أفكار معاصرة حول الأرثوذكسية

قسطنطين سكوتيريس

أين الأرثوذكسية اليوم؟ ماذا تعني الملاحظات التاريخية بالنسبة لنا الآن؟ هل للعالم الأرثوذكسي كما هو عليه أي وعي لتقليده؟ هل خطاب الأرثوذكسية ذو صلة بعصرها؟ هل لاهوتها نظري جداً وبالتالي غير واقعي؟ هل هناك نقطة مرجعية مشتركة بين الشعوب الأرثوذكسية اليوم، قاعدة وحدة أم أن القومية والطموحات المحلية تظلل أفق رابطة المحبة؟ هذه الأسئلة، وغيرها أيضاً، تلزمنا بصياغة أفكار تمهيدية معينة قد تؤدي إلى نقد ذاتي أكبر، لإدراك مسؤوليتنا ورسالتنا. في البداية، نحتاج إلى أن نشير مجدداً إلى أن الشرق في القرن الحادي والعشرين يجد أن الأرثوذكسية تواجه حالات تتحداها جدياً للإعراب عن شهادتها. يعتقد الكثيرون أن زمان الأرثوذكسية قد أتى. في الجوهر، نحن نعيش في عالم من القلق، ولكن أيضا من الترقّب الشديد. بعد عقود من الهدوء والازدهار الاقتصادي وانفجار التكنولوجيا، وفيما ساد الاعتقاد بأن القيم الروحية قد فقدت جاذبيتها، نحن بالحقيقة نندهش لرؤية العالم الحديث مثكلاً بالتساؤلات الميتافيزيقية. فالناس اليوم، مرهقون مما حققوه، عبيد للتقدم الذي خلقوه، هم أنفسهم يتحولون، طوعياً أو كرهياً، إلى ما هو خارج نطاق نفوذهم. تُلاحظ مشاركة الكنيسة بشكل خاص في أماكن حيث الدعاية المعادية للدين هي وسيلة للسياسة والسلوك الاجتماعي.

الدول الاستبدادية، باضطهادها للكنيسة استطاعت فقط أن تؤكّد كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: “كثيرون قاتلوا الكنيسة والمهاجمون اختفوا؟ لأنها قد ارتفعت فوق السماوات. هذه هي عظمة الكنيسة: يحاربونها فتفوز. يتآمرون عليها فتزدهر. يلعنونها فتزداد إشعاعاً“. وإلى جانب هذا الالتزام مع الكنيسة، الذي كما ذكرنا، يثير الإعجاب بشكل خاص في الأماكن التي تحكّم فيها العنف على مدى عقود، لا يجدر بنا أن نبقى غير مبالين إزاء حقيقة أن الفروع الهرطوقية، فضلاً عن الأديان الشرقية وشبه الديانات أخذت تتزايد ليس فقط في البيئة الغربية تقليديًا، بل أيضاً في الشرق الأرثوذكسي. وبطبيعة الحال، لا يسعنا التغاضي عن صعود الإسلام الذي ولعدة قرون كان منطوياً في مناطقه التقليدية، إلا إنه اليوم يطمح إلى أن ينتقل إلى بلدان أخرى. يوجد اليوم تحرّك سكاني لأسباب تتعلّق بالعمل أو الاستجمام أو ربما بسبب سهولة السفر خاصةً في البلدان التي كانت تقليدياً مسيحية. فإلى جانب الاقتناص المنظم من الجماعات الدينية وشبه الدينية تتسبب حركة السفر هذه بمشاكل إضافية.

إن أتباع التقاليد والمعتقدات الدينية الأخرى يخلقون أركاناً داخل البيئات المسيحية وبالتالي يغيّرون الميزات والأعراف الاجتماعية. هذه الظاهرة لم تترك البلدان الأرثوذكسية من دون تأثّر. فالكنائس الغربية، ولا سيما تلك الموجودة في المدى البروتستانتي، تعالج هذه الظاهرة بطريقة مرتجلة لا بل بطريقة رومانسية. وهم يذهبون بالفعل إلى حد الحديث عن ضرورة التعددية والاعتراف بالإسلام والديانات الشرقية الأخرى كشركاء على قدم المساواة. وكثيراً ما ينشأ الانطباع بأن الإيمان المسيحي في تقهقر، مفسحاً المجال لظاهرة دينية جديدة، سمتها الرئيسية هي التلفيقية (syncretism).

