العفـــة والبتـوليّـة


إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

مدخل

هل الطهارة حكر على الرهبان؟!..أم هي شيء يختص بعصور مضت، وأساطير جميلة تبقى أحداثاً استثنائية لا تمتُّ إلى الواقع المادي بصلة، خاصة في أيامنا؟ هل آية “كونوا كاملين” تفوه بها معلم حالم إلى شرذمة من العاطلين عن العمل والمكبوتين في حياتهم حتى ينسيهم شقاءهم؟

لا يا أحبة، لأن ” هذه هي إرادة الله قداستكم “(1تس 3:4). فشهادة ألفي سنة من عمر الكنيسة، برهنت للعالم أن القداسة ليست حدثاً استثنائياً لا يصلُ إليه سوى “مختارون” بل هي النتيجة الطبيعية لكل من حاول أن يعيش بحسب وصايا الرب “إذا شاء”، أي إذا شاء الإنسان أن يتبع المسيح.
كيف؟..فلنسمع إحدى الإجابات البسيطة من إنسان كان مضطهِداً للمسيح ثم تاب ليصبح قديساً كبيراً: ” لأن هذه هي إرادة الله قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا. أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه (أي جسده) بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله. أن لا يتطاول احد على أخيه في هذا الأمر…” (1تس 3:4-6 ).
العفة!!! إنها خرافة في أيامنا. لكن إذا أردت أن تعيش كمسيحي، أن تكون ملح الأرض ونور العالم، فلا بد للملح والنور أن يكونا نقيين صافيين، لئلا إذا فسدا يفسدا كل ما خلقه الله. مستحيل!!! “أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوِّيني”. فالعفة ليست كبتاً، لان كل من يقرأ الإنجيل يعرف تماماً أن العفة هي ملء الحب، حب الخالق وحب الإنسان، صورة الله المدعو إلى التأله.
إخوتي الشباب، إناثاً وذكوراً،
قد تدعونا الضرورة أو اللياقات للمشاركة في مناسبات شتّى تخصّ من حولنا من جيران أو زملاء في العمل … وقد يتواجد هناك أناس بعيدون عن معرفة الرب يسوع وعن ما يليق بالإنسان المسيحي وما يوافق من تصرفات أمام الآخرين.
لننتبه هناك أمور تثير الخطايا فيستسلم البعض خوفاً من الموجودين ماذا سيقولون عنّا أو من الكبار الملزمون نحن بطاعتهم أو…. الخوف قد يكبح قدرة الخطيئة ولكنه يعجز عن تعطيل ردّة فعلها، إنه يجعل الذين ردعهم عن فعل الخطيئة أكثر تعطّشاً إلى معاودة فعلها، إذاً الخوف إما يجعلنا نستسلم أو نمتنع ولكن لي هو الحلّ. الحلّ هو الاقتناع والإيمان والتصميم أننا نريد أن نتبع الرب ونمجده في حياتنا.
فإغراء الشهوة نستطيع مقاومته بالانسحاق الداخلي ورمي ضعفنا أمام الرب والمثل السيئ لا نقتدي به لأننا أولاد الله.
وها أنا، يا أخي، أطرح عليك بعض الأسئلة أرجو من خلال إجابتك عليها أن تعرف نفسك جيداً هل أنت عفيفاً أم لا: “الجسد صبور يكفي ألا نعطيه عادات سيّئة. البتول قوي يحفظ ذاته لكي يصل إلى السّلام.”
1- هل أخطأت بالفكر، بالنّظر، بالسّمع، باللمس، بالكلام، بالقلب؟
2- هل كانت عفّتك إيجابيّة مقدَّمة لله ومكرَّسة له؟
3- هل تعلم أنّ مسك البطن وصيانة اللسان ولجام العينين هم طهارة للجسد؟
4- هل تعلم أنّ بذار عرق الصّوم يُنبت سنبل العفّة ومن الشّبع يتولّد الفسق ومن الامتلاء النّجاسة؟
5- هل تتحفّظ من كلّ شيء فيه لذّة من لذّات هذا العالم لكي يكون الجسد دائماً هادئاً ومحفوظاً من الحركات الشّيطانيّة؟
6- هل تقع في النّسيان والتّواني والشّهوة التي هي أسباب الخطيئة؟
7- هل تسيطر على غرائزك أم تستسلم لها؟
8- هل تحارب الشّهوة بمطالعة الكتاب المقدّس، سير القدّيسين، حضور الصّلوات الطّقسيّة بتواتر؟
9- هل تكرّم جسدك وتحبّه وتنعّمه وتنيّحه أم إنّك تقسو عليه؟
10- هل تقهر الشّهوة أم تتساهل وتخضع لها؟
11- هل تسعى لتتخلّص من روح الزنا بدموع التّوبة؟
12- هل تعلم أنّ السّهر والصّلاة والجوع والتّعب مع العزلة عن النّاس تبطل شهوة الزنا؟
13- هل تفكّر بالخطايا القديمة التي فعلتها؟
14- هل تتناول الأسرار المقدّسة باستمرار كقوّة ضدّ الشّهوة؟
15- هل تسعى لضبط حواسّك: النّظر، اللسان، اللمس؟
16- هل تحاسب نفسك وترصد تحرّكاتها؟

الهرب من الزنا – حفظ الحواس – لا تكن غير مبال بخلاصك

للقدّيس أفرام السّرياني

إن سقطت في خطيئة الزنا لا تبقى واقعاً أسفل. ولا تزدرِ بطول أناة الله وصبره. تذكّر أنّ الموت لن يتأخّر (سيراخ 12:14). تذكّر أنّك لن تستطيع أن تهرب من أيدي الله. لا تكن غير مبالٍ بل تُبْ. اسكب دموعاً، تنهّد لأنّ الشّيطان قد استهزأ بك. لا تتهامل ولا تكن غير مبال بل قف بشجاعة أمام المعادي وسدّ النّافذة التي منها يسرقك العدو عادة، فيرجع عندئذ خاوياً لأنّه لم يجد المدخل المناسب.

إغلاق النّافذة هو حفظ حواسّنا التي منها يتسرّب في النّفس الخير أو الشّرّ: النّظر، السّمع، اللمس، الذّوق، ولا ندع أفكارنا تتشتّت باطلاً بما لا يليق.
إن كنّا أيّها الأحبّاء غير مهتمّين بخلاصنا ربّما تفاجئنا نهايتنا ونخرج من هذه الحياة في الوقت الذي فيه نُدان. ماذا نظنّ عن هذا الذي مات؟ هل يعود بعد إلى بيته؟ بعد سنة، بعد مائة أو ألف سنة؟ لماذا نطالب بأشياء لا تبقى ونزدري بأمور باقية؟ قل للذي يريد أن يخضعك للرّغبات الدّنسة:
“يا عدوّ الحقيقة هل أخجل منك وأتمّم رغباتك؟ اذهب عنّي إلى من يشبهك من أناس دنسين. اتبع غرائز الخنازير واغرق معهم (متى 31:8-32). لن تراني بعد عبداّ منصاعاّ إليك، متمّماً رغباتك. كفى الوقت الذي عبر باطلاً. من الآن فصاعداً سأهتمّ بالحقيقة. سوف أبتهل إلى الله لكي ينجّيني من أعمالك. لقد منحني الرّوح القدس وأنا أغضبه. لقد أعطاني نفساً وجسداً نقيّين وأنا دنّستهما” هكذا قل أيّها الحبيب لذاك الذي يحاول أن يوقعك في الأهواء المهلكة.
قال أحد القدّيسين: يشبه الزنا كلباً إن داعبته تعلّق بك وإن طردته هرب. فأرجوك انتبه إلى نفسك ولا تتهامل في سلوك حياتك. لا تخسر أثمار أتعابك بسبب تمتّع صغير، ولا تسلّم بداعي عدم الطّهارة أجرة عملك، أجرة الهدوء والإمساك والفضائل الباقية. لا تخسرها بسبب عدم الطّهارة وتتشبّه بذاك الذي يضع أجرته كلّها داخل كيس فاسد. قليل من الخمير يخمّر العجين كلّه (1كو 6:5). أما أنت فاحفظ نفسك من كلّ شيء بمخافة الله.

