كنيسة أنطاكية والوحدة الأرثوذكسية*

الأرشمندريت إيرينيوس ياكوماكيس**

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ما أظهره قرار بطريرك أنطاكية بقطع الشركة مع بطريركية أورشليم هو ببساطة الجرح القائم في حضن الكنيسة الواحدة، المقدسة، الجامعة، الرسولية. مَن يجادل بأنّ الشؤون التي تنشأ عن علاقات الكنائس هي ثنائية أو ثلاثية وليست شاملة لكل الأرثوذكس هو للأسف مخطئ، أو أنه ينأى بنفسه عن المشكلة بطريقة معاكسة للكنيسة، أو للأرثوذكسية وللمسيحية، إذ لا يمكن أن يتألّم عضو من جسد الكنيسة من دون أن يتألّم الأعضاء الباقون أو من دون أن يتعاونوا لمحاربة الجرثومة التي دخلت إلى بنيتها. لقد قدّم الرسول بولس الحلّ لكل هذه الأمور.

لم يكن باستطاعة كنيسة أنطاكية أن تغمض عينيها أو أن تسمح للسرطان، أي سرطان انتهاك القوانين الكنسية المتعلّقة بنطاق السلطة الكنسية، بأن يصيب علاقات البطريركيتين القديمتين، ولا أن يخلق نظاماً جديداً غير قانوني ضمن الكنيسة. فهذا يخالف قوانين المجامع المسكونية التي يلتزم بها الجميع والتي تحدد حدود وسلطة كل كنيسة. ونورد هنا كسابقةٍ ما جرى حين تدخّلت كنيسة أورشليم في أوستراليا التي لا تتبعها كنسياً (وعملياً لا تتبع غيرها – المترجم). فقد حكمَت بطريركية القسطنطينية على أساقفة كنيسة أورشليم بالتجريد من رتبهم الكنسية واعتبارهم مجرد رهبان (أيضاً هنا لا سلطة كنسية لكنيسة القسطنطينية في إصدار هكذا حكم – المترجم).

في الحالة الحاضرة، قبل الوصول إلى قطع الشركة، وبالرغم من العبء الثقيل الذي تحمله بطريركية أنطاكية جرّاء المواجهات الدموية في سوريا، فقد توجّهت برسائل إلى كافّة الكنائس الأرثوذكسية قبل الاجتماع الأرثوذكسي العام الذي انعقد مؤخّراً، طالبةً مناقشة القضية، دون أن يلقى الطلب آذاناً صاغية.

هنا يجوز التساؤل حول الغاية من الإنشاء غير المتوقّع لأبرشية جديدة في قطر تابعة لبطريركية أورشليم. ما الذي حرّك مجلس المتقدمين في أخوية القبر المقدس، وبطريركية أورشليم، صهيون المقدسة أم الكنائس التي أوكِلَ إليها الحفاظ على الأماكن المقدسة ومواقع الحج؟ هل يُعقَل أنهم اختاروا قطر مُحَرَّكين بأهداف سياسية، لكي ينتهكوا سلطة بطريركية أخرى هي أنطاكية، في وقت تسطّر أنطاكية بدماء مؤمنيها لوائح جديدة من الشهداء تضيفها إلى كتب كنيستنا الليتورجية.

إن شرّاً واحداً يتبعه ما لا يُحصى من الشرور. هذه الحالات هي نتائج متجذرة في الوضع المتفجر القائم في بطريركية أورشليم. حيث أنه سابقاً، من خلال إجراءات تفتقد الشفافية وتناقض القوانين، ومن دون دليل أو إثبات، جرى خلع بطريرك أورشليم الشرعي إيرينيوس الأول، واعتلى مكانه شخص آخر (ثيوفيلوس البطريرك الحالي – المترجم) بإجماع غير مسبوق في تاريخ هذه البطريركية، نتيجةً لتدخّل العملاء السياسيين والماليين في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية واليونان والأردن. لقد تمّ تنفيذ هذه الإرادة على يد أساقفة من الكرسي الأورشليمي كانوا يتصرّفون كأبواق لهؤلاء العملاء، وبمشاركة ممثلي الخارجية اليونانية في ذلك الحين. وكان على البطريركية المسكونية أن تشرّع هذا العمل، وبالواقع من خلال تثبيتٍ “أرثوذكسي جامع”.

