كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

الأرشمندريت توما بيطار

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

 

       “كلّ مَن يسمع كلامي ويعمل به أشبّهه برجل حكيم بنى بيته على الصّخر”. الرّبّ يسوع، هنا، يستعمل لغةً رمزيّة، يقول ما هو في مستوى النّاس ليشير إلى ما هو أرقى من مستواهم. طبعًا، إذا كان الإنسان قادرًا على أن يفهم ما هو في مستواه؛ فلكي يفهم ما هو في المستوى الأرقى من مستواه، يحتاج إلى نعمة من فوق. لهذا، كلّ إنسان مفتوح القلب على الله يعطيه الرّبّ الإله نعمة خاصّة، لكي يفهم الإلهيّات. عبارة “مَن يسمع كلامي”، هنا، تشير، بطبيعة الحال، إلى نوعين من السّمع: السّمع الخارجيّ، أي سمع الأذن الخارجيّة، وسمع الأذن الدّاخليّة، الّتي هي أذن القلب. الّذي يسمع بأذنه الخارجيّة يسمع كلامًا برسم الفهم. والفهم، هنا، يكون فهمًا عقليًّا، دماغيًّا. وهذا ليس بالفهم الدّاخليّ الّذي نتوخّاه. ما دام الإنسان يسمع بأذنه الخارجيّة، ويفهم بعقله فقط؛ فإنّه يبقى خارج النّطاق الّذي شاءه الرّبّ الإله أن يدخل إليه.
      الحقيقة أنّ السّمع الدّاخليّ الّذي نقصد هو، طبعًا، سمع القلب، الّذي معناه الطّاعة. الّذي يسمع بعقله يفهم. الّذي يسمع بقلبه يُطيع. طبيعيّ أن يسمع الإنسان بأذنه الخارجيّة، وأن يفهم بعقله. ولكن، المطلوب أن يسمع بقلبه، أي أن تنزل الكلمة من مستوى العقل إلى مستوى القلب، الّذي يشير إلى الكيان، يشير إلى عمق الإنسان، يشير إلى الإنسان بكلّيّته، الإنسان الّذي يشاء أن يتبنّى الكلام الّذي يسمعه والّذي يفهمه. لذلك، ما لم يسمع الإنسان لكي يُطيع، فإنّه يسمع سيّئًا. لهذا السّبب، يقول الرّبّ يسوع إنّ الإنسان عليه أن يسمع وأن يعمل. الإنسان الّذي يسمع ويعمل، طبعًا، يعمل بما يسمع؛ هو يفعل ذلك، إذا كان قد فهم الكلام، قد تبنّى الكلام، قد التزم الكلام، قد جعل الكلام الإلهيّ سيرةً يسلك فيها في حياته. الإنسان الّذي يتعاطى الكلمة الإلهيّة على هذا النّحو، يعتبره الرّبّ يسوع إنسانًا حكيمًا. طبعًا، هذا يتضمّن القول إنّ مَن لا يفعل ذلك يكون إنسانًا غير حكيم. الإنسان غير الحكيم هو الإنسان الغبيّ. إذًا، الّذي يكتفي بمجرّد سماع الكلام،، وفهمه بعقله والاكتفاء بذلك، هو إنسان غبيّ، بحسب المقياس الإلهيّ! هنا، علينا أن ننتبه. لا يحسبنّ أحد منّا أنّنا إن سمعنا وفهمنا، فإنّ الكلام يتحوّل، بصورة تلقائيّة، إلى فعل! هذا غير صحيح. الكلام يتحوّل إلى فعل، إذا كان الإنسان يتعاطى الكلمة الإلهيّة باعتبارها فعلاً، باعتبارها طريقة حياة. إذا لم يفعل ذلك، فإنّه يتعاطى الكلام الإلهيّ بصورة مجرّدة، كفكر مجرّد، كنظريّة. والرّبّ الإله لا يشاؤنا أن نتعاطى كلامه كأنّه فكر مجرّد كسائر الأفكار المجرّدة. نحن، مثلاً، إذا قلنا “باب”، أو “كرسيّ”؛ فطبعًا، نحن نسمع الكلمة، ونفهم ما هو المقصود. ولكن، الكلام الّذي نقوله هو تجريد، يعبّر عن شيء محسوس. وما الكلام الإلهيّ كذلك. الكلام الإلهيّ حياة! لهذا السّبب، قال الرّبّ يسوع، أﮐثر من مرّة: “الكلام الّذي أﮐلّمكم به هو روح وحياة”. لا يليق بنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ، إلاّ باعتباره روحًا وحياة. لهذا السّبب، الكلام الإلهيّ هو كلام الله. ما دام الكلام الذي يتكلّم