الغضب الإلهي

الغضب الإلهي

الخورية سميرة عوض ملكي

يجد معظم المسيحيين صعوبة في تقبّل الكلام عن غضب الله وفهمه والإيمان به. لطالما كانت فكرة وجود إله غاضب بالنسبة لبعض المسيحيين حاجزاً على طريق إلى الإيمان. فبعض المسيحيين إذ يختبرون نعمة الرب المحِبة في حياتهم يعتقدون أن فكرة غضب الله تبدو متناقضة مع تجربتهم التي يعبّر عنها الرسول بولس في الرسالة إلى أهل رومية بأن الله “بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (8:5)، فكيف يكون في نفس الوقت إلهَ غضبٍ؟

يتحدث الكتاب المقدس عن طبيعة الله وعمله وغاياته بمصطلحات نفهمها ويمكن أن نختبرها. لكن علينا أن نتذكّر أن العقل البشري لا يمكنه أبدًا فهم طبيعة الله المطلَقة. فنحن نرى الله كَمَن يمتلك الحقيقة والنعمة والجمال والمحبة والصلاح والإخلاص بأشكالها المطلقة. بالمقابل ما نراه في البشر هو بعض هذه الأشكال، لكن إلى جانب الكراهية والغضب وروح الانتقام والقبح والغضب.ـ

إن سبب صعوبة أن نطبّق على الله بعض الصفات التي نعتبرها سلبية يعود إلى تفكيرنا المثالي الذي أصوله في الفلسفة. مشكلة غالبية المسيحيين، ومنهم أرثوذكسيون، أنهم يقرؤون ما يحكي عن غضب الله بعيون لاهوت العصور الوسطى الغربي أو لاهوت الإصلاح. لكن الكتاب المقدس ينظر إلى الله والعالم بشكل أكثر جدية وواقعية من التأمّل الفلسفي. لهذا السبب، قول البعض أن الله لا يستطيع أن يسمح بالشر وإلا يكون هو مصدر الشر، هو تفكير وكلام فلسفي.ـ

لا يرفض الرسول بولس الكلام عن غضب الله، والذهبي الفم في تفسيره للرسول بولس يعلل بأن مَن يرفض قبول غضب الله وقصاصه فهو بالحقيقة يرفض أن يكون خليقة الخالق. يتحدث الرسول بولس عن غضب الله بطريقتين: الأولى أنه حدث آتٍ كحساب للعالم عن خطيئته “وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ” (رومية 5:2). الطريقة الثانية التي يرى الرسول فيها غضب الله، حاضرة وليست فقط في يوم الدينونة فيقول في الرسالة إلى رومية (18:1): “أَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ” ويتابع واصفاً فجور الناس وآثامهم التي تستجرّ غضب الله لتأديبهم. فيكون بنظر الرسول سبب الشرور التي تحلّ بالناس خطيئتهم وإنكارهم لحقيقة الله وتبنّيهم للتفكير العقيم والوثنية والانحراف الجنسي وكسر العلاقات الأخلاقية. وفي هذا يرى الرسول أن غضب الله هو موجّه ضد الخطيئة وليس ضد الخاطئ، وهو لا يشبه موقف آلهة الرومانيين بشيء ولا هو صادر عن انتقام أو رغبة بالشر.ـ

قد يكون القديس يوحنا الذهبي الفم أكثر مَن تكلّم عن “غضب الله” و”القصاص الإلهي” بين آباء الكنيسة. يشرح القديس سمعان اللاهوتي صعوبة فهم الحديث عن المحاكمة الإلهية بقوله “التفسير صعب لأنه ليس عن أشياء حاضرة ومرئية، بل عن أمور مستقبلة وغير مرئية. لهذا هناك حاجة عظيمة للصلاة ولجهد نسكي أكبر ولطهارة في النوس، عند كل الذين يتكلمون والذين يسمعون، لكي يكون الأول قادراً على المعرفة والكلام جيداً، ويكون الآخر قادراً أن يسمع ما يُقال بفهم”.ـ

في العظات النارية والأعمال التفسيرية للذهبي الفم لحظات رعائية يقود خلالها أبناءه الروحيين ومستمعيه إلى فهم الأمور الروحية بشكل أكثر عمقاً. إحدى هذه الحالات هي رسالته الأولى إلى صديقه ثيوذوروس إذ أنه شُغف بامرأة وسعى إلى الزواج منها بالرغم من نذر العفة الرهباني. إنها رسالة جميلة ساعدت ثيوذوروس على تخطي اليأس الناتج عن التعارض بين شغفه ونذره. فالذهبي الفم، لكي يقود ثيوذوروس خارج اليأس، يشرح بأنه إن كان صحيحاً أن الله بطبيعته غضوب ومعاقِب فمن الطبيعي أن يغلبنا القنوط: “لأنه إذا كان غضب الله هوى، فقد يشعر المرء باليأس لأنه غير قادر على إخماد الشعلة التي هو [كرجل شرير] أشعلها بأفعاله الشريرة المتعددة؛ ولكن بما أن الطبيعة الإلهية بلا هوى، حتى ولو عاقب، حتى لو انتقم، فهو لا يفعل ذلك بغضب، ولكن بحرص شديد ولطف كبير محبّ؛ حيث يقتضي ذلك أن نكون أصحاب شجاعة كبيرة، وأن نثق بقوة التوبة. لأنه حتى الذين أخطأوا إليه، فإنه ليس معتاداً على أن يطالهم بالعقاب من أجله؛ لأنه لا يمكن لأي ضرر أن يعبر الطبيعة الإلهية؛ لكنه يتصرف من أجل مصلحتنا، ومنع انحرافنا من أن يزداد سوءاً بتحويل ممارسة احتقاره وإهماله إلى عادة. لأنه حتى مَن وضع نفسه خارج النور، لا يفقد النور، بل الأعظم بنظر نفسه يصمت في الظلام؛ وعلى المنوال نفسه، من اعتاد أن يحتقر تلك القوة القديرة، لا يضرّ القوة، لكنه يلحق أكبر إصابة بنفسه. ولهذا السبب، يهددنا الله بالعقوبات، وغالباً يطبّقها، لا ليثأر لنفسه، ولكن ليجذبنا إليه. فالطبيب أيضًا لا يشعر بالضيق أو الانزعاج من إهانات الذين فقدوا عقولهم، ولكنه يعمل كلّ شيء ويدبّره لإيقاف أولئك الذين يقومون بمثل هذه الأفعال غير الملائمة، ولا ينظرون إلى إرادته بل إلى مكاسبهم؛ وإذا أظهروا قدرًا ضئيلًا من ضبط النفس والرصانة، فإنه يفرح ويسعد، ويطبق علاجاته بجدية أكبر، ليس على سبيل الانتقام منهم بسبب سلوكهم السابق، ولكن رغبةً في زيادة منفعتهم، واستعادتهم إلى العافية. ومع ذلك، عندما نقع في تطرف الجنون، فالله يقول ويفعل كل شيء، ليس لينتقم لنفسه بسبب أفعالنا السابقة؛ ولكن لأنه يرغب في تحريرنا من اضطرابنا؛ ومن خلال المنطق الصحيح، من الممكن أن نقتنع بهذا”.ـ

لذا عندما يتحدث الكتاب المقدس عن الغضب والقصاص والانتقام الإلهيين، لا تكون هذه اللغة وصفاً لطبيعة الله التي لا سبيل إلى معرفتها أو فهمها أو وصفها، بل بالأحرى غايتها ردّ الإنسان عن أن يلازم شرّه وأن يتوب. يصف الذهبي الفم غضب الله بأنه لطف محِب للإنسان، لكن الشرير يختبر هذه المحبة كغضب وعقاب. يأخذ الذهبي الفم مثال الطبيب وكيف أن علاج بعض الأمراض ليس لعقاب مَن يسبب المرض أو يعاني منه، بل هو ضرورة لاستجلاب الصحة والمنفعة لمَن هو بحاجة للعلاج بغض النظر عن كمّ الألم الذي يلحِقه العلاج. وهكذا، استعمال هذه اللغة في الكتاب المقدس وعند الآباء هو لكي نفهم مدى أهمية أن نتوب الآن، لأنه لا توبة بعد الموت.ـ

واليوم في خضمّ جائحة الكورونا، ينبغي فهم كلام الآباء المعاصرين بأن الجائحة هي من الله في هذا الإطار وكحثٍّ على التوبة، لا لإلصاق صفة الانتقام بالله، بل لإظهار عمله التربوي الذي يمارسه كل الآباء مع أبنائهم.ـ

عن نشرة الكرمةـ

***

كيف يكتب القديسون

كيف يكتب القديسون

المتقدم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس[*]

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

أ) في هذه الأيام هناك الكثير من اللاهوتيين، من إكليريكيين وعلمانيين، يؤلّفون وينشرون. لكن البعض يجهلون جسامة ما يكتبون، فيتبعون ممارسة الصحافة التنافسية الدهرية. ثم باعتزاز وكبرياء يُحصون ما حصلّته صفحاتهم من الزيارات، محوّلين الخطاب اللاهوتي إلى أخبار تجارية، وليس من النادر أن يحطّوا من قَدر الكلمة الإلهية.ـ

ب) إنهم يستعملون اللذع والعدائية والتلميح وسوء النية والطعن لمن يخالفهم، مستعملين ادعاءات وعموميات لا أساس لها، وغالباً ما “ينْهَشُونَ وَيَأْكُلُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا” (غلاطية 15:5). ولا نخشى أننا فيما نشدّ جسدنا ونمدّ قوانا اللاهوتية، قد نصير خارج التقليد الآبائي الذي نستجديه وندّعي الكتابة باسمه.ـ

ج) في تقليد آباء الكنيسة، أثيرت كثيراً مسألة متطلبات تأليف النصوص اللاهوتية. القديس غريغوريوس السينائي (1255-1347) في تلخيصه للتقليد الذي عمره قروناً، يقول أن لإنشاء عمل لاهوتي، هناك ثلاث أشكال موثوقة ولا لوم عليها: “أولاً، لحفظ ذاكرة الشخص، ثانياً لمنفعة الآخرين، وثالثاً الكتابة بالطاعة. بهذه الطريقة كُتبَت أغلب النصوص ليستفيد منها الساعين إلى الكلمة باتضاع”.

د) بتعبير آخر، الشكل الموثوق الأول للكتابة هو زرع لما في ذاكرة الكتّاب أنفسهم. الشكل الثاني هو نقل المعرفة لمنفعة الآخرين الروحية. والشكل الثالث الموثوق من الكتابة هو بالطاعة للساعين إلى تعلّم حقيقة الأمور بالتواضع والتمييز. هناك أسباب أخرى للكتابة لكنها بحسب القديس غريغوريوس مرفوضة. إن الذين يكتبون نصوصاً لاهوتية للإمتاع أو لمجدهم الخاص أو للظهور يحصّلون أجرَهم ولن يكسبوا أي منفعة لا هنا ولا في الحياة الثانية. إنهم سوف يدانون كمتزلّفين ونصّابين لأنهم هتروا الكلمة الإلهية.ـ

ه) إن مسألة مقاربة النصوص المقدسة بعدائية طرحها الآباء اليقظون (Niptic). يوضح نيكيتا ستيثاتوس أنه من الخطر على الناس أن يستجلوا الحقائق الإلهية بروح دهرية ومادية متَّبعين طرق تفكيرهم الخاصة. إذ يسيطر عليهم الحسد والغيرة والمكابرة والاختصام فهم يهزؤون ويستخفّون بالذين يقاربون الأمور الإلهية والإنسانية روحياً وبحسب “فكر المسيح”. يحصل شيء مشابه عندما يحرّفون أو يستهلكون أو يقصّرون عشوائياً المقاطع من سير القديسين أو كتابات الآباء في أطر فهمهم الخاص لكي يدعموا وجهة نظر بعض الكتّاب أو غيرهم.ـ

و) كل ما سبق مرتبط بتأليف سلّم القديس يوحنا السينائي الذي تكرّمه الكنيسة في الأحد الرابع من الصوم وفي الثلاثين من آذار. إذا قرأتم رسالة رئيس دير رايثو إلى القديس يوحنا، يتضّح أن السلّم هو “ابن الطاعة”. يكتب رئيس الدير: “أنت أكثر المعلمين أهلية ومقدرة: ألجأ إليك بهذه الأسطر متوسلاً إلى فضيلتك أن… لا تأنف الآن أن تَعرُض وتشرح بانتظام واجتهاد ما هو لازم للسيرة الرهبانية وموافق في الرب لخلاصنا، كمرشد فاضل لجميع الذين يعيشون هذه الحياة الملائكية”.ـ

ز) يوحنا أجاب الرئيس بتواضع: “لولا خوفي من التملّص من نير الطاعة المقدسة، أمّ سائر الفضائل، لما كنت تجرأت… على خوض مهمة تجاوز طاقتي…ليس طبعاً لأمدّك بأي فائدة… إنما أوجهه إلى شركة الرهبان … وأني أرجو كلّ مَن يطالع هذه الصفحات، إذا وجد فيها شيئاً مفيداً، أن يعزو ثمارها بعدل إلى رئيسنا الفاضل، وليسأل الله أيضاً أن يكافئني على قيامي بهذا العمل ليس بسبب فحواه، فإنه خسيس ومملوء جهلاً كثيراً، بل بارتضائه قصد مَن يقرّبه للرب”. إن كلمات كاتب السلّم وغيره من الآباء اليقظين هي مرآة لكل الذين يؤلّفون نصوصاً لاهوتية في كل زمان.ـ

ح) في هذه الأيام بشكل خاص، في الظروف الصعبة التي يوجد فيها المجتمع والعالم كله بسبب الجائحة، لا مكان للحذلقة والتنافس غير المجدي على الإنترنت. إذا واضعنا ذواتنا أمام الرب، القاضي العادل، وإذا صَقَلنا نفوسنا بالصلاة القلبية ومحبة الآخرين، مع توبة عميقة ومن كل القلب، فسوف نجتذب نعمة الروح القدس فيمكننا الاعتقاد بأن ما يلهمنا هو روح الله لا روح العالم.ـ

[*] رئيس قسم الأخلاق والمجتمع في كلية اللاهوت – جامعة تسالونيكي، اليونان.ـ

[1] عنوان النص الأصلي:ـ

Πρωτοπρ. Βασίλειος Ι. Καλλιακμάνης. “Πως γράφουν οι Άγιοι”, https://www.pemptousia.gr/2020/04/pos-grafoun-i-agii/

[2] النصوص العربية مأخوذة من: يوحنا السلّمي، السلّم إلى الله، تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف، سلسلة آباء الكنيسة 3، الطبعة الثانية، منشورات النور، بيروت، 1985ـ

***

ما بعد الإنسانية

ما بعد الإنسانية

الأب أنطوان ملكي

منذ ظهور الكورونا وتحولها إلى جائحة، أطلق معتنقو نظريات المؤامرة العنان لأفكارهم إذ وجدوا الظرف مؤاتياً لتطبيق رؤياهم. ليس سهلاً التعليق على كل السيناريوهات التي طُرِحَت. وقبل أي نقاش، يجب الإشارة إلى أن التهدئة ضرورية لتصويب المسار. التهدئة الفعلية تقوم على الحقيقة. والحقيقة لا تعني إنكار وجود ضد المسيح وأنه سوف يظهر وسوف يكون هناك حرب معه. تقتضي الحقيقة أن يفهم المسيحي أن المعركة مع ضد المسيح هي معركة المسيح، ونحن منخرطون كجنود للمسيح ولسنا مستقلّين عنه. كلّ مَن يتنطح ويغرق بالسيناريوهات يكون مخدوعاً.ـ

وعليه، قرار متى تكون الحرب ليس متروكاً بيد ضد المسيح، وربّنا لم ينسحب حتى يأخذ مكانه أي أحد، لا من أعدائه ولا من جيشه. لهذا، اليقظة شرطٌ لعبور الزمان الممتد من اللحظة إلى يوم القيامة. واليقظة لا تعني أن يقضي الإنسان وقته يراقب ضد المسيح بل هي أن يراقب نفسه، كما يعلّم القديس بورفيريوس. إن هو راقب نفسه يزرع السلام من حوله أما إذا انشغل بمراقبة ضد المسيح فسوف يدفع المؤمنين إلى الذعر والعيش بانفصام في واقع الحياة الذي لا ينقصه انفصامات. اليقظة ليست حالة فكرية بل روحية نبلغها بالجهاد الروحي في الكنيسة، على ضعفاتها.ـ

ما يهمنا في هذا المقال من نظريات المؤامرة، هي تلك التي ربطت الجائحة بضد المسيح، أما غيرها من النظريات، التي تقع في السياسة والمال، فلن نتطرق إليها. النقطة المركزية في هذه النظرية هي علامة الوحش حيث صارت الشريحة الرقمية العلامة تارة، واللقاح الذي لم يوجَد بعد تارة أخرى، ويخرج مَن يؤكّد أن اللقاح يحمل رقم الوحش المعروف ب666. ويكون الاستنتاج أن على المسيحيين رفض الشريحة ورفض اللقاح. هذا الكلام يعتوره الكثير من قلة الدقّة. من متطلبات النصر في الحروب هو دقة المعلومات وإلا تصير الحرب مع طواحين الهواء فيما العدو يتفرّج و”يشمت”، بحسب تعبير الذهبي الفم.ـ