لكن هذا التثبيت بأغلبية سبعة أصوات موافقة وسبعة ضد (أربعة اعترضوا وثلاثة تغيّبوا اعتراضاً)، أثارَ أعظم كارثة على الوحدة الأرثوذكسية منذ مجمع فراري الزائف في فلورنسا. فالكنيسة، بدل أن تعبّر عن شهادتها المشتركة، بفضّها للوقائع وكشفها، مفصّلةً الحق عن الباطل، وحتى من دون محاكمة كنسية، ضحّت بإرادة الله من أجل إرادة البشر وأغمضت عينيها عن القوانين الكنسية، واتّبعت من جهةٍ إرادةَ غالبيةٍ نسبية، ومن جهة أخرى التوجيهات السياسية، حتى انتهينا اليوم إلى المشاكل التي تتخبّط بها بطريركية أورشليم، والتي كشفتها بطريركية أنطاكية بسحبها الستار عن ما يجري. إن المسائل الأكثر عمقاً لم يتمّ الكشف عنها علناً، لكن سوف يأتي وقت حين كل شيء سوف يظهر إذ ما من شيء يبقى مخفياً تحت الشمس.

جدير بالذكر أن في رصيد بطريركية أنطاكية قيامها بالعمل نفسه في العام 2005 حين، ومعها كنائس جورجيا وبولندا ورومانيا، رفضت التصويت لصالح اتّهام البطريرك إيرينيوس لعدم وجود الدليل. يُذكر أن كنائس صربيا وبلغاريا وتشيكيا كانت تغيبت عن الاجتماع. فتهمة البطريرك إيرينيوس كانت بيعَ عقارات مهمة في القدس القديمة إلى اليهود. ولو أن هذا الأمر كان صحيحاً لكان يُتوَقّع من كنيسة أنطاكية للروم الأرثوذكس، وأساقفتها وأعضاؤها عرب، أن تنفث غضباً على البطريرك إيرينيوس. ومع ذلك، فإن بطريركية أنطاكية التزمت بالرصانة واحترام قوانين الكنيسة عبر ممثلها الميتروبوليت إلياس (مطران بيروت) ووقفت ضد كسر وحدة الكنائس. إذاً، التاريخ يُظهِر أن أعمال بطريركية أنطاكية لطالما حكمها الاحترام للقوانين لا للأشخاص الذين غالباً ما يخطئون.

إذا بقيت هذه الأخطاء بلا تصحيح فلن يكون هناك كنيسة محلية واحدة في خطر بل سوف يطال الخطرُ وحدة الكنيسة الأرثوذكسية كلها، وسوف يبقى سيف الانقسام مسلَطاً على رؤوسنا نحن الروم مثل سيف ديموقليس. ونتيجة لذلك، لا نستطيع أن نتكلّم عن مجمع أرثوذكسي عام أو نفكّر به طالما أن على رأس إحدى الكنائس الأرثوذكسية رئيس غير شرعي، كون هذا يشكّل قطعاً للتسلسل الرسولي. حتّى لو غضضنا النظر عن هذا، فإن الحجارة سوف تصرخ، كما يحدث اليوم في قضية قطر، وحياة الكنيسة سوف تجلب القضايا إلى النور، فالحق لا تعبّر عنه الأغلبية دائماً، بل ذاك الذي يحمل الروح القدس ويعلن الروح بغض النظر عن ما يكلّفه ذلك شخصياً. عندما تتبع الأغلبية ذلك الشخص تحفظ حقيقة الإيمان.

بالحقيقة، هذا كل ما قام به الإسبيريدونات والباسيليوسات والغريغوريوسات والنيقلاوسات والمرقسات (جمع أسماء القديسين إسبيريدون وباسيليوس وغريغوريوس ونيقولاوس ومرقس الأفسي ومَن تمثّل بهم من بعدهم – المترجم) وغيرهم، خلال رحلة كنيستنا الممرغة بالدماء، ولهذا ما بقيت الأرثوذكسية إلى اليوم. لقد تبعهم الأساقفة لأنهم رؤوا روح الله يتكلّم بأفواههم واضعين اختلافاتهم الشخصية جانباً، لأن في الكنيسة الأرثوذكسية ما من آراء أو أفكار، إلاّ تلك التي من الله أو الأخرى التي من الشيطان.

هذا ما تقوم به بطريركية أنطاكية، ومن خلف أعمالها يمكن تمييز أسفها للتمزّق الحاصل وبشكل أساسي فهمَها لأزمة بطريركية أورشليم التاريخية وتفهّمها للمشاكل التي تمّ خلقها وطرق مجابهة للمرض. إن أعمال كنيسة أنطاكية تظهر لهفتها ومبضعَها واجتثاثها للسرطانات التي تراكمت في حضن الكنيسة.

لقد تجرّأ رؤساء الكنائس الأرثوذكسية في أوستراليا بعد تسع سنوات ولامسوا فتات الأزمة ولو بخجل وبتوصيفات غير ناجحة. مع هذا، مَن يسمع ويطبّق ما يقوله الروح القدس للكنائس؟ ليست الرؤيا بعيدة عنّا وذلك لأن كنيستنا عندها الحقيقة المعلّنة، بشرط أن يرى رؤساء الكنائس ذلك ويعلنوه، وِفقاً لمعيار حاملات الطيب.

* عن Romfea, May 10, 2014

** لاهوتي ومحامي، طالب دكتوراه في الحق العام في جامعة أثينا

Leave a Reply