق بين الأب الروحي والشيخ

 الأرشمندريت بولس باباذوبولوس

نقلها إلى العربية كمال كدر

مرات عديدة نفقد المسيح عندما نتحدث عنه. فبينما نتكلم عن الصليب نتجنّب صليبنا الشخصي رافضين رفعه واتّباع المسيح. وعندما نذهب إلى الأب الروحي لنتصالح مع الله من خلال سر الاعتراف فإذ بنا نتعلق بشخص أبينا الروحي واضعين شخص المسيح على هامش هذه العلاقة، وهذا خطأ فادح.

إن عمل الأب الروحي هو أن يقود التائب إلى المسيح وإلى استعادة العلاقة بينهما وليس لجعله تابعاً له، وهذا الأمر ملاحظ للأسف. وغالباً لا يقوم الأب الروحي بذلك عمداً، لكن قد يحدث ذلك من دون قصد. وأعتقد أنّ ما يحصل هو التالي: يتكلم الأب الروحي بشكل جميل، ويعلّم، ويعرّف. والناس الذين عرفوا الألم من جرّاء خطاياهم يجدون العزاء والسلام في قلوبهم من خلال كلماته، فيصلون إلى درجة الاتكال والاعتماد عليه. لكن هذا الاعتماد هو مرض لأنه غير مناسب للعلاقة بين الأب الروحي والتائب.

فالشخص الذي يغذي هكذا احترام ومحبة لأبيه الروحي قد يصل إلى درجة أن يسأله عن لون السيارة المزمع أن يشتريها، أو إذا كان صحيحاً شراء سيارة أصلاً، أو كيف ينبغي أن يطلي منزله، أو ماذا يجب أن يدرس في الجامعة.

إذا كان الأب الروحي يقبل مثل تلك الأسئلة فعليه أن يفهم على الفور بأن علاقته مع أبنائه الروحيين قد ذهبت بعيداً جداً. يجب أن يفهم الأب الروحي أن أبناءه الروحيين، الذين يحترمونه كشخص، قد يسألون عن أمور تنتمي فقط إلى الرهبان في الأديار الذين ينالون بركة من رئيس الدير أو الشيخ لفعل شيء ما. لكن شخصاً عادياً يعيش في العالم ولديه التزامات، لا يستطيع أن يسأل الأب الروحي عن كيفية تسيير شؤونه في مكان العمل أو عن فعل شيء ما دون الرجوع لزوجه. إن الأب الروحي في العالم شيء والشيخ أو الرئيس في الدير شيء آخر.

في الرعاية، نحن نتعامل مع أناسٍ يعيشون في العالم، ولديهم عائلات ولذلك لا يمكن للأب الروحي أن يطلب طاعةً في القضايا التي تسبب مشاكل بين أفراد العائلة. الأب الروحي ينصح التائب فيما يخص القضايا الروحية، والأهم من ذلك كيف ومتى يجب عليه أن يتقدّم لتناول جسد ودم الرب.

أما في الدير، من ناحية أخرى، فإننا نتعامل مع أناسٍ يخضعون بملء حريتهم واختيارهم لمشيئة شيوخهم أو رؤسائهم في الدير، وتصبح إرادتهم هي إرادة الرئيس أو الشيخ. لقد تركوا ذواتهم، ليس تخاذلاً بل طوعاً واعياً ومباركاً. فالرهبان مدعوون ليكونوا مطيعين لأصغر أمر يطلبه رؤساؤهم وشيوخهم حتى لا يكونوا مضطربين ومشوشين بأي اهتمام، ولذلك يكون لديهم عقول هادئة غير مشوشة أثناء الصلاة.

وهكذا فإن الاعتراف والارشاد الروحي في العالم أمر بينما الطاعة الرهبانية في الدير أمر آخر.

يجب على الأب الروحي الذي يرى ميلاً عند الابن الروحي للاعتماد المطلق على كلماته أن يوضّح بتمييزٍ أن العلاقة بين الأب الروحي والتائب مختلفة عن العلاقة بين الشيخ والراهب. وبالطبع فالشخص الذي لديه عطش روحي للطاعة يستطيع أن يذهب إلى الدير ويعيش هناك كمطيع.

الإنسان الدهريّ والإنسان المسيحيّ

الإنسان الدهريّ والإنسان المسيحيّ

الأب ستيفن فريمان

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لقد شكّل الإنسان الدهريّ تهديدًا كبيرًا على الإيمان المسيحي منذ قرنين أو أكثر. فهو يتستّر بتصرّفاتٍ عاديّةبينما يعيش في عالمٍ بلا إله، حيث يتمّ تحفيز الآخرين على أن يحيوا كما لو أنّه لا وجود لإله. بحسب بردياييف، إذا لم يكن الله موجودًا، فالإنسان ليس موجودًا“. وأودّ أن أضيف إلى ذلك أنّ الإله الكائن يجب أن يكون حاضرًا في كلّ شيء ومالئًا إياه، وإلاّ فهو ليس إلهًا وإلهٌ مزيّف. فلنرفض الإلحاد اللطيفالذي ينتهجه الإنسان الدهريّ ونحيا لله دائمًا وفي كلّ مكان.