قبل التطرق إلى الحرب مع ضد المسيح، من الضروري أن نضع الشريحة في مكانها الصحيح. هناك اليوم في العالم اهتمام كبير بالشرائح التي توضَع في جسم الإنسان، منها ما هو لأهداف طبية ومنها ما هو لمجرد البحث العلمي ومنها ما هو أبعد من ذلك. يُنفَق الكثير من المال عالمياً على هذه الأبحاث والدراسات. البعض القليل منها ينجح في التطبيقات الطبية، أما في الحقول الأخرى فعدم الوضوح هو السمة الغالبة. من هذه الشرائح اثنتان، الأولى اقترح بيل غايتس بأن تكون لتحميل اللقاح ضد الكورونا عليها فيمتص الجسد اللقاح وتبقى هي وتكون محمّلة بمعلومات صاحبها الشخصية. هذه العملية يقول مقترحوها أنها تساعد على تحديد مَن أخذ اللقاح، وهنا يبدأ النقاش حول إلزامية اللقاح، وأن اللقاح الذي لم يتوصل إليه أحد بعد هو أيضاً من الشيطان. أما الشريحة الثانية فهي أيضاً بنفس مواصفات الأولى ما عدا أنها ليست معنية باللقاح وسوف تكون إلزامية لكل البشر وتحلّ مكان كل الجوازات والبطاقات، فلا يحتاج الإنسان من ثمّ إلى جواز سفر ولا إلى بطاقة المصرف ولا رخصة السَوق ولا غيرها. إلى هذا تحمل البطاقة كل المعلومات البيومترية التي يحملها اليوم الجواز وغيره من البطاقات. هذه الشريحة هي جزء من مشروع كوني عنوانه الهوية 2020 (ID2020) ويعمل عليه عدد كبير جداً من الشركات العملاقة والصغيرة، وغالبيتها في أوروبا، ومعهم عدد كبير من الجامعات ومراكز الأبحاث والباحثين المنفردين والمموّلين.ـ

الهوية 2020 هي جزء مهيّء لمشروع أكبر يحمله تيار “ما بعد البشرية (transhumanism)”، وفي شقّه التكنولوجي أُطلِق عليه لاحقاً اسم Humanity 2.0، أي النسخة الثانية من البشرية، أو البشرية الجديدة، حيث يأمل المنخرطون فيه إنتاج إنسان هجين بين البشر والآلة. يتّخذ هذا المخلوق المرجو عدة أسماء، الأكثر انتشاراً بينها هو سايبورغ (Cyborg). وقد بدأت بعض الاختبارات على أشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة حيث تم استبدال الأعضاء المريضة أو الميتة بأجهزة وشرائح. الأعضاء التي نجحوا في تصنيعها في المختبرات هي اليد، الرِجل، الذاكرة اي جزء من الدماغ، البنكرياس، العين، والأذن. وقد وصل البحث حول القلب إلى نقاط متقدمة، لكن لم يُصَر بعد إلى إنتاج قلب اصطناعي.ـ

تضمّ حركة ما بعد البشرية مفكرين وعلماء ومستثمرين من كافة الحقول، كالفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والهندسة والطب وغيرها. من مبادئهم وجوب استخدام تقارب التقنيات الجديدة لتغيير الإنسان من عاقل (Homosapien) إلى تكنو إنسان (Technosapien). يعتبر بعض دعاة هذه الحركة أن البشر الحاليين هم نموذج عفا عنه الزمن، ويدافعون عن موقفهم بأن الناس هم أصلاً على طريق ما بعد الإنسان، حيث أنهم يستخدمون التكنولوجيا لتعزيز وتوسيع القدرات البشرية، كالهواتف المحمولة والإنترنت والأطراف الصناعية الطبية وما إلى ذلك. وبالتالي يجادلون بأن ما يدافعون عنه لا يختلف عينيًا عما سبق أن قَبِله البشر على أنه أخلاقي ومقبول. طبعاً، إلى اليوم لم تلقَ هذه الأفكار القبول الذي يضعها على المستوى التطبيقي الشامل مع أن منظومة مقتدرة من الإعلام والسينما والأدب والموسيقى تعمل على التسويق لهذه الأفكار ونشرها. قيمة ميزانيات هذه الأبحاث والنشاطات تفوق ما يحتاجه العالم لحل مشاكل الجوع والأمية، من دون أن ندرِج كلفة تطبيق هذه الأفكار على علوم الحرب وأدواتها.ـ

يتحدث جماعة ما بعد الإنسانية، او الإنسانية الجديدة، عن الخلود وإطالة الحياة وتأخير الشيخوخة، ويعملون على تحقيق هذه الأمور عن طريق التكنولوجيا. حلمهم الأبعد هو الحياة الأبدية على هذه الأرض أو على كوكب آخر. لهذان يمكن اعتبارهم ديناً يعِد بالخلود عن طريق التصاعد والتحول اللذين يحققهما العلم. وكسائر الأديان، يعتبرون مَن يخالفهم الرأي رجعياً ومعادياً للكنولوجيا والتطور.ـ

من المهم التمعّن بما يؤدّي تدخل التكنولوجيا والعلوم في داخل الإنسان أكثر مما يؤثر عليه من خارج. لا يؤمن أتباع الإنسانية الجديدة بأن للإنسان جوهر ينبغي احترامه. نحن المسيحيون نعرف أن داخل الإنسان صورة الله وهي جوهره. بالتالي، التطور يلحِق الضرر بصورة الله التي فينا والتي نتمسّك بها وندافع عنها. الكلام عن الرجل الآلة هو ضرب لهذه الصورة ولقدسية الحياة التي فيها. أن يقبل الناس أنهم جزئياً آلات يقودهم عملياً إلى التخلي عن كل ما نعتقده قدسيةً للجسد، من الحشمة وصولاً إلى الاستباحة الكاملة، وحتى إلى الإجهاض والانتحار والموت الرحيم. إذا كنا نستطيع أن نتصرّف بالآلات على هوانا وحتّى أن نتلفها أو نتخلَص منها أو ندوّرها، فلمَ تكون هذه الآلة البشرية استثناءً؟

يدعو أتباع الإنسانية الجديدة إلى تبني التقنيات التي تهدف إلى تعزيز قدرات الإنسان العقلية والأخلاقية. حجتهم هي أن الإنسان المعزز سوف يكون أكثر سلامية وعدائية لأنه لا ينقصه شيء. هذه التقنيات مبنية على علم النفس وطبّها وهي تطال الأفراد والجماعات. من أشهر هذه التقنيات ما يُعرَف بالهندسة الاجتماعية التي يقوم عليها الكثير من ألاعيب علوم التسويق والدعاية. تضخّ إلينا الشاشات، بكافة أشكالها، كمّاً كبيراً من تطبيقات هذه التقنيات.ـ

طبعاً، لا يقف العالم متفرجاً على جماعات ما بعد الإنسانية ينفذّون مشاريعهم ولا خططهم تسير كما يشتهون. هناك جماعات دينية وأخلاقية كثيرة تناهضهم. وهنا تكمن ضرورة التمييز في كيف يناهضهم الإنسان وأين ومتى؟ مَن يندفع من دون تمييز يستنفد قوته وموارده قبل الأوان.ـ

على سبيل المثال، يتحدّث مناهضو الشريحة عن أنها سوف تكون مدخلاً إلى التحكم بالبشر وتوجيههم. أيعتقد ناشرو هذه التحذيرات بأن الشريحة سوف تكون أكثر فتكاً مما ينتشر حالياً في المجتع من مظاهر ثقافة تغيير المزاج والتحكم بالأفكار، وتقنيات التأمل التصاعدي، وحتى العقاقير التي تعمل على الأعصاب وعلى النفس، والمخدرات؟ أليست هذه كلها أشكال تحكّم بالناس؟ كثيرون يحذّرون من أن اللقاح سوف يتيح لقوى الظلام التحكّم بمَن يأخذه، فهل يعتقدون بأنه سوف يكون أكثر تحكماً من الهاتف الذكي والرسائل المخفية والموسيقى المخدّرة؟

طبعاً هذا الكلام ليس للدفاع عن الشريحة بل لوضعها في مكانها الصحيح. جماعة الإنسانية الجديدة يخططون للانتقال من خارج الإنسان إلى داخله متى استطاعوا. هذا يعني أن الحرب الحقيقية تكون في داخل الإنسان. المؤمن الذي انتصر في داخله، على ذاته أولاً، يكون محصّناً مستعداً لمواجهة ما يأتي من خارجها. يحكي الأخرويون عن أن الناس سوف تهرب كي لا تحمل علامة الوحش وهذا صحيح. لكن مَن الذي سوف يترك بيته وماله ومجتمعه ويهرب؟ وحده غير المتعلّق بما يملك، الذي كنزه في السماء وبالتالي هناك قلبه، الذي لا يشدّه إلى مكانه شيء سوى أن الله وضعه فيه، متى أراده الله أن ينتقل يكون جاهزاً. الاستعداد داخلي وبرنامجه واضحٌ اسمه التوبة. ألفا سنة والكنيسة تعلّم عنه، تصوم وتجاهد من أجله.ـ

إن وصف الرسول بولس لهذه الحرب دقيق جداً: “وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ… وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ… جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ…فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَصِ” (1تسالونيكي 1:5-8).ـ

إذاً، هناك معركة قادمة. أما كيف وأين فللرب أن يقرر. يخطئ مَن يعتقد أن القرار بيد ضد المسيح. “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ… إِلاَّ الآبُ” (مرقس 13: 32). لهذا نحارب بالتوبة لا بالنظريات ولا بالسلاح ولا حتّى بالعلم. فليستعدّ كل واحد بالوزنة التي أُعطيها. لسنا كلنا أطباء ولسنا كلنا علماء. فلنأخذ الطب من الطبيب والعلم من العالِم. نظريات المؤامرة هي استجلاب للسياسة إلى الروحيات. لا يجوز أن نخلط السياسة بالإيمان ونتصوّر أننا نقرأ الواحد بالآخر. لا ألعاب الأرقام ولا شؤون الأرض ولا قراءة الإنجيل هوليوودياً تنفع المؤمنين وتثبّتهم وراء سيدهم في التجربة. وحدهم التائبون يرون الفرج “تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (أعمال 19:3).ـ

ختاماً، باختصار على لسان هامة الرسل: “أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ. لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ. لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ.” (2بطرس 8:3-14).ـ

Ferrando, Francesca. (2013). “Posthumanism, Transhumanism, Antihumanism, Metahumanism, and New Materialisms: Differences and Relations,” Existenz 8/2 (2013), 26-32. https://www.researchgate.net/publication/304333989_Posthumanism_Transhumanism_Antihumanism_Metahumanism_and_New_Materialisms_Differences_and_Relations

Gallaher, B (2019). “Godmanhood vs Mangodhood: An eastern orthodox response to transhumanism”. Studies in Christian Ethics. http://hdl.handle.net/10871/39217

Somerville, Margaret (2007). “From Homo sapiens to Techno sapiens: Children’s Human Rights to Natural Human Origins”. https://www.ieb-eib.org/en/study/early-life/assisted-reproduction/from-homo-sapiens-to-techno-sapiens-161.html

***

مناجاة

الراهب الصغير

ربّي

امنحني أن أمكث معك لكي أستقر وأستريح فيك. لكي أطمئنّ إلى وجودي بك، لكي تقودني لآتي إليك. ساعدني لأثبّت قدميّ على صخرتك. امكثْ معي ونجّني من المخاطر التي تحيق بي لأني اعتمدتُ على اسمك. فأنا غريب في هذه الحياة، ضيف عابر يمرّ، لا مبيت له. فاجعلْ لي من ثروتك عوناً لي في السفر لئلا أتعوّق عن الوصول إليك. جدد قواي لأكمل طريقي نحوك.

دعوتَني فها أنا أتوسّل إليك، خذني إلى ما وعدتني به. أنعِشْ فيّ شوق العودة إليك، لأن زمن حياتي سباق إلى الموت يلاحقني. فامنحني أن أسير على خطاك أتّبعك حيث تسير، فأعود إلى نفسي ولا أتخبّط في ظلماتي. لأن أيامي ملأى بالتعب والعرق والفساد. كوّنتها بجسارتي حين تخليّت عنك، قبلتُ ظلمات الجهل وقيود الموت، أنتظر شروق نورك عليّ لأعود عن ضلالي.

فابسطّ إليّ ذراعك وشدّني صوبك، وانتقمْ لي من خطاياي، دافع عني أمام خصمي حتّى أتحرر من الأفكار الشريرة وأظفرعلى عدوي وأرتاح من سهامه الملتهبة ضدي. فتختم آثار جراحي لأني رزحت تحت وطأة الاثم، شوّهتُ نفسي وبعتها إلى الإثم، وقبضتُ ثمنها لذّة عابرة وموتاً أكيداً وحياةً دنسة.

لذلك أريدك أن تحررني من أسري وتمنحني ما أسألك: كنْ حياتي! أطِلْ أناتَك ورحمتَك عليّ فأطمئنّ. استدركْ حياتي بنظرة منك، لأن في نفسي ألماً يعذّبني ويقضّ عليّ مضجعي. فكيف آتي إليك؟ أو كيف أدعوك إليّ؟

أتوسّل إليك لأني عاجز عن أن أنزع من قلبي ما يمنعك. فكيف لي أن أدعوك لكي تدخل؟ شيئاً سألتك راجياً أن أناله منك. أللهمّ اذكرني بحسب رحمتك. أتمنّى أن تأتيني حسب وعدك. لأني سأعتذر لمّن جبلَني ونسيتُه، ولمَن مات عنّي ولم أسمع له. أيّ عذاب أستحق، أو كيف ستكون مراحمه عليّ، إن لم أتُب. إني أعرف أنك طبيبي لأنه ليس فيّ عافية رجوتك فاشفِني. اتركْ لي ديوني. رحمتك ضرورية لي. لقد هربت وها أنا أعود باحثاً بعد أن خرجتُ من سجن الموت. أبحثُ لكي تعفيني.

صغير أنا. فاسترني بظل جناحيك، لأني قلق من همّ خطيئتي. فكيف سأذهب إلى النار بدونك، كيف سأحتمل إن لم تكن حمايتي؟ لأنك بذاتك صرتَ لي طريقَ خلاص أسافر عليه وأسلكه فلا أضلّ، ولا أعثر ولا أقع. بل افتحْ لي بابك الذي أوصدته بوجهي لسوء أخلاقي، حتى تبعد عني متاعب الحياة وتخففها وتودي بي إلى الخلاص والحياة. لأني كنت تائهاً أبحث عنك بعيداً عنك. فانزع عني ما تشاء ولا تتخلَّ عني. كنْ ميراثي فإني بحاجة إليك. لأني في أرض الأموات وأنا راحل عنها لا أعرف إلى أين أرحل، كيف أتوجّه، أخشى أن أتوه وأن لا أجد ملجأ أعود إليه، لأن بيتي سقط خراباً في غيابك.

أكلت خبز الدموع لفقدانك وصارت نفسي في اليبوسة والجفاف قاحلة أمامك. فتعثّرت في سيري وتأخرتُ في الوصول، وجنحتُ نحو هاوية سحيقة. ففاتني مجدك ولم أستطع أن ألتقي بك. حُرِمت عونك ومساعدتك. فخسرت كلّ ما اقتنيتُه منك، خسرت صداقتك، واعتدت الخطأ ودُفِنتُ في أغلال عادته.

فكم من حواجز تمنعني من المثول أمامك؟ لم أجد راحةً في غيابك. هل ستفوز عيناي بعذوبة تأمّل سعادتك، لأني أجهل ما ستكون نهايتي. هل سأفوز بالجلوس بقربك وتقبيل قدميّ إلهي، والتخلّص من عبء الماضي لأن القلق الدائم يلازمني والغصّة لا تفارقني لأني محروم من قربِك.

فامنحْ السلامَ للسائل المتضرّع الجريح القلب بالإثم. يحملني شوقي للخلاص إلى أن أدعوك. انظر إن جهلي يقف عثرة في طريقي، فاعتنِ بي، لأني اسيرٌ عارٍ في هذه الطريق، مريض أبكي وأنتحب لأني أبحث عن الحياة الحقيقية التي فيك ومنك، وأتألّم من غربتي. أحاول أن أجدّ السعي للوصول إلى الوطن هرباً من منفاي.

رجوتك ربّي أنا الواقف ببابك، الفقير المستعطي أن افتحْ لي. دعني أمرّ في هذا الطريق الموصِل إلى الحياة الأبدية. دعني أعبر ولو بقربك فأشعر بوجودك، لأني تعب. أشهد رحيلَك أبحث عن الطريق التي سلكتَ وأحصي خطواتك في سفرك. أحاول أن أتبعك لتحيي الأمل في داخلي، في أعماقي، وفي كياني.

