الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

رئيس الدير غريغوريوس زاينيس

بعد آخر مشاركة تلقيت بعض المراسلات الشخصية من بعض الأصدقاء وفيها شيء من النقد. لقد اعتبروا أنّ ما تمّ نشره قاسٍ تجاه علم النفس، كما كان لدى بعضهم قلق من أن هذا قد يعيق البعض عن تلقّي العلاج. هذا كان حافزاً لي للإدلاء ببعض الملاحظات وإعطاء بعض المعلومات الأساسية.

لقد قدّمت في المقالة الماضية كلمات الأب صوفروني وحرصت على ألّا أقول شيئاً من نفسي. لقد فكّرت: “مَن أنا لأنقد تعليق الأب صوفروني؟ عليّ تركه وحده يتكلّم“. لقد كان هذا خطأً لأن الاقتباسات تقدّم صورة جزئية تفتقر إلى الخلفية. هذه الاقتباسات منشورة أصلا عند الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس. ويبدو بشكل مؤكد أنها مقتطفات من محادثات شخصية مع الشيخ عندما كان هو نفسه راهباً وكاهناً شاباً. عندما نشرها الميتروبوليت في كتابه، أخرِجَت من سياقها الأصلي مرة، وعندما أعدتُ نشرها من جديد، أُبعِدَت خطوة أخرى عن هذا السياق الأصلي. لهذا اسمحوا لي الآن أن أقدّم بعض المعلومات الأساسية، والتوسع في تعليقاتي الموجزة السابقة في هذا الموضوع.

إنه لأمر محزن أن نرى تزايد الثقة بعلم النفس في الكنيسة. بحكم التفاعلات ضمن الكنيسة يبدو واضحاً تماماً أن لدى عدد كبير من الكهنة عندنا، علم النفس هو المصدر الرئيسي للإرشاد الرعائي في حين أن التقليد النسكي الكنيسة ثانوي، ولدى البعض يمكن تجاهله. إحدى المواد التي تدرس في مدارسنا هي اللاهوت الرعائي. ومع ذلك، من المؤهلات المرغوبة في مَن يدرّس هذا الموضوع هي درجة البكالوريوس في علم النفس. وليس خافياً أن في المستقبل سوف يأتي عالم نفس غير إكليريكي لتدريس اللاهوت الرعائي للكهنة.

يمكن للشفاء الذي يقدمه علم النفس أن يساعد الناس غير الطبيعيين ليأخذوا دوراً في هذا العالم. إنهم يحققون النجاح في ذلك.لكن عالمنا غير طبيعي لكونه ساقطاً، ونحن ننتظر الخلاص. ومع ذلك، في التقليد النسكي الأرثوذكسي، شفاء النفس هو أكثر من ذلك بكثير، وهو يفوق هذا الأمر عظمة. إنه يرتبط بالحياة الأبدية وهو عملية التألّه أي الاتحاد مع الله.

بما أن الأب صوفروني حكى عن اختلاف الأنثروبولوجيا بين هذين النظامين، فأريد أن أعلّق أيضاً على هذا الأمر. في كتابه الحياة الروحية الأرثوذكسية بحسب القديس سلوان الأثوسي، يكتب هاري بوساليس بشكل بشيط و وواضح عن الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية. هذا ما يفسر أيضاً المفهوم الأرثوذكسي للتألّه والشفاء: “تعلّم الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية أنّ اﻹنسان مخلوق ليشترك في حياة الله. هذا هو المعنى الأساسي لقصة خلق اﻹنسان الكتابية. <وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا…»… فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ> (تكوين 26:1-27)”.

في الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية، يختلف معنى كلمة صورةعن معنى كلمة شبه“. يمكن أن نرى في الصورةإمكانات التقديس الكامنة في الإنسان، بينما يشير الشبهإلى كماله. بتعبير آخر، يمكن القول بأنّ الصورةتشير إلى اﻹمكانيةبينما الشبهتشير إلى الواقع“. هنا يضيف هاري حاشية: يشير الأب صوفروني إلى هذا الاختلاف بين الصورة والشبه، عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً” (القديس سلوان الأثوسي، ص. 184).

لم يُخلَق اﻹنسان أصلاً بحالة من الكمال الناجز، بل كان موهوباً بالحرية الفريدة ليختار إمّا أن يحيا مطارداً إنجاز ما هو كامن فيه، أو الانحراف تجاه تدنيس وتشويه كرامته الحقيقية كإنسان. فقط من خلال الاستعمال الموافق للحرية المعطاة له من الله يستطيع اﻹنسان أن يتعاون مع النعمة الإلهية لاستعادة صورة الله في داخله وبلوغ شبه الله الذي من أجله خُلق.

بحسب التعليم الأرثوذكسي، القداسة – التي يُشار إليها أيضاً بالكمال والتألّه – لا تُفهَم كحالة جامدة، فيها يحتفظ اﻹنسان بدرجة عالية من الفضائل الروحية. اﻹنسان مدعو إلى أن ينمو بلا توقف ويتقدّم بشكل مستمر إلى شبه الله. وهكذا، ليس للكمال حدود. إنه دائم التقدّم، ليس فقط على الأرض، بل أيضاً في الحياة الآتية.

إذاً، في اﻷرثوذكسية، ما من فصل بين الأنثروبولوجيا وشفاء النفس والتألّه. عن اقتباسي في المقال السابق عن اﻷب صوفروني قوله إن الطريق بالنسبة له هي مباشرة إلى الأمام، فهو يتحدّث عن الجهاد النسكي الذي يقود إلى ما ورد أعلاه في حاشية هاري: عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً“. عندما يتحقق هذا، تشفى النفس بطريق تتخطى كل ما لدى علم النفس لتقديمه من الحسنات.

لقد حاولت أن أظهر بعض الخلفية للمقال السابق. أرجو أن هذا يجعل ملاحظات اﻷب صوفروني أكثر وضوحاً وقبولاً.