متى تزيح التكنولوجيا الله ومتى تخدم في الكنيسة

الأرشمندريت زخريا زخريو

يكشف الرب يسوع في كثير من الأحيان عن الملكوت السماوي كعرس، ويدعو إليه جميع الناس على حد سواء. العالم كله، خليقة الله المتنوعة، هي ديباجة لعرس سماوي إلى حدٍ ما، طالما لم يتخلّ عنها الخالق بل بإخلاص ودقة هو يعمل” (يوحنا 17:5) ، ويصونها. العالم موجود لأن العناية الإلهية المستمرة والمثالية والقوية والدقيقة تعمل وتصون العالم، متخفيّة ضمن حتمية الطبيعة.

في عرس الملكوت، على حد تعبير الرب، ثلاثة أسباب قد تمنع الدخول:

أ) عند التعلّق بالخليقة المادية، حين تتربّع الخليقة المنظورة في المقام الأول في حياتنا، متّخذة الشرف الذي هو بالأصل لله. إذا تعلقنا بالمادة، يصبح نوسنا مادياً، رماداً. إذا وقعنا في تجربة التعلّق بالتكنولوجيا، فسوف يضعف اختيارنا لمشيئة الله في حياتنا، ونفقد مخافة الله الكاملة، التي ترجّح دائماً الأبدي على الأرضي، وتجعل الإنسان أكثر قوة في كفاحه ضد الخطيئة. “اشْتَرَيْتُ حَقْلاً، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ” (لوقا 18:14).

ب) يرفض الدعوة الإلهية أولئك الذين يفضّلون على الله أموراً أخرى، قد تكون مقدّسة وشرعة، كالزواج مثلاً. “إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ” (لوقا 20:14). يجب أن نكون مستعدين لتقديم أي تضحية لتحقيق اتحاد مثالي لروحنا مع الله.

ج) لا يدخل المدعوون إلى وليمة الملكوت عندما يكونون محاصَرين بالرغبة بتجربة شيء جديد. “إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي” (لوقا 19:14). هذا الإغراء الأخير يسيطر على عقول البشر المعاصرين في استعمالهم للتكنولوجيا. إنه إغراء الحداثة والابتكار، الذي يستعبد الإنسان للشغف المستمرّ باكتساب أحدث نماذج التكنولوجيا المتطورة واستخدامها. إن زيف المعرفة وسحر الجديدالذي توفره التكنولوجيا يمكن أن يمحو عطش الإنسان الروحي ويطمس رؤية الروح والنوس. وهكذا، لا يعود الإنسان يرى يد الله التي تشغّل التكنولوجيا، ويصير محروماً من فرصة ملء نواقصه بالشكر.

عندما يتبع الإنسان مشيئة الله وفكره، يعرف بشكل أفضل كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يستعمل التكنولوجيا، كما كل الخليقة، بشكل حكيم ونافع لمجد الله ومنفعة الإخوة.

كل وصايا الله تعكس الطريقة التي يعمل بها. عندما أعطانا وصية أن لا تعرف شمالك ما تصنع يمينك (متى 3:6)، أرانا طريقة عمله هو. إذاً، الرب يخدم الإنسان دائماً بطريقة متواضعة، من دون أن يظهر. إنه يختبئ قليلاً وراء القوانين الطبيعية وقليلاً وراء العلوم التي يمنحها لخدمة الإنسان بعنايته الواضحة، لأنه لا يريد أن يحمّله عبء الامتنان.

الربّ، بصلاحه اللامتناهي، يهب الاكتشافات العلمية والإبداعات الفنية، مانحاً البشر الفرصة للحصول على الوسائل والموارد لحياة سكان الأرض المتزايدين. إن خليقة الله لا تحدّث عن مجده وحسب، بل هي تخفي ثروة من الطاقة التي يتمّ اكتشافها تدريجياً لسدّ حاجات البشر. مأساة العلماء تكمن في أنهم عندما يفتحون مناطق جديدة وينجزون الاختراعات، بدلاً من أن يؤدّوا المجد والشكر لله، يخرجونه من خليقته بروح الكبرياء.

يقول الرسول بولس نَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ” (1كورنثوس 12:2). روح الرب متواضع ونحن نكتسبه بالشكر. الشكر يقدّس كل الخليقة، وبقدر ما نشكر الرب على أعماله نكسب أكثر في حياة العالم لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” (1 تيموثاوس 4:4-5). وبالتالي، فإن التكنولوجيا ليست أمراً سيئاً إذا استخدمها الإنسان بالشكر والاعتدال.

الكلمة الرسولية المذكورة أعلاه هي بداية كل ممارسة ليتورجية وكما أنها نموذج الحياة التي تعلمنا إياها الليتورجيا الإلهية. يمكننا تطبيق نفس البداية على استخدام التكنولوجيا الرقمية. وبالتالي، فإن الإنسان المستعمِل الذي يعرف كيف يشير دائماً إلى الله بشكرٍ سوف يحقق الاستفادة القصوى من استخدام التكنولوجيا. وكما أن الله في محبته المتواضعة يصل إلى الإنسان حتى مع التكنولوجيا، كذلك المؤمن يستخدم العلم والتكنولوجيا بشكرٍ لمجد الله ومنفعته هو بذاته.