هبْني أن لا أخشى بعد اليوم رحيلَك، بل أن يكون حضورك دائماً في داخلي. رجائي بكليّته قائم على رحمتك الواسعة.

لك المجد يا إلهي.

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

جوزيف مانغوس فرانجيباني

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟” (2 كور 6: 14- 18).

   نشأتُ كاثوليكيّاً. أحببتُ الصّلاة. تمشّيت في الغابات، لعبتُ في الجداوِل، وكنت أركض عبر سهول الخَيال الرَّحبة. هذه الأشياء كانت كالصَّلاة بالنسبة لي: السُّكون والهدوء والهدوئيّةالتي وَجَد الأولادُ أنفسَهم فيها، تقريباً، بالطبيعة. لم أبقَ، دائماً، في حالة الورع هذه، لكنني أدركتُها وسلّمْتُ بها على أنها عملٌ بسيطٌ في القلب.

كلُّنا نختبر ذلك بدرجات متفاوتة. نستعمل كلمات مختلفةأو لا كلمات على الإطلاق، كونها جميعُها تبدو غير مناسبةللتعبير عن حركة القلب نحو الله. يبدو أننا، عندما نكون بسطاءَ في القلب، خاصةً في طفولتنا، يكون هناك إدراك ملموسٌ لأمرين اثنين في ما نختبره: المُحِبُّ والمحبوب، الآخَر. كوني صبياً يافعاً لم أربط هذا الحضوربالمسيحتماماً كعدم ربطي والدَيَّ بإسميهما، فقد كنت أعرفهما وحَسْب.

* * *

في المرحلة الدراسية الثانوية، أردت ان أصبح راهباً ترابّيست trappist” (رهبان من الممتنعين عن الكلام!- المترجم)، إذ أن جَدَّيّ أدخلاني إلى ثانوية كاثوليكية للصبيان. كنت أحضَر الخدم الكنسيّة بانتظام، وغالباً ما كنتُ أقرأُ الكتابَ المقدّس. إن الكتاب المقدس، بالحقيقة، هو كالباب، فأنتَ تستطيع الدخولَ عبْرَه، والروحَ القدس يقودك إلى أماكن، حتى دون أن ترفع قدمكَ عن الأرض. لكنني علمتُ أن هناك شيئاً أكثر من ذلك، إنه كالفرق بين القراءة عن الخبرة والخبرة نفسها.

يكتب الدكتور هاري بوساليس في مجلة التسليم المقدس: “لسنا مدعوّين إلى أن «نتبع» التسليم أو أن «نقلّدَه»، نحن مدعوّون أن نختبرَهتماماً كما فعل القديسون، ولا يزالون“. إننا نعلَمُ أن هناك شيئاً مفقوداً في العالم حولنا. بعض الغنى، شيءٌ من العُمق الذي ندركه ونلاحقه بطريقة غامضة. إنه، بالطّبع، غنى محبة الله ونوره ونعمته. إلا أنني، في تلك الفترة من حياتي، لم أمتلك الكلمات لكي أُعَبِّرَ عن ذلك. وكالعديد من الناس، كنت أنسب عدمَ الرِّضا والقلق إلى أمور أخرى.

ثم قام أستاذٌ لعلم النفس في الثانوية بتوجيه صفِّنا نحو التنويم المعناطيسي الذّاتي (self-hypnosis)، وسرعان ما تلا ذلك انخداعي بالتّأمُّل(meditation). شعرت بالاسترخاء، وكنت أدَعُ نفسي تنقادُ إلى خبُرات جديدة، وأحسستُ كما لو أن باب قلبي الخلفي قد فُتِح على مصراعيه بشكل دائم. رفضتُ الله لأنطلق متّكلاً على ذاتي. واختبرتُ، بشكلٍ جَليّ، أن ضوءاً قد انطفأ في داخلي. احترمَ الحضورُ، الآخَر، الصديقُ هذا القرار. كان شعوراً كما لو أنه قد غادر بهدوء. لقد احترم الإرادة الحرة، ولم يفرض نفسَه أبداً. لقد كان يقرع على باب القلب وينتظر.

* * *

وهكذا بدأت بممارسة التَّأَمُّل بانتظام. في البداية، وخاصّة لكوني مراهقاً، كان الأمر صعباً: الجلوس لساعات بصحبة بوذيِين كبار السِّنّ من التّيبت، بصمت كلّي، حاملاً أفكاري إلى الحائط الفارغ وتمثال بوذا البرونزي الذي أمامي. بدأتُ بدراسة التَّقَمُّص، والكارما والسامسارا [1]. لم أكن قد انتبهتُ، بعد، لأصول البوذية في الدين الشاماني الذي يطلَق عليه اسم بون، ولا لعلاقته بالتنجيم والسحر وممارسات وثنية أخرى [2].

لقد أردت تَعلُّمَ كيفيةِ تهدئة القلق والاكتئاب، وإزالة الأفكار المشتّتة. في زياراتي لقاعات التّأمّل البوذية والآشرام البوذيين( وهو مكان كالديرالمترجم) افتتنتُ بـ الألعاب النارية الرُّوحيةكالانخطافات والانتشاءات والمشاعر والرؤى. هذه كلُّها مرتبطة بالتّأمُّل واليوغا في كافة مستوياتهما، وهي تتزايد مع الممارسة. هذه الخبرات وغيرها يُشار إليها على أنها سيدهيس (siddhis)” أو قوى اكتُسِبت عن طريق الـسادهانا” (تطبيقٌ عملي للتأمّل واليوغا). فالخديعة تحوّلت إلى افتتانُ، والفاتن صار بدوره مألوفاً. ومن دون أن أنتبه، حشريَّتي الأولى غير المؤذيةنحو اليوغا قويَت لتصبح عادة. أمضيتُ أكثر من عَقدٍ غارقاً في هذا البحر الروحي.

خلال تلك السنوات، كانت تُطرح الكثير من الأسئلة. مثلاً، هل يعرف الرّهبان والكهنة الكاثوليك إذا كان المسيحيون الأوائل يؤمنون بالوجود المُسبق للنفس وبالتَّقَمُّص؟ أجابوا بأنهم لا يعلمون، إضافةً إلى أنهم تساءلوا: ما المهم في هذا الأمر؟ في قراءاتي المتزايدة عن مبادىء ومعاني أديان الشرق الأقصى، وبسبب توقي إلى اختبار الـباردوس (bardos)”، وهي أبعاد متوسطةٌ للعالمين المادّي والروحي، قمتُ بدراسة كتاب الموت والحياة من التيبت“.

لقد قرأت كلِّ الأدب الروحاني والباطنيّ الذي استطعتُ الوصول إليه، واحتفظتُ بنسخةٍ مغلّفة من الـبْهاغافاد غيتا، في جيبي الخلفي، وقرأتُ كتابات الـباراماهانسا يوغاناندا(باراماهانسا يوغناندا هو يوغي هندي ومعلم (غورو) أدخل الملايين من الهنود والغربيين إلى تعاليم التأمل واليوغا من خلال جمعية تحقيق الذات (Self-Realization Fellowship) – المترجم). أغرقتُ نفسي في كتابات الـأوشوOsho (اسمه أشارايا راجنيش، وهو غورو هندي مثير للجدل وقائد لحركة راجنيشالمترجم)، وقرأتُ الـرام داس(معلّم روحاني أميركي صار بوذياً وأسس جمعيات المترجم) والـرامانا ماهارشي(معلّم هندي كتب الكثير عن حالات الروح وإخضاعها والتأمّل والحكمة الذاتية المترجم)، فصرت مقتنعاً بأنه لا يوجد كائنٌ مقدَّس أكثر من نفسي. كان الأمر يعود إليَّ لتحطيم نظرتي المشوبة بالوهم حول نفسي. واستناداً إلى أغلبية ما قرأتُ وسمعتُ، لم يعد بالامكان البقاء على علاقة شخصية مع الإلهي (Divine)، ممّا وضعني في صراع داخلي، فتلاشى ما فُطرتُ عليه من طبعٍ طفولي هادئ وسلاميّ. كلّما كنت أغوص في لُبّ التّأمل واليوغا، كنت أختبر دوافع فجائيّةً وغيرَ متوقّعةٍ لأؤذيَ نفسي. كانت روحي تتعرّض لهجوم عنيف، تلك كانت فترة من حياتي مُفعَمةً ظلاماً وقُحطاً.

في بحثي عن الهدوء، أخذتُ نذر بودهيساتفا (نذر يتّخذه البوذيون ويتعهدون بتحرير القلوب الحساسةالمترجم) وجدَدتُ باحثاً، داخل البوذية، عن نظام ديري للعلمانيين ذي طابعٍ هاديء تأمّلي، في محاولة مني للارتباط بمكانٍ أو بشيء ما. بعد فترةٍ أوليّة من السَّلام النسبي، نشأ فيّ الجسارة، وحتى الاهمال فيما يخص النشاطات الروحانية. كنت أدخل في نوعٍ من السّكْر الروحاني، لكنني لم أدرك ذلك.

* * *

أكل الابنُ الشّاطرُ من طعام الخنازير في بلدٍ بعيد. لكنه، عندما تذكّر طعْمَ الخبز في منزل أبيه، عاد إلى البيت. ذلك أنني، ولعقدٍ من الزّمن، عشتُ في هذا البلد البعيد أتناول من طعامه.

عاينتُ الكثيرَ من الناسبعضُهم أصدقاء والبعضُ الآخَر غرباءوهم يسعَون وراء فَناء الذات. كان لديهم نهَمٌ لا يَشبع لإضاعة أنفسهم، لا في حياة ونور الله، بل في الظلمة والفراغ، حيث الانفصالُ عن المحبةِ التي تتجاوز كلَّ شيء“. ما هذا الانفصال سوى الجحيم نفسِه. يسعى العديد من الرجال والنساء والأولاد إلى هذا الجحيم، وهم يدورون حول علاقات مشوَّشة، فيقعون في براثن المخدرات.

لكنني درستُ ومارستُ الـكونداليني يوغاوالشامانية [3]، حيث تعرّفت إلى الخوف والصّقيع. اشتهرت بقراءتي للـ تاروت” (ورق اللعب) وهو أسلوب سرّي للعرافة. علَّمتُ اليوغا، وأرشدتُ مجموعات من الناس إلى التأمّل والإنشاد في صحارى الحكماء. لقد جرّبنا الإسقاط الأثيري (تفسيرٌ افتراضيّ لحالَةِ الخروجِ من الجسد وذلك بافتراضِ أنّ هُناكَ هيئةٌ نجميّة تنفصل عن الجسد الفيزيائي قادِرة على السفر خارجه – المترجم)، وخبرات الخروج من الجسد الموجّهة، عن طريق الـ باردوسبحسب ما تم وصفها في الكتب التيبيتية. لم أحمل معي، فقط، نسخاً من بهاغافدا جيتا، بل من الـ أوبانيشادوالـ سوتراالبوذية، أينما ذهبت[4]. كلُّ واحدٍ من هذه المساعي كان ضرباً من السباحةٍ بعيداً عن جبل المسيح المقدس. دع قطرات الماء تتساقط على حجر لمدةٍ كافية وسوف تفتته. كنت أمسحُ الليمونَ الملتصق بجبهتي وأنا أقرع الجرس مقدّما الفاكهةَ والنار كعبادةٍ لـكريشناومتجوّلاً حافيَ القدمين في شوارع مدن أوجين وسياتل، وأخيراً في ريشيكاش وهاريدوار ودهارامسالا، في شمال الهند.

* * *

يقول الأرشمندريت زخريا في كتاب إنسانُ القلب المستترُ“: “في انفصاله عن الله الذي هو نبع الحياة، يستطيع الإنسانُ فقط أن ينسحب إلى داخل نفسِهويصير، شيئاً فشيئاً، منعزلاً غارقاً في الملذّات“.

ترفضُ البوذيّةُ الذاتَ والنفسَ والشخص. إنها تفرد ذراعيها بصمت ضد الله. لا يتجلّى الألم. في البوذية هناك صلبان لكن لا قيامة البتّة. نستطيع القول بأن البوذية تجد القبر الفارغ وتُقِرُّ بوجود هذا الفراغ وبطبيعة الأشياء وحتى بأن هذا الفراغ هو هدفها. كل شيء بالنسبة للبوذية– الفردوس والجحيم والله والذات والنفس والشخصهو ضلال بانتظار أن يتم تَخَطّيه والتخلص منه وتدميره. هذا هو الهدف. الإلغاء الكامل. حقيقة هذا القرن التاسع عشر البديهية تُلخِّصُ مبدأَ البوذية هكذا: “إذا ما شاهدت بوذا اقتله“.

لا تعترفُ البوذية، ولا هي تستطيع، بشفاء النفس والجسد. يجب تَخَطّي كلا النفس والجسد وإهمالهما. في الكنيسة الأرثوذكسية، النفس والجسد يُفتَرَض أن يشفيا. تُعلّمُ البوذية أن لا شيء ذو قيمة بذاته. بينما تعلّم الكنيسةُ أن الله جعلَ لكلِّ شيء قيمةً في ذاته، وهذا يتضمّنُ الجسدَ الإنساني. نحن كائناتٌ معقّدة التّكوين. إن أداء أجسادنا وعقولنا وأنفسِنا مترابط. وهذه الأفعال المترابطة مرتبطة بعلاقتنا بالله وبالحيّز الروحي.

بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكسيين، كلُّ شيءٍحتى الألمهو باب خفيٌّ عبره نلاقي المسيحَ، ويعانقُ واحدنا الآخر.

* * *

ذاتَ خريف، سافرتُ إلى ريشيكاش، في الهند. يعود اسمُ هذه المدينةِ إلى الإله الوثني فيشنو إله الحواسّ“. ريشيكاش هي عاصمة اليوغا في العالم“. من المتعارف عليه، عامّةً، أنها منشأ اليوغا على الأرض. لأربعين يوماً، درستُ ومارسْتُ ما يُعرَف بالطريق السّرّي الرّوحيّ لليوغا المتكاملة[5] على سفوح الهيمالايا. لم يشمل هذا، فقط، رياضة اليوغا الأميركية، بل كان كلُّ صف يبدأُ وينتهي بصلاة موجّهة لـ شيفا، إله العاصفة المزمجرة، في حين كنت أدرّس الإنكليزية للّاجئين التيبيتيّين، وأعمل محرّراً لدى حكومة التيبت المحلية. تعود جذورُ اليوغا، تاريخياً، إلى الهندوسية. مدفوعاً بفضولي، أجريتُ حديثاً مع رينكوش، في دير الدالاي لاما[6]. سألته عمّن تكون هذه الآلهة الهندوسية بحسب الكوزمولوجية البوذية، فجاء جوابُه مفاجئاً: “إنها كائناتٌ مخلوقةٌ، لديها «أنا» (ego)… وهي أرواحٌ عالقةٌ في الجو“[7].

* * *

ما هي اليوغا؟ وما هي طاقةُ الكونداليني؟

المعنى الحرفيّ لليوغا هو النِّير، إنها تعني تقييدَ إرادتِنا بأفعى الـ كوندالينيورفعها نحو شيفا واختبار ذاتِنا الحقيقية“. كل طرق اليوغا مربوطةٌ ببعضها كما ترتبطُ فروعُ الشجرة بجذورها الضاربة نزولاً في مساحة العالم الروحي. إنه أمر جليٌّ في كتب البهاغافدا غيتا والسوترا اليوغية القديمة لباتانجالي. أدركتُ بأن الهدف النّهائي لليوغا هو إيقاظ طاقةِ الكونداليني الملتفّة في أسفل العمود الفقري على صورة أفعى، حيث تُوصِلُك إلى حالة تستطيع بها معرفة الـ تات تْفام آشي” [8].

ممّا لا شك فيه أن اليوغا ربما تُسَهّلُ الوصولَ إلى اختبارات استثنائية للجسد والعقل، لكن هذا ما يفعلُه تناولُ العقاقير المسببة للهلوسة والسمومُ التي لا تُلاحَظ ولا طعم لها. شيئاً فشيئاً، ومن خلال اليوغا، يقوّي الإنسان الـ شاكتيالتي يشيرُ إليها اليوغيون بـالأُم المقدسةوهي إلهة الظلاموعلى علاقة بآلهة هندوسية رئيسية أخرى. هذه الطاقة ليست الروح القدس، المسببة للهلوسة كما أنّ هذا ليس رياضة أيروبيك ولا أي نوع من الرياضة. يتّصل هذا النظام بالـ بهاجناسوكيرتانس“- وهي ممارسات وثنية تشبه المديح في المسيحية الأرثوذكسية، إلا أنها موجّهة للآلهة الهندوسيةإضافة إلى الـ مانتراالتي هي صيَغ مقدسة، لا بل بمثابة أرقام وبطاقات الهواتف، لمختلف الغورو والآلهة الوثنيين.