به الله هو روح وحياة، فهذا معناه أنّ الكلام الإلهيّ هو الله متكلِّمًا. من هنا أنّنا، حين نقرأ الكتاب المقدّس، نصلّي قبل ذلك. والإنجيل المقدّس نقبّله! وذلك لأنّه يتضمّن حضورًا إلهيًّا، بكلّ معنى الكلمة. الكلام الإلهيّ هو حضور إلهيّ بشكل كلام. الأيقونة، مثلاً، هي حضور إلهيّ بشكل صورة، والكلام هو حضور إلهيّ بشكل كلام. إذًا، لا يليق بنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ كما نتعاطى الكلام العاديّ الّذي نتبادله مع النّاس! عندما ندرس الجغرافيا، مثلاً، أو التّاريخ، أو الرّياضيّات؛ فنحن نتعاطى كلامًا ورموزًا مختلفة. ولكن، هذه كلّها هي معانٍ في المستوى البشريّ. أمّا الكلام الإلهيّ، فليس كلامًا بشريًّا! لا يمكننا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ بالطّريقة نفسها الّتي نتعاطى بها الكلام البشريّ. الكلام الإلهيّ من طبيعة مختلفة. هو من طبيعة إلهيّة بشريّة، على صورة الرّبّ يسوع الإله والإنسان. الرّبّ يسوع لم ينطق بالإلهيّات فقط، ولم ينطق بالبشريّات فقط. هو نطق بالإلهيّات بلغة بشريّة. إذًا، الكلمة الإلهيّة هي حضور إلهيّ، كما قلت. لذلك، لا نتعاطى الكلام الإلهيّ كما نتعاطى أيّ شيء آخر في حياتنا، إنّما نتعاطاه صلاتيًّا، نتعاطاه باعتباره أيقونة لحضور الله. الله يعطينا نفسه من خلال هذا الكلام الإلهيّ. مثلاً، عندما نساهم القدسات، الرّبّ الإله يعطينا نفسه في الخبز والخمر. عندما نتعاطى الأيقونات، الرّبّ الإله يعطينا نفسه في الخطوط والألوان. وعندما نتعاطى الكلام الإلهيّ، نتعاطى الله في كلمات. لهذا السّبب، خطأٌ جسيم أن نعتبر أنّه بإمكاننا أن ندرس الكتاب المقدّس كما ندرس أيّ علم من العلوم. الكلام الإلهيّ لا يليق بنا أن نتعاطاه إلاّ بمخافة الله. صحيح أنّ الرّبّ يسوع قال لتلاميذه أن يذهبوا ويتلمذوا كلّ الأمم، وأن يكرزوا بالإنجيل للعالم كلّه. لكنّ هذا لم يكن يعني أبدًا أن يتعاطى التّلاميذ تجارة الكلام، ولا أن يكرزوا بالإنجيل باعتباره علمًا من العلوم. عندما قال الرّبّ لتلاميذه أن يذهبوا ويكرزوا بالإنجيل للعالم كلّه، طالبهم، في الحقيقة، بأن ينقلوا حضوره إلى العالم كلّه. طالبهم بأن يساهموا في ذلك. نحن نساهم في نقل الحضور الإلهيّ إلى العالم أجمع. طبعًا، هناك تعليم. وطبعًا، هناك معانٍ. ولكن، هذا لا يمكن أن يكون إلاّ في إطار القداسة، إذا ما أردنا أن نسلك باستقامة. لهذا السّبب، كلّ الّذين حملوا الكلام الإلهيّ، وكرزوا بالإنجيل، كان يُفترَض بهم، بحسب التّراث، أن يكونوا قدّيسين. كلّ الشّعوب القديمة، حتّى إلى زمن قريب جدًّا، بشّرها القدّيسون. طبعًا، كان هناك دخلاء على الكرازة. ولكن، تبقى القاعدة قاعدة. مَن بشّر اليابان، مثلاً؟! – القدّيس نيقولاّوس. كان قدّيسًا، وكان يتعاطى الإلهيّات بشكل حيّ، لا بشكل أفكار! لهذا السّبب، كان يصوم، ويصلّي، ويسلك في الفضيلة: صبرًا، واتّضاعًا، ومحبّةً، ورأفةً… هكذا، كان أيضًا القدّيس إينوكنديوس والّذين معه، الّذين بشّروا الألسكا. وأﮐثر هؤلاء الّذين بشّروا بالكلمة الإلهيّة عانوا معاناة قاسية جدًا، وكثيرون منهم دفعوا دمهم ثمنًا لكرازتهم. حتّى اليوم، الّذين يكرزون بالإنجيل في إفريقيا، مثلاً، هم بشر مميّزون جدًّا، وواضح من سيرة بعضهم أنّهم يسلكون في القداسة.