1 – القدّيسة توماييس التي من الإسكندريّة (القرن الخامس الميلادي)

” ليكن المضجع بلا دنس” (رسالة بولس الرسول الى العبرانيين 13:4 )

وُلدت القدّيسة توماييس [1] في الإسكندريّة لوالدين تقيّين ربّياها على محبّة المسيح والشّهادة له في الحياة اليوميّة بكلّ تفاصيلها الصّغيرة.

تزوّجت في الثّامنة عشرة من أحد صيّادي السّمك، وحظيت باحترام الجميع لسيرتها العفيفة. لكنّ عدوّ الخير، لا يفرحه أن يرى روحاً نقيّة تنير من حولها وتبني عائلة تشعّ فرحاً وسلاماً بالرّبّ، فغرس شهوة رديئة في نفس حميها (والد زوجها)، الذي كان يقيم معهما في نفس البيت.
وفي أحد الأيّام، بينما خرج زوج توماييس إلى الصّيد كعادته، حاول الأب أن يغوي القدّيسة. لكنّ توماييس، إذ اعتادت منذ الطّفوليّة أن تكون أمينة لوصايا الرّبّ، لم تشأ أن تدنّس نفسها النّقيّة، فاستعانت باسم الرّبّ يسوع لتصُدَّه وتردّه إلى صوابه. لقد قاومت القدّيسة بعزم شديد وهي تقول له :” ما هذا الذي تريد فعله يا أبي، إنّه من زرع الشّيطان”، فما كان من ذلك البائس إلا أن استل سيف ابنه مهدّداً إيّاها بالموت إن لم تذعن له، حينئذ قالت توماييس :”إنّني أفضِّل الموت على أن يتمّ هذا الأمر المنكر”. لكنّ الشّيطان كان قد تسلّط على الأب فقتلها. وللحال ضُرب القاتل بالعمى، فأخذ يدور حول نفسه ملتمساً المخرج لكنّه لم يستطع أن يجد الباب. وبقي على هذه الحال إلى أن سمع أصوات بعض الصّيّادين يقتربون من المنزل وينادون طالبين ابنه، فأجابهم:” إنّه في الصّيد، ولكن أرجوكم أن تدلّوني أين يوجد الباب، إنّي لا أستطيع أن أبصر شيئاً”. عندها، دخل الرّجال البيت باستغراب، فاستدركهم الأب:” لقد ارتكبت جريمة، امسكوني وسلِّموني إلى القضاء”.
لمّا علم القدّيس دانيال، كاهن إسقيط مصر في ذلك الوقت، بخبر هذه المرأة التي استشهدت حبّاً بالمسيح وحفاظاً على هيكل الرّوح القدس (أي جسدها)، أدرك أنّ نصيبها لا بدّ أن يكون مماثلاً لنصيب العذارى البتولات، فأراد أن يأخذ رُفاتها ليضعها في مقبرة الرّهبان. وأمام استهجان آباء الدّير لدفن امرأة مع الآباء، سيّما أنّها مقتولة، أجابهم الأب دانيال :”إنّ هذه المرأة هي أمِّي، إنّها أمّي الرّوحيّة وأمّكم أنتم أيضاً، لقد قَضت من أجل العفّة”.
“من أهلك نفسه لأجلي يجدها”:
كان القدّيس دانيال مؤمناً بقداسة توماييس، هذه المرأة العاديّة التي آثرت موت الجسد على أن تتنكّر لإيمانها. “فالإيمان بدون الأعمال ميّت”، ومن يتنكّرُ لوصايا المسيح ينكر المسيح نفسه ويُعلنُه خادماً لأهوائه.
* جُرِّب مرةً أحد الرّهبان في الإسقيط بقتال الزّنا، فذهب إلى القدّيس دانيال وكشف له أمره، فقال له الشّيخ :”يا بني اذهب إلى الدّير الذي دُفنت فيه توماييس ثم اجعل مبيتك ومقامك فوق مدفن الآباء هناك، وصلِّ قائلاً:” يا إله توماييس العفيفة أعنِّي ونجِّني من محنة الزّنا، وإنّي أؤمن أنّك ستخلُص من هذه المحنة”. ففعل الأخ كما نصحه الشّيخ، وبعد قليل هدأت نفسه وبطلت التّجربة عنه، فعاد إلى ديره وقال لأبيه :”إنّي أُعتقت بقوّة الرّبّ يسوع المسيح وبحسن صلاتك”، فسأله الشّيخ عن كيفيّة حدوث ذلك، فقال: “إنّي لمّا داومت على الانسحاق والصّلاة إلى الله وعمل المطّانيّات، نمت فظهرت لي القدّيسة وقالت لي: يا راهب… يا راهب خذ هذه البركة وامض بسلام إلى قلايتك. فلمّا أخذتُ البركة خفّ القتال ووثقت أنّي تحرّرت منه”، فقال له القدّيس دانيال :” كلُّ من جاهد من أجل العفّة يكون له عند الله دالّة عظيمة”.
تعيِّد الكنيسة للقدّيسة توماييس في الرّابع عشر من شهر نيسان، أي يوم رقادها لأنّه يوم اتحادها بختنها السّماوي. فبشفاعة “شهيدة العفّة” أهِّلنا أيّها الرّبّ أن نكون أمينين لوصاياك، قادرين على كبح كلِّ شهواتنا الرّديئة محبّة بك يا من ” أحبّنا أوّلاً وبذل نفسه من أجلنا”.

[1] الاسم توماييس هو مؤنث اسم توما.

2 – توبة امرأة يهوديّة تنصّرت ودخلت الدّير مع الأسقف الذي زنى معها

 

أخبر أحد الآباء المتوشّحين بالله قائلاً:

– وإن كنّا بعد خطأة ولكنّنا لا نزال نملك الإيمان، لأنّ الرّبّ قال: “إن لم يولد أحد من الماء والرّوح لا يدخل ملكوت السّموات”.
– ولكنّ تلك لم تكن تسمع كلامه بل كانت تقول: سأموت على الإيمان الذي وُلدت عليه. ألا أومن بنفس الإله الذي تؤمن أنت به؟ وإن كنت لا أخلص إن لم أعتمد، كما تزعم، فلأقضي حياتي على الأقل دون عذاب، ولأكن كسارة وراحيل.
– صدّقيني لن يدعني الرّبّ أهلك وأنا في هذه الخطيئة، بل سيقبلني تائباً. وسوف يأخذك إلى جانبه، ليس وأنت على الإيمان الذي أنت عليه الآن بل على الإيمان المسيحي. تعالي إلى الكنيسة لتري ما هو إيمان المسيحيّين بالله ولكي ترينني أنا الخاطئ أيضاً.
– حسناً، هذا أستطيع أن أفعله، ولكن لا ترغمني على فعل الآخر.
وهكذا ذهبا إلى الكنيسة. وعندما دخل الأسقف رأته المرأة في حلّة لامعة بهيّة مع جميع خدّامه. وعندما دنا من المذبح الإلهي، فُتحت عيناها وكأنّها بقوّة إلهيّة غير منظورة، فشاهدت رجلاً متّشحاً بالبياض وجماله يفوق كلّ وصف، يخرج من المذبح ويأخذ الأسقف ويقيّده إلى عامود، ثمّ يدخل هو نفسه إلى المذبح ويكهن مع الكهنة والشّمامسة. وعندما دنت ساعة رفع القربان، رأت طفلاً مرتفعاً في يده ويتقطّع إلى قطع لتوزَّع فيما بعد على الشّعب. وعندما تناول الجميع من القدسات، رأت الطّفل نفسه حيّاً يبرق كالنّور والنّار في الوقت نفسه. وعندما انتهت خدمة القدّاس الإلهي فكّ قيود الأسقف ثم اختفى.
ما إن رأت المرأة هذه الأعجوبة حتى خرجت مسرعة إلى المنزل وهي تبكي وتتوسّل قائلة: “أهّلني يا ربّ أن أصبح مسيحيّة وأن أموت أيضاً هكذا”. وبعد قليل وصل الأسقف وقال لها: “أرأيت أيّ إيمان لنا نحن المسيحيّين؟” قالت: “يا ليتني لم أرَ”. ثم قصّت على الأسقف، والدّموع ملء عينيها، كلّ ما رأت. وللحال ندم على خطاياه وقال لها: “ليكن لنا هذا اليوم يوم بداية توبة وحياة جديدة، وسوف أطرق أنا باب أحد الأديار لأغلق على نفسي وأبكي خطاياي كلّ الأيّام التي بقيت. فالتهب عندئذ أيضاً قلب المرأة بالحنين إلى الله، فسقطت على قدميه وقالت: “لا تتركني هنا. اجعلني مسيحيّة وضعني في دير ثم اذهب بسلام في الطّريق التي اخترتها لنفسك. وأمّا أنا فمنذ هذه اللحظة سأكرّس نفسي للرّبّ وسأذهب إلى حيث يقودني هو”.
وبدون أن يضيّع الوقت عمّد الأسقف المرأة ووضعها في أحد الأديرة. وأمّا هو فاعتزل العالم دون أن يُعلِم أحداً بمقرّه. وما لبث أن تقدّم كثيراً في حياة النّسك والجهاد حتى أنّه في مدّة ثلاث سنوات وُهب موهبة رؤية المستقبل وصنع العجائب. وهكذا قضى وأُحصي مع القدّيسين.

 

3 – عفّة زوجين

 


أخبر أحد الآباء قائلاً:
بينما كان أحد التّجّار مسافراً في البحر تعرّضت السّفينة لنوّ كبير فغرقت السّفينة ولم ينجُ إلا هو وحده ولكنّه فقد بهذا كلّ أمواله الخاصّة وتلك التي استدانها أيضاً. وعندما عاد من سفرته ألقاه مقرضوه في السّجن وأخذوا له كلّ محتويات منزله بحيث بات لا يملك سوى الثّياب التي كانت عليه هو وامرأته.
وذات يوم وعندما كان جالساً في السّجن يأكل مع زوجته، دخل أحد وجهاء المدينة لكي يهب السّجناء بعض الإحسان، فرأى المرأة جالسة قرب زوجها فراقت في عينيه لأنّها كانت جميلة جدّاً. فأرسل يستدعيها مع أحد الحرّاس وبفرح كبير قبلت المرأة الدّعوة ظنّاً منها أنّه سيحسن إليها ببعض المال. وأمّا الرّجل فانتحى بها جانباً واستفسر منها على سبب وجودها في السّجن. فقصّت عليه قصّتها كاملة فأجابها: “إن أنا سددت الدّين هل تقيمين معي هذه الليلة؟” وبما أن هذه المرأة كانت حكيمة إلى جانب جمالها فقالت له:” لقد سمعت بأنّ الرّسول يقول: لا تتسلّط المرأة على جسدها بل رجلها، فدعني أيّها السّيّد أن أسأل زوجي ومهما أمر بعد ذلك سوف أفعله”. ثم ذهبت إلى زوجها وقصّت عليه كلّ ما عرض لها فقال لها زوجها: “اذهبي أيّتها الأخت واطردي هذا الرّجل فإنّ رجاءنا بالله وطيد ولن يتركنا ولن يهجرنا إلى النّهاية”. فذهبت المرأة إلى الرّجل وقالت له: “لم يوافق زوجي”.
وفي ذلك الوقت عينه كان أحد اللصوص سجيناً في غرفة منفردة مجاورة لغرفة الزّوجين، فسمع حديثهما وتنهّد قائلاً مخاطباً نفسه: “انظر، يا شقي، بأيّة حالة سيّئة هما ومع ذلك لم يقبلا بأن ينالا أموالاً غير نظيفة مقابل حريّتهما. لقد وضعا شرفهما فوق كلّ غنى وازدريا بكلّ شيء في هذه الحياة مقابل الحفاظ على عفّتهما. فماذا أفعل أنا الشّقي الذي لم يأبه يوماً لوجود خالق ديّان حتى أنّي ارتكبت جريمة شنعاء.”
وللحال قام ودعاهما من طاق غرفته وقال لهما: “كنت فيما سلف لصّاً وارتكبت جرائم لا عدّ لها وأعلم بأنّه عندما ستدنو السّاعة ويأتي الأمير ليحاكمني سوف يقضى عليّ كقاتل. وعندما رأيت حفظكما لشرفكما وعفّتكما تأثّرت كثيراً. فاذهبا إذن إلى المكان الفلاني في سور المدينة واحفرا وخذا المال الذي تجداه هناك وسدّدا به دينكما واصرفاه على كلّ ما تحتاجا إليه وصلّيا من أجلي عساني أجد أنا أيضاً رحمة ومعونة من لدن الله.
وبعد أيّام قليلة أتى إلى المدينة الأمير وأمر بأن يُقطع رأس اللص. وبعد ذلك قالت المرأة لزوجها: “أتسمح يا سيّدي بأن أذهب إلى حيث قال لنا اللص لأتحقّق صدق قوله؟” فأجابها زوجها: “افعلي كما تشائين”.
وعند المساء أخذت المرأة مجرفة ووجدت المكان وحفرت فوجدت إناء مملوءاً من الذهب. فأخذته وراحت تسدّد ديونهما شيئاً فشيئاً إلى أن حرّرت زوجها من السّجن.
وقال الأب الذي روى هذه الحادثة: “كما حفظ هذان وصيّة الرّبّ كذلك أظهر لهما الرّبّ غنى رحمته”.