* * *

كيف ترتبطُ اليوغا بالهندوسية؟

لنكن واضحين. لا تشير الهندوسية إلى أيّ دين معيّن. إنها عبارة أطلقها الإنكليز على طوائف عديدة من الفلسفات والأديان الشامانية في الهند. إذا سألتَ هندوسياً عمّا إذا كان يؤمن بالله، ربما يجيبك بأنك أنت الله. لكن لو سألت آخراً فسيُشير إلى حجر أو تمثال أو شعلة نار. هذه هي القطبية في الهندوسية: إمّا أن تكون أنت الله، أو أي شيء آخر يمكن أن يكون إلهاً.

تنضوي اليوغا تحت هذه المظلّة الهندوسية كما ينضوي أيضاً قطب هذه المظلة بعدة طرق مختلفة أيضاً. إنها تقوم بوظيفة الذراع التبشيرية للهندوسية والعصر الجديد، خارج الهند[9]. تشبه الهندوسيةُ الدّميةَ الروسيّة (وهي دمى خشبية مفرغة تحوي كلٌّ منها دميةً أصغر حجماً في داخلهاالمترجم): تفتحُ فلسفةً فتجدُ داخلَها عشرات الآلاف، إضافة لها. وكل التي لم يتم فتحُها هي مخاطرة بذاتها. من الممكن أن تسبح بسهولة وبدون اهتمام في المياه التي لا تعرفها، لكنك، بعدم إدراكك للتيارات والظلال في الموقع، ربما تكون في خطر. من الممكن أن يجرَّك التيار السفلي بعيداً. من الممكن أن تجرح نفسك بالصّخور غير المرئيّة أو تلتقط عدوى خفيّة أو تُصاب بالتسمّم. هذا ما يحدثُ في الحياةِ الرّوحيَّة.

عندما نغوصُ في المحيط، من المحتمل أن تجذبَنا سمكةُ لامعة وملوّنة ومخادعة، لكن الأشياء المزدانة بالألوان والغريبة غالباً ما تكون فائقة السُّمّيّةِ ومميتة.

عندما زرتُ الهند للمرة الأولى، نزعتُ حذائي وجواربي وصرت أمشي عبر الماء وجوز الهند والحلوى المرميّة ونار معبد كالكاجيالمتوهجة. إنه واحد من أكثر المعابد شهرةً والمكرّسة لـكالي، إلهة الموت. لم أكن أعرف ذلك، إلا أنني كنت في خضمّ أكثر أعيادها أهمية في السنة. كانت الفوضى تعمُّ المعبد، والطاقةُ كانت ظلامية وفي أوجِها.

تجمّع آلافُ الرجال والنساء والأولاد في معبد ريشيكاشهذا لكي يقدموا العبادة للشيطان. بقربي، كانت هناك امرأة تتقلّب عيونها في محجريها، أما يداها فكانتا تتحركان جيئة وذهابا، ولسانها ذو اللون الزّهري يتأرجح في فمها، وكانت رِجلاها تتحرَّكان صعوداً وهبوطاً كدُميةٍ مربوطة بخيطان. من الواضح أن ذلك كان مَسّاً شيطانياً.

مرّةً، قمتُ بالسجود لأيقونةَ والدة الإله في سيتكا فأختبرتُ دفئاً هائلاً ودموعَ فرحٍ ومحبة وصفاءَ ذهن وسلاماً. كان الأمر كالمشي أمام نافذة تفيض بنور الشمس العَطِر والدافىء. أما في معبد كالكاجيفقد اختبرتُ العكس.

تُصَوَّرُ كاليبشكل آلهة مخيفة متعدّدةِ الأيدي جلدها زهري اللّون، ترفعُ رأساً بشريّاً مقطوعاً ومن فمها يتدلّى لسانٌ دمويّ. ترتدي عقداً من رؤوس بشرية وتتمنطقُ بزنّارٍ من الأذرُع.

تناولتُ القهوة مع أناسٍ مؤثّرين في حركة اليوغا والهندوسية والعصر الجديد في أميركا، الذين، من أجل أن يصبحوا أعضاء في طائفتها، دُفِعوا لكي يأكلوا جثثاً بشرية من مدافن في نيبال. منذ زمن ليس ببعيد، ورد تقريرٌ في الغارديان“- الصّحيفة البريطانية الواسعة الانتشاريقول بأنه، حتى يومنا هذا، يتم تقديم أضاحي بشرية من الأولاد في عبادة الشيطان كالي“. كلُّ هذا مرتبط بالهندوسية، وله علاقة باليوغا كون وضعياتها الجسدية ليست محايدة من الناحية الدينية. كل الـ أساناالكلاسيكية لها مدلولاتٌ روحانية. فقد ورد، على سبيل المثال، في تقرير مراسل صحفي بأن تقديم التَّحية للشمسربما هي مجموعات الـ أساناالأكثر شيوعاً أو وضعيات الـ هاثا يوغا“- وهي النوع الأكثر ممارسةً في أميركاهي، حرفياً، طقوس هندوسية.

لم تكن تحيةُ الشمس ، مطلقاً، تقليداً من الـ هاثا يوغا‘”، هذا ما يقوله سوبهاس رامبرسود تيواري الأستاذ في فلسفة اليوغا والتّأمّل في الجامعة الأميركية الهندوسية في أورلاندو، فلوريدا، بل هي مجموعات كاملة من طقوس تبجيلية للشمس، كتعبير عن الشكر لذلك المصدر للطاقة” [12].

***

إن اعتبار اليوغا مجرّد حركةٌ جسدية يعادلُ القول بأن المعمودية هي مجرّد تمرين تحت الماء“. هذا ما يكتبه سوامي بارام من الأكاديمية الهندوسية لليوغا الكلاسيكية وأشرم دهارما يوغا في ماناهاوكين في نيو جيرسي.

إن الإلهة كالي تحاولُ، عبر اليوغا، توحيد الممارسين عبر الـ شاكتيمع شيفا. في معبدها الواقع خارجَ نيو دلهي، شاهدت صنماً يصف ذاته وهو كنايةٌ عن صخرةٍ مستدقّة ذات عيون من الخرز مغطّاة بالطّين الأصفر والطعام المتخثّر. في الهندوسية، يتم إيقاظ الأصنام وإلباسهم وإطعامهم والغناء لهم، ثم يتم جعلهم ينامون. كنت قد شاركت في المئات من تلك المراسيم.

إن مجلة اليوغاهي من أكثر مجلات اليوغا مبيعاً في العالم، بعددٍ من القرّاء يناهز الخمسة ملايين. في لحظةٍ من البَوح حول تَفَوُّقِ اليوغا كعلاج نفسي، تكشف مجلةُ اليوغاالفلسفةَ الهندوسية التي وراء هذه الممارسة: “من وجهة النظر اليوغية، كل الناس قد<وُلِدوا مقدَّسين>، وكل منهم يمتلك في جوهره روح الـ أتمانالتي تُقيمُ أبدياً في الحقيقة الثابتة واللانهائية والكليّةِ السّيادة، ألا وهي الـ براهمان“. يعرض باتانجاليوجهةَ نظره الكلاسيكيةنحن ما نفتش عنه. نحن الله متنكّراً. إننا كاملون بالوراثة، وفي كل لحظةٍ لدينا القوةُ الكامنة لنستفيق مدركين هذه الطبيعة الحقيقية الواعية المستنيرة“.

يُحَيّي المعلّمون والتلاميذُ بعضَهم البعض بشكل نموذجي بالعبارة السنسكريتية ناماست، التي تعني: “إنني أُجِلُّ الكائن المقدس الذي فيك“. هذا تأكيد على الحلوليّة وإنكارٌ للإله الحقيقي المتجلّي في الكتاب المقدس. نشأت تحيَّة الشمس، أو سورا ناماسكارا، من العبادة الهندوسية لـسورياإلهة الشمس.

في سير القديسين وفن الأيقونات المقدس، نكرّمُ القديسين الذين هم أشخاص حقيقيون عاشوا باستقامة أمام الله وقد دخلوا، ولا يزالون، في شركة مع نوره ومحبته، ونطلب شفاعتَهم. بالمقابل، فإن الأصنام هي صوَرٌ لآلهة كاذبة، وعبادتُها هي عبادة للشياطين، أو لكائنات متخَيَّلَة لا وجود لها. فهي، من حيث المبدأ، عبادة لأشياء لا حياة لها15، كما يكتب الأب مايكل بومازانسكي.

لقد شاهدتُ سواميعديدين في هذا البلد، في أميركاينقلون هذه الطاقة الشيطانية التي هي الـ كونداليني، فقط عبر نظرهم في عيني الشخص. وإذا ما كان الإنسان منفتحاً على ذلك، من الممكن أن يرتعش الجسمُ ويهتز كلعبة تُدار بالزّنبرك.

رغم ذلك، عندما حان وقتي لتَلَقّي هذه الطاقة الملعونة عبر شاكتيبات، اجتاحني خوفٌ كالماء المكهرب البارد، فرفعتُ سيفي وترسي وبدأت بصلاة يسوع. المجد لله! لقد تمَّ صدُّ هذا الحضور بواسطة اسمِ يسوع. علينا أن نتذكر، كما يقول القديس بولس الرسول: “ بأنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ ٱلرُّؤَسَاءِ، مَعَ ٱلسَّلَاطِينِ، مَعَ وُلَاةِ ٱلْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا ٱلدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ ٱلشَّرِّ ٱلرُّوحِيَّةِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 6: 12). بهذه الصلاة، التي هي تُرسي وسيفي، سبحتُ شوطاً عائداً إلى المسيح. لقد قمتُ بخطوةٍ خارج البلد البعيد، خطوةٍ داخل منزل أبي.

* * *

هل من علاقة بين اليوغا بالأرثوذكسية؟

اليوغا هي ممارسةٌ نفسجسدية، إنها تَفاعلٌ بين العقل والجسد والروح (أو الأرواح). يجب ألّا يغيبَ عن بالنا بأن كلمة يوغا تعني النير، وهو قطعة خشبيةٌ متعارضة مشدودةٌ إلى رقاب الحيوانات ثم إلى المحراث. يحذّرنا القديسُ بطرس قائلاً: ” لا تَشْتَرِكوا مَعَ الكَفرةِ تَحتَ نِيرٍ واحد؛ إِذْ أَيُّ شِرْكةٍ بَيْنَ البِرِّ والإِثْم؟ وأَيُّ مُخالَطَةٍ للنُّورِ مَعَ الظُّلْمَة؟” (2كور 6: 14).

ليست اليوغا من الكتاب المقدس، ولا هي جزءٌ من تسليم كنيستنا المقدس. كلُّ شيء نبحثُ عنهأقول: “كلّ شيء“- يمكننا إيجاده في الكنيسة الأرثوذكسية. لذا، ما الذي نريده من اليوغا؟

من المهم أن نعرف أنه، في اليوغا، كما في العديد من المذاهب الروحانية، من الممكن أن ترافقَ ممارسيها أنوارٌ غريبةٌ، إلا أنه غالباً ما يكون مصدرها الشياطين أو ما يتولّد من العقل، ذلك أن :”الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور” (2 كور 11: 14). الكثيرون تابعوا، ولا يزالون يتابعون، الألعاب النارية الروحية” spiritual fireworks لما يسمّى بالـ عصر الجديد“. ليس هذا، بالطبع، النورَ غيرَ المخلوق الذي اختبره موسى والتلاميذ، على جبل ثابور. وليس أيضا النور المقدس الذي دافع عنه القديس غريغوريوس بالاماس، في القرن الرابع عشر، ضدَّ السكولاستيكية الغربيّة. معرفةُ الله المباشِرة مُمكنة، وكذلك الاختبار المباشر، لكنَّ معرفة الشيطان واختباره المباشرين مُتاحان، دون أدنى شك. لدينا كاملُ الحرية لاختيار ما ومَن نفتش عنه، وهو ما يتطلّبُ، بالطّبع، تمييزاً وخبرة، حيث من الضروري بمكان العودة إلى كاهن أو شيخ ذوي خبرة. أيضاً، لا غنى عن المساهمة الخلاصية في القدسات. من الأحسن النظر في خفيّات قلوبنا بدل إمتاع أنفسنا بتلك التَّخيّلات التي من رأسنا.

إضافة لذلك، فهناك ما يجب قولُه بخصوص الادّعاء بأن أشكال فرقعات رياضة اليوغا لا تشكل أيَّ خطرٍ أو تهديد لمن يمارسها. صاحب هذا الرّأي إما قد فاتته، أو قصَدَ أن تفوتَه، التحذيرات المتعدّدة التي تَرِدُ في كتيّبات اليوغا الشرقية بخصوص الـ هاثا يوغاالتي تُمارَس في صفوف كهذه. هل المدرِّبُ على درايةٍ بتلك التحذيرات، وهل هو قادرٌ على أن يضمن عدم حدوث أي ضررٍ للتلميذ؟

في كتابِه مدارس اليوغا السّبع، يبدأ إرنست وود وصفَه للـ هاثا يوغابقوله: “عليّ أن لا أعود لأيٍّ من تمارين الـ هاثا يوغا تلك دون الالتفات إلى التحذيرات الصّارمة. لقد جلب العديدون على أنفسِهم أمراضاً لا شفاء منها أو حتى حالات جنون، دون تأمين ظروف مناسبة لجسدهم وعقلهم. إن كتبَ اليوغا مليئةٌ بتحذيرات كهذه…”. على سبيل المثال، يُعلنُ غيراندا سامهيتا بأنه إذا ما بدأ أحدُهم بالتمارين في طقس حار أو بارد أو ماطر، فسوف يصاب بأمراضٍ، والحال نفسُه إذا لم يكن هناك اعتدال في نظام الطعام، فعلى معدتِه أن تكون نصفَ مملوءة بالطّعامجاء في الـ هاثا يوغا براديبيكابأن التّحكّم في التنفّس يجب أن يأتي تدريجيّاً كما الأمر في ترويض الأسود والفيلة والنمور، وإلا فإن الممارِسَ قد يُقضى عليه، فبوقوع أيِّ خطأ سيحدثُ سعالٌ أو ربو أو أوجاع في الرّأسِ أو العين أو الأُذُن، أو أمراضٌ أخرى عديدة“. يختمُ وودتحذيرَه حول الوضعية والتنفّس في اليوغا بقوله: “أرغب في إيضاح أنني لا أوصي بتلك التّمارين، كما أصرُّ على أن كل الـ هاثا يوغاخطرة للغاية“. [20]

إذا ما رغب المسيحي الأرثوذكسي بالقيام بالتمارين، فبإمكانه – أو بإمكانهاالسّباحة أو الهرولة أو التّنزّه أو المشي أو القيام بتمارين تمديد (stretching) أو الرياضة أو الـ بيلاتيس[21]، فهذه بدائل مأمونة لليوغا. نقترح أيضاً السجدات أمام الله. فالكنيسة لا ترغب بأن يكون أحدُنا مريضاً أو متضايقاً. علينا الوثوق بوصفات أُمِّنا الكنيسة، وبأن نطبّقها بقدر ما نستطيع، وبقدر ما تسمح به نعمةُ الله. على الجميع أن لا يحاولوا إطالةَ عمر الجسد على حساب الروح. وفوق ذلك كلّه، علينا أن لا نثِقَ بحُكمنا الشخصي، بل علينا الرجوع إلى شخصٍ ما. “تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ[22].

إننا نَعلَمُ، كمسيحيين أرثوذكسيين، بأن حركات أجسادنا، كالانحناء والسجدات ورسم إشارة الصّليب، لها صِلةٌ بحالتنا الروحية أمام الله الحقيقي. فلماذا نُجازفُ بتقليد حركات جسدية ارتبطت، لقرونٍ، بعبادة الشياطين؟ أن لهذه الحركات عواقبُ خطيرة على جسدنا وروحنا اللذين هما للمسيح. “لنكن حكماء كالحَيّات وودعاء كالحمام[23].

[1] التقمّص هو حلول النفس في شخص آخَر أو حيوان أو جسد روحاني، بعد الموت الجسدي. الكارماعقيدة أساسية لدى الهندوسية والبوذية، كالتقمُّصهي مبدأ حيث تؤثّرُ نوايا وأفعالُ الشخص على حالته المستقبلية. تُزيل الكارما اللهَ من الصورة مركّزةً على أنك أنت مخلّصُ نفسِك الوحيد. أما السامسارا فهي تكرار دورة الولادة والحياة والموت.

[2] الشامانية هي ممارسة خطرةٌ تنطوي على التَمَلّك من قِبلِ أرواح خيّرة وشريرة، وهي تستخدم المخدرات للدخول في غيبوبة وتستحضر أرواحاً وتقرأ الطّالع والبخت مستخدمة عظام البشر والحيوانات. أما الـ بونفهي ديانةً حلولية قديمة مُشبعة بمعاني الأعداد السحرية والتنجيم والعُرافة والأضاحي الحيوانية والسّحر. لا تزال هذه العناصر موجودةً ضمن مدارسَ بوذيةٍ عديدة.