لقد تكلّم العديد من الكتّاب الأرثوذكسيين حول طبيعة العالم الدهريّ الذي يشكّل الهيئة المحدّدة للحداثة. أغتنم الفرصة هنا لأجري مقارنةً صغيرةً بين الإنسانين الدهريّ والمسيحيّ.

الإنسان الدهريّ يؤمن بوجود إلهٍ، لكنه يؤمن أيضًا أنّ وضع العالم وصيرورته يرتبطان بأفعال البشر. أمّا الإنسان المسيحيّ، فيؤمن بوجود إلهٍ، وبأنّ كلّ شيء بين يديه.

يؤمن الدهريّ بالتطوّر، أي أنّ الحياة تتغيّر وتتحوّل، بواسطة السلوك الصحيح للإنسان، نحو الأفضل. كلّ اكتشافٍ جديدٍ يتّكئ على كتفي اكتشافٍ سبقه، وهكذا تتحسّن الحياة نحو الأفضل. أمّا المسيحيّ، فيؤمن أنّ عمل الإنسان يمكن أن يبدّل ظروفه لكنّه لا يغيّر الإنسان. الإنسان الحديث ليس أعلى شأنًا من الذين سبقوه، والخير ليس نتيجةً للتطوّر.

يؤمن الدهريّ بقدرة البشر، وبأنّ استعمال العقل بمنطقٍ في أيّ ظرفٍ سيؤول إلى نتيجةٍ أفضل. أمّا المسيحيّ، فيؤمن بالله، لكنّه يشكّك بصلاح الإنسان، فحلول الإنسان دومًا ما تكون محلّ تساؤل ومعرّضة للفشل.

بالمطلَق، يؤمن الدهريّ بسبيل التطوّر السهل. وحتى لو اعترته بعض العوائق، يعتقد أنّ السلوك فيه سيؤدي في النهاية إلى عالمٍ أفضل، وحتى إلى عالمٍ كاملٍ تقريبًا. إلاّ أنّ المسيحي، إذ يؤمن بالله، يثق بأنّ حصيلة التاريخ ملكُ الله لا الإنسان. إذًا، حتى الصلاح الذي يصنعه الإنسان يدينه إلهٌ صالحٌ هدفه دومًا أبعد ممّا يمكن أن نطلب أو نفكّر.

الدهريّ، ورغم الإخفاقات المتنوّعة، يعتقد باستمرارٍ أنّ مجرّد خطةٍ بديلةٍ كفيلةٌ بتحسين الوضع، فالمشاكل كلّها تُحلّ بالتسوية والمفاوضة والرغبة بالتغيير. أمّا المسيحيّ، فيدرك ميل البشرية نحو الخطيئة، ويعرف أنّ الأمور ستفشل وتتبدّد من دون الله، وأنّ وضع البشر يمكن أن يتحسّن فقط بواسطة الثقة بالله والطاعة له، وهذا التحسّن يأتي دومًا كمعجزة من الله.

لا يؤمن الإنسان الدهريّ بعدم معصوميّته، ولا يتعلّم من التاريخ، بل يطمح مرارًا وتكرارًا إلى نجاحٍ لم يصل إليه أحدٌ قبله. ونجاحه (مثلاً في معالجة المرض…) يُترجم سياسيًّا بشكلٍ تلقائيّ، والخطأ من وجهة نظر السياسة يُستأصل بالسهولة التي يُستأصل بها الملاريا. أمّا المسيحيّ فيعلم أنّ المشاكل لا تكمن في العالم بقدر ما تكمن فيه. وإذا لم يتغيّر الإنسان بواسطة إلهٍ صالحٍ، سيكون الصلاح في العالم ضئيلاً. الدهريّ يعلم كيف يعالج الملاريا، لكنّه لا يستطيع أن يشارك هذا الخير مع العالم. إنّ العالم (العالم الثالث) يموت، وقد كان يموت دومًا، والدهريّ عاجزٌ لأنه يفتقد إلى الصلاح الحقيقيّ.

 إنّ المسيحيّ مهمّش بشدّة في عالمنا الحديث، يعتبرونه قطعةً أثريةً من الماضي. إلاّ أنه ليس قطعةً دينية، فالحقيقة التي يعرفها أبديّة تنطبق على أسواء العالم بقدر ما ينطبق أيّ جزء من حقيقة الله.

على هذا الجيل أن يفهم ما يعنيه أن يكون الإنسان مسيحيًّا وأن لا يساوم مع الإنسان الدهري. الله صالحٌ ويريد الخير للناس أجمعين. هو ليس نفعيًّا يتمنى الخير الأعظم للعدد الأكبر، بل يريد الخير لكلّ نفس.

عسى أن يكون المسيحيّون منظورين وأمينين لملكوت الله في كلّ مكان.