في العالم الأرثوذكسي، كثيراً ما تثير هذه الغارات التي تقوم بها الأديان الأخرى حالة من الذعر، وتُواجه المشكلة برمتها بشعور من الدفاعية. بالتأكيد، ما هو مفقود هو الدراسة الجادة والإعداد واستخدام تجربة الشعوب الأرثوذكسية الأخرى الذين عاشوا في بيئات غير مسيحية. وبطبيعة الحال، وفي سياق الاجتماعات والاتصالات الأرثوذكسية، تُبذَل جهود لتوفير خطاب أرثوذكسي جدي في مواجهة هذه التحديات، ولكن الحاجات والأحداث تجري بمعدل سريع تعجز الآليات الأرثوذكسية عن اللحاق به. فهل يمكننا القول أننا إجمالاً نفتقر إلى الشغف الرعائي والإرسالي ما من شأنه أن يؤدي حقاً دوراً حاسماً في هذه المواجهة؟

في محاولتنا رسم واقع اليوم وتسجيل بعض التحديات التي يواجهها العالم الأرثوذكسي اليوم، لا يمكننا تجاهل الحقائق التي تختبر بالفعل صحة العلاقات بين المسيحيين. لقد سمي القرن العشرين قرن اللقاء المسكوني، وحوار الحقيقة والمحبة. ولكن إلى أي مدى كانت هذه الاتصالات حقيقية وكان الحوار صادقاً؟ هل كان هناك، ربما، نوع من الدافع الطائفي المخفي وراء الاجتماعات المسكونية؟ بالطبع، كان للوجود الأرثوذكسي في الحوارات المسيحية والاجتماعات المسكونية منظور ثابت ووحيد، منظور الشهادة. لا يمكن التوفيق بين هذه الشهادة مع تكتيك الاقتناص، كما ولا مع النظرة التي تنادي بالتسوية.

والسؤال الذي نود أن نورده هو: ما هي الصلة الممكنة بين الأحداث التي تتكشف اليوم في أوروبا الشرقية وعقلية البحث المسكوني والحوار اللاهوتي الحقيقية؟ إن الشعوب الأرثوذكسية، التي تحتاج إلى الوحدة بعد ليل وظلم طويل من الشمولية، والاضطهاد، والإهانة الإنسانية، تنقسم مرة أخرى. المأساة هي أن العامل الأهم في تأليب هذه الخلافات هي التعصب الديني، وعقلية مسيحيي القرون الوسطى التوسعية ومفهوم السلطة، وهذا كلّه تشكّل في أزمنة الانحطاط الروحي.

وفي 20 كانون الثاني 1992، أعربت كلية اللاهوت في جامعة أثينا في قرار عن عدم ارتياحها ل الجهود المنسقة للفاتيكان لتفعيل بقايا الاتحادية في أوكرانيا ومولدوفا ويوغوسلافيا وألبانيا وتشيكوسلوفاكيا على حساب الشعوب الأرثوذكسية المنكوبة، بهدف فرض سيطرة البابوية في أوروبا الشرقية“. في عيد الكرسي المسكوني (عيد القديس أندراوس في 30 تشرين الثاني) 1991، البطريرك بارثولومايوس، في خطابه أمام وفد البابا، صرّح بجلاء أن الحوار بين الأرثوذكسية والكاثوليكية الرومانية في خطر ليس فقط لكونه تأجّل إلى أجل غير مسمى، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها، بل قد يتم إلغاؤه تماماً على الرغم من كون الإلغاء أمراً مؤسفاً، بسبب الوضع غير المقبول الذي أنشأه الاتحاديون في أوروبا الشرقية والوسطى فيما يتعلق بعلاقاتهم مع الكنائس الأرثوذكسية المحلية، وهي العقيدة المسيحية الأقدم انتشاراً في المنطقة، والتي على الأكيد من الضروري إظهار المزيد من الاحترام والثقة الأخوية نحوها“.