[3] الـ كوندالينيهي عنصر أساسي، لكن خَطِر، لليوغا. يُصَوَّرُ كأفعى مُلتفّة في أسفل العمود الفقري، يتم إيقاظها عبر التّأمّل ووضعيات يوغيّة. إن وجود الـكوندالينيالموقَظَة يطلَقُ عليه اسم الـشاكتي، الذي يُزعَمُ أنه يوَحّد من يمارسُه مع شيفا“- مبدأ وإله اليوغا. إن فتح الـشاكراعلى اختلافهاأو نقاط الضغط الروحيةفي الجسد عن طريق أوضاع جسدية (هاثا يوغا) والتّأَمُّل (راجا يوغا) يُسَهّلُ حلّ هذه الأفعى. الأعراض المرتبطة بإيقاظ الـكوندالينيتتضمّنُ حالات متغيّرة من الوعي وضغطاً متزايداً في الجمجمة ووخزاً وارتفاع ضغظ الدّم ورغبة جنسية جامحة وتخدّرا في المشاعر وأموراً أخرى كثيرة.

[4] الـبهاغافاد غيتاأو أغنية اللههي حوار بين الإله الهندوسي كريشنا ومحارب بخصوص بهاكتي” (اليوغا التعبدية)، جنانا” (‘التحرّرعبر المعرفة) ودهارما، أو مسؤوليات الشخص الروحية. الـأوبانيشادهي كتاباتٌ فيديّة سرّيّة حول طبيعة الحقيقة والإدراك الأقصى. “سوتراهي تعاليم يعطيها، عادةً، الحكماءُ البوذيون أو الهندوس.

[5] ثمّةَ العديدُ من مدارسأو شُعَباليوغا تتناسب مع اختلاف الممارسين وتنوُّعِّهم. مثلاً، أربعةٌ من أنواع اليوغا الرئيسية أو الكلاسيكية تتضمّن: الـجانا يوغا” (يوغا المعرفة المباشرة) والـبهاكتي يوغا” (يوغا التكريس) والـكارما يوغا” (يوغا العمل) والـراجا يوغا” (الطريق الملكيالذي من ضمنه الـهاثاوالـتانتراوالـكونداليني، وأشكال أخرى من اليوغا).

[6] الـرينبوشيُعرف بأنه معلّم متقمّص بارع للبوذية.

[7] يتكلّمُ القديس بولس عن الشيطان قائلاً أنه رئيس سلطان الهواء” (أفسس 2: 2).

[8] من السنسكريتية وترِد في اﻷوبانيشاد تعني الجملةُ بأن الممارس يتماهى مع الحقيقة القصوى، او مع الله أو مع إله ما.

[9] من الصَّعبِ تحديد حركةُ العصر الجديد، كما الهندوسيّة، لكنها، عامّةً، ترتبط، دون أن تنحصر، بالغنوصيّة والسِّحر والـويكا” (ديانة وثنية سحريّةالمترجم) والنشوة والكشوفات الناتجة عن المخدرات، والشامانية والكائنات الفضائية والبلورات وحركة تعدد الآلهة الأمومية والمثلية، لكنها تتحاشى المسيحية الأرثوذكسية.

[10] هدية من عُمّال كاتدرائيّة القديس ميخائيل رئيس الملائكة في سيتكاالاسكا، وتُعتبَرُ،حقاً، هذه الأيقونة العجائبية المميَّزة بجمالها أنها نافذة إلى الملكوت.

[11] مجلة الغارديان، السبت، 4 أيار 2006.

[12] درو سافتون، هل ممارسة اليوغا من قبل العلمانيين تَحطُّ من قدْرِها؟ Newhouse News, July 15, 2005, http://www.freerepublic.com/focus/f-religion/1445950/posts.

[13] المصدر نفسه

[14] Stephen Cote, “Standing Psychotherapy on Its Head,” Yoga Journal, May/June 2001, p.104. http://michaeltalbotkelly.com/standing-psychotherapy-on-its-head/.

[15] Orthodox Dogmatic Theology, p. 323.

[16] الـشاكتيباتهي منح الطاقة الشيطانية الروحية بكلمة أو نظرة أو فكرة أو لمسة.

[17] أفسس 12:6

[18] 2 كورنثس 14:6

[19] 2 كورنثس 14:11

[20] تقدّمُ الـسانديليا أوبانيشادتحذيرات مشابهة. أنظر المدارس السبعة لليوغالإرنست وود، ص: 78- 79.

[21] الـبيلاتيسبديل مثاليّ ومناسب لليوغا. وهو نظام تمارين ذهنية يساعد على المرونة والقوة والتركيز. الـبيلاتيسهو نمط تَكَيُّف يشدِّدُ على التّنسيق والتوازن والتنفُّس. بيَّنت الدّراسات، أيضاً، بأن تمارين المرونة تُعتَبرُ بديلاً فعّالاً لليوغا في علاج آلام أسفل الظَّهر.

[22] أمثال 5:3.

[23] متى 16:10

المؤتمر الدولي الثاني – تقديم

المؤتمر الدولي الثاني

حول وسائل الإعلام الرقمية والعمل الرعائي الأرثوذكسي

تقديم

إعداد الأب أنطوان ملكي

انعقد المؤتمر الدولي الثاني حول وسائل الإعلام الرقمية والعمل الرعائي الأرثوذكسي. شارك في المؤتمر حوالي 200 شخص من 21 دولة. استمر المؤتمر من الاثنين 18 حزيران إلى الخميس 21 منه في أكاديمية كريت الأرثوذكسية في كوليمباري. افتُتِح المؤتمر بكلمات لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية لكونهم رعاة المؤتمر.

موضوع المؤتمر كان: “العالم الرقمي كموقع لإعادة التعبير عن العنصرة والكلمة الحيّة بعبارة القديس الرسول بولس“. من الأسئلة التي هدف إلى الإجابة عنها: كيف يمكن للكنيسة أن تجمع المعرفة والإمكانيات والخبرة في الإعلام الرقمي لتقديس النفوس والأجساد؟ كيف يمكن حماية الإنسان في بيئة تنطوي على مثل هذا الإسراف في الصور الرقمية؟ كيف يمكن نقل سلام المسيح ووداعته في عالم يسوده الاستهلاك؟ كيف يُستفاد من هذه الوسائط كوسيلة لتقديم أفضل صفات الروح البشرية؟ وبأي وسيلة يستطيع الكاهن والراعي، الذي هو وريث تقليد يعود إلى ألفي عام، أن يستجيب لتحديات إعادة تبشير الناس في العصر الرقمي، مع تجنب خطر تلويث الخطاب والأخلاق المسيحية؟

ليست هذه المرة الأولى التي يتعين على الكنيسة فيها مواجهة تحدي استخدام اللغة العالمية لنشر كلمة الإنجيل. فمنذ أيام رسول الأمم القديس بولس الذي تبنّى لغة الثقافة اليونانية الرومانية ورموزها لجعل الحقيقة الإنجيلية، التي هي شخص المسيح، متاحة ومألوفة لكل العالم المعروف في حينه، والكنيسة تجاهد في هذا الميدان. وعملية البشارة هذه عملية مؤلمة ترافقها أحياناً ردود فعل سلبية واضطرابات. لكن التغيير في التاريخ تم تحقيقه وتأسس مرة واحدة وإلى الأبد في أن كلمة الإنجيل لا تُقيَّد“. من هنا أن الكنيسة تستخدم لغة كل جيل لأن لغتها هي الماء الحي“.

استعمل منظمو المؤتمر عبارة النظام البيئي (ecosystem) لوصف الإنترنت وشبكات التواصل، وهو وصف دقيق يعكس مقدار تفاعل مكونات هذا النظام وتأثيرها على بعضها البعض، كما يظهر تحوّل الانترنت والشبكات إلى بيئة ذات مواصفات محددة وشروط حياة.

فكرة المؤتمر أتت من كون النظام البيئي الرقمي قد أخذ أبعاداً عالمية لدرجة أن الناس الذين لا يرتبطون به بطريقة أو بأخرى اليوم قليلون جداً. لقد أصبح هذا النظام المكانوالزمانالذي يتم فيه التعبير عن النشاط البشري والتفاعل معه. بعد العنصرة، لم يبحث القديس لوقا عن الرسل في عالم مختلف عن العالم الذي عاشوا فيه. لهذا، استغلّ الرسل وخلفاؤهم جميع الوسائل التي توفّرت لهم في ذلك الوقت لإيصال رسالة الخلاص والقيامة إلى كل ركن من أركان العالم. عِبر النظام الرقمي، لا يوجد ركن واحد في الأرض لا يمكن أن تصل إليه كلمة الله. الركن الوحيد المتبقي غير المستكشف في كل أنحاء العالم هو قلب الإنسان. من هنا أتى المؤتمر تعبيراً عن التزام الكنيسة بمهمتها الدائمة: إعادة التعبير عن تجربة العنصرة والكلمة الحيةمن خلال العديد من الفرص التي يوفرها العالم الرقمي الجديد.

شارك في المؤتمر آباء وعلمانيون، أكاديميون ومسؤولون في مؤسسات تتعاطى الرقمنة، ومن بينهم أشخاص معروفون لامعون في الأرثوذكسية نعرفهم في الأبرشية كالميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيون في اليونان، الأرشمندريت زخريا من دير أسكس، الأرشمندريت أفرام رئيس دير الفاتوبيذي، وجان كلود لارشيه، وعدة آباء متميّزون من العالم الأرثوذكسي. من الكرسي الأنطاكي شارك الآباء أنطوان ملكي، موسى شاطرية وبسام ناصيف والدكتور زياد قبطي.

تضمّن المؤتمر محاضرات وندوات وجلسات نقاش مفتوحة طاولت كل أوجه استعمال الإنترنت وشبكات التواصل في البيت المسيحي كما في مكان العمل والكنيسة والرعاية والبشارة والمدرسة، من وجهات نظر مختلفة تقنية وتربوية ونفسية واجتماعية ورعائية، كما من مواقع مختلفة تعكس مسؤوليات أصحابها من كهنة وآباء روحيين ومعرّفين ومربّين وتقنيين وأهل.

من أهم النقاط التي أضاء عليها المؤتمر الجوانب السلبية لاستخدام الوسائط الرقمية، والأخطار التي تهدد الإنسان والعلاقة بين المؤمنين والله ومع الكنيسة، كما التحدي التبشيري ومهمة الكنيسة في تشكيل وعي مسيحي حقيقي من خلال وسائل الإعلام الرقمية، الحاجة إلى الإعداد الملائم والدعم الروحي والمسؤولية الرعائية لاستعمال هذه الوسائل ومواجهة الرقمنة السريعة للحياة على جميع المستويات، كما التعاطي مع الأنثروبولوجيا الجديدة التي خلقها هذا التطور السريع خاصةً وأن ما من مكوّن كنسي معزول عن هذا التطور بما فيه الرهبنة الأرثوذكسية المضطلعة بمسؤولية تقديم التقليد النسكي بشكل مسؤول ولائق على وسائط الإعلام الرقمية.

سلّط المؤتمر الضوء، ليس فقط على المشاكل الناتجة عن سوء استعمال الوسائط الرقمية، بل أيضاً على الفرص التي يمكن أن يُستفاد منها في العمل الرعائي، كما في حياة المؤمن الشخصية. نوقشت المشاكل التي تسببها طبيعة الإنترنت المعولمة والتي تحمل إلى الكنيسة الاتجاهات الشائعة في العالم وتفرض عليها مواجهتها. إلى هذا، كان المؤتمر شهادة ملموسة على الوحدة الكنسية وقدرة الكنيسة بتنوع لغاتها وخصوصيات مكوناتها على العمل معاً بوعي واستنارة، بالرغم من تعدد الإثنيات واختلاف الشخصيات الجماعية، إلا إن وحدة الإيمان والتقليد ووجود الجبل المقدّس أثوس كواحة روحية جامِعة، كلها تساهم في تجسيد الوحدة وإيجاد قنوات العمل المشترَك الذي يحمل الخلاص للجميع.

المقالات في هذا العدد هي مختارات من أعمال المؤتمر، تمّ اختيارها على أساس تقديم نموذج عن ما كان يناقَش وما تمّ الاتفاق عليه، علماً أن الرغبة كانت بنقل كل الأعمال لو أمكن.

نتائج المؤتمر الدولي الثاني

نتائج المؤتمر الدولي الثاني

حول الإعلام الرقمي والرعاية الأرثوذكسية

في كوليمباري ، كريت

الدكتور نيكولاوس كويوس ، مراقب المحتوى، Pemptousia

صَوْتُ الرَّبِّ عَلَى الْمِيَاهِالرَّبُّ فَوْقَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ…الرَّبُّ يُبَارِكُ شَعْبَهُ بِالسَّلاَمِ” (مزامير 3:28، 11).

تم اختيار آخر نقطة في غرب مياه بحر كريت الزرقاء، تحت حماية ورعاية سيدة الملائكة، حيث الورع الذي لا ينضب في هذا النتوء الصخري في جزيرة كريت، مسقط رأس القديسين والأبطال، لاستضافة المؤتمر الدولي الثاني حول الإعلام الرقمي والرعاية الأرثوذكسية.

تحت رعاية قداسة البطريرك المسكوني بارثولوميوس، بالمحبة غير المحدودة للراعي المحلي صاحب السيادة أمفيليوخيوس، وبالبركة الأبوية واهتمام الجزيل الاحترام رئيس دير الفاتوبيذي المقدس، الشيخ أفرام، اجتمع 103 متحدثون من 17 دولة، إكليروساً وعلمانيين، يمثّلون جميع جوانب الحياة الكنسية. تركيز المؤتمر بشكل خاص كان على وظيفة الإعلام الرقمي وانتشاره في المجتمع المعاصر وفي التطورات داخل الكنيسة.

تم ّ عقد 25 جلسة في أربعة أيام ، من 17 إلى 20 حزيران 2018، إما كجلسات عامة أو بالتوازي. هذا لم يكن عملاً فذاً وحسب! إن جهود المنظمين وانضباط المشاركين الذاتي، وقبل الكلّ النعمة الإلهية، ساهموا جميعًا في المناقشة المثمرة للقضايا الجادة جدًا، ضمن نطاق زمني مقيّد بشكل خاص، نظرًا لحجم الموضوع الذي شمل موقف الكنيسة من العصر الرقمي ومقاربتها له.

في المؤتمر الأول، في أيار 2015 في أثينا، تمّ البدء بالعمل ووضع الأسس. الهدف، في المؤتمر الثاني هنا في كوليمباري، كان أن نبدأ في تركيب البنية من خلال مقاربة منتجة للمشاكل، بحيث تظهر الحلول للمشاكل والإجابات على الأسئلة.

لقد وضع المتحدثّون الرئيسيون أنثروبولوجيا الكنيسة الأرثوذكسية كأساسٍ للعلاج الرعائي لتحديات النظام الإيكولوجي الرقمي.

في هذا المؤتمر أيضاً، في الجلسات والطاولات المستديرة، تمّ تحليل المخاطر التي ينطوي عليها استخدام الوسائط الرقمية، ولكن هذه المرة بشكل أكثر تخصصاً. غالبًا ما تركّز الاهتمام على حالة الشباب الخاصة نظراً لقلة خبرتهم ونزعتهم الطبيعية نحو الإدمان. إن الخطوط الرئيسية التي قُدِّمَت على أساسها الاقتراحات هي إنشاء إطار للتعليم يعزز التمييز، فضلاً عن تنمية الشخصية، بدلاً من أي قمع عشوائي لاستخدام وسائل الإعلام الرقمية. في هذا المجال، تمّ التوافق على أنّ التعاون مع العائلة والمرشد الروحي جوهرِيين، كما هو اهتمام الكنيسة بالتربية الدينية. تمّ تقديم اقتراحات مثيرة للاهتمام حول استخدام التكنولوجيا الرقمية بهدف خلق ظروف تربويةنفسية مؤاتية لمساعدة الشباب على فهم وقبول المفاهيم الأساسية للحياة في المسيح. حتّى الملاحظات المتعلقة باستخدام الكنيسة للإعلام تمّت بنفس الروح.

عدد كبير من المتحدثين والحضور عَرَض لممارسة الصوم كوسيلة للتحكم الذاتي بأهوائنا وعاداتنا كطريقة لتحرير وتوسيع إدراكاتنا الحسية بهدف التعامل نسكياً مع استخدام الوسائط الرقمية. إن فضائل لوم الذات وفحصها، المستمدة من خزانة تقليد اليقظة الأرثوذكسي، قُدِّمَت كأسس لبناء شخصية مستخدمي الوسائط الرقمية كطريقة للتعامل مع شتى أنواع الإغراءات. عالج المتخصصون أسلوب التعامل مع الخدمات والتقارير الإخبارية الكنسية، والأخطار التي تكمن فيها، والطريقة التي بها ينبغي تقديمها، فضلاً عن القضايا الأخلاقية والمعنوية. كما وردت تعليقات جادّة بشأن العلاقة بين الكنيسة الرسمية والمبادرات الشخصية / المستقلّة في وسائل الإعلام الرقمية.