 

عن راهبة رأت في رؤيا والديها أحدهما في الجحيم والآخر في السّماء فترهبت

 


سئلت إحدى الرّاهبات المسنّات المتقدّمات في حياة التّقوى كيف أصبحت راهبة فأجابت:
“كان أبي رجلاً هادئاً صالحاً، لكنّه كان عليلاً لا يفارق سرير المرض إلا نادراً. امتاز ببساطته وصمته إذ لم يكن يتكلّم إلا نادراً حتى ظنّه البعض أبكماً. كان يلجأ إلى فلاحة الأرض وزراعتها، عندما تساعده صحّته، حيث يقضي هناك معظم أوقاته.
أمّا أمّي فكانت على عكس أبي تماماً. فضوليّة تحبّ أن تعرف كلّ ما يجري ولو خارج قريتنا، مهذارة، لم نرها صامتة ولو لوقت قصير بل غالباً ما كانت تنتهر وأخرى تشاحن وأحياناً تتفوّه بكلام بذيء. تصرف معظم أوقاتها بالسّكر مع رجال أشرار وكأنّها امرأة عموميّة. تدير بيتها بطيش وخفّة لدرجة لم يعد يكفينا دخلنا الواسع. ومع كلّ هذا لم تتعرّض لمرض ما، ولم تكن تشكو من أيّ ألم، بل كانت قويّة صحيحة وإن كانت تعيش عيشة إسراف وطيش.
وبعد زمن طويل من المعاناة والألم توفي والدي. وللحال هبّت عاصفة هوجاء، وأبرقت السّماء وأرعدت، وانهمر المطر غزيراً لثلاثة أيّام متواصلة حتى أنّنا لم نستطع الخروج أبداً، وهكذا بقي والدي دون دفن في المنزل. ممّا حدا ببعض مواطنينا عندما رأوا ثورة الطّبيعة إلى القول: “الويل لنا أيّة جبلة شيطانيّة كانت تعيش بيننا ونحن لم نكن ندري. لا بدّ أنّ هذا الرّجل كان عدوّاً لله حتى أنّه لم يسمح بدفنه”. أمّا نحن، فلكي لا تفسد الجثّة ويصبح البيت لا يطاق السّكن فيه، قمنا بدفن والدي بالرّغم من الزّوبعة القائمة.
أمّا أمّي فأخذت تنغمس في الرّذيلة أكثر فأكثر حتى غدا منزلنا فعلاً منزل بغي، وراحت تصرف كلّ ما لدينا حتى لم يبق شيء. وبعد زمن قصير توفيت هي أيضاً وأتت جنازتها رائعة لدرجة كنت تظنّ أنّه حتى الطّبيعة كانت تتحسر على فقدها.
وهكذا أخذت أنا أتقدّم في العمر، وبدأت الشّهوات الشّبابيّة الجسديّة تحاربني وتطغيني. وذات مساء ساورني فكر يقول: “أيّ حياة يجب أن أقتفي؟ هل أتبع آثار أبي وأعيش حياتي بتحفّظ ومقياسي الحشمة والتّعقل؟ ثم ما هو ربح من يعيش حياة كهذه؟ لقد صرف أبي كلّ حياته بالمعاناة والمرض والأحزان حتى أنه عندما مات لم يُدفن كسائر النّاس. وإن كانت حياته قد أعجبت الله فلماذا إذن صادف كلّ هذه الملمّات؟ وما هي حياة أمّي؟ ألم تحيا بصحّة تامّة مع أنّها قضت عمرها بالتّسلية والشّهوات والرّاحة؟ إذن عليّ أنا أيضاً أن أعيش كذلك لأنّه من الأفضل أن أصدّق ما تراه عيناي من أن أصدّق أقوال الآخرين.
وهكذا وجدتني أتّخذ قراراً بأن أقتفي خطوات أمّي. وعندها غرقت في نوم عميق. وفجأة حضرني رجل شرير شرس رماني بنظرة غيظ ممتلئة غضباً، وسألني بصوت مضطرب: “قولي لي بماذا تفكّرين؟”. ومن خوفي واضطرابي لم أجسر على رفع عيني في وجهه. وأمّا هو فكرّر القول بلهجة الآمر: “قولي إذن ماذا قرّرت؟” وعندما رآني وكأنّي أصبحت بجملتي مشلولة من الخوف وقد أوشكت أن أفقد عقلي، أخذ يذكّرني بكلّ الأفكار التي كانت تراودني سابقاً، فتشجّعت قليلاً، وبما أنّي لم أجرؤ على الإنكار بدأت أتوسّل إليه أن يسامحني. فأمسك بيدي وقال: “تعالي لتنظري كلاً من أبيك وأمّك، ولك بعد ذلك أن تختاري أيّ الحياتين تتبعين”. أخذني إلى سهل فسيح في الفردوس حيث الأشجار الكثيرة الرّائعة الجمال والمحمَّلة بكلّ أنواع الثّمار. وبينما كنت أسير معه إذا بوالدي يلاقيني، فاحتضنني وقبّلني ودعاني بابنته الحبيبة، فقبّلته أنا كذلك، وتوسّلت إليه أن أقيم وأبقى معه ولكنّه قاطعني قائلاً: “لا يمكن أن يحصل هذا الآن، ولكن إن اخترت أن تتبعي طريقي ستأتين إلى هنا بعد قليل. أمّا أنا فبقيت أتوسّل إليه لكي أبقى معه، وعندها شدّني الملاك بقوّة من يدي قائلاً: “تعالي الآن لتري أيضاً أمّك، لتتحقّقي أية حياة يجب أن تقتفي”.
فقادني إلى مكان مظلم حيث الأنين والاضطراب. ثم أشار إلى أتون متّقد مرعب تنتشر حواليه بعض ألسنة اللهب الرّهيبة. أمعنت النّظر جيّداً في الأتون فوجدت داخله والدتي تلفّها النيران حتى العنق ودود لا يحصى يلتهمها وأسنانها تصطك من الألم والخوف. وما أن رأتني حتى بدأت تبكي وتقول: “الويل لي يا ابنتي، يا لها من آلام لا تُطاق، يا لها من معاناة لا تنتهي. يا لبؤسي وشقاوتي أنا التّعيسة فإنّه من أجل لذّة يسيرة أعاني الآن ما أعانيه. الويل لي أنا البائسة، فإنّه من أجل راحة حاضرة وقتيّة أتعذّب دهريّاً. أشفقي علي يا ابنتي أنا والدتك التي تحترق بالنّار. تذكّري كلّ ما وهبتك إيّاه وارحميني. مدّي لي يدك وانتشليني من ههنا”.
بقيت جامدة لا أتحرّك بسبب بشاعة هذه الجبلة التي هي أمّي، ولم أجسر من الدّنو منها بينما بقيت هي تصرخ متوجّعة: “يا ابنتي ساعديني ولا تكوني غير مبالية تجاه آلامي أنا والدتك. لا تزدري بهذه المعاناة التي أعاني في هذا اللهيب ولا من هذا الدّود الذي لا يشبع”. مددت يدي وأنا كلّي تأثّر لكي أنتشلها، ولكنّ ألسنة اللهيب لحست يدي فآلمتني جدّاً وبدأت أبكي وأئنّ، ومن صوت أنيني أفقت. صُعق كلّ من كان معي بالمنزل من صوت أنيني وبكائي وهرعوا إليّ منذهلين وطفقوا يسألونني بإصرار عن سبب بكائي.
وعندما هدأت قصصت عليهم الحلم الذي رأيت، ومنذ ذلك الوقت قرّرت أن أتبع طريق أبي مصلّية كي ألاقي نفس نصيبه. وبنعمة الله أدركت أي مجد وشرف يستحقّ كلّ من يختار حياة التّقوى، وأيّة عقوبات تنتظر أولئك الذين يصرفون حياتهم بالشّهوات.

