القديس يوحنا كرونشتادت وتربية الأولاد

المتقدم في الكهنة ألكسندر زالانانكو

نفس الولد هي جمال إلهي

اعتبر القديس يوحنا كرونشتادت أن محبة الأولاد أساس عمل المعلّمين، وهذا ما تهمله غالبية تقنيات العلوم والنشاطات التربوية الحديثة. كان يقول لتلاميذ الثانوية حيث كان يعلّم: “أنتم أبنائي، لأنني ولدتكم ولا أزال ألدُكم إلى بشرى يسوع المسيح الحسنة. إن دمي الروحي، أي تعليمي، يجري في عروقكم. أنتم أبنائي، لأني أحفظكم دائماً في قلبي وأنا أصلي من أجلكم. أنتم أبنائي، لأنكم نَسْلي الروحي. أنتم أبنائي، إذ بحق، ككاهن أنا أب وأنتم تدعوني باتيوشكا” (“الأب الصغير، وهو اسم مناداة رقيق لكاهن).

عاش في الاب يوحنا نوع من المحبة الملائكية للأطفال، وهذا ألهمه ونشّط عمليته التعليمية برمتها. كانت هذه المحبة هدية خاصة من نعمة الله، وقد اشتعلت في داخله بقوة بحيث أنه في السنوات اللاحقة، عندما توقّف عن التعليم، غالباً ما كان يشفي الأطفال المرضى بقوة المحبة والصلاة، مباركاً إياهم دائماً وموجّهاً إياهم في الإيمان. لطالما كان يبكي على الأطفال المرضى، وخاصة إذا كانوا مرضى روحياً! فمرّة يداعب رأس طفل مهتزّ عاطفياً، ومرة أخرى يقبّل فتاة واقعة تحت مرض خطير في المستشفى، راكعاً أمام سريرها: “يا عزيزتي، أتتألمين؟ صغيرتي المتألّمة! ” كان الأب يوحنا يرثي لهم.

صرامة الأب يوحنا

ومع ذلك، الأب يوحنا قد يكون مفاجئاً. في يوم من الأيام، قام صبيٌّ يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، وقد كان كسولاً للغاية وفاسد الأخلاق، وعبّر عن عدم إيمانه بألوهية الروح القدس أمام الصف بأكمله. ومع أن الأب يوحنا وصفه بأنه كافر وبغيض، إلا إنه أجاب على سؤاله. في وقت لاحق استدعاه وأجرى معه محادثة على انفراد، من بعدها أحسّ الصبي بالتجدد والقوة بالروح.

يتذكر البعض أنّ سيدة نبيلة اشتكت إلى الأب يوحنا عن تدهور مستوى تربية أطفالها الدينية والأخلاقية. فقد قالت إن معلميهم يدرسّونهم كل ما يحتاجونه لاجتياز الامتحانات ويكونوا أذكياء“. صحّح لها الأب يوحنا قائلاً: “يجب أن تقولي إنهم يقصفونهم وليس يدرسّونهم“. “عندما يُقصَفون بالمعرفة الروحية يتملّكهم نفس الشعور الذي يتملّكهم عندما يتعلمون الحساب وما شابه. ولكن ماذا عنك؟ هل تهتمّين بنفوسهم؟ هل وجهتِهم حتى يسعوا إلى استحسان الله كما يسعون إلى استحسان البشر؟ أقترح عليهم ذلك قدر استطاعتي، أجابته السيدة. “في نهاية الأمر، لا يمكن للمرء أن يجد الباب إلى قلب طفله“. “أنتِ لم تجدي الباب إلى القلب، لذلك سوف تحصلين على وحوش بدلاً من البشر، أجاب الأب يوحنا. “لقد نسيت أن الرب قد أظهر البشرية مثلاً في أنواع الطيور. يضع الطائر أولاً بيضة، وطالما هذه البيضة محفوظة إلى الوقت المناسب، فهي تبقى كائناً جامداً. هذا الأمر نفسه ينطبق على الناس. الطفل المولود هو البيضة مع بدايات الحياة الدنيوية، ولكنه فاقد الحيوية من جهة نموه في المسيح. إن الطفل الذي لم يدفئه والداه وعائلته حتى جذور روحه، حتى جذور كل مشاعره، سيظل ميتاً بالروح عن الله والأعمال الصالحة. وبالتحديد من هؤلاء الأطفال الذين لم يدفأوا من المحبة والرعاية الروحية تأتي هذه الأجيال إلى العالم، ومنها سوف يجنّد أمير هذا العالم جيوشه ضد الله وكنيسته المقدسة“.