      إذًا، هذا هو إطار الكرازة بالكلمة الإلهيّة. إذا خرجنا من هذا الإطار، إطار القداسة، إطار الصّلاة، إطار التّعاطي مع الكلمة باعتبارها إعلانًا إلهيًّا، وكشفًا إلهيًّا، وحضورًا إلهيًّا، وفعلاً إلهيًّا؛ إذا خرجنا من هذا الإطار، فإنّنا، إذ ذاك، ندخل في إطار آخر، هو إطار يجرّد الكلمة الإلهيّة من الحضور الإلهيّ الّذي فيها. وهذا، بكلّ أسف، ما يفعله الكثيرون، اليوم، في الإطار الدّهريّ، في الإطار العالميّ الّذي يعلّمون فيه، في معاهد اللاّهوت، وفي الجامعات. بالنّسبة إليهم، هم يتعاطون كلامًا، ومفاهيمَ، وتجريدات، وتاريخًا! هم يتعاطون علم الكلام! هم يتعاطون علم الاشتقاق الكلاميّ! هم يتعاطون الجغرافيا، عندما يدرسون الكتاب المقدّس! هم يتعاطون كلامًا على الإلهيّات، ولا يتعاطون الإلهيّات نفسها! لهذا السّبب، هم يتعاطون الكتاب المقدّس باعتباره مجموعة لا نهاية لها من الأفكار، والنّظريّات. كلّ واحد منهم يخرج بنظريّة بشأن هذا الموضوع أو ذاك، ممّا ورد في الكتاب المقدّس. هذا يُنكر وجود فلان من القدّيسين، وهذا يؤكّد وجوده!… ولا يخطر في بالهم أنّ الإطار الّذي تُتعاطى فيه كلمة الله هو إطار إلهيّ، مقدّس، صلاتيّ! مَن، مثلاً، في معاهد اللاّهوت، وفي الجامعات، عندما يشاء أن يدرس نصًّا كتابيًّا، يبدأ بالصّلاة، ويطلب من الله أن يعطي الأستاذ والتّلاميذ روح الفهم؟! هذا لا يخطر في بال أحد! ومَن من الّذين يُدرّسون في معاهد اللاّهوت والجامعات اللاّهوتيّة يخطر في باله أن يقرأ النّصوص الكتابيّة باعتبارها إعلانات إلهيّة؟! التّصوّر هو أنّ هناك قومًا عاشوا في أزمنة مختلفة، وهؤلاء عبّروا بطريقتهم عن تصوّرات وأفكار لها علاقة بالإلهيّات، وأنّ هذه النّصوص جُمعت من هنا ومن هناك، حتّى وصلت في الشّكل الّذي هي فيه، وأنّ ليس هناك ما يؤكّد صحّة هذا النّصّ وذاك. كلّ هذا يشير إلى أنّنا في إطار مختلف تمامًا عن الإطار الّذي سبق أن ذكرنا في تعاطي الكلمة الإلهيّة. نحن، اليوم، بصورة عامّة، في إطار قراءة الكلمة الإلهيّة، في إطار دهريّ، في إطار بشريّ، في إطار علميّ! طبعًا، نحن لا نتنكّر للعلم، ولا نتنكّر أبدًا لكون الكتاب المقدّس ذا وجه بشريّ. ولكن، همّنا الأساسيّ هو أن نفهم لغة البشر الّتي شاء الرّبّ الإله أن يجعل حضوره فيها. نسعى لفهم هذه المعاني في أطرها التّاريخيّة والجغرافيّة، بقصد أن نهيّئ أنفسنا لاستيعاب الإعلانات الإلهيّة بالنّعمة الإلهيّة أوّلاً.