ظاهرة مار شربل

ظاهرة مار شربل

اﻷب أنطوان ملكي

هذه المقالة غير معنية بمناقشة قداسة شربل مخلوف أو عملية إعلان القداسة في الكثلكة ومحامي القديسين ومحامي الشيطان وغيره من اﻷمور التي نتركها للموقف اﻷرثوذكسي الرسمي. لكن الهدف من هذه المقالة هو تسليط الضوء من منظار إيماني آبائي على كل ما يترافق مع الحملة الإعلامية التي ترافق ما يُنسَب إلى هذا الإنسان من المعجزات في كل أصقاع اﻷرض، وما ينتج عنه من تأثير على المؤمنين ويتبع هذا التأثّر من المواقف. هذا الموضوع لا ينفصل عن النظرة اﻷرثوذكسية للمعجزات وتفسيرها وربطها بحياة المؤمن الروحية، ولا تصحّ قراءته إلا على هذا الضوء، ما يجعل العديد من المواقف الصادرة عن بعض اﻷرثوذكسيين في التشفّع لشربل أو زيارة ضريحه أو الدفاع عن قداسته أمراً خارجاً عن التقليد وعن الترتيب الكنسي الصحيح. وهنا في هذا اﻹطار، نؤكّد أن هذه الظاهرة هي مادة غنية للدراسة في علم النفس ونرجو أن نرى مَن يدرسها بشكل علمي اختصاصي، علّ البعض ينتبهون.

من المُتوقّع أن يستتبع هذا المقال ردات فعل ممن عندهم موقف مسبَق أو ممن هم مقتنعون بقداسة شربل، سواء من الكاثوليك أو من اﻷرثوذكس، وحتى من المسلمين إذا سلّمنا بأن ما تورده وكالات اﻷنباء صحيح. فهناك مَن لا يقبل سلفاً ما سوف يرد، وللأسف هم أحياناً ممن يُفتَرَض بهم الحفاظ على صحة التعليم اﻷرثوذكسي ونقاوته في الكنيسة. يبقى أن الدافع إلى الخوض في هذا الموضوع هو أن شربل هو اليوم نواة حملة مبرمجة قد يكون بين حامليها الكثير من الصادقين المخلِصين إلا أنها حملة تخفي وجه المسيح بوضعها شربل في نقطة التقدم والتركيز.

أقول أن الحملة منظمة ﻷنه لا يكاد يمر يوم لا ترِد فيه قصة من هنا أو من هناك. فهذا شفاء وتلك زيارة لمكان عبادة فيه شربل أو صورته أو تمثاله بشكل لا يتوقعه ناقل الخبر. وهناك دعاية عليها صورة شربل على طريق سريع في أميركا، وهنا تمثاله في كنيسة في المكسيك أو غيره. طبعاً، هذه أمور تهدف إلى إضفاء صفة العالمية على أمر محلي، وبالنسبة للذين يمزجون بين الانتمائين الكنسي والوطني فهذه العالمية أمر مهم. من جهة أخرى، يمكن أن نلحظ من خلال تصفّح الفايسبوك أن عدد الأرثوذكس الذين يزورون مقامات شربل يتزايد، والبعض منهم طلباً للاستشفاع.

من غير المجدي مناقشة صحة المعجزات أو عدمها، لذا سوف يتمّ الاستناد إلى تعليم آباء الكنيسة لوضع هذه العجائبفي إطارها الصحيّ الصحيح. ونظراً لضيق المجال فسوف يتمّ الاستعانة بأبوين هم أناستاسيوس السينائي ونيكولا فيليميروفيتش الصربي.

بدايةً، يذكر القديس أناستاسيوس أن المعجزات ممكن أن تتمّ بعمل الشيطان مستشهداً بالنيران التي سقطت من السماء وأبادت مواشي أيوب (أيوب 16:1). كما يذكر من العهد الجديد سمعان الساحر الذي كان يبهر الناس بعجائبه التي كان ينفذها بقوة شيطانية موهماً الناس أنها من الله (أعال 10:8). كما يستشهد القديس بمتى 24:24 حيث يقول أن قبل المجيء الثاني سوف يكون عجائب كثيرة وعلامات، لكنه يشدد على أن هذا سوف يترافق مع وهن في المعرفة الروحية وضعف في التمييز عند المسيحيين. وكما يذكر الرسول بولس في 2 تسالونيكي 2، فإن الشرير سوف يعمل عجائب كثيرة ويخدع كثيرين قبل مجيء المسيح. وهو يستنتج أن الجهال وأصحاب الفكر الجسدي عندما يرون هذه المعجزات، بسبب ضعفهم الروحي وتشوقهم لرؤية العجائب، سوف يقبلونها على أنها من الله مثبّتين عماهم الروحي.

يقول القديس أناستاسيوس أن لا حاجة للعجائب حيث تكون كلمة الله مقبولة، ﻷن المعجزات هي شهادة لقوة الكلمة (لوقا 36:4).والفاعل اﻷساسي هو الكلمة، من هنا أن المعجزات هي تنازل نحو الضعف البشري. لذا طوّب الرب الذين آمنوا ولم يروا (يوحنا 29:20). يقول القديس اسحق السرياني أن الرب، رغم قربه واستعداده للمساعدة في كل وقت، لا يظهر قوته جلياً بعمل أو بعلامة محسوسة بدون ضرورة، ﻷن ذلك يؤدّي إلى تعطّل إدراك المؤمنين . ولمّا كان اهتمامه الخفي بهم لا يتوقف لحظة واحدة وجب عليهم أن يجاهدوا قدر استطاعتهم في كل اﻷشياء ويتعبوا في الصلاة، والربّ يتدخّل كما يليق بعظمته وقدرته في الوقت المناسب. هذا التدبير لكي يتقوى محبو الله ويتشددوا في الضعف، ومتى تبدد ضيقهم يندفعون من خلال تأملهم إلى التمجيد. إذاً، المعجزة يقررها الله ولسبب يحمل الناس إلى تمجيده لا تمجيد القديسين الذين قد يكونوا نقلوها. في غير هذه الحالة، يصعب علينا إيجاد تفسير إيماني للمعجزة.