في مجال العمل التبشيري، تمّ تسليط الضوء على الفرص الجديدة التي تولّدها الوسائط الرقمية، بالنظر إلى أنها أحدثت تغييرات هائلة في الممارسات التي تم تطبيقها حتى الآن. وقد تمّ الأخذ بالمخاطر الناجمة عن المجموعات ذات التسمية الدينية أو الكنسية والتي تعزّز مصالحها الخاصة على حساب الإسم. كما قُدِّمَت اقتراحات لمبادرات من جانب الكنيسة تتعلق بمسائل ملحّة أخرى، كأخلاقيات علم الأحياء، التي ستشمل إنشاء لجان ومؤتمرات وبرامج خاصة.

أُثيرَت مسألة إذاعة الخدم الكنسية على وسائل الإعلام الرقمية، وتمّت الإشارة إلى واقع أن حالات معينة تخلق مشاكل كنسية ورعائية. لذلك ينبغي إعادة النظر في المسألة بروحِ معالجةٍ أكثر تبصراً من شأنها الحفاظ على قدسية الأسرار وحماية مستخدم الوسائط الرقمية من غواية هذا الشكل الضارّ من الاستهلاك الروحي الإعلامي.

أحد القواسم المشتركة التي يرتكز عليها وضع قواعد سلوكية صحفية كنسية أصيلة، من أجل استخدام تبشيري للوسائط الرقمية ونقل أعمال العبادة، هو تحقيق الحقيقة واحترام الحياة الأسرارية، دائمًا مع حماية الأفراد وحريتهم.

في روح ما سبق، تمّ الإعراب عن الحاجة إلى إنشاء وكالة أنباء للكنيسة تلبّي حاجة موجودة في المجال الأرثوذكسي. ولذلك أُعلن أنه، اعتبارًا من الخريف المقبل، سيتمّ تشكيل وكالة معلومات دولية جديدة تابعة للكنيسة، تحت اسم الأرثوذكسية“.

قُدِّمَ عدد من الأوراق التي تناولت وجود الكنيسة الرسمية على الإنترنت من خلال مواقع مختلفة لكلٍ من الكنائس. كان لهذه الأوراق قيمة خاصة. فقد لوحظ أنه على الرغم من الجهد الشجاع عموماً، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به لتستجيب هذه المواقع بشكل صحيح على المستويين الرعائي واللاهوتي. الملاحظات المقدّمة، حول عدم كفاية المصادر المتوفّرة بشكل رقمي لأبناء الكنيسة، الكتابية واللاهوتية منها على وجه الخصوص، كانت معبّرة. وقد تمّ تقديم اقتراحات قيّمة عملياً وجديرة بالثناء.

وفيما يتعلق بالترتيل، فقد لوحظ أنه تمّ تقبّل واستعمال كلّ التطورات التقنية عبر التاريخ: الكتابة والطباعة والإذاعة والتلفزيون. الوسائط الرقمية الحديثة تقدّم عدداً من طرق التواصل والأدوات الجديدة. إن الرد الرعائي على الأخطار المترصّدة باستمرار، تماشياً مع المقاربة المتبعة في كنيستنا، هو وجوب إيجاد حماية ضد التجاوزات المحتملة والحفاظ على التوازن المطلوب، بشكل يؤمّن أفضل استعمال لهذه الإمكانيات الهائلة.

أعطي وزن خاص في هذا المؤتمر لموضوعَي الذات والشخص في النظام البيئي الرقمي، سواء من الناحية النفسية وأيضاً، بشكل رئيسي، من وجهة النظر اللاهوتية والرعائية. الكثير من الأوراق المقدّمَة عالجت مفهوم الشخص/الذات كما تطرقت إليه مناقشات الطاولة المستديرة من خلال مجموعة متنوعة من المواضيع. لقد أُشير إلى أن التطرف في المحاكاة الافتراضية يمكن أن يؤدي إلى خلع الأشخاص أنفسهم وليس طبيعة الأشياء والحواس وحسب. يمكن أن يؤثر هذا التطرف على الفهم الأرثوذكسي لكينونة الشخص ويتسبب بتغييرات مؤلمة في الهوية. في وضعنا المعاصر، تنطوي المحاكاة الافتراضية المسرِفة على خطر الإنسانية المتحوّلة (trans-humanism)، ومن ثمّ ما بعد الإنسانية (post-humanism)[1]. إذا كان للكنيسة أن تستخدم إمكانيات وسائل الإعلام الرقمية الهائلة في عملها الرعائي، فإن صمام الأمان الذي يجب أن تلجأ إليه هو التقليل المتوازنمن استخدام وإنتاج التصوير الافتراضي (virtual imaging).

تمّ التطرّق إلى مسألة الذكاء الاصطناعي المحتدمة حول البحث عن ذكاء شكلي وحتمي من شأنه أن يتمكن من حل المشاكل الروتينية من خلال تعزيز قدرات الدماغ البشري المعرفية. يوجد اليوم أسئلة تتعلّق بطبيعة هذا المشروع، كما حول بعديه الروحي والأخلاقي. ركّز الاختصاصيون بشكل خاص على حقيقة أن القدرة الهائلة على معالجة البيانات ستنتِج قوة لكنها لن تُترجَم إلى معنى من دون البشر. إن مركز الثقل في أي اعتبار لهذه المسألة هو في الشبكة الدلالية، أي بعبارة أخرى في البشر أنفسهم. على هذا المستوى، لا يمكن استبدال الشخص البشري، وهو يحمل المسؤولية الكاملة عن إغداق المعنى على استخدام الذكاء الاصطناعي كما على استعمال كل الإنجازات المتقدمة الأخرى للتكنولوجيا الرقمية.

إن الفهم اللاهوتي والروحي والرعائي لكلّ ما سبق يتحقق من خلال العلاقة بين الله والناس. وبقدر ما تؤثّر هذه العلاقة على الشخص البشري وتلهمه وتوجهه، فسوف نجد طرقًا لاستخدام النظام البيئي الرقمي الذي سيكون مناسبًا لخلقنا على صورته ولدعوتنا لنكون على مثاله. في هذا المؤتمر، تمّ تسليط الضوء مرارًا وتكرارًا على حياة الكنيسة الأسرارية الصلاتية المُحِبّة، باعتبارها العنصر الأساسي في الاستخدام الصحي والأصيل والمنتِج لوسائل الإعلام الرقمية. في المقابل، احتُرِمَت قيمة معرفة الخبراء كما الحاجة إلى التحديثات المستمرة التي يقدمها الأشخاص المؤهّلون في مناصب المسؤولية.

أُشير إلى سر الاعتراف كمعيار لاستخدام الوسائط الرقمية من قِبَل جميع المسيحيين من كهنة وعلمانيين. إن فتح القلب في سر الأبوة الروحية يحمي مستخدم الإنترنت من ملذات الترويج الذاتي، وتنمية المواقف المثالية والتخيلية ورفض العلاقات الإنسانية الطبيعية. ولهذه الأسباب تم التعبير عن الموقف الموحّد بأن الوسائط الرقمية يمكن أن تقدم خدمات قيّمة للتوجيه الروحي، ولكن لا ينبغي أن تحلّ محل سر الاعتراف في أي حال من الأحوال.

لم تنتهِ اتصالاتنا ومناقشاتنا هنا. لقد قيل الكثير ولا يزال هناك الكثير الذي يتعيّن مناقشته في المستقبل. لذلك سنستمر تحت رعاية الاتحاد الدولي للإعلام الرقمي للرعاية الأرثوذكسية، الذي أعلن عنه مدير Pemptousia ، السيد نيكولاوس غوراراس في مقدمته.

خلال فترة وجودنا هنا، شهدنا حقيقةً أن العالم الرقمي هو محيط ذي مياه كثيرة. إذا كان الناس، وسطاء الخطاب في هذا العالم الرائع، يدركون أن هدفهم هو في التئام وتوحيد أقنومهم بالمسيح، فالربّ عندئذ سوف يبارك النظام البيئي الرقمي ويحوّله إلى زمان ومكان للسلام متمحوراً حول الملكوت الآتي.

هذا المعنى تَعَزّز على مدى الأيام الماضية من خلال سر اﻹفخارستيا الإلهية في دير غونيا، في بيت سيدة الملائكة، الذي احتفل به الشيخ أفرام الجزيل الاحترام رئيس دير الفاتوبيذي الكبير.

شكراً

[1] Transhumanism (يُشار إليها باختصار H + أو h +) هي حركة فكرية تهدف إلى تحويل الحالة البشرية من خلال تطوير وإتاحة تقنيات متطورة على نطاق واسع لتعزيز العقل البشري وعلم الأعضاء ووظائفها. يدرس مفكرو هذه الحركة الفوائد والمخاطر المحتملة للتكنولوجيات الناشئة التي يمكن أن تتغلب على القيود البشرية الأساسية كما القيود الأخلاقية لاستخدام هذه التقنيات. إن أهم نظريات هذه الحركة هي أن البشر قد يكونون قادرين في نهاية المطاف على تحويل أنفسهم إلى كائنات مختلفة بقدرات تمتد إلى حد كبير أبعد من الوضع الحالي فيستحقوا تسمية كائنات ما بعد الإنسانية post-humanism.

الإعلام الرقمي والشهادة الأرثوذكسية

الإعلام الرقمي والشهادة الأرثوذكسية

الشيخ أفرام رئيس دير الفاتوبيذي

قدس الممثل الرسمي لغبطة البطريرك المسكوني برثلماوس الأرشمندريت سيزاريوس

سيادة مطران كيساموس،

أصحاب النيافة الرؤساء،

السادة المسؤولون

إخوتي بالمسيح

الزمن الذي نعيش فيه ينمو دائماً وبمعدلات سريعة، بحيث يواجه الإنسان صعوبة في مراقبة التطورات والأكثر صعوبة هو تقييمها. إن التطور السريع للتكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية وغيرها من العلوم واستخدام الإنترنت وتأثيرها على الحياة الاجتماعية قد شكّلا طريقة حياة معولمة مختلفة تمامًا عن ما كان في الأزمنة السابقة. مَن كان يعتقد، على مدى عدّة عقود، بأنه يمكن الاتصال ببعضنا ورؤية بعضنا البعض من خلال جهاز صغير، هو عبارة عن هاتف محمول أو لوحة، فيما الآخر على المقلب الثاني من الأرض!

الإلكترونيات والتكنولوجيا الرقمية لم تغزُ حياتنا وحسب، بل أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ منها.لقد أصبح استخدام الكمبيوتر ضروريًا للغاية بالنسبة إلى السكرتارية والمحاسبة والدراسة الاقتصادية لكل شركة كبيرة أو خدمة خاصة صغيرة أو خدمة عامة. لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو أجهزة الكمبيوتر الموجودة في كل مكان، في المدرسة، في المنزل، في الرعية، في المطرانية وحتّى في الدير. مَن من المستعملين يرضى أن يعود إلى استخدام الآلة الكاتبة أو الكتابة بالقلم والورقة في عمله؟ لا يمكن تخيّل ذلك. في المدرسة، في الدروس الخاصّة، في المنزل، في العمل، في الترفيه، في وقت الفراغ، يكون بجانبنا كومبيوتر أو بدلاً عنه جهاز رقمي صغير، أو لوحة، أو هاتف محمول، أو حتى ساعة ذكية. لقد جلبت الثورة الرقمية كإستمرار للثورة الصناعية الكثير من الثمار إلى عصرنا.

قبل بضع سنوات تمحورت المناقشات حول قدرة وسائل الإعلام الرقمية على تقديم معلومات مثل وسائل الإعلام الكلاسيكية. الآن، مع شبكة الإنترنت، نجد أنها لم تفشل، بل تجاوزتها، حتى لا نقول أنها حلّت مكانها. وبطبيعة الحال لم تبقَ فقط في مجال الإعلام بل دخلت مجال الاتصالات والليتورجيا والصحة والترفيه والتجارة. الآن، بهاتف محمول يمكنك التحدث إلى شخص ما، ورؤيته على قيد الحياة، وحيثما يكون الآخرون، يمكن الاتصال بك من خلال صفحة ويب ﻹيصال أخبار اليوم، اللعب، الاستماع للموسيقى والراديو، مشاهدة الأفلام، شراء ما تريده من الإنترنت، كما يمكنك العثور على معارفك الذين فقدت الاتصال بهم منذ سنوات أو اكتساب أصدقاء جدد من خلال الشبكات الاجتماعية. وكل هذا ممكن شرط أن تكون على اتصال بالإنترنت.

نحن نرى بوضوح قدرة الجيل الجديد في التعامل مع الوسائط الرقمية. ليس من المبالغة وصف الجيل الجديد بأنه الجيل الرقمي. بالطبع، التكنولوجيا الرقمية ليست ميزة الجيل الجديد فقط، هناك أشياء أخرى كثيرة دخلت حياتنا ولم تؤخَذ على محمل الجد. في أيار 1967، أنطلقت حركة من فرنسا أثّرت على الوضع الاجتماعي والأخلاقي في أوروبا وأمريكا وحتّى في اليونان. من نتائج هذا التمرد الاجتماعي التحرر الجنسي، والفردية، وتفتيت المؤسسات والبنى الاجتماعية والدينية. جاء تأثيرها كمحفّز بحيث أنها في غضون سنوات قليلة كسرت أسلوب الحياة الأخلاقي المعروف، والذي كان قائماً بطبيعة الحال على أساس الروح الفعلية والأساس الروحي الحقيقي للحياة في المسيح. وبالنتيجة، صار الجيل التالي أكثر ضعفاً روحياً، يتخطّى كل الحواجز الأخلاقية بسهولة كبيرة، ويعارض ويرفض كل القيّم والمثاليات. الجيل الحالي الذي يتكوّن من أحفاد شباب أيار 68 ضعفت أخلاقه بالكامل ووصل إلى درجة من السخف بات يرى غير الطبيعي من الطبيعة. لذلك، مجتمعاتنا اليوم تقبل بسهولة كبيرةٍ الزنا والإجهاض والمساكنة والمثلية وتبنّي المثليين للأطفال والهويات المجندرة، الخ. لأنها كانت وما زالت مطالبَ عصرنا. الإنسان المعاصر يطلب وينظر إلى الخطيئة كحالة طبيعية وكنمط حياة صحيح وطبيعي. وهكذا شيئاً فشيئاً، بدأت تتشكّل أخلاقيات جديدة عند الناس المعاصرين، أخلاق جديدة، أخلاقيات البيولوجيا، أخلاقيات غير أخلاقية، تمّت ترجمتها بإنسان حرّ ومستقل في تنوع فوضوي في هذا العصر. من ناحية أخرى، افتتحت الثورة الرقمية حقبة جديدة من الرقابة الجماعية، وخلقت سلسلة من الحقوق السياسية والإنسانية المثيرة للمشاكل. لهذا فإن الدولة نفسها، أي النظام نفسه، تضع قوانين لحماية البيانات الشخصية لكنها في الممارسة تنتهك الحياة الشخصية الخاصة.

اليوم، لا يعرف الإنسان المعاصر ما هو الإنسان. إنه يحيا بقناع. الإنسان، كما يُنظَر إليه رقمياً لا يُعتبر أكثر من وحدة بيولوجية وعَدَد. لقد انحطّ الإنسان. خفّض جودة ومعنى حياته. إنه مستقلّ، أناني ومختوم بإحكام في الأنا، فرداني، ملاحِق للذة ومتشائم، سخيف وزائف. بتعبير آخر، اكتسب الإنسان المعاصر شخصًا أهوائياً إلى حدٍّ كبير، مشكّلاً أنثروبولوجيا غير مترابطة. كل أنواع الأزمات التي ابتلي بها مجتمعنا اليوم، الاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والمؤساستية، تستند إلى حكم الشخص وبالتالي تعبّر عن القناع الأهوائي.

لا يستطيع الإنسان أن يجد نفسه في العلاج بالتحليل النفسي أو بالدخول في بعض فرق الأديان الزائفة أو الكنسية على الطراز الغربي. لأن المسيح طبيب نفوسنا وأجسادناالوحيد، لا يعيش هناك. على الإنسان المعاصر أن يرجع إلى نفسه(أنظر لوقا 17:15). وللرجعة إلى نفسه، يجب عليه أولاً أن يلامس مكاناً ما، وأن يجد نقطة دعم ويفهم أن هناك شيئًا أكثر سمواً، شيئًا مثاليًا غير متناهٍ وأبديًا. هذا من شأنه أن يجذبه ويؤدي إلى صعوده الروحي، لإعطاء المعنى الحقيقي والهدف لحياته. داخل هذه المتاهة التي نعيش فيها، نعتقد أن ساعة الأرثوذكسية قد أتت، ساعة الشهادة الصالحة، الشهادة للحق التي ليست فكرة مجردة بل هي شخص حيّ. الحق تجسّد في كلمة الله وشَهِد في التاريخ. “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6:14). لهذا علينا أن نكون قادرين على تقديم المسيح الحي، الطريقة الصحيحة لحياة المسيح، التي الإنسان والمجتمع هما في أمس الحاجة إليها.

