الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن الناس المبارَكين المتواضعين هم ودعاء، رصينون، هادئون، متعلّقون بالفضيلة، معادون للشر، لا يكدّرهم أي حادث أو خطر. إنهم يحيون في حضن الإيمان، كمثل الأطفال في احتضان الأمهات في النعمة. إنهم لا يعيشون لذواتهم، لأنهم نسوا هذا العيش. لقد اتحدوا بالآخرين وصاروا الكل للكل لكي يجلبوا السلوى لهم. هم يبكون مع الباكين ويفرحون مع الفرحين. إذ بالنعمة قد استُوعِبوا في المسيح المخلّص، يحملون كل عبء، من دون أن يحزِنوا غيرهم أم يمرمروهم. في ملء محبتهم للآخرين، حتى للخليقة غير العاقلة، بخضوعهم لكل إنسان آخر، يقدّمون كلّ ما تتطلبه الظروف بينما في الوقت عينه يختفون في غطاء تواضعهم فلا يلاحظهم أحد. إنهم يتلافون أضواء الشهرة، يرفضون الإكرام ولا يطلبون الامتنان. الجميع يحبونهم ولا أعداء لهم. إذا كان هناك من سبب لتوبيخهم أو إدانتهم، لا تبلغ التهم ضدهم إلى المواجهة الشخصية. إن سِتر النعمة الحامي الذي يرافقهم يثير الخوف والتوقير في الآخرين فتتغير قراراتهم ومشاعرهم بلمحة بصر، وأولئك الذين كانوا متَّهِمين يتحوّلون إلى خدّام. لكن حتّى الخليقة غير العاقلة، الحيّة والجامدة، تبدّل خشونتها بوجود المتواضعين. إن العناصر الفظة والحيوانات المفترسة تدرك بشكل مباشر النعمة الإلهية التي تلفّ المتواضعين فتكفّ عن عملها الطبيعي وتتحوّل إلى خدّام لأنها تشتّم حول المتواضعين رائحة مولاها الأول، آدم غير الخاطئ، الذي اقترب منها وأعطاها أسماءها كسيّدها وعرّابها.

بحضور المتواضعين نميّز جميعنا صورة المسيح المخلّص، الخليقة الجديدة، آدم الجديد. ذاك الذي صام في الصحراء كان مع الحيوانات البرّية وخَدَمَته الملائكة. ذاك الذي مشى على المياه ووبّخ الرياح والعاصفة، ذاك الذي طرد الشياطين، شفى الأمراض التي تصيب كل الجنس البشري بانتصاره على الموت، ذاك الذي أعطى الحياة، الذي صار وما زال قيامة الكلهو امتدح المتواضعين قائلاً طوبى للمساكين بالروح لأنّ لهم ملكوت السماوات“.

بحسب الآباء، التواضع هو عطية من الروح القدس، وليس إنجازاً بشرياً بالمطلَق. إنه يُمنَح للذين يشتهونه ويسعون إليه ويعملون متحمّلين الآلام على الأمور التي تساهم في النجاح باكتساب هذه البَرَكة. يبدأ التواضع بالمظهر المتّضع وينتهي بالسلوك باتّضاع. الذين لا ينسبون لأنفسهم قدرات أعظم مما يملك غيرهم ولا يفتكرون بغير اتّضاع بذواتهم، يقدّرون أشباههم من البشر، يقبلون اللوم عندما يُوَجّه إليهم ويصغون إلى النُصح. إنهم يصيرون أكثر لطفاً في العريكة، يضبطون غضبهم ويتحرّكون بسهولة نحو التعاطف. إذا ما اتّخذوا هذا الموقف متّكلين على الله كجهد واعٍ للأخلاق المسيحية، يصلّون إلى الله ويرجونه لأن يقويهم. من ثمّ يتقدّمون بنعمة الله نحو أحاسيس الاتّضاع الكامل الذي هو عطية من الله. هناك أيضاً أناس موهوبون طبيعياً بالوداعة والاتضاع، ومع أن هذا مستحق للمديح، إلا إنّه لا يستحق المكافأة، لأنّ هذه الصفات قد اكتُسِبَت من دون عمل وكفاح وجهد.