أما القديس نيكولا فاليميروفيتش فيعالج حالة الانشداد نحو المعجزات في رسالة مطولة، وهو يتوجّه إلى الذين يرغبون بصنع العجائب كما إلى الذين يسعون وراءها. فبالنسبة إليه، من الأفكار المقدسة يمكن استخراج الخلاصة بأن الذين يرغبون في صنع العجائب، فرغبتهم سببها انفعال الجسد والانشداد إلى اﻷهواء التي في ضعفهم يعتبرونها غيرة على عمل الله، ومثلهم مَن يجري وراء المعجزات في نفس الحالة من الانفعال والخديعة الذاتية. ليس لائقاً في كل اﻷحوال أن نجرّب الرب فذاك كالامتناع عن توقيره. نحن نطلب إليه في حاجتنا وعندما تعجز السبل التي لدينا عن إخراجنا مما نحن فيه. أما تحديد الوسائل التي نريد من الله اتّباعها لخلاصنا فهو عمل غير ﻻئق. وهنا نرى أن اﻷمر ينطبق على منطق النذور لدى غالبية الشعب: إن أعطيتني يا رب كذا أعطيك كذا. نحن نترك لله أمرنا ملتزمين بإرادته ورحمته، وهو يرسل دائماً ما يساعد النفس قبل الجسد، وذلك مرفوقاً بطعم التواضع اﻹلهي.

يقول القديس اسحق السرياني في العظة 56 من النسكيات أن الكثيرين ممن صنعوا المعجزات وأقاموا الموتى وصنعوا معجزات باهرة، عادوا فوقعوا في الشر واﻷهواء وسلموا ذواتهم للموت. ومثله القديس مكاريوس الكبير الذي يخبر أن ناسكاً سكن بالقرب منه أُعطي موهبة الشفاء بغزارة، لدرجة أنه كان يشفي المرض بمجرد وضع يده، لكن عندما مجّده الناس اغترّ وسقط في عمق الخطيئة (المحادثة 27، الفصل 16).

إن نظرة اﻹنسان صاحب التوجّه الروحي نحو أمراض الجسد والشفاء العجائبي مختلفة كلياً عن نظرة اﻹنسان صاحب الفكر الجسداني. فاﻷخير يعتبر المرض بليّة والشفاء، خاصة بصورة عجائبية، على أنه الخير اﻷعظم، من غير اهتمام بمنفعة النفس أو تأذيها. الفكر الروحي قد يرى في المرض رسالة من التدبير والرحمة اﻹلهيين للإنسان. الفكر الروحي يعلّم بأننا نطلب من الله الشفاء بنية ثابتة لاستعمال الصحة والقوة لخدمته وليس لخدمة الهباء والخطيئة. هذا شهد له الرب عينه عندما شفى المخلّع قال له هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ، فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا، لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ” (يوحنا 14:5). لتفادي اﻷذى الذي قد يجذبنا إليه الفكر الجسداني عند معاينتنا للعلامات أو العجائب، ينبغي أن يكون نظر العين الروحية فينا مستنيراً بنور المنطق الروحي.

عندما يحفظ الناس توقيرهم واحترامهم للمقدّسات وتواضعهم ويعتبرون أنفسهم غير مستحقين ليس فقط لإتمام العلامات، بل حتى لمعاينتها. أما مَن فقدوا ما سبق ذكره فهم يجرون وراء العجائب كما لم يسبق لهم. إن البشرية إذ قد تسممت بالخديعة الذاتية والوقاحة والجهل تجاهد من غير تمييز بتهور وجرأة نحو كل ما يبدو عجائبياً ولا تمانع الاشتراك في صنع المعجزات بل هي مصممة على ذلك من دون تردد. المثال اﻷكبر على ذلك هو مجموعات الكاريزماتيك الذين يتزايدون هنا وهناك ويعتبرون كل ما يصدر عن كل واحد منهم علامة ومعجزة. يرى القديس نيكولاوس فيليميروفيتش أننا نقترب من وقت سيتم فيه الكشف عن مشهد واسع من المعجزات الكاذبة العديدة والمدهشة، مغرياً ومدمراً أبناء الفكر الجسداني التعساء، الذي سوف يقعون في إغراء هذه المعجزات وخداعها“. ويتابع إن الرغبة في رؤية العجائب هي إشارة إلى عدم اﻹيمان ﻷن العلامات تُعطى لغير المؤمنين حتى يتحوّلوا إلى اﻹيمان“.