      إذًا، نحن نعمل على خطَّين، وإلاّ لا يمكننا أن نفهم شيئًا من الكتاب المقدّس. الخطّ الأوّل هو خطّ السّعي لفهم هذا الكلام الّذي قيل، في وقت من الأوقات، في إطار ربّما يكون مختلفًا بشريًّا عن الإطار الّذي نعيش فيه اليوم. والخطّ الثّاني هو خطّ النّعمة الإلهيّة. نحن في حاجة إلى العملَين معًا. نعمل على المستوى الأوّل، ونعمل، أيضًا، على المستوى الثّاني، ونعمل على المستويَين معًا، باعتبارهما متّحدَين. لهذا السّبب، يسمع الواحد منّا كلامًا يُقال، هنا وهناك، عن الكتاب المقدّس يُعثر الكثيرين، ويشكّك الكثيرين. وبدلاً من أن يأتي بنا الدّارسون والعلماء، اليوم، إلى اليقين – وطبعًا، هم غير قادرين إطلاقًا على أن يأتوا بنا إلى اليقين، لأنّ اليقين يأتي من فوق – يأتون بنا إلى الشّكّ في ما ورد، وفي ما نتعاطى. لهذا السّبب، قال مرّة إنسان مثقّف جدًّا، ومختبِر جدًّا للحياة الرّوحيّة – وهذا قليل أن يجمع الإنسان بين الأمرين – قال: عندنا علماء كثيرون، وعندنا قدّيسون كثيرون. ولكن، ليس عندنا علماء قدّيسون. طبعًا، هذا مؤلم جدًّا، لأنّه يشير إلى أنّ ما يُعلَّم في الجامعات والمعاهد اللاّهوتيّة لا يساعد كثيرًا على الإتيان بالنّاس إلى الإيمان، وإلى القداسة، وإلى حياة الصّلاة، وإلى حياة الفضيلة… بل على العكس، يساعد على التّشكيك، وعلى العبثيّة في تعاطي الكلام الإلهيّ. وهذا كلّه لا يمكن أن يكون من الله. لهذا، إذًا، علينا أن نعي أنّ هذا الإطار الّذي يُتعاطى فيه الكلام الإلهيّ ليس إطارًا سليمًا على الإطلاق، والإطار القويم هو أن نتعاطى الكلام الإلهيّ باعتباره حضورًا وعملاً لله، وأن نتعاطاه في إطار القداسة، في إطار الصّلاة، في إطار الفضيلة، في إطار التّقوى، في إطار مخافة الله، في إطار احترام التّراث في كنيسة المسيح، في إطار احترام مقولات الآباء القدّيسين. هذا وحده يحفظنا في الأمانة القويمة، وإلاّ نحن، اليوم، في نوع من بابل! الألسنة مبلبلَة، وكلٌّ يتحدّث لغة لا يفهمها الآخرون، وإذا فهموها، يفهمونها بعقولهم. ولكن، لا تؤدّي مقولاتهم إلى وحدة في مستوى القلب، ولا إلى تثبيت إيمان المؤمنين، وإلى الإتيان بالّذين لا يؤمنون إلى الإيمان. الإطار بات مختلفًا جدًّا، وبتنا، في أﮐثر الأحيان، اليوم، نتعاطى الكتاب المقدّس باعتباره كلامًا، ونكتفي، من تعاطيه، بفهمه عقليًّا، وقلّما يهمّنا السّماع والعمل، السّماع والطّاعة! قلّما يهمّنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ لكي نسلك في القداسة. وهذه مأساة هذا الزّمن، وعلينا أن نحذرها حتّى لا نقع في المحظور. آمين.

عظة في السّبت 12 حزيران 2010، حول متّى7: 24- 29، 8: 1- 4.

Leave a Reply