المؤتمر الدولي الثاني

حول وسائل الإعلام الرقمية والعمل الرعائي الأرثوذكسي

تقديم

إعداد الأب أنطوان ملكي

انعقد المؤتمر الدولي الثاني حول وسائل الإعلام الرقمية والعمل الرعائي الأرثوذكسي. شارك في المؤتمر حوالي 200 شخص من 21 دولة. استمر المؤتمر من الاثنين 18 حزيران إلى الخميس 21 منه في أكاديمية كريت الأرثوذكسية في كوليمباري. افتُتِح المؤتمر بكلمات لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية لكونهم رعاة المؤتمر.

موضوع المؤتمر كان: “العالم الرقمي كموقع لإعادة التعبير عن العنصرة والكلمة الحيّة بعبارة القديس الرسول بولس“. من الأسئلة