يختم القديس نيكولاوس رسالته بالتالي: “إن معرفة الله واﻹيمان الحي والتواضع المبارَك للفكر والصلاة النقية هي كلها صفات للفكر الروحي، وهي مكونات أساسية فيه. على العكس، تجاهل الله، عدم اﻹيمان، عمى الروح، الكبرياء، الثقة بالنفس، وخداع الذات هي مكونات الفكر الجسداني. هذا الفكر لا يعرف الله ولا يقبل أو يفهم السُبُل التي يمنحها الله لتقبّل معرفته، وبالتالي يخلق لذاته وسيلة خاطئة ومدمرة للنفس، لكي يكتسب من خلالها معرفة الله بما يتوافق مع حالته ولذا يطلب علامة من السماء.”

إذاً، ما نراه اليوم من حملة دعائية تستغل حاجات الناس وافتقارهم إلى ما يعطيهم اﻷمان والصحة، إنما يدعونا الى التنبه واليقظة ﻷن الشيطان يستغلّ حاجات الناس ليوجههم نحو الاستعباد وضعف النفس والتعلّق العاطفي. لذا وجب على المؤمنين أن يفهموا أن الشيطان ينتظرهم زائراً كاﻷسد ليبتلعهم. في آخر الزمان لن يأخذ الشيطان أشكالاً غريبة بل سوف يتّخذ أشكالاً نورانية ليضلل المؤمنين.

عودة كنيسة بولندا إلى التقويم اليولياني

عودة كنيسة بولندا إلى التقويم اليولياني

مقابلة لسيرغي إيفانوف مع اﻷب مارك لافرسشوك

في الثامن عشر من آذار 2014، ألغى مجمع كنيسة بولندا اﻷرثوذكسية القرار المجمعي المتّخذ في 12 نيسان 1924، بإدخال التقويم الجديد، وقرر إعادة القديمأي اليولياني.

ما يلي مقابلة مع اﻷب مارك لافرسشوك حول خلفية وارتدادات هذا القرار.

الهدف من ترجمة هذه المقابلة إظهار أن الكنيسة الحية لا يكون التقويم عندها مشكلة، ولا هي تقع تحت تأثيرات من خارجها، كما يظهر اليوم في أنطاكية حيث يظهر وكأن الهمّ اﻷول لبعض اﻷرثوذكس هو توحيد عيد الفصح مع الكاثوليك (المترجم)

سؤال: قدس اﻷب مارك، هل كان هناك أي صعوبات في الانتقال إلى التقويم اليولياني، أم أنّ اجتماع المطارنة في 2014 ثبّت ببساطة النظام القائم في الرعايا؟

جواب: لم يكن للعودة إلى التقويم اليولياني أي تأثير على حياة غالبية الرعايا في بولندا. إذ بالرغم من القرار المُتَبَنّى رسمياً بأن كنيسة بولندا سوف تتبع التقويم الجديد، إلا إن غالبية الرعايا وجزء كبير من المؤمنين استمروا في العيش بحسب التقويم القديم. حتّى قبل قرار المجمع بالعودة إلى التقويم القديم، كانت رعايا أبرشيات وارسوبيالسكو وبيالوستوكاغدانسك وبرامزيلنوفوسيلتسكي، تعمل بحسب التقويم القديم ما عدا مجموعات قليلة. في أبرشيات لوبلينشالم وفروكلاف ولودزبوزنان كان الوضع أقل تجانساً. وقد تمّ قبول القرار في اجتماعات الرعايا.

سؤال: أيوجد أي إحصاءات عن عدد الرعايا التي بدّلت التقويم؟

جواب: لم تُنشَر أي معلومات إحصائية، وعلى حدّ علمي، ليست جاهزة بعد. في أبرشية بيالوستوكاغدانسك كانت تتبع التقويم الجديد ثلاث أو أربع رعايا فقط من أصل سبع وخمسين في اﻷبرشية. اليوم رعية واحدة فقط قررت، عقب اجتماعها، البقاء على التقويم الجديد.

سؤال: هل الذين عارضوا التقويم اليولياني كانوا في مجال النشاط اﻷرثوذكسي؟

جواب: يشير الكثيرون إلى مشاكل لدى الشتات في الحفاظ على التقويم اليولياني في الكنيسة، خاصةً في المدن الكبرى حيث تتعارض دوامات العمل وتقويماته مع الاحتفال باﻷعياد اﻷرثوذكسية خلال اﻷسبوع. هناك طلب الناس عدم الانتقال إلى القديم بل الاحتفاظ بالجديد.

سؤال: هل سبق أن بذلت الكنيسة البولندية أي جهود لإعادة إدخال التقويم اليولياني منذ أن أعلنت تبنيها التقويم الجديد في 1924؟

جواب: في الممارسة، أغلب الرعايا لم تطبق قرار 1924. وهكذا، فإن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أي بعد 1945، رتّبت الرعايا حياتها الليتورجية بحسب طلب المؤمنين. كل الشمال الشرقي حيث يعيش أغلبية اﻷرثوذكس حفظ التقويم القديم.

سؤال: هل كان هناك أي اتهامات بأن الكنيسة البولندية قريبة جداً من الكنيسة الروسية أو تابعة لها؟

جواب: لا أظن أن المؤمنين فكّروا أبداً في أن التقويم قد هُندِس في موسكو. في فكرهم، الجديد والقديم لا يرتبطان بأي جغرافيا ﻷي كنيسة محلية. بالنسبة للمؤمنين كما للكهنة، المهم هو الاحتفال باﻷعياد في نفس اﻷيام التي يحتفل بها بطريركية موسكو والكنيسة الصربية وجبل أثوس. حجة محبة الروس (Russophile) لتفسير الانتقال إلى التقويم اليولياني هي باﻷغلب مبتدعة أكثر منها حقيقية.