 

 


البتوليّة قبل السّقوط

لقد دعا الله الإنسان بعد أن رتّب له الخليقة تحت سلطته لمشاركته في حياته، لأنّ الإنسان إنّما هو صورة وعمل الطّبيعة الإلهيّة كما يقول الكتاب المقدّس: “وخلق الله الإنسان على صورته ومثاله”. إنّ النّقاوة هي التّشابه الرّئيس بين الله والإنسان. فالطّهارة الفردوسيّة لأوّل زوج مثال على ذلك. فآدم وحوّاء لم يولدا من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل. لم يرثا طبعاً فاسداً من طبيعة سابقة لهما. إنّما خلقهما الله شيئاً جديداً لم يتلوّث من قبل وبالطّريقة التي أرادها لهما الرّبّ. لقد خُلقا على شبهه ولا يمكن أن يكون أعظم من هذا أي أن يكونا على شبه الله في البرّ، في النّقاوة، في القداسة. كانا كلاهما باريّن بلا خطيئة. كانا في منتهى الجمال جسداً ونفساً وروحاً. فحياتهما إذن كانت حياة ملائكيّة، وهذا دليل على وجود البتوليّة قبل السّقوط لآن آدم لم يعرف زوجته إلا بعد السّقوط.

أثر السّقوط على البتوليّة:

إنّ هذه الحياة الملائكيّة لم تدم طويلاً، لأنّ الشّهوة غرّبتهما بعيداً عن الفردوس أي عن حياة الشّركة مع الله، ففقدت الطّبيعة البشريّة بذلك صورتها الإلهيّة ونقاوتها وبساطتها، وعرفت الخطيئة واختبرتها، ودخلت في صراع بين الجسد والرّوح، وهبطت إلى المستوى الجسدي كثيراً، وأصبح من السّهل أن تخطئ، لا بل أصبحت عبدة للخطيئة تسود عليها الأهواء الشّريرة، فصار الإنسان مائلاً نحو الشّر والكبرياء والاشتهاء، ولحقه الألم والموت كما يقول القدّيس غريغوريوس النّيصصي: “إنّ الثّوب الذي ألبسه الله لجدّينا الأوّلين بعد المعصية يرمز إلى الأفكار العالميّة التي إن قُبلت تؤدّي إلى الموت. لأنّ آدم قبل الخطيئة كان عارياً بدون أي خجل أو خوف عائشاً قرب الله”. ثم يتابع النّيصصي قوله: “لذلك كان زواج آدم وحوّاء آخر مرحلة من مراحل بعدهما عن الفردوس بعد ظهور الأهواء، كما قلنا، وأصبح هذا الزّواج مقترناً بالموت الذي لم يكن موجوداً في طبيعة الإنسان. لأنّ الله لم يخلق الموت ولكنّ الإنسان هو الذي أوجده باختياره عندما خالف وصيّة الخالق”.

ما هي البتوليّة

 

بما أنّ الزّواج كان آخر مرحلة للبعد عن الفردوس، فلقد كان لزاماً أن يكون التّخلي عنه أول مرحلة للزّهد. وإذا كان الزّواج خاضعاً لسلطان الموت، إذن البتوليّة هي تحرّر من سلطته. لأنّ الموت لا يستطيع أن يسود على البتوليّة. إنّ الآباء لم يتكلّموا عن العفاف بقدر ما تحدّثوا عن البتوليّة، وهذا يفسّر لنا بأنّ الرّهبنة كانت بنظرهم هي الحياة الإنجيليّة المثلى. فلقد قال أوريجانس عن البتوليّة: “إنّها شهادة، لأنّ الذي أعطى نفسه للرّبّ متخلّياً عن كلّ اهتمامات هذا الدّهر، والذي انفصل عن بقيّة النّاس العائشين حياة جسديّة والمتعلّقين بأشياء هذه الحياة، والذي لا يفتّش عمّا هو أرضي ولكن على ما في السّموات، هذا الإنسان يستحقّ أن يدعى قدّيساً”. أمّا القدّيس إيرونيموس فيقول: “الزّواج ينتهي عند الموت، وأمّا البتوليّة فتحصل على الإكليل بعد الموت. إنّي أتأمّل في عظمة البتوليّة الشّيء الذي لا أملكه. إنّ ثقل جسدي يشدّني إلى الأرض، ولكن هل هذا يمنع من أن أتأمّل طيران العصافير في الجو”.

إنّ المتبتّلين هم الذين ملأ حبّ المسيح حياتهم وشُغلوا به عن ذواتهم فصار الجلوس عند قدميه موضوع سرورهم، ومشاركته عمله مصدر فرحهم ونبع النّمو فيهم. فليست البتوليّة امتناعاً سلبيّاً عن الزّواج وطلباً للرّاحة من مسؤوليّات الأسرة، وليست وضعاً خارجيّاً، بل هي حالة من الطّهارة الدّاخليّة القلبيّة. ولقد قال القدّيس باسيليوس الكبير: “لست أعرف امرأة ومع ذلك فإنّي لست بتولاً”. البتوليّة إلتصاق بالرّبّ من كلّ القلب، وتسليم الإنسان كلّ نفسه لخدمته تعالى. إنها تفرّغ لله وانسكاب على حبّه في فرح وبذل كاملين. ليس للمتبتّل شيء لنفسه بل للرّبّ وحده، وعن هذا المعنى يقول القدّيس غريغوريوس النّيصصي: “البتوليّة هي قدرة وعطيّة لحياة أكثر قداسة، لأنّها تخوّل الذين يعيشون بالجسد أن يكونوا شبيهين بالطّبيعة الغير المتجسّمة”. ولقد قالت القدّيسة أنيسيّة: “كرهت مملكة هذا العالم وكلّ زينتها محبّة بيسوع المسيح ربّي الذي شاهدته، الذي أحببته وآمنت به وهو مختار حبّي”. إنّ هذا يعطي معنى للبتوليّة المكرَّسة لله، فلها إذن قيمة لا تعطيها العزوبة المجرَّدة، لأنّ التّبتّل ليس هو انفصالاً عن العالم المادي ف
قط بل التصاقاً بالرّبّ، وليس أساسه مجرّد جهاد الإنسان كأن يتصامم عن صوت طبيعته أو يقتل ميلاً فيه أو يجتنب صورة معينة للحياة، بل هي اشتمال كامل من الرّبّ للإنسان وتسليم الإنسان نفسه بمحبّة للرّبّ. إنّ البتوليّة المكرَّسة لله لها صفة إيجابيّة خاصّة تعليها عن الزّواج، لأنّها شكل خاصّ من الانتماء إلى الله واتحاد بيسوع أوثق من اتحاد أي عضو من جسده فيه.

 

قيمة البتوليّة:

إنّ قيمة البتوليّة مجهولة بالكلّيّة من الإنسان الطّبيعي، لأنّها من السّماء. ويقول القدّيس باسيليوس: “إنّ البتوليّة لشيء عظيم لأنّها تجعل الإنسان شبيهاً بنقاوة الرّبّ نفسه. إنّها صفة النّفس الرّوحانيّة. البتوليّة ثمينة جدّاً عند الرّبّ حافظ النّفس والجسد. النّفس المتأمّلة للجمال الحقيقي تستخدم البتوليّة كجناح تطير به إلى الله، لأنّها تحس أنّها لا تستطيع أن تمجّده بالحقّ إلا بمشابهته طهارته، تلك الطّهارة المقدّسة. فكلّ الفضائل الأخرى كالصّوم والسّهر وغيرها، لا هدف لها سوى محاربة الشّهوات والأهواء التي تسلّطت على الإنسان بعد السّقوط والتي تهدد النّقاوة والبتوليّة”.