قال عالِم البيزنطيات العظيم السير ستيفن رانسيمان، في آخر مقابلة معه مع بامبتوسيا، أنه خلال الـمئة سنة القادمة ستكون الأرثوذكسية الوحيدة الموجودة من الكنائس التاريخية. إنه يؤمن بأن الأرثوذكسية لديها الروحانية الحقيقية التي لم تعد الكنائس الأخرى قادرة على بثّها. تشارلز تايلور، واحد من أعظم الفلاسفة في عالم اليوم، كتب بكثير من العمق عن الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الغرب، قال قبل بضعة أيام، في محاضرة في أثينا، عبّر عن رغبتهالقوية بالارثوذكسية وتوقعاته لها. ليست هذه الأمور صدفة. كل الباحثين الجديين من غير الأرثوذكس يتوقّعون شيئاً من الأرثوذكسية. الأرثوذكسية هي النور، الحقيقة، المعرفة، الفرح، الحياة، ملء الحياة لكل إنسان. وعلينا نحن الأرثوذكسيين أن نكون جاهزين في كل لحظة لأن نشهد لهذا النور وهذه الحياة.

هذه الشهادة للأرثوذكسية، التجربة الأرثوذكسية، أعتقد أن بإمكانها أن تشمل حالياً استخدام الوسائط الرقمية. هذا لأنّ الوسائط الرقمية تُعَدّ الطريقة الرئيسية للاتصال في عصرنا. من خلالها يمكنك نشر رسالة الإنجيل إلى جميع الأمم، في طول الأرض وعرضها. القديس باييسيوس، في أحد اجتماعاتنا في قلايته الباناغودا حوالي عام 1982، وهي الفترة التي خلالها كان اجتماعنا يجري في دير كوتلوموسيو، قال نبويًا:”سوف تعيش في زمن ترى فيه كلمة الله وصلت إلى طول الأرض وعرضها“. هذا بالطبع تحقق اليوم بوجود الإنترنت والوسائط الرقمية. في ذلك الحين، لم يكن هناك إنترنت ولا هواتف محمولة.

لماذا تُتسَعمَل الوسائط الرقمية لنشر الشذوذ وأسلوب الحياة غير الطبيعي، ولا تُستَعمَل لتعكس الحياة الأبدية” (أنظر 1تيموثاوس 19:6)، الحياة في المسيح؟ لماذا لا يتم تحويل كل ثروات وحكمة الأدب الآبائي، إلى الرقمية وتُصنّف وتقدّم بطريقة حديثة فتكون متاحة على الإنترنت؟ فلتُنتَج أفلام ومسلسلات وأفلام وثائقية ورسوم متحركة وألعاب وتطبيقات على الجوّال وأقراص مدمّجة مستوحاة من رسالة الإنجيل ومن حياة المسيح وحياة القديسين وحكمة الآباء والتقليد الأرثوذكسي. نحن بحاجة لوجود كنسي قوي وشامل ومتعدد الأبعاد للكنيسة في الإعلام الرقمي (عندما نقول كنسي لا نعني الإكليروس، بل كل أعضاء الكنيسة الواعين).

يتغذى الإنسان بأسرار الكنيسة الروحية، بالقربان المقدس، ولكن أيضًا بالعقل. يتطور المؤمن ويتغيّر مع كلمة الله. كلمة الله، كما يعلّم الرسول بولس، هي حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ” (عبرانيين 12:4). كلمة الله تحيي الإنسان وتعطيه الإلهام في حياته وتفتح عقله وتكشف عن أعماق الشخص، وأهم من ذلك هي من الله. يمكن أن تعمل كلمة الله بشكل جيد للغاية مع الوسائط الرقمية، شريطة أن تتوفر الظروف اللازمة. يمكن لوسائل الإعلام الرقمية أن تعمل كالمبشرين، أن تعطي شهادة أرثوذكسية، ولكن كي تكون النتيجة صحيحة نحتاج الإجابة على السؤال: مَن وكيف؟ لا يستطيع أيّ كان أن يقدّم شهادة للمسيح إن لم يحيَ أولاً بالمسيح. لا يجوز لأحد أن يقوم بأي نشاط تبشيري إن لم يكن قد أخذ بركة من رئيسه الروحي، أسقفه أو شيخه. على سبيل المثال، يجب على مؤسس أو مدير كلّ موقع أرثوذكسي أن يعيش حياة داخلية في المسيح، وأن يتطهّر من الأهواء أو على الأقل يسعى إلى التطهر، كما يبرز القديس غريغوريوس اللاهوتي: “انتبهوا إلى التطهر أولاً، فتكونوا طاهرين؛ يحدث النور فيضيء؛ تتقدّسون فتقَدّسون“[1]. يجب أن يكون رجل المسيح متكاملاً، ذاك الذي قضى على الواجهة البشعة“[2] الذي بثّ عقلياً الطاقة التي توحد العقل مع القلب، وتعطي القوى النفسية الجسدية الموحدة، وتزرع الفضيلة والحب غير الأناني لله وللإنسان. ثم اسلك بحياة المعرفة الذاتية الحقيقية ولكن أيضا معرفة الله. يقضي القناع البشععلى الرجل الذي تحول إلى شخص حقيقي على صورة الشخص الحقيقي والأبدي أي يسوع المسيح. هذا الرجل في وضع يسمح له بأن يقدّم الكثير للبشر ولكل خليقة الله. كل نشاطاته تتقدّس. من ناحية أخرى، يمكن لمستخدم الإنترنت أو الوسيطة الرقمية أن يكون أي شخص، وقد لا يكون له أي علاقة بالكنيسة، وقد يكون ملحداً أو ضد المسيح. إن تقديم نتاج الاستنارة بالروح القدس، بالتأكيد سوف يعكس وسوف يخلق قلقاً حسناًحسب قول القديس باييسيوس. لكن لا ينبغي أن لا يستفيد روحياً شخص من أبناء الكنيسة مما يقدمه بالمسيح إنسان صالح يعيش نعمة الله. لا وسائل الإعلام الرقمية، ولا العلم، ولا الفلسفة، ولا الفن هي حواجز أمام اختبار النعمة الإلهية، بل التعلّق بها واعتبارها هدفاً بحد ذاتها. يعيش إنسان المسيح أربعاً وعشرين ساعة من الأربع وعشرين في المسيح حتّى في روتين مهنته اليومي أو علمه أو فنه، دون تعلّق بوسائل الإعلام الرقمية.

كل هذه الجهود التبشيرية من خلال وسائل الإعلام الرقمية، الشخصية أو من خلال الرعايا والأبرشيات، حسنة وقادرة على ضبط وإظهار قوة الأرثوذكسية ووحدتها. ثم يؤدي هذا الجهد أيضاً إلى نتائج أفضل، ويساهم في يقظة الإنسان المعاصر وتوبته ومنفعته الروحية. بالطبع لا ينبغي أن ننزّه هذا النشاط التبشيري الرقمي ولا أن نعيّره، لأن هذا النشاط سيكون مساعداً. لا ينبغي أن يكون قبول الأنظمة الرقمية في الرعاية الأرثوذكسية من دون تمييز. على سبيل المثال، لا يمكن استبدال العلاقات الشخصية الحيّة في الاعتراف الروحي بين المعترف والمعرّف بمجرد الاتصالات الشخصية عبر البريد الإلكتروني أو الشبكات الاجتماعية. وعلى الأكيد أيضاً، لا يمكن استبدال مشاركتنا في القداس الإلهي بحضور بث على الإنترنت. جميل جداً ما توجّه به غبطة البطريرك المسكوني السيد برثلماوس إلى تلاميذ ثانوية زوغرافو في القسطنطينية: “أنتم أبناء الفايسبوك والإنستغرام، لكن عادات هذا العصر لا تترككم تستمتعون بالتواصل عن كثب مع وجه الآخر” [3].

هدف هذا المؤتمر هو الدراسة العلمية المتعددة الأوجه والمتخصصة للوسائط الرقمية للاستخدام الرشيد والعقلاني في العمل الرعائي للكنيسة. ومع ذلك، فإن التحدي والدعوة واضحان: بما أن الإنترنت ووسائل الإعلام الرقمية مستخدمة في الحياة البشرية المعولمة الحديثة، لماذا لا تستخدمها الأرثوذكسية لإعلان عالميتها، وبدلاً من تظهير الإنسان المعولَم، تظهير طريقة الحياة الحقيقية الأصيلة الأبدية؟

[1] Ἁγίου Γρηγορίου Θεολόγου, Λόγος 2, 71, ᾿Απολογητικός τῆς εἰς τόν Πόντον φυγῆς, PG 35, 480.

[2] Βλ. Ἁγίου Γρηγορίου Παλαμᾶ, Εἰς τὸν Βίον τοῦ ὁσίου Πέτρου τοῦ ἐν Ἄθῳ 18, Συγγράμματα, ἐπιμ. Π. Χρήστου, τόμ. Ε΄, Θεσσαλονίκη 1992, σ. 171.

[3] Ὁμιλία τοῦ Οἰκουμενικοῦ Πατριάρχου κ.κ. Βαρθολομαίου στὸ Ζωγράφειο Λύκειο τῆς Κωνσταντινουπόλεως μὲ τίτλο «Ὁ Κωνσταντινουπολίτης Γεώργιος Θεοτοκᾶς».

متى تزيح التكنولوجيا الله ومتى تخدم في الكنيسة

متى تزيح التكنولوجيا الله ومتى تخدم في الكنيسة

الأرشمندريت زخريا زخريو

يكشف الرب يسوع في كثير من الأحيان عن الملكوت السماوي كعرس، ويدعو إليه جميع الناس على حد سواء. العالم كله، خليقة الله المتنوعة، هي ديباجة لعرس سماوي إلى حدٍ ما، طالما لم يتخلّ عنها الخالق بل بإخلاص ودقة هو يعمل” (يوحنا 17:5) ، ويصونها. العالم موجود لأن العناية الإلهية المستمرة والمثالية والقوية والدقيقة تعمل وتصون العالم، متخفيّة ضمن حتمية الطبيعة.

في عرس الملكوت، على حد تعبير الرب، ثلاثة أسباب قد تمنع الدخول:

أ) عند التعلّق بالخليقة المادية، حين تتربّع الخليقة المنظورة في المقام الأول في حياتنا، متّخذة الشرف الذي هو بالأصل لله. إذا تعلقنا بالمادة، يصبح نوسنا مادياً، رماداً. إذا وقعنا في تجربة التعلّق بالتكنولوجيا، فسوف يضعف اختيارنا لمشيئة الله في حياتنا، ونفقد مخافة الله الكاملة، التي ترجّح دائماً الأبدي على الأرضي، وتجعل الإنسان أكثر قوة في كفاحه ضد الخطيئة. “اشْتَرَيْتُ حَقْلاً، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ” (لوقا 18:14).

ب) يرفض الدعوة الإلهية أولئك الذين يفضّلون على الله أموراً أخرى، قد تكون مقدّسة وشرعة، كالزواج مثلاً. “إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ” (لوقا 20:14). يجب أن نكون مستعدين لتقديم أي تضحية لتحقيق اتحاد مثالي لروحنا مع الله.

ج) لا يدخل المدعوون إلى وليمة الملكوت عندما يكونون محاصَرين بالرغبة بتجربة شيء جديد. “إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي” (لوقا 19:14). هذا الإغراء الأخير يسيطر على عقول البشر المعاصرين في استعمالهم للتكنولوجيا. إنه إغراء الحداثة والابتكار، الذي يستعبد الإنسان للشغف المستمرّ باكتساب أحدث نماذج التكنولوجيا المتطورة واستخدامها. إن زيف المعرفة وسحر الجديدالذي توفره التكنولوجيا يمكن أن يمحو عطش الإنسان الروحي ويطمس رؤية الروح والنوس. وهكذا، لا يعود الإنسان يرى يد الله التي تشغّل التكنولوجيا، ويصير محروماً من فرصة ملء نواقصه بالشكر.

عندما يتبع الإنسان مشيئة الله وفكره، يعرف بشكل أفضل كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يستعمل التكنولوجيا، كما كل الخليقة، بشكل حكيم ونافع لمجد الله ومنفعة الإخوة.

كل وصايا الله تعكس الطريقة التي يعمل بها. عندما أعطانا وصية أن لا تعرف شمالك ما تصنع يمينك (متى 3:6)، أرانا طريقة عمله هو. إذاً، الرب يخدم الإنسان دائماً بطريقة متواضعة، من دون أن يظهر. إنه يختبئ قليلاً وراء القوانين الطبيعية وقليلاً وراء العلوم التي يمنحها لخدمة الإنسان بعنايته الواضحة، لأنه لا يريد أن يحمّله عبء الامتنان.

الربّ، بصلاحه اللامتناهي، يهب الاكتشافات العلمية والإبداعات الفنية، مانحاً البشر الفرصة للحصول على الوسائل والموارد لحياة سكان الأرض المتزايدين. إن خليقة الله لا تحدّث عن مجده وحسب، بل هي تخفي ثروة من الطاقة التي يتمّ اكتشافها تدريجياً لسدّ حاجات البشر. مأساة العلماء تكمن في أنهم عندما يفتحون مناطق جديدة وينجزون الاختراعات، بدلاً من أن يؤدّوا المجد والشكر لله، يخرجونه من خليقته بروح الكبرياء.

يقول الرسول بولس نَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ” (1كورنثوس 12:2). روح الرب متواضع ونحن نكتسبه بالشكر. الشكر يقدّس كل الخليقة، وبقدر ما نشكر الرب على أعماله نكسب أكثر في حياة العالم لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” (1 تيموثاوس 4:4-5). وبالتالي، فإن التكنولوجيا ليست أمراً سيئاً إذا استخدمها الإنسان بالشكر والاعتدال.

الكلمة الرسولية المذكورة أعلاه هي بداية كل ممارسة ليتورجية وكما أنها نموذج الحياة التي تعلمنا إياها الليتورجيا الإلهية. يمكننا تطبيق نفس البداية على استخدام التكنولوجيا الرقمية. وبالتالي، فإن الإنسان المستعمِل الذي يعرف كيف يشير دائماً إلى الله بشكرٍ سوف يحقق الاستفادة القصوى من استخدام التكنولوجيا. وكما أن الله في محبته المتواضعة يصل إلى الإنسان حتى مع التكنولوجيا، كذلك المؤمن يستخدم العلم والتكنولوجيا بشكرٍ لمجد الله ومنفعته هو بذاته.

من أجل الاستعمال الصحيح للتكنولوجيا، يجب ألّا يغيب عن بالنا أمران: أولاً، أن التكنولوجيا هي منحة من الله لمعيشة جيلنا، وثانياً أن المعرفة خارجية، نسبيّة وعابرة، بينما المعرفة التي نسعى إليها كمسيحيين داخلية، قلبية، تحوّل القلب وترافقنا إلى ما بعد القبر. المعرفة الخارجية لا تصل إلى كمال الزمان، ولا تمنح الإنسان أي كيان حقيقي. في المقابل، القَلبي يتحقق بالتحوّل المستمر لروح الإنسان نحو القلب ومن هناك نحو إلى الله. عندما يتّحد النوس مع القلب، فنعمة الله تجعل الإنسان يرى نفسه وكل العالم بوضوح، ويصير في وحدة مع كل شيء كما هو.

إن تعاسة الإنسان الناتجة عن فشله وعن فقره الروحي تحتجزه في أدنى مخلوقيته. لقد منحه الله نوساً عجيباً لينظر من خلاله ويستمتع بوجه خالقه، فيصير بقلبه قادراً على تتويجه مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ” (1تيموثاوس 15:6). بحضور الإله الحي، لا يعود الكائن البشري محتاجاً إلى معلومات من الإنترنت، ولا من الكتب والرسائل إذ في ذلك الحين يكتب الروح القدس في قلبه أفعال الحياة الأبدية. وبحسب كلام القديس سلوان: “بعقلنا لا يمكننا أن نفهم ولا حتّى كيف وُجدت الشمس. وعندما نسأل الله: <قلْ لنا كيف صنعت الشمس> نسمع بوضوح في قلبنا: <واضعوا ذواتكم وسوف لن تعرفوا الشمس وحسب بل حتّى خالقَها>. وعندما تتعرف النفس إلى السيد بالروح القدس، فمن فرحها تنسى الشمس وكل الخليقة وتفقد اهتمامها بالمعرفة الفائضة“[1].

إن الموقف الحكيم من التكنولوجيا هو الإسخاتولوجي. هذه كانت توصية الرسول بولس في وجه كل التحديات في زمانه: “وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ” (1كورنثوس 31:7). إن روح الإنسان الذي يسعى إلى وجه الإله الحي يجب ألا تكون مربوطة بأي شيء في هذا العالم، بل أن تعبُر هذه الحياة الحاضرة بسرعة بوجهة وحيدة ثابتة هي ملكوت الله. يعرف المؤمن أَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَة” (عبرانيين 14:13) لذا يتخلّص من كل ارتباطٍ وتعلّقٍ بمعايير وقِيَم هذا العالم الذي كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يوحنا 19:5). عندما يكون فكره في الآخرة، يكفّ عن الالتصاق بالوقتيات ويبدأ ببناء الصالحات. إذاً، المشكلة ليست التكنولوجيا بل هي تكمن في الإنسان، أي في عقله والتزامه ورجائه.