يجب ألا ننسى أن الكنيسة البولندية كانت تختبر الاضطهاد على يدي الحكومة عندما صارت كنيسة مستقلّة، وهي أخذت قرار الانتقال إلى التقويم الجديد تحت الضغط. في تلك اﻷثناء ابتدأ العمل على ترجمة النصوص الليتورجية إلى البولندية. بعد الحرب العالمية الثانية، توقفت هذه الضغوطات وما من أحد ألزم الكنيسة على متابعة عملية الانتقال إلى التقويم الجديد أو استبدال اللغة الليتورجية. إذاً، علينا أن ننظر إلى هذا القرار المجمعي على أنه قرار للكنيسة بديهي وغير مبرر، وعلى أنه قبل كل شيء تأكيد للوقائع القائمة، وليس اختلاقاً لواقع جديد.

سؤال: برأيك، لماذا كانت ردة الفعل هذه في إبطاء إدخال التقويم الجديد في بولندا؟ لقد كان هناك مقاومة قوية لهذه العملية في اليونان أيضاً لكن أغلبية الرعايا قاموا بها. في بولندا، ببساطة أهملت الرعايا هذا التجديد. ما سبب هذا الفرق؟

جواب: اﻷرثوذكس في بولندا لطالما اختبروا صعوبات متكررة من جيرانهم غير اﻷرثوذكسيين: اتحاد براست، مصادرة الكنائس اﻷرثوذكسية… ازداد التوتر بعد تقسيم البلاد وحين رُبطَت اﻷرثوذكسية في بولندا بنظام القياصرة الروسي.

في القرن العشرين، خشي الناس أن تغيير التقويم في 1924 كان يهدف، طبعاً استناداً إلى خبرات سابقة، إلى وحدة جديدةأو بعبارة أخرى إلى امتصاص الكثلكة للجماعات اﻷرثوذكسية.

إشارة تاريخية

كان الكاثوليك الغالبية في الاتحاد البولندي الليتواني منذ 1569 إلى تقسيم البلاد في 1772، ولكنهم لم يتخطّوا نصف عدد السكان لوجود الأرثوذكس والبروتستانت إلى جانبهم. وجود غير الكاثوليك سهّل تقسيم البلاد بشكل غير مباشر. هذا الجو التعايشي الذي نشأ من بعد الاتحاد البولندي الليتواني وال tolerance ما بين الطوائف ساعد اﻷرثوذكس في عشرينيات القرن السابق.

اتحاد براست وتأثيره على اﻷرثوذكس

اتحاد براست هو إشارة إلى القرار الذي أخذته مجموعة من اﻷوكرانيين برئاسة ميتروبوليت كييف بالانفصال عن الكنيسة اﻷرثوذكسية والانضمام إلى الكثلكة واضعين ذواتهم تحت إمرة بابا روما. هذا كان في علمي 1595 و1596، وقد تمّ اﻹعلان عن هذا الاتحاد في مدينة براست وتمّ تثبيته في الفاتيكان في قاعة قسطنطين. المجموعات الاتحادية صارت الروم الكاثوليك في أوكرانيا وبولندا والنمسا وليتوانيا، وقد ترافق مع انشقاقها الكثير من الاضطهادات والمذابح، وقد تراجع البعض منهم لاحقاً عن انشقاقه فيما استمر الغالبية إلى اليوم. كان لهذا الانشقاق أثره البالغ على الذين حفظوا اﻷرثوذكسية إلى اليوم.

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس- 2

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس- 2

إعداد ماريا قبارة

2- العائلات الساكنة في الأراضي المصرية

يوسف: (يزيد) ابن يعقوب وراحيل وأبو منسّى وأفرام، توزّر لفرعون مصر وتولّى شؤون الإعاشة أيام المجاعة. تك37-50.

فرعون: (البيت الكبير) وهو لقب لملوك مصر. يذكر المؤرخ اليوناني “سنكلوس” أنّ الفرعون “أيوفيس” هو الملك الذي استوزرَ يوسف، وهو أحد ملوك الهكسوس. تك37-50.

بنيامين: (ابن اليمنى) الابن الأصغر ليعقوب وراحيل، ماتت أمّه راحيل أثناء ولادته؛ أب سبط بنيامين، هذا السبط الذي وقف إلى جانب يهوذا عند انقسام المملكة. تك18:35، 42-49.

أفرايم: (الأثمار المضاعفة) ابن يوسف. ولد في مصر وأعطاه يوسف هذا الاسم لأنّه كان الابن الثاني. أب لسبط أفرايم. تك 52:41.