يوجد أيضاً حالة العار غير الطبيعية التي وجد البشر أنفسهم فيها بعد السقوط، عندما فقدوا في آنٍ واحد رِفعتَهم، أبديتهم وعدم موتهم وخضعوا كعبيد للموت والفساد. العار، كسقوط ودمار وفشل موجود للأسف فينا جميعاً، لكن بالأكثر في أولئك الذين يؤمنون بأنّهم استثنائيون. هنا، هذا ليس الاتضاع أي العطية الروحية الممنوحة من الله للكاملين في الفضيلة، بل بالأحرى الشخصية التي سقطت بعيداً عن رباطاتها الطبيعية إلى حياة وأسلوب سلوك متصنّعين، في كل من الهيئة والعمل.

نشير إلى هذا لأن الذين يشتهون أن يستحقوا عطية التواضع يجب أن يعرفوا أن أهم العوامل تأثيراً في هذا هو الاعتراف بالحالة الانفعالية التي جلبتنا إليها الأهواء بعد السقوط، كما النتائج الهدّامة للحياة في الخطيئة. يسأل الناس: “كيف نصير متواضعين؟نحن نجيب: “اكتشفوا خزيكم، حيث جعلكم الشيطان والخطيئة وغيرهما من الأسباب المختلفة تتخبطون. بعد أن تدركوا ذلك، توبوا، وإذا بكيتم على ذلك فسوف تكتسبون الاتضاع الروحي الذي يمنحكم إياه الله. هناك طريقتان متساويتان حيث يمكننا أن نقيس عمق سقوطنا. لقد أشرنا إلى واحدة، ذات الشكل الصاعد والأسمى.

أما ذات الشكل النازل والأدنى منزلة فتبدأ من الوضعية الأولى للشخصية عند الخلق. كيف كنا كخليقة الله الأولى؟ تكفي كلمة الله لتخبرنا حيث يقول أننا خُلِقنا على صورته ومثاله“. لقد كنّا بسيطين صالحين لطفاء كاملين رصينين عادلين لا يرقى إلينا الشك عموماً لامعين بالكلية ومكرّسين لله. لم نكن نعرف شيئاً عن أي حاجة أو ألم أو خوف أو خطر أو فساد أو الموت عدونا الرهيب. هذه صورة مختصرة عن شخصيتنا قبل السقوط، شخصيتنا الحقيقية. وقد تخلينا عن المنافع الأبدية للبركة التي لا تنضب، التي ورثناها بكوننا ملفوفين في أحضان الله الأبوية. إذا تطلعنا الآن إلى حيث نحن، كلٌّ لوحده أو كلنا معاً، سوف نرى أننا بؤساء وأذلاء، في أكثر الحيوات بؤساً وخزياً، لا تختلف أبداً عن الموت. أسأل أولئك الذين يريدون أن يصيروا متواضعين ولا يعرفون كيف، أليس إدراكهم أين هم كافياً بحد ذاته؟

نحن نعرف نعمة الله التي أُعطيَت لنا من خلال صليب المسيح وقيامته. “ وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.” (يوحنا 12:1). أيضاً، في رسالته الأولى يقول القديس يوحنا وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ.” (1يوحنا 2:3)، وأيضاً بحسب بولس فسوف نكون “وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ.” (روما 17:8). إن هبة الله بالمسيح مخلصنا رَفَعَتْنا إلى نعمة التبني هذه، إلى حالة الألوهيةالبشرية وإلى التمجيد. من خلال أسرار الكنيسة وحفظ الوصايا يتلقّى كل المؤمنين ويمتلكون في داخلهم كل هذه النعمة حتى يتمكنوا من أن يصيروا أبناء الله وإخوة المسيح. إن البرهان على هذا هو قديسو كنيستنا الذين، كما قال المسيح، عملوا كما عمل وأتمّوا حتى أعمال أعظم بنعمته.

إذا تفحّص كل واحد منّا أين هو في عالمنا الداخلي والخارجي، على أساس القدسية والألوهية اللتين لنا، سوف نجد ذلّنا وبؤسنا، اللذين جرّنا إليهما الشيطان والخطيئة. إذا كانت هاتان الطريقتان التي شرحناهما مفهومتين بالنسبة إلى معرفتنا الشخصية، فهما معونتان عظيمتان لإيجاد مبدأ المظهر المتواضع، حتى بعد جهاد مناسب وتوبة نبلغ إلى التواضع الأصيل، إذا رغبنا بذلك.

Leave a Reply