من أجل الاستعمال الصحيح للتكنولوجيا، يجب ألّا يغيب عن بالنا أمران: أولاً، أن التكنولوجيا هي منحة من الله لمعيشة جيلنا، وثانياً أن المعرفة خارجية، نسبيّة وعابرة، بينما المعرفة التي نسعى إليها كمسيحيين داخلية، قلبية، تحوّل القلب وترافقنا إلى ما بعد القبر. المعرفة الخارجية لا تصل إلى كمال الزمان، ولا تمنح الإنسان أي كيان حقيقي. في المقابل، القَلبي يتحقق بالتحوّل المستمر لروح الإنسان نحو القلب ومن هناك نحو إلى الله. عندما يتّحد النوس مع القلب، فنعمة الله تجعل الإنسان يرى نفسه وكل العالم بوضوح، ويصير في وحدة مع كل شيء كما هو.

إن تعاسة الإنسان الناتجة عن فشله وعن فقره الروحي تحتجزه في أدنى مخلوقيته. لقد منحه الله نوساً عجيباً لينظر من خلاله ويستمتع بوجه خالقه، فيصير بقلبه قادراً على تتويجه مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ” (1تيموثاوس 15:6). بحضور الإله الحي، لا يعود الكائن البشري محتاجاً إلى معلومات من الإنترنت، ولا من الكتب والرسائل إذ في ذلك الحين يكتب الروح القدس في قلبه أفعال الحياة الأبدية. وبحسب كلام القديس سلوان: “بعقلنا لا يمكننا أن نفهم ولا حتّى كيف وُجدت الشمس. وعندما نسأل الله: <قلْ لنا كيف صنعت الشمس> نسمع بوضوح في قلبنا: <واضعوا ذواتكم وسوف لن تعرفوا الشمس وحسب بل حتّى خالقَها>. وعندما تتعرف النفس إلى السيد بالروح القدس، فمن فرحها تنسى الشمس وكل الخليقة وتفقد اهتمامها بالمعرفة الفائضة“[1].

إن الموقف الحكيم من التكنولوجيا هو الإسخاتولوجي. هذه كانت توصية الرسول بولس في وجه كل التحديات في زمانه: “وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ” (1كورنثوس 31:7). إن روح الإنسان الذي يسعى إلى وجه الإله الحي يجب ألا تكون مربوطة بأي شيء في هذا العالم، بل أن تعبُر هذه الحياة الحاضرة بسرعة بوجهة وحيدة ثابتة هي ملكوت الله. يعرف المؤمن أَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَة” (عبرانيين 14:13) لذا يتخلّص من كل ارتباطٍ وتعلّقٍ بمعايير وقِيَم هذا العالم الذي كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يوحنا 19:5). عندما يكون فكره في الآخرة، يكفّ عن الالتصاق بالوقتيات ويبدأ ببناء الصالحات. إذاً، المشكلة ليست التكنولوجيا بل هي تكمن في الإنسان، أي في عقله والتزامه ورجائه.

في جهاد الصلاة يبدأ المؤمن بتذوّق حلاوة النعمة. لكن التصدعات غير المتوافقة مع النعمة تخلق هذا التضاد المأساوي في النفس، الذي يهزّ الكيان من أساسه ويقلبه بأكمله بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ“(عبرانيين 7:5) إلى السيد الذي هو الوحيد القادر على تجديده وخلاصه. إن لم يشعر الإنسان بهذا التضاد ولا يجتاز هذه التجربة العميقة فلن يكون قادراً على الانقطاع عن الخطيئة ومواجهة تحديات هذا العالم.

قال السيد: “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ” (متى 52:13). العتقاء هي المواهب الطبيعية الموجودة، بما فيها علوم وتكنولوجيا الإنسان، وكل معارف طبيعته غير المحرّرة. الجدد هي نعمة الروح القدس ومواهبه التي يكتسبها الإنسان المتجدد الحكيم والملمّ بأسرار الله. والمواهب القديمة أو المكتَسَبة يجب أن تخدم مجد الله والاتّحاد العجائبي بين الإنسان وروح الرب. في كل الأحوال، مَن يضع إيمانه بمواهبه المخلوقة، يسد طريقه نحو المواهب الفوق طبيعية التي الإنسان مدعو إليها ومهيأ لها قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” (2تيموثاوس 9:1).

لقد واجه آباء الكنيسة في القرن الرابع تحدياً مماثلاً لتحدي التكنولوجيا مصدره الفلسفة الهلينية. هؤلاء أثبتوا بوضوح أن الفلسفة البشرية الحقيقية هي الفلسفة العملية أي التحقيق الكامل لمتطلبات الإنجيل. الأمثلة البطولية الحقيقية عن هؤلاء الفلاسفة هم باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم، وكثيرون غيرهم من القديسين.

الكنيسة بطبيعتها تمتلك الحقيقة الأبدية بأن يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين 8:13). إذا عَرَضنا الأنثروبولوجيا الإنجيلية فسوف تتكشّف فرادةُ حقيقةِ كلمةِ الله، مقدّمةً الأجوبة لكل المشاكل وكاشفةً الطريق الموثوقة إلى الأبدية.

التكنولوجيا اليوم تعني العولمة. لكن العولمة الحقيقية هي التي للمسيح الذي غلب العالم بصليبه وبقيامته، وبآلام جسده صار آدم الجديد وأب الدهر الآتي“.

[1] Ἀρχιμ. Σωφρονίου, Ὁ Ἅγιος Σιλουανὸς ὁ Ἀθωνίτης, Ἱ. Μ. Τιμίου Προδρόμου Ἔσσεξ Ἀγγλίας, 142011, σ. 347.