حول الفلسفة

مختارات من القديس أثناسيوس باريوس*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الفلسفة النظرية والتطبيقية

       – مَلَكَة (خاصيّة) العقل هي عطية عظيمة ورائعة من الله للإنسان. لقد اخترعت العلوم المختلفة. باستعمال هذه المَلَكَة يستخرج الإنسان من الأرض الأنواع المحتلفة من المعادن والحجارة الكريمة. من ثمّ يتفحّص الأصناف المختلفة للحيوانات: ذوات الأربعة وذوات القدمين، الزواحف، الطيور، الحيوانات البريّة، البحرية، والبرمائية؛ المتوحش والداجن، المولّد والمُبيض. إنّه يمتحن كلّ أنواع الأشجار: الدائمة الاخضرار وتلك التي تنثر أوراقها، غير المثمرة وتلك التي تحمل الثمار. إنّه يسعى إلى إيجاد أيّ من الأشجار هي الأكثر ملاءمة لحاجات الفنون المختلفة، وأي هي النافعة فقط للحطب.
      لا يتوقّف العقل هنا. إنّه يترك الكوكب ويصعد إلى الجو. ويرتفع حتّى إلى أعلى من الجو، ويتحرّى الأجسام السماوية: التي بلا حراك، والتي تتحرّك وتُدعى كواكب. إنّه يتحرّى ويراقب كسوفات الشمس والقمر، وغيرها من الكواكب. وبما أنّ كلّ هذه الأشياء التي تحقِّق بها الملَكة العقلية هي خلائق الله، فقد سمّى القدماء الفلسفةَ التي هي معرفة كلّ هذه الأمور “معرفة الأمور الإلهية”. وهذه المعرفة تُسمّى “الجزء النظري من الفلسفة”.
      يختلف “الجزء العملي” عن “الجزء النظري من الفلسفة”. العملي يهتمّ بتفحّص الأفعال البشرية. لهذا السبب يُسمّى “معرفة الأمور البشرية”، كالفضائل والرذائل. هذا الجزء من الفلسفة يظهِر للإنسان ما هي الأمور التي عليه أن يفعلها لكونه كائناً عاقلاً، وما هي الأمور التي ينبغي به الامتناع عنها للسبب نفسه. تؤسّس الفلسفة العملية للقوانين في المدن وللتنظيم في الأمور. إنّها تعلّم كيف يمكن الحفاظ على المدن والبيوت والأفراد. إنّها الجزء الرئيسي من الفلسفة، لأنّها تعِد بإسعاد البشر، بقدر ما تكون السعادة ممكنة للإنسان. وبالحقيقة، الخير الأقصى للفضائل البشرية، وباختصار، هدف الإنسان كإنسان، ليس سوى السعادة أي الحياة المغبوطة.
      إلى هذا، علينا أن نعترف بأنّ السعادة، كما تُفهَم ما ورائياً – أي في ملء كمالها، لا يُبلَغ إليها في الحياة الحاضرة، على ما تثبت الوقائع بذاتها. لكن السعادة المعتدلة ممكنة، على نظير طبيعة الإنسان الخاضعة لمختلف الأهواء والتغيّرات. تكون الحياة ممكنة بالمشاركة أكثر في الخيرات الأخلاقية وأقل في الشرور الأخلاقية التي قوامها الآلام الجسدية، المصائب، والميتات. هذه تُدعى، بشكل غير مناسب، شروراً لأنّها لا تؤذي النفس العاقلة التي هي المكوّن الرئيسي للكائن البشري.