في جهاد الصلاة يبدأ المؤمن بتذوّق حلاوة النعمة. لكن التصدعات غير المتوافقة مع النعمة تخلق هذا التضاد المأساوي في النفس، الذي يهزّ الكيان من أساسه ويقلبه بأكمله بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ“(عبرانيين 7:5) إلى السيد الذي هو الوحيد القادر على تجديده وخلاصه. إن لم يشعر الإنسان بهذا التضاد ولا يجتاز هذه التجربة العميقة فلن يكون قادراً على الانقطاع عن الخطيئة ومواجهة تحديات هذا العالم.

قال السيد: “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ” (متى 52:13). العتقاء هي المواهب الطبيعية الموجودة، بما فيها علوم وتكنولوجيا الإنسان، وكل معارف طبيعته غير المحرّرة. الجدد هي نعمة الروح القدس ومواهبه التي يكتسبها الإنسان المتجدد الحكيم والملمّ بأسرار الله. والمواهب القديمة أو المكتَسَبة يجب أن تخدم مجد الله والاتّحاد العجائبي بين الإنسان وروح الرب. في كل الأحوال، مَن يضع إيمانه بمواهبه المخلوقة، يسد طريقه نحو المواهب الفوق طبيعية التي الإنسان مدعو إليها ومهيأ لها قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” (2تيموثاوس 9:1).

لقد واجه آباء الكنيسة في القرن الرابع تحدياً مماثلاً لتحدي التكنولوجيا مصدره الفلسفة الهلينية. هؤلاء أثبتوا بوضوح أن الفلسفة البشرية الحقيقية هي الفلسفة العملية أي التحقيق الكامل لمتطلبات الإنجيل. الأمثلة البطولية الحقيقية عن هؤلاء الفلاسفة هم باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم، وكثيرون غيرهم من القديسين.

الكنيسة بطبيعتها تمتلك الحقيقة الأبدية بأن يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين 8:13). إذا عَرَضنا الأنثروبولوجيا الإنجيلية فسوف تتكشّف فرادةُ حقيقةِ كلمةِ الله، مقدّمةً الأجوبة لكل المشاكل وكاشفةً الطريق الموثوقة إلى الأبدية.

التكنولوجيا اليوم تعني العولمة. لكن العولمة الحقيقية هي التي للمسيح الذي غلب العالم بصليبه وبقيامته، وبآلام جسده صار آدم الجديد وأب الدهر الآتي“.

[1] Ἀρχιμ. Σωφρονίου, Ὁ Ἅγιος Σιλουανὸς ὁ Ἀθωνίτης, Ἱ. Μ. Τιμίου Προδρόμου Ἔσσεξ Ἀγγλίας, 142011, σ. 347.

التماس إلى جميع الكنائس المحلية

التماس إلى جميع الكنائس المحلية لإضافة الامتناع عن استخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية بشكل واضح إلى القواعد المتعلقة بالصوم

الأستاذ جانكلود لارشيه

هناك أشكال جديدة من الوسائط التي تسمّى بالوسائط الرقمية، والتي يتمّ الوصول إليها عبر أجهزة الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، وخاصةً الهواتف الذكية الآن، ومحتواها بشكل أساسي هو الإنترنت، والشبكات الاجتماعية، والرسائل (الرسائل القصيرة ، رسائل الوسائط المتعددة ، إلخ)، وقد غَزَت حياة الناس المعاصرين وخاصة شباب اليوم، من سن العاشرة وأحيانًا دون ذلك.

إن قدرة هذه الوسائط على تأمين التواصل بسرعة وبتكلفة ضئيلة، وإمكانيتها على توفير الوصول إلى كل شخص تقريبًا وكل شيء، وقوة الصور التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الرقمية، كلها أمور تُكسِب الوسائط الرقمية قوة إغواء كبيرة. إن الضغط الاجتماعي (لا سيما الضغط للتكيّف) ، ولكن أيضاً التنظيم الاقتصادي للمجتمع، قد جعل هذه الوسائط أدواتٍ يكاد يكون الإنسان مضطرًا إلى امتلاكها حتى لا يتمّ استبعاده من مختلف المجموعات والدوائر الاجتماعية والإدارية والاقتصادية.

في الغالب، لقد تمّ ترسيخ اعتمادٍ ذي طبيعة داخلية أو نفسية بين المستخدمين من كافة الأعمار. يقلِق هذا الإدمان العديد من الآباء، لأنه يؤثّر الآن على الكثير من الأطفال، وحتّى المستخدمون أنفسهم يلاحظونه؛ أوضح ما يظهر هذا الإدمان في الحالات الخطيرة، حيث يكون العلاج جذرياً ويتطلّب انسحاباً كاملاً طويلَ الأجل من مثل هذه الوسائط، و أيضًا رعايةً نفسيةً عيادية في بعض الأحيان. مع ذلك، إن هذا الإدمان غالباً ما يبقى غير محسوس في الحالات الأقل خطورة، حيث أن العادة قادرة على جعل ما هو غير عادي يبدو وكأنه عادي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاستخدام أصبح مسيئًا لدى معظم المستخدمين.

في هذا المؤتمر الذي جمع ممثلين عن الإعلام الأرثوذكسي، يتمّ عرض وسائل الإعلام في معظم الحالات بطريقة إيجابية، على أنها من ضمن الحياة الكنسية أو كأنّها شيء يجب أن ينضمّ إلى هذه الحياة، مع فكرة أنها أصبحت الآن قوى مؤثّرة لا غنى عنها للنشاط الرعائي والبشاري في الكنيسة. هذه الرؤية شبه الفردوسية يجب أن تخضع للاعتدال. في الحياة الواقعية، يقضي الناس في زيارة المواقع الأرثوذكسية وقتاً أقل بكثير من غيرهم، ويبقى كثيرون من الشباب الأرثوذكسي غافلين تماماً عن هذه المواقع. في الغالبية العظمى من الحالات، الأهواء التي تسكن الإنسان الساقط تجذبه إلى المحتوى الذي يتلاءم معها، سواء عبر اختيار المواقع التي تتم زيارتها أو عبر دوافع التواصل على الشبكات الاجتماعية مثل فايسبوك، حيث النرجسية (التي يسمّيها آباء الكنيسة [philautia- ϕιλαυτία] أي محبة الذات) تلعب دوراً كبيراً، سواء في عرض الذات أو في السعي المحموم إلى الإعجابات likesالتي تداهن الأنا.

لقد قمت مؤخراً بنشر كتاب مؤلف من 320 صفحة بعنوان مرضى من وسائل الإعلام الجديدة” (باللغة الفرنسية: “Malades des nouveaux médias”)، والذي تمّت ترجمته إلى اللغة الرومانية تحت عنوان أسرى الإنترنت، والذي يجري حالياً ترجمته إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان مدمني وسائل الإعلام الحديثة“. في هذا الكتاب، أبيّن بطريقة مفصّلة ومعلّلة تأثيرات وسائل الإعلام الحديثة السلبية والأكّالة والمدمرة على مختلف مجالات الحياة البشرية: النفسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والعلائقية، وأخيراً (وبشكل خاص) الروحيّة. كما أني أقترح بعض التدابير الوقائية والعلاجية، وخاصة ذات الطبيعة الروحية. بالنسبة لهذا العرض التقديمي، الذي يجب أن يكون موجزاً للغاية، قد اخترت التحدث فقط عن الصوم والعفّة كوسائل للحدّ من استخدام وضبط وسائل الإعلام الجديدة التي أصبحت في معظم الحالات اعتسافية ومؤذية.

لقد وضعت الكنيسة الأرثوذكسية قواعدَ للحدّ من استهلاك الغذاء والنشاط الجنسي والامتناع عنه في فترات الصوم كما في أيام معينة من الأسبوع والسنة.

إن أحد الأغراض الرئيسية من هذه القواعد هو ترويض العقل على التحكم بالنبضات الجسدية والنفسية، بهدف إعادة توجيه القوى النفسيةالفيزيولوجية نحو الحياة الروحية والتركيز عليها، لإرساء حالة من الجوع والرغبة التي تسبب في الإنسان الشعور باعتماده على الله وحاجته إليه، كما لترسيخ حالة سلامية في النفس ميّالة إلى التوبة وتعزيز الانتباه والتركيز في الصلاة.

إن إساءة استخدام وسائل الإعلام الجديدة، التي أصبحت شائعة ، تنتج تأثيرات معاكسة لتلك المرجوة من الصوم والتعفف: استنفاد الطاقة التافه، الاغراء الخارجي الدائم والتشتت، الحركة الداخلية المستمرة والضوضاء، الاحتلال العدائي للزمن، استحالة تأصيل السلام الداخلي أو الحفاظ عليه، وتدمير الانتباه والتركيز اللازمين لليقظة والصلاة.

يجب التشديد على أن هذه التأثيرات تتعلّق باستخدام وسائل الإعلام الجديدة بحدّ معين بغضّ النظر عن محتواها. وكما أوضح خبير الإعلام الكبير مارشال ماكلوهان، فإن الوسيط له تأثير أكبر من الرسالة التي ينقلها إلى حد يمكننا القول إن الوسيط هو الرسالة“. بالطبع، هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننسى مسألة المحتوى الذي عندما يكون سيئًا يؤول إلى إثارة الأهواء وتغذيتها، وبالتالي يزيد عدم التوافق مع حياة الزهد، كما هي مفهومة على نطاق واسع، ويضاعف الضرّر بالحياة الروحية.

على الكنيسة أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الملابسات الجديدة التي أوجدها عصرنا، ويجب أن تضع القواعد المناسبة مواكبة قواعد الصوم عن الطعام والعفة الجنسية، وذلك لمساعدة الإنسان المعاصر عِبر الحدّ الطوعي المنتظم، لتحرير ذاته من الإدمان الجديد الذي يقيّده، بهدف إعطائه الوسيلة ليسلك بالكامل في الحياة الروحية التي تناسب طبيعته وتكون بمثابة الشرط لنموّه الشخصي الحقيقي.

قد يمكن القول أنه لا ضرورة لأي قاعدة من أجل هذا الأمر، وأن التوصيات الرعائية تكفي. ولكن عندها يمكن قول الشيء نفسه عن الصوم والعفّة، اللذين وضعت لهما الكنيسة قوانيناً بشكل رسمي في المجامع المسكونية. السبب هو حقيقة أن القواعد التي صيغت رسمياً وبدقّة لها تأثير أكبر، ونطاقها أكثر عالمية، وطابعها أكثر إلزامية من مجرد التوصيات على مستوى الرعيّة، والتي هي غالباً غير موجودة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الطبيعة الممارَسة للصوم والعفة.

كما ذكرنا أعلاه، فالأمر يتعلّق بتحديد الوقت الذي يكون فيه الإنسان على اتّصال، كما التنظيم الصارم لاستخدام هذه الوسائط ولمحتواها. من الضروري التخلّي عن الاتصال الدائم، وقصر الاتصال لفترة محددة في اليوم. نحن بحاجة إلى التخلص من الوسائل غير الضرورية، كالشبكات الاجتماعية (فايسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها) وجميع مواقع الترفيه. بالتأكيديجب تجنّب كل المواقع التي تشكّل خطر الإغراء أو تقود إلى لقاءات سيئة. ومن المناسب أيضًا التشدد بعد الاتصال بالإنترنت إلا لما هو تقتضيه ضرورات العمل أو الدراسات.

يحتاج الآباء إلى تعليم أطفالهم، الذين يستخدمون هذه الوسائط الجديدة، تنفيذَ هذا التقييد من خلال شرح المعنى الكامن وراءه.

تتيح فترات الصوم الفرصة للجميع للتخلّص من علاقات الشبكات الاجتماعية الاصطناعية والافتراضية، بهدف إعادة اكتشاف علاقات عميقة وملموسة وحقيقية مع العائلة والأصدقاء، وبشكلٍ عام لكي نكون أكثر انتباهاً للناس من حولنا. هذه الفترات الصيامية هي أيضا فرصة لإعادة اكتشاف الصمت والعزلة الضروريين لممارسة الحياة الروحية ونموها.

سؤال أخاطر بطرحه بأن أثير الغضب هنا في سياق هذا المؤتمر، وهو ما إذا كان ينبغي أن يمتدّ حكم الصوم والامتناع عن وسائل الإعلام الجديدة إلى المواقع الأرثوذكسية كذلك. لا أريد أن أضع معظم المشاركين في هذه الندوة خارج الوظيفة، ولا حتّى هدفي الحدّ من وجود الكلمة المسيحية والكنسية في عالم حضورها فيه أصلاً قليل.

بلّ قبل كل شيء، أود أن أشير إلى أنه خلال فترات الصوم، وخاصة الصوم الكبير، عدد من وسائل الإعلام الأرثوذكسية، وخاصةّ تلك ذات المحتوى الروحي، هي ذاتية التحديد: إما أنها تغلق مواقعها لفترة من الزمن يختلف امتدادها، أو على الأقل تبطئ إنتاجها أو تحدّه.

مثل هذا التقييد له قيمة مثالية ويشهد بطريقته الخاصة على وجود الصوم الكبير والإمساك الذي يدعونا إليه.

ملاحظتي الثانية تتعلق بالقراءة. صحيح أن وسائل الإعلام الأرثوذكسية تقدم بطريقة إيجابية للغاية قراءات روحية على الأقل جزئياً، بل إن بعض المواقع مكرسة فقط لمثل هذه الأدبيات. ولذلك لا يوجد سبب، من حيث المبدأ، للحد من إنتاج هذه المواقع أو العودة إليها، ويبدو أنه ينبغي تشجيعها بقدر ما يتمّ تشجيع المؤمنين على المزيد من القراءة الروحية خلال فترات الصوم.

ومع ذلك ، أود أن أشير هنا إلى أن الدراسات العلمية لطرق القراءة على الشاشة تظهِر أن هذا النوع من القراءة سريع وسطحي. فعلى الشاشات، تظهَر لنا النصوص كصور. لهذا السبب، يخضع النصّ على الشاشة لنظرة شاملة، تمامًا كما هو الحال مع الصورة، وبالعادةِ تستقرّ العين على بضعة أسطر فقط.

توصلت إحدى الدراسات إلى أن الغالبية العظمى من الناس لا يقرأون النص سطراً بسطر كما يفعلون في الكتاب، بل يقفزون بسرعة من أعلى الصفحة إلى الأسفل، في حركة تتبع إلى حد كبير شكل الحرف F: يقرأون السطور الأولى، ينزلون قليلاً، يقرؤون الجزء الأيسر من بضعة أسطر، ثم ينزلون على طول الجانب الأيسر من الصفحة.

خلصت دراسة ثانية إلى أن القارئ المتوسط على الإنترنت يقرأ فقط حوالي 20٪ من النص. ووجدت دراسة ثالثة أن معظم صفحات الويب يتم استعراضها لمدة 10 ثوان على الأكثر، مما يدلّ بوضوح على أنها قراءتها لا تتمّ بالفعل.

بالكاد تتوقف القراءة على الشاشة عند الكلمات أو العبارات. إنها قراءة فيها شيء من التتبع الخلفي، وليست انعكاسية جداً. إنها قراءة سطحية بالكاد تثير جهود الاستيعاب والحفظ. من نواحٍ عديدة، تجعلُ وسائل الإعلام الجديدة العلاقةَ بالنص أكثر خفّة، أقلّ استقراراً، وأكثر هشاشة وعبورية.

يمكن أن تكون فترات الصيام، ويجب أن تكون، فترات يمكن فيها استعادة وقت القراءة وجودتها، بالتخلي عن الوسائط الرقمية لصالح المواد المطبوعة، وخاصة الكتب، التي توضح جميع الدراسات أنها تسمح بقراءة أكثر ثمراً من الشاشات بما لا يُقارَن، بينما تخلو من مساوئها.

إن الانقطاع التامّ عن وسائل الإعلام بكافة أنواعها خلال فترات الصوم هو الحل المثالي لإيجاد الهدوئية (hesychia)التي لا غنى عنه لتعميق الحياة الروحية، وهي بالضبط الهدف الرئيسي لفترات الصوم.

في الختام ، أود أن أشير إلى أن العديد من العيادات الخاصة والفنادق توفر فترات إقامة أطول أو أقصر من العزلة التامة، بدءاً بسعر منخفض حوالي الألف يورو، أي ما يقارب الألف ومائتي دولار في الأسبوع. على الكنيسة الأرثوذكسية أن تقدّم هذه الإمكانية رسمياً خلال الصوم، كخدمة مجانية مضمونة، مما يجعلها في متناول الجميع، بالإضافة إلى ربح روحي غير موجود في مكان آخر. إحدى هذه العيادات لها شعارها الإعلاني: “قَطْع الاتصال لإعادة الاتصال“. يمكن للكنيسة أن تتبنّى هذا الشعار بتحديد: “قَطْع الاتصال عن وسائل الإعلام الجديدة لإعادة الاتصال مع الله وأخيك“.