صِفُّورا: (عصفورة) ابنة يثرون الكاهن المدياني، اقترنت بموسى وولدت له ابنين أحدهما جرشوم، والثاني أليعزر. قاومت ختانة ابنها الثاني، ولكن عندماكانت العائلة سائرة إلى مصر وتعرضت حياة زوجها إلى الخطر بسبب نكث العهد رضختْ. ولعلّها ذهبت إلى أبيها مع ولديها في ذلك الوقت، ولكنّ الأرجح أنّها رافقت موسى إلى مصر. وبعد الخروج فيما كان قائد بني إسرائيل يدنو من جبل سيناء أرسلتْ إلى يثرون لتعلّمه بما صنع الله لموسى ولبني إسرائيل، وكيف أنّ الربّ أخرجه من مصر. و عاد معهم يثرون إلى رفيديم. ويظنّ البعض أنّها هي نفسها المرأة الكوشيّة التي تزوجها موسى. خر21:2،22؛ 18:4-26؛ 1:18؛ 2:18-6. 1أخ15:23. عد1:12.

ميريام: أخت موسى وهرون، أنشدت تسبحة الانتصار عند عبور البحر الأحمر، وضربت لاحقاً بالبرص بسبب تمردها على موسى. خر4:2.

هرون: (مثقّف) أخو موسى كليم الله والناطق باسمه، رئيس كهنة اسرائيل الأول، أرسله موسى ليتكلم عنه عند فرعون. خر4. عد33.

يشوع: (يهوه خلاص) اسمه في الأصل العبري “هوشع”. من سبط أفرايم. ولدَ في مصر. خادم موسى وخلفه كقائد لبني اسرائيل، أدخل العبرانيين أرض كنعان وقاد جيشهم في محاربة العمالقة فاجتاز الأردن ودخل أريحا. خر17. عد13-14؛ 27. تث31؛ 9:34. يش4.

يهوذا: (يحمد) أحد أبناء يعقوب الاثني عشر. إليه ينسب أحد أسباط اسرائيل ومملكة يهوذا. دافع عن أخيه يوسف عندما حاول إخوته اغتياله. تك35:29؛ 37-38؛ 43؛ 8:49-9.

لاوي: (مقترن) ثالث أبناء يعقوب من ليئة. سُمي بهذا الاسم لأنّها قالت: “الآن يقترن بي رجلي”. وُلد للاوي ثلاثة بنين جرشون وقهات ومراري. أعطى اسمه لسبط من أسباط اسرائيل الاثني عشر، هذا السبط الذي خرج منه الكهنة أو اللاويون. تك 34:29؛ 25:34؛ 25:34-31؛ 5:49-7.

نفتالي: (مصارعتي) الابن السادس ليعقوب والابن الثاني لبلهة جارية راحيل. سُمي هكذا لأنّ راحيل قالت: “مصارعات الله قد صارعتُ أختي وغلبتُ”. أبو أحد أسباط اسرائيل. تك8:30؛ 21:49.

يسّاكر: (يعمل بأجرة) تاسع أبناء يعقوب وخامسهم من ليئة. أبو أحد أسباط اسرائيل. تك18:30؛ 14:49.

زبولون: (سكن أو إقامة) الابن السادس لليئة والعاشر ليعقوب، وعند ولادته ظنّت أمّه أنّ زوجها سوف يساكنها فدعته زبولون. أبو أحد أسباط اسرائيل. تك20:30؛ 13:49.

منسّى: (من يُنسي التعب) ابن يوسف، وأبو أحد أسباط اسرائيل. تك 51:41.

فوطيفار: (عطية الإلهشمس) رئيس الشُّرط في بلاط فرعون. أحبّت زوجته يوسف بن يعقوب، ولمّا لم يُجارها في الشرّ شكته زوراً إلى زوجها فرماه في السجن. تك36:37.

رأوبين: (هوذا ابن) البكر بين أبناء يعقوب الاثني عشر، ولدته ليئة والذي سعى إلى إنقاذ يوسف. أبو أحد أسباط اسرائيل. تك32:29؛ 14:30؛ 22:35؛ 42:37؛ 3:49.

موسى: (المنتشَل من الماء) أشهر رجال التوراة ومن أكبر مشترعي البشريّة. من سبط لاوي. ولد في مصر وأنقذته ابنة فرعون من المياه فتربّى في قصر أبيها. بدأ رسالته في سنّ الأربعين بعد أن لجأ إلى برية سيناء فأرسله الربّ لينقذ بني اسرائيل من مظالم فرعون. فجاز معهم برية سيناء مدة أربعين سنة. تلّقى من الربّ على جبل حوريب الوصايا العشر، فسّلمهم إيّاها وسنّ لهم الشرائع الأدبيّة والكهنوتيّة والاجتماعيّة فكانت دستورهم الديني والمدني. لهذا يعتبر موسى المؤسّس والمشترع. لقب بـــ”كليم الله”. مات ولم يدخل أرض الميعاد. خر 2-34.

شِمعون:(سماع) أحد أبناء يعقوب الاثني عشر من ليئة، باسمه سُمي سبط من أسباط اسرائيل الاثني عشر. كان يقطن في جنوبي فلسطين. تُرك في مصر كرهينة عند يوسف. تك33:29؛ 25:34؛ 24:42؛ 5:49.

كالِب: (كلب) أحد الذين أرسلوا للتجسّس على أرض كنعان، وحده هو ويشوع من بين الجواسيس الاثني عشر نصحا للتقدّم، طالب في شيخوخته بحبرون ملكاً له وطرد العناقييّن منها. عد13-14. يش14-15.