عظمة الثقة والمسؤولية في تعليم أطفال الله

يحذّر الأب يوحنا من أن الله والآباء قد أوكلوا أطفالهم إلى المعلم، وهذا يتطلب مسؤولية وعلاقة دقيقة معهم. وكثيراً ما لاحظ أن كل شيء جميل، شخصي، وفريد من نوعه قد تمّ وضعه بالفعل في قلب الطفل كما في بذرة. من جهة أخرى، يوفر الله كل ما يلزم لنموهم وتنميتهم. ولكن من أجل عملنا الذي هو التربية وهو عمل متواضع لكنه صعب مضني، فيجب أن نقتني محبة الأطفال والاهتمام بهم. ولكن المكافأة على هذا العمل الذي يُنجز وفقاً لما يمليه الضمير كبيرة على قدر المسؤولية التي فيه، إذ قد عهد الله به إلينا لأن الأطفال هم ميراثه. فيهم ليس مستقبلنا وحسب، بل أيضاً حاضرنا، وبشكل خاصّ المستقبل الأبدي. یذكّر الأب یوحنا المعلمین: “«انظروا ألاّ تحتقروا أحد هؤلاء الصغار» (مت 10:18)عندما لا تستلطفونهم لسبب ما. إنكم تستهجنون ملاك الله المُكلّف بالسهر عليه. أنتم تستهينون بطفل الله، وقبل الكلّ انتم تزدرون الرب نفسه أبا جميع الأطفال”. وهكذا، فإن كل من يخالف أصغر هذه الوصايا بسبب الإهمال، معتبرا إياها بلا شأن، ويعلم الآخرين أن يسلكوا على المنوال نفسه، فسوف يُدعى الأصغر في ملكوت السماء (بحسب تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم إن مخالف الناموس سيكون الأصغر، أي الأخير، المطرود من ملكوت السماء وغير المستحق له“)، ومن يحفظ ويعلم الوصايا فسوف يُدعى كبيراً في ملكوت السماء (راجع متى 19:5).

وصايا القديس يوحنا للمعلمين

ماذا يوصي الأب يوحنا معلمي الأطفال من أجل التمييز والانتباه من الخطيئة؟ ماذا يوصي الأطفال أنفسهم حتى يعرفوا عن الخطر ونتائج الخطيئة؟ كان يقول حذّروا الأولاد من الخطيئة ونتائجها!” وكان يعلّم: “لا تتركوا الأولاد من دون ملاحظة في ما يتعلّق باقتلاع من قلوبهم هشيم الخطيئة والفساد والشر وأفكار التجديف، وأهواء الخطيئة، والميول والعادات التي تتكوّن منها حياتنا ايضاً. إن عدو الخلاص والجسد الخاطئ لا يوفّران الأولاد أيضاً، فعندهم كل بذور الخطايا. أظهِروا للأولاد صورة عن الخطر كله ونتائج خطاياهم المؤلمة، حتّى لا يكون جهلهم وعدم معقوليتهم سبباً لتنشئتهم على يد كبارهم على طريق الحياة بالأهواء والعادات الخاطئة التي تتضاعف مع التقدّم بالعمر.

إن التنشئة المسيحية هي خط الدفاع الأول في الصراع من أجل خلاص نفس الولد. الأب يوحنا الذي كان عانى من صعوبة التعلّم حين كان طفلاً، كان بحسب ذكريات معاصريه مربياً مميّزاً. لم يلجأ يوماً إلى طرق التعليم التي كانت منتشرة في المدارس: لا للصرامة المفرِطة ولا للإذلال المعنوي لبطيئي التعلّم. علاقته الدافئة الحنونة مع التلاميذ كانت معروفة، وكانت نفسها تنطبق على عمل التعليم. لم يكن عنده متعلّمون بطيئون. الكلّ، من دون استثناء، كانوا يغرقون بشراهة في كل كلمة. لم يكونوا يصبرون إلى أن يبدأ الصف، فدروسه كانت بالغالب متعة للتلاميذ أكثر منها حملاً وواجباً، لقد كانت محادثة حيّة وحديثاً جذّاباً وقصصاً مثيرة وآسرة للانتباه.

كان هناك حالات يدافع فيها الأب يوحنا عن تلميذ كسول صدرت بحقه إدانةبالطرد، وكان يتحمّل مسؤولية إصلاح الولد. وما أن تمرّ سنوات قليلة حتّى يستقيم الولد شخصاً محترماً وهو الذي كان حالة ميئوساً منها.

قبل كل شيء، على المسيحيين أن يحرصوا على أن ينمو الأولاد ثابتين في الإيمان المسيحي، أبناء حقيقيين لله، أعضاء أحياء للكنيسة، لكي يَتَصَوَّرَ المسيح في قلوبهم (أنظر غلاطية 19:4)، فيحبّوا الله ويفضّلوه على كل شيء في الحياة الأرضية، ومن ثمّ قريبهم كنفسهم (متى 37:22-40). وكما يقول القديس سارافيم ساروفسكي يكون هدف حياتهم اكتساب الروح القدسمن أجل خلاص نفوسهم.