البتوليّة عرس سري

 

البتول المكرَّسة هي دائماً عروس. والبتوليّة عرس سريّ لأنّ البتول يعطي ذاته لله دون غيره متّحداً به، لذلك نسمّي يسوع المسيح بالختن. فالعرس هنا روحي، وهو سرّ حبّ بين الله والنفس. إنّ العروس باتّحادها مع العريس تساهم في حياته وتُكرَّس له، فتصبح إناء وبيتاً يجد فيه مسرّته. قيمة البتوليّة قائمة بالعلاقة الزّوجيّة السّريّة والرّوحيّة مع المسيح. وقد قال القدّيس أثناسيوس الكبير: “يسوع المسيح ربّنا وفادينا أعطانا بالبتوليّة مثال القداسة الملائكيّة. فمن يملك هذه الفضيلة تسمّيه الكنيسة عروس المسيح، وينظر إليه الآخرون على أنّه هيكل الله”. وقال المغبوط أغسطينوس: “لا نمدح العذارى لكونهنّ عذارى، بل لكونهنّ عذارى مكرَّسات لله في الإمساك المقدّس”. ويسمّي القدّيس غريغوريوس النّزينزي البتول أيضاً: ” عروس المسيح”. لأنّ الأعراس الحقيقيّة هي أعراس البتولات. وأمّا القديس غريغوريوس النيصصي فيقول: “..أيّتها العذراء، يا عروس المسيح، سبّحي ومجّدي دوماً عروسك. نقّي نفسك لكي تبقي أبد الدّهور لامعة بهيّة مع عروسك البهي.. إنّك تقتدين، بجسدك الطّاهر، بالقوّات السّماويّة معتنقة على هذه الأرض حياة ملائكيّة. إنّك تتبعين طريقاً جميلة مجيدة..”.

لقد كتب الرّهبان أنفسهم أشياء عميقة عن الزّواج لأنّهم عاشوا ما يُرمز إليه أي العرس السّرّي. ولقد قال القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم:” الذي يقترن بملك أرضي يظنّ أنّه حصل على كلّ المجد، ولكنّه للأسف لم يقترن إلا بإنسان عادي. أمّا البتول فعروسها ساكن السّماء المستريح في الشّاروبيم”. ويضيف قائلاً: ” في البتوليّة يضحي الرّبّ هو الحبيب والزّوج، فكيف إذن لا يترك الإنسان كلّ شيء أرضي ليلتصق به وليقدّم له كلّ حياته”.
إنّ طقوس كنيستنا تسمّي العذراء مريم في خدمة المديح “عروساً لا عروس لها”. ويعلّمنا الآباء أنّ على البتول الاستمرار في تحقيق بتوليّته على منوال العذراء ” إلى أن يولد فيه المسيح، إلى أن يحلّ عليه ندى الطّهارة والرّوح القدس كحلوله على البتول” كما يصف القدّيس يوحنّا السّلّمي.

 

ا العذراء.. وإيليّا.. والسّابق:

 

إنّ والدة الإله نموذج البتوليّة وصخرتها التي تحطّمت عليها سلطة الموت، لأنّها وحدها وُجدت غريبة عن الأهواء ووحدها وُجدت نقيّة. ولقد قال عنها القدّيس أمبروسيوس: “إنّ بتولاً واحدة غذّت العالم بأسره ليس باللبن الجسدي ولكن بكلمة الله”. وأيضاً: “بتول واحدة فدت العالم كلّه”.

أمّا القدّيس إيليّا النّبي فهو أيضاً نموذج المتبتّلين من العهد القديم. فلقد امتاز بشظف العيش والتّقوى، يكتفي بالقليل ممّا يقيته الرّبّ به. وكذلك القدّيس يوحنّا المعمدان الذي “لم يكن أعظم منه في مواليد النّساء” ابتعد إلى البريّة ليصون إناءه من كلّ ممّا يلوّثه مبتعداً عن كلّ ضجّة خارجيّة رافعاً عقله إلى فوق. ولقد قال القدّيس غريغوريوس النّيصصي عن هذين القدّيسين: “أعتقد أنّ كلاً من إيليّا النّبي ويوحنّا المعمدان لم يصلا إلى هذه القامة من القداسة لو خضعا للذّات الجسديّة في الزّواج”. وفي العهد الجديد لنا مثال القدّيس يوحنّا الحبيب الذي يقول عنه القدّيس إيرونيموس: “لقد أحبّ الرّبّ يوحنّا الحبيب لأنّه بتول. ولذا حاز الاتّكاء على صدره، ولم يجسر بطرس المتزوّج أن يسأل الرّبّ سؤالاً، فأوعز إلى يوحنّا بالسّؤال. وعند الصّلب أودع يسوع البتول أمّه البتول إلى تلميذه البتول”.

 

من هو البتول المكرَّس:

ليس البتول المكرَّس كما يفتكر الكثيرون شخصاً أسكت فيه نداء الحبّ، بل على العكس هو أكبر المحبّين لأنّه قدّم ذاته جسداً وروحاً في صمت إلى ذاك الذي هو المحبّة. إنّ حبّه عوض أن ينحصر في شخص وعائلة يشمل البشريّة جمعاء التي إليها يحوّل كلّ عطف كامن في قلبه. فيضرع من أجلها ويعمل لتقدّمها ونموّها، وبذلك تكون علاقته بالإنسانيّة علاقة أوثق من علاقة المرتبط بعائلة، وهذا يعلّمنا أنّ البتول غير منقسم داخليّاً. فالرّسول بولس يقول: “أريد أن تكونوا بلا همّ، غير المتزوّج يهتمّ فيما للرّبّ كيف يرضي الرّبّ، أمّا المتزوّج فيهتمّ فيما للعالم كيف يرضي امرأته. إنّ بين المتزوّجة والعذراء فرقاً. غير المتزوّجة تهتمّ فيما للرّبّ لتكون مقدَّسة جسداً وروحاً. وأمّا المتزوّجة فتهتمّ فيما للعالم كيف ترضي رجلها. (1كو 32:7-34)

الزّواج والبتوليّة:

 

هناك خطر كبير في الزّواج إذا استقلّ عن الله وغرق كلّ من الزّوجين بصنميّة المحبوب، هذا فضلاً عمّا يعترض العائلة من اضطرابات وصعوبات قد تنسيها الاهتمام بتوطيد علاقتها بالله. ويقول القدّيس ايرونيموس عن الزّواج: “إنّي أغبّط الزّواج لأنّه يلد البتولات”. أمّا القدّيس غريغوريوس النّزينزي فيقول: “المتزوّج يخصّ المسيح جزئيّاً، أمّا البتول فبالكلّيّة. الأوّل من الممكن ألا يكون مرتبطاً كلّيّاً بأمور العالم، أمّا الثّاني فإنّه ليس من هذا العالم”. الكلّ بحاجة إلى المحبّة الزّوجيّة إلا الذي دعاه يسوع. وبالرّغم من وجود قدّيسين متزوّجين كالقدّيس يوحنّا كرونستادت مثلاً وغيره، إلا أنّ زواجهم كان روحيّاً أكثر منه جسديّاً. فعندما يصل أزواجنا إلى هذا المستوى الرّوحي، حينئذ نستطيع أن نقول بأنّ الزّواج مساوٍ للبتوليّة في الرّتبة وإلا فإنّ البتوليّة تفوق الزّواج كونها توصل إلى الاتحاد بالله عبر النّقاوة. في الحقيقة الزّواج لا يناقض البتوليّة أصلاً، ولا البتوليّة تناقض الزّواج. فسرّ الزّواج سرّ الطّهارة هو. كانت غاية الزّواج قبل المسيح ومنذ خطيئة آدم أن يأتي المسيح لخلاص البشر، وغاية الزّواج بعد المسيح هو توحيد البشر في المسيح، هو إعادة خلق البشر في المسيح عن طريق إعطاء أبناء للكنيسة وعن طريق صنع الكنيسة. ولكنّ المتبتّل لا يحقّق وحدة طبيعته عن طريق سرّ الزّواج بل بالزّواج الرّوحي. لهذا فهو يفهم سرّ الزّواج أكثر من الجميع ويحقّقه أكثر من الجميع.