عخان: (المزعج) ابن كرمي بن زمري، من سبط يهوذا. رُجم من الشعب، لأنّه أخذ من مغانم أريحا، هو وعائلته وأحرقوهم وأتلفوا ممتلكاتهم. 1أخ2 :7. يش7

سيحون: ملك موآبي في شرقي الأردن نغلّب عليه بنو اسرائيل. عد21.

عوج: ملك باشان شرقي الأردن هزمه بني اسرائيل. عد32:21. تث3.

إقامة ابن أرملة نايين

إقامة ابن أرملة نايين

اﻷب أنطوان ملكي

إن السيِّد فتح قلبه للغرباء، لهذا نرى في الإنجيل قائد المائة الروماني يتقدَّم من أجل عبده الغلام ليحتل بإيمانه مركز الصدارة في عيني الرب، ويحسب صديقًا أقرب إلى الله من بني إسرائيل، والآن نراه يترفَّق بأرملة فقدت وحيدها الشاب مظهراً أن محبته جامعة تضمّ كل البشر.

يرى بعض الآباء أنّ قائد المائة يشير إلى الكنيسة القادمة من الأمم أما الأرملة فتشير إلى البشريّة بوجه عام والتي صارت كأرملة ﻷنها فقدت الله الذي هو رجلها الحق. أمّا وحيدها الشاب الميِّت فيُشير كل نفس بشرية أفقدتها الخطيئة حياتها الفعلية فصارت ميَّتة. لذا الرجال يحملون النعش في الطريق ﻷنه لم يعد لها موضع في بيت الرب، أو في الفردوس الذي هو البيت الأول للإنسان.

لا شكّ أن في أيام السيِّد المسيح مات كثيرون ولا نعلم كم من اﻷموات أقام السيِّد أم هو اكتفى بإقامة لعازر، والشاب ابن أرملة نايين، والصبيّة ابنة يايرس. فالمسيح أصلاً لم يأتِ لينزع عنَّا موت الجسد، إنما لكي يحطِّم موت النفس، ويرفعنا فوق سلطان الموت، فنجتازه معه غالبين ومنتصرين لنبلغ اللقاء معه وجهًا لوجه أبديًا.

هو لم يعدْنا بطرد الموت عنَّا وإنما بموته معنا وعنَّا حوَّل الموت إلى جسر للعبور بنا إلى الملكوت بانتظار يوم الرب العظيم، لذلك نسمع عن والدة القدِّيس غريغوريوس النزينزي أنها ارتدت ثياب العيد عندما حضرت دفن جثمان ابنها قيصريوس.

تهتم الكنيسة أولًا بقيامة النفس، لإنَّ الجسد سيقوم حتمًا، فإذا كانت النفس متمتِّعة بالقيامة ينعم معها بالمجد الأبدي. من هنا القول اﻵبائي: “أنه لعمل مُعجزي أعظم أن يقوم شخص ليحيا إلى الأبد عن أن يقوم ليموت ثانية”. وأيضاً قول آخر: “فرحت الأم الأرملة عند إقامة الشاب، والبشر يقومون كل يوم بالروح، والكنيسة تفرح بهم كأمٍ.” ولكن مع أن الكنيسة تركِّز على قيامة النفس بطريقة غير منظورة، لا تتجاهل قيامة الجسد التي ينكرها البعض. لقد أقام الرب هؤلاء الثلاثة ليُعلن أنه واهب القيامة للنفس والجسد معًا. فقيامة النفوس هي بالاتِّحاد به ﻷنه الحياة، وإقامة الأجساد هي في يوم الرب العظيم.

نقطة أخرى ينبغي التوقف عندها هي حنان الرب الظاهر في قول الإنجيلي فلما رآها الرب تحنَّن عليها“. فالسيِّد لم يُقِمْ الشاب استعراضًا لسلطانه على الموت وقدراته على وهْب الحياة، بل قام بذلك ليمنح حنانه. فالربّ يتعامل بسلطة وسيادة لأنه الخالق وسيِّد الكل، لكنه يتعامل معنا أيضاً بمحبة ورحمة ﻷنه الأب والعريس والصديق والحبيب لكل الناس الذين يقبلونه.

والرب في تحننه، دفع الميِّت إلى أُمّه عندما جلس وابتدأ يتكلَّم. والكنيسة هي هذه اﻷم التي أرسلها الرب لنا في تحننه وهي لا تتوقَّف عن البكاء من أجلنا متضرِّعة إلى المسيح ليردّ لها أبناءها أحياء ناطقين بكلمة الحياة. نختم بوصية للقديس أمبروسيوس: “إن أخطأت خطيئة مُميتة لا تستطيع أن تغسلها بدموعك، فاجعل أُمَّك تبكي عليك، التي هي الكنيسة، فإنَّها تشفع في كل ابن لها كما كانت الأرملة تبكي من أجل ابنها الوحيد. نحن أحشاء الكنيسة، لأننا أعضاء جسدها من لحمها وعظامها. لتبكِ إذن هذه الأم الحنون ولتشاركها الجموع لا الجمع وحده، حينئذ تقوم أنت من الموت وتخرج من القبر.