ومن الممكن تسجيل العديد من الملاحظات والاحتجاجات المماثلة من أجزاء مختلفة من العالم الأرثوذكسي وحتى من الدوائر المسكونية. كل هذه الملاحظات تؤكّد أوقات التجربة والأزمة في الاتصالات المسكونية. هل نحن، ربما، في بداية حقبة ما بعد المسكونية؟ يواجه العالم الأرثوذكسي معضلات وتفكيراً صعباً، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير الخطط، وألا نحو تواجد أكثر مسؤولية. قد حان الوقت لتفضيل المسائل الأرثوذكسية الداخلية، لأن تكون وحدة الشعوب الأرثوذكسية مطلباً. لقد حان الوقت لكي ندرك أننا لا نستطيع أن نكون أرثوذكسيين، في عالمنا المتغير، إذا استمر كل واحد منا في العيش في برج عاجي.

إنها لضرورة وجودية أن نسعى إلى الخروج من حدودنا الإقليمية الضيقة حتى نتمكن من مواجهة واختبار الأرثوذكسية المسكونية. يجب أن يكون لاهوتنا وخدمتنا، تعليمنا ورعايتنا: “مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ” (أفسس 3:4). ومن واجبنا أن نعترف بأننا غالباً ما نتميز بكسلنا، وفي الحقيقة غالباً ما نمضي فترات طويلة كما لو أننا مصابون بالبكم. نحن نعيش مع رؤية الأبدية، لكن ننسى الحاضر.

في بعض الأحيان تزيد متلازمة الاحتراف من ثقل مهمتنا، فتفتقر خدمتنا إلى الحماس والخيال والجرأة. يمكننا جميعاً أن نرى فقدان الجاذبية والمسؤولية في أعمالنا. نحن نعمل بشكل أكثر غريزية، كالهواة، وأقل شعوراً بأنه مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ” (إرمياء 10:48). إن الأحداث التي نعيشها تجري أساساً على المسرح الأوروبي، وما يصل إلينا لا يترك مجالاً كبيراً للرضا عن النفس. نحن الأرثوذكس لا يمكن أن نكون متفرجين سلبيين في مواجهة التطورات السريعة والمدمرة للأرض والتي سوف تختم بالتأكيد تاريخ أوروبا لعقود قادمة. في ظروف اليوم، إن كنيسة الغرب، أعني الفاتيكان، جعلت وجودها واضحاً بشكل خاص. من خلال تعبئة جميع القوى التي تحت تصرفها، الدبلوماسية والتجمعات السياسية التي تعترف بالسلطة البابوية، وخاصة في إعادة تشكيل الاتحادية، إنها تسعى إلى إنتاج واقع جديد حيث للشعب الأرثوذكسي قرون من التاريخ.

بالتأكيد، نحن الأرثوذكس ليس لدينا القوة الدهرية للتأثير على الأحداث، ونشكر الله على ذلك، ولا تسمح روحنا بمواجهةٍ تقوم على آليات سياسية. ولكن لدينا عاصمة روحية تركها لنا الآباء، ولدينا كنز ليتورجي ثمين، ونحن أعضاء في مجتمع الكنائس الأرثوذكسية المتحدة في إيمان واحد وفكر واحد. إن واجبنا الأسمى هو تحقيق أفضل استخدام لوحدتنا.

لا ينبغي أن يبقى ضوءنا تحت مكيال (متى 15:5). لقد حان الوقت حتى أن كل واحد منا، بالاعتدال وبقدر مستطاعنا، يستغل الكنز الذي عندنا، والذي مع كونه في آنية ترابية إلا إنه لا يزال إنجيل مجد المسيح (2كورنثوس7:4). الرسالة في هذا اليوم العظيم، إذ نحتفل بانتصار الأرثوذكسية، هي بالتأكيد رسالة تفاؤل. في ظل اليأس المتفشّي وعدم اليقين، ترتفع الأرثوذكسية كإمكانية حقيقية وفريدة من الأمل والحياة. يقع على عاتق كل منا، من خلال البحث المتواصل عن إرادة الله، وضع هذا الأمل موضع التنفيذ في حياتنا اليومية وعملنا، إذ في الواقع إن الذين يسعون إلى إرادة الله ويحققونها هم الفلاسفة وعندهم الخطاب العملي والأعمال البليغة “(القديس غريغوريوس بالاماس).