إنّ البتوليّة أخصب من الزّواج. فالمتبتّل المكرَّس بصلاته والتصاقه بالله يعطي أبناء روحيّين للكنيسة في خصب لا يقاس بخصب الزّواج. أمّا مفتاح هذا الخصب فهو المحبّة. لأنّ المحبّة مقيمة في قلب البتول المكرَّس للمسيح، فتتّسع محبّته إلى البشر جميعاً في أمومة أو أبوّة روحيّة حقيقيّة. وقد يُطرح هذا السّؤال: إذا تبتّل جميع البشر أفلا تنقرض البشريّة؟ إنّ هذا افتراض غير واقع، ومع ذلك فقد ردّ عليه أغسطينوس المغبوط بما معناه: “إذا افترضنا أنّ جميع النّاس سلكوا طريق البتوليّة فلن يكون هذا شراً وإن انقرضت البشريّة. لأنّه إذا سادت العفّة بين النّاس محبّة بالله وتكريساً له فهذه غاية البشريّة. والأفضل أن تنقرض بالوصول إلى غايتها من أن تستمرّ في الأهواء”.

 

النّسك والبتوليّة:

لقد قلنا في بدء موضوعنا أنّ الإنسان بعد السّقوط أصبح تحت سيطرة الأهواء التي أفسدته، وهو يحاول الآن العودة إلى نقاوته الأولى بالنّسك والتّقشّف. لأنّ كلّ رغبة صغيرة في النّفس تمنع هذه النّفس من اتحادها بالله الذي ترمي إليه البتوليّة في هدفها الأوّل. فالتّقشّف أو النّسك يتطلّب زهداً باستعمال الخيرات الطّبيعية الممنوحة لنا من الله بالإضافة إلى الهرب من إمكانيّات الخطيئة: مثلاً الزّهد بفراش ناعم خوفاً من الاسترخاء أو الكسل، والهرب من الغنى خوفاً من الاستسلام للملكيّة وغيره.. ولكن ما هي علاقة النّسك بالبتوليّة؟ إنّ كلّ حياة فيها فقر وحرمان وإمساك هي وسيلة للقضاء على الشّهوة. وبما أنّ الزّواج يتطلّب اتصالاً بمتعة الشّهوة ففي الإمساك إذن وسيلة لقهر الجسد. فالبتوليّة قيمتها بهذا الزّهد بالجسد ورغباته. ولقد قال القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم: “هل تحبّون المجد؟ إذن اسلكوا هذا الطّريق أي طريق البتوليّة ولا شيء آخر غيره. لأنّكم بهذا لن تكونوا لهذا أو لذاك بل للمسيح فقط”. إنّ البتوليّة عبر محاربة الأهواء والضّعفات تقيمنا في القيامة منذ الآن، لأنّ الرّبّ يسوع أبطل الموت والبتوليّة تتجاوز الموت. بالبتوليّة نموت عن العالم وأهوائه تلك الأهواء الفاعلة في الزّواج، ومن ينفصل عن تيّار الموت محقّقاً نقاوة الرّوح يقتل الموت فيه داخلاً في عالم القيامة، عالم الحياة الأبديّة”. ثم يضيف في مكان آخر: “البتول في مأمن من الاضطرابات فهو في ميناء يسوده السّلام، بل أكثر من السّلام إنّه الصّحو والهدوء الذي تحويه نفس ليس لها ما تبغيه على هذه الأرض، بل هي في اتصال دائم مع الله مثبّتة نظرها عليه. من يستطيع أن يعيش سعادتها؟!! وأيّ كلام يصف فرح هذه النّفس وغبطتها؟!! طبعاً لا أحد. فقط الذين سعادتهم هي الله يعرفون عظم الفرح الذي لا يدانيه فرح آخر”.

صعوبة البتوليّة وعظمتها:

 

إذا كانت البتوليّة هكذا، فلا يظننّ أحد أنّها سهلة المرام أو العيش. إذ لا تكفي بتوليّة الجسد لإتمامها، ولكنّ بتوليّة القلب وعفّته هي المطلوبة خوفاً من أن يتسرّب الشّرّ إلى النّفس التي تصبو للاتحاد بالله وحده فتصبح معه واحداً. لذلك لا تستطيع أن تهتمّ بغيره مخافة أن تصير مع هذا الغير واحداً فتفقد سلامها. ويوضّح القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم صعوبة البتوليّة بقوله: “إنّ البتوليّة هي من الصّعوبة بمكان بحيث أنّ المسيح نفسه عندما كان يعلّم تلاميذه لم يلزمهم بها ولم يشأ أن يجعل منها ناموساً. فقد أمرهم أن يميتوا ذواتهم، وهل من شيء أقسى وأمرّ من هذا الأمر؟ وأمرهم أن يصلبوا ذواتهم كلّ يوم، وأن يعملوا الخير مع أعدائهم، ولكن ما أمرهم بلزوم التّبتّل، بل ترك لسامعيه الاختيار الحرّ في ذلك إذ قال: من استطاع أن يحتمل فليحتمل. فطريق البتوليّة صعب، ومعركتها هائلة، وجهادها عنيف، وطريقها ضيّقة ضاغطة. آه كم تحتاج إلى أعراق!! نعم إنّ طريق هذه الفضيلة وعرة وشاقّة وهذا ما أرانا إياه الآباء القدماء الذين تبعوا هذه الفضيلة”. ويضيف أيضاً: “هل تحبّون المجد؟ إذن اتبعوا هذه الطّريق وهذه الطّريق فقط هي التي تقودكم إلى المسيح… الملائكة في السّماء لا يتزوّجون وكذلك البتولات.. الملائكة في السّماء يسبّحون الله على الدّوام وكذلك أيضاً البتولات على الأرض..أفرأيتم امتياز البتوليّة، فإنّ الذين لا يزالون يعيشون على الأرض يشابهون السّماويّين”.