الفلسفة الإلهية (الداخلية)

       – تنقسم الفلسفة إلى دهرية أو “خارجية” وإلهية أو “داخلية”. تُسَمّى الأخيرة فلسفة “من الله”، “سماوية” و”حقيقية”. من الأمثلة على الفلسفة الدهرية هي كتابات الفلاسفة الإغريق القدامى أو الأوروبيين. الفلسفة الإلهية موجودة في الكتاب المقدّس، خاصةً في العهد الجديد – الأناجيل الربعة وأعمال الرسل والرسائل – وفي كتابات آباء الكنيسة القديسين، الأوائل كما اللاحقين.
      – وحدها الفلسفة الإلهية أو الداخلية اسعدت البشر، في الحياة الحاضرة، على قدر المستطاع، وفي الحياة الثانية بشكل أكمل. وهذا، لأنّ تعاليم المسيح تجعل الفضيلة شيئاً عزيزاً، يُعتَنَق بحرية، وليس نتيجة لأي قيد. هذه هي الفلسفة الحقيقية بالفعل: تحرير مَن هم عبيد للأهواء من أهوائهم، تحويل الأرضيين سماويين، اعتناق السعاة إلى المجد الباطل لفكر الله، جعل المائتين خالدين وأبناء للآب السماوي بالنعمة.

الفلسفة الدهرية (الخارجية)

       – الفلسفة الدهرية أو “الخارجية” هي بطبيعتها لا حسنة ولا سيئة. إنّها تصير حسنة أو سيئة بحسب استعمالها من قِبَل مَن يملكونها. المنطق، الماورائيات، اللاهوت، والبلاغة، يمكن استعمالها حسناً. لا أستطيع أن أفهم لماذا تُهمَل البلاغة. فللكنيسة ليست نافعة وحسب بل ضرورية أيضاً. هذه الأمور نافعة وقيّمة في آن معاً، وليس من الضروري اللجوء لأوروبا للتعلّم فيها.
      – كثيرون بالحقيقة ممن يمتلكون “الحكمة الخارجية” أفادوا الكنيسة بشكل عظيم. غيرهم، على العكس، آذوها وشوّشوها.
      في شبابه، كرّس القديس غريغوريوس بالاماس نفسه لدراسة الفلسفة الخارجية (الدهرية) واكتسابها. إذ كان من المناسب لطبيعته النبيلة أن يتسلّح بالأدوات التي تؤمّنها الفلسفة. لم يستغرقه الأمر طويلاً حتّى اتقّن جيداً القواعد والبلاغة، إلى درجة أنّه كان يُمدَح لعظاته وكتاباته من قِبَل كلّ معلمي زمانه، الذبن تميّزوا في هذه المواضيع. من ثمّ اتّقن الفيزياء والمنطق وغيرها من المواضيع التي كتب عنها أرسطو.
      – في أوروبا الغربية، يبالغون في إيلاء الأهمية للفلسفة الدهرية وذلك سعياً لامتداح عبقريتهم. من بينهم كثيرون من الإكليريكيين الذين يضعون جانباً دعوتهم الدينية، يهملونها، لكي يتعلّموا تعاليم غريبة عن تلك الدعوة. وأسوأ من ذلك هو استعمال الفلسفة للحكم على الكتاب المقدّس وانتقاده.