إنّ الشّيطان يشنّ حرباً شعواء بنوع خاصّ على المتبتّلين الذين صلبوا الجسد مع الأهواء وكرّسوا أنفسهم لله. فهو يتمنّى أن يرى هؤلاء المتبتّلين متردّين في مهاوي الرّذيلة. وما أن يراهم قد حملوا سلاح الجهاد ضدّ أجسادهم والعالم حتى يشنّ عليهم حرباً ضروساً علّه يسقطهم في الخطيئة، ويقودهم إلى الفشل والحزن، أو على الأقلّ يحصرهم في ركن الفتور الرّوحي فيزداد حزنهم ويأسهم. لذلك فالجماعة في الشّركة الدّيريّة تساعد العضو أن يحفظ روحه ويجدّد قوّته. وهذا ما أوصى به الرّسول بولس تلميذه تيموثاوس بقوله: “أمّا الشّهوات الشّبابيّة فاهرب منها، واتّبع البرّ والإيمان والمحبّة والسّلام مع الذين يدعون الرّبّ من قلب نقي.” (2تيمو 22:2) كما يقول له في موضع آخر: “تقوّ أنت يا ابني بالنّعمة التي في المسيح يسوع. ليس أحد وهو يتجنّد يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي الذي جنّده، وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلَّل إن لم يجاهد جهاداً شرعيّاً (2تيمو 1:2-5) لذلك نرى القليل من النّاس من تجرّأ على خوض معركة البتوليّة لأنّها تتطلّب إقداماً وبذلاً وموتاً. وهذا يفسّر لنا عظمة البتوليّة وشرفها، فالقدّيس كبريانوس يصف المتبتّلين “بأنّهم أزهار الكنيسة وأروع عمل للنّعمة، إنّهم فرح الكنيسة الذي يزداد كلّما ازداد عددهم. استمري أيّتها العذراء بالعيش كما ابتدأت، فإنّ ثمن فضيلتك لنبيل هو، ورائع هو إكليل عفّتك وبتوليّتك.. أنت ابتدأت أن تكوني إلى ما سنصير نحن عليه يوماً ما. لقد امتلكت من هنا، من هذا العالم، مجد القيامة. أنت معادلة للملائكة طالما بقيت عفيفة”. أمّا القدّيس إيرونيموس فيقول: “البتوليّة صعبة ولأنّها صعبة هي نادرة كما قال الرّبّ إنّ المدعوّين كثيرون والمختارين قليلون”. أمّا القدّيس أمبروسيوس فيقول: “لست أعلم ما هي سيّئات البتوليّة أو ما هو عدم نفعها؟! إن كانت سيّئة هي فإذن حياة الملائكة كذلك، لأنّ كلّ من تخلّى عن امرأة وعن تعزيتها هو كالملائكة في السّماء”. ويعلن القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم بأنّ “المتزوّج يخاف الموت لأنّه يفصله عمّن يحبّ، أمّا البتول فيشتاق الموت لأنّه يُتحده بعروسه المسيح”. أمّا القديس باسيليوس الكبير فيصف عظمة البتوليّة بقوله: “إنّها لعظيمة حقّاً البتوليّة، لأنّها بكلمة مختصرَة تجعل الإنسان مشابهاً بنقاوة الرّبّ نفسه. إنّها حالة النّفس الرّوحانيّة. إنّ بتوليّة كهذه لهي ثمينة جدّاً لدى الله… إنّ النّفس التي تتأمّل الجمال الحقيقي تستخدم النّقاوة كجناح تطير به نحو الله، إنّها تحس بأنّها لا تستطيع أن تمجّده إلا بمشابهته بالنّقاوة الإلهيّة.. إنّها تتّخذ نقاوة الجسد كخادمة للنّقاوة الحقيقيّة، ولكنّها تصطاد بالوقت نفسه كلّ رغبات الجسد. فكلّ الفضائل من صوم وسواه، ما هي إلا تمارين للنّفس لكي تحفظ نقاوتها فتصبح مشابهة بنقاوة الله..”
صحيح إنّ البتوليّة صعبة وطريقها ضيّقة لكنّها أيضاً طريق ملوكي وأساسي لحياة الفضيلة. لذلك فكلّ جهاد نسكي هو محاولة لإعادة النّقاوة، والبتوليّة والنّقاوة مترادفتان. فالقدّيس غريغوريوس النّيصصي يقول: “إنّ البتوليّة عظيمة هي لأنّها ترافق طغمات الملائكة، وتعطي أجنحة للإنسان ليتعالى بها على كلّ رغبة أرضيّة متسامياً نحو السّماء. فأيّ كلام نستطيع التّفوّه به لنبيّن عظمة البتوليّة؟!” ويقول في موضع آخر: “لا يفهمنّ أحد أنّنا بكلامنا هذا نزدري الزّواج. فنحن لا نجهل أهميّته كسرّ مبارَك من العناية الإلهيّة، ولكن بما أنّ الشّهوة تتخلّل الزّواج، وبما أنّ البتوليّة هي حياة فوق الطّبيعة، وتسير في طريق مخالف للطّبيعة متسامية فوق كلّ شهوة لذلك أتت مرتبتها أعلى من الزّواج”.

 

البتوليّة والنّقاوة:

وهنا نتساءل هل كلّ بتول هو نقي وعفيف وعلى عكسه كلّ متزوج؟ طبعاً لا. فكل إنسان راغب في الزّواج يضع حياته الرّوحيّة قبل الجسديّة في زواجه، ويقيّم حياته على أساس الصّلاة، متفكّراً أبداً بساعة خروجه من العالم، ويعمل في كلّ لحظة بما يوافق خلاصه هو إنسان عفيف حكيم ولو كان متزوّجاً. أمّا البتول فيلزم أن يفحص نفسه باستمرار، وإن حدث ووجد في نفسه أيّ فكر غير بتولي، فإنّه يُنظر إليه على أنّه خيانة لربّه يجب تقويمه. فعليه إذن أن يكون أميناً حافظاً نفسه في الطّريق مردّداً دوماً اسم الرّبّ لأنّه موضوع حبّه وانشغاله. يفنى في عمل الرّبّ وينمو بهذا الفناء. يمارس أعمال نسك معيّنة ليحفظ حدود جسده ويقدّمه ذبيحة حبّ للسّيّد، فإنّه لا بدّ لحفظ البتوليّة من حدّ أدنى للنّسك مثلاً في الأكل: تقليل كميّة الطّعام والانتباه إلى نوعيّته. في الكلام: الاعتياد على الصّمت وتجنّب الكلام البطّال. وفي الفكر: طرد التّصوّرات المضرّة وحفظ صفاء الذّهن. ولكنّ الشّرط الأساسي لحفظ البتوليّة والنّقاوة تبقى الصّلاة، صلاة القلب المحبّ الذي يتوق إلى الله ويطلب الاتحاد به دون سواه. لأنّه لا بتوليّة بدون حبّ كما يقول القدّيس يوحنّا السّلّمي: “الإنسان الطّاهر هو الذي أحلّ الحبّ الإلهي محلّ الحبّ الجسدي”. ويقول أيضاً: “من يحاول ردّ هجمات العدو والأهواء عن طريق العفّة الجسديّة فقط، يشبه من يحاول الخروج من دوار البحر وهو يسبح بذراع واحدة”.

الخاتمة:

هذه هي البتوليّة وهذه هي طريقها بكلّ ما يعترضها، وهذه هي عظمتها وشرفها، فمن هو الأمين حتى الموت ليُعطى إكليل الحياة من لدن السّيّد، ناسياً بذلك كلّ تعب ونصب تكبّده في حياته البتوليّة، فمن كان متزوّجاً فليكن بتولاً بقلبه. ومن كان مكرَّساً فليحافظ على جوهرته مصانة. ومن كان بتولاً عاديّاً فليتكرّس دون وجل، لأنّ الله هو المعين والمشدّد، لأنّ قوّته في الضّعف تكمل. ونختم هنا بهذا القول الجميل للعلاّمة ترتليانوس: “بما أنّنا كلّنا هياكل للرّبّ فالبتوليّة هي الحارس لهذا الهيكل، بحيث تمنع أن يدخله كلّ ما يدنسه خوفاً من أن يأتي الرّبّ للإقامة فيه فيراه ملوَّثاً”.

 

 

Leave a Reply