الفلسفة اليونانية القديمة

       – في ما يختصّ بفيثاغوروس وأفلاطون، فقد تمسّكا، ومعما مساعدوهما، بأنّ النفس أبدية، لافتقادهم للتعليم الإلهي المعلَن عنه، فقد تحدّثوا عن طبيعة الحياة الثانية وكأنّها أسطورة.
      – دعا سقراط إلى التربية الصحيحة التي تؤثّر على تطهير النفس من الأهواء غير العاقلة وتحقيق الفضائل: الشجاعة، العدل، الاعتدال، الرأفة، الرِفق والرحمة، وغيرها، وهي تشكّل لبّ الفلسفة الأخلاقية. هذه الفضائل تقود إلى السعادة.
      – أفلاطون الفيلسوف، ومن بعده كلّ الفلاسفة اللاحقين، يصنّفون الخيرات البشرية إلى ثلاثة فئات: 1) خيرات الجسد، 2) خيرات خارج الجسد، و3) خيرات الروح. خيرات الجسد هي الصحة والجمال والقوة. خيرات خارج الجسد هي الثروة، الممتلكات والأصدقاء. خيرات النفس هي الفضائل وكل أنواع التعلّم، التي إذا أُخِذَت معاً تشكّل نظام الفلسفة. وإذا نُظِر إلى تراتبية الخيرات، تُعطى الفلسفة المكان الأول، متخطية بكثير بقيمتها خيرات الجسد وخيرات خارجه.
      – الحسنة الأساسية والخاصّة للقسطنطينية التي كانت تُدعى “ملكة المدن”، هي أنّها منذ البداية كانت أمّ الخطابة والحكمة، ومسكن اليونانيين، عن طريق جمعها للمدارس الثلاث الشهيرة، الأثينية المعروفة بالرواقية، الأرسطوية والأفلاطونية، في علاقة مع تقوى المسيحية. لقد زيّنت تلك الحكمة العالمية بالإيمان الحقيقي بالإله المثلّث الأقانيم، الكليّ القدرة والضابط الكلّ، مع التبشير بالصليب وبساطة الإنجيل. وباختصار، لقد حوّلَت الحكمة العالمية إلى خادم متواضع شاكر للفلسفة الأولى الصحيحة؟

 

 

* ولد القديس أثناسيوس سنة 1722 في باروس وتوفي سنة 1813 في خيوس. كان من أهم الوجوه الكنسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويُذكَر إلى جانب القديسَين نيقوديموس الأثوسي ومكاريوس نوتاراس على أنّهم أكثر الكوليفاذ تأثيراً والمدافعين عن الأرثوذكسية التقليدية. لقد كان تأثير القديس أثناسيوس بارزاً بوجه خاص في مواجهاته مع النماذج الغربية للفلسفة واللاهوت وكمدير لأكاديمية جبل أثوس. يعيَّد له في 24 حزيران. أمّا الكوليفاذ فهي حركة نشأت بين رهبان جبل آثوس في أواسط القرن الثامن عشر وهدفت إلى إعادة إحياء الممارسات التقليدية وعارضت الابتداعات العشوائية. اتّخذت الحركة اسمها من الكوليفا (القمح المسلوق) الذي يُستَعمَل في الجنانيز. أنصارها هم من رهبان الجبل الذين التزموا بشدة بالتقليد وقد شجّعوا على المناولة المتواترة ومارسوا الصلاة القلبية المستمرّة. ابتدأت الحركة في 1754 على أثر جدال في دير القديسة حنّة إذ أراد بعض الرهبان إقامة الذكرانية يوم الأحد فاعترض الكوليفاذ على ذلك إذ لا يجوز إقامتها في يوم قيامة الربّ بل السبت وباقي أيام الأسبوع هي للذكرانيات، على حسب العادات القديمة. ومن هذه القضية انطلق الكوليفاذ للدعوة إلى روحانية متمركزة حول الليتورجيا والتعاليم التي دعا إليها الهدوئيون منذ القرن الرابع عشر. سعت الحركة إلى إعادة اكتشاف اللاهوت الآبائي والحياة الليتورجية وترسيخهما. وقد تعرّض الكوليفاذ للانتقاد والاضطهاد من الرئاسات بالدرجة الأولى حتّى أنّ البطريرك صوفرونيوس الثاني، سنة 1776، أدان القديس أثناسيوس باريوس كهرطوقي وجرّده وحرمه إلى أن راجع المجمع القسطنطيني سنة 1781، برئاسة جبرائيل الرابع، التهَم التي ارتكز إليها صوفرونيوس ورأى أنّ لا أساس لها فأعيد إلى مكانته. من الآباء الكوليفاذ: نيوفيطس الكافسوكاليفي، القديس نيقوديموس الأثوسي، القديس مكاريوس نوتاراس الكورنثي، القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس، القديس قوزما الإيتولي، القديس سابا كاليمنوس، القديس أثناسيوس باروس، القديس باييسيوس فيليشوفسكي، والقديس نيقولا بلاناس.

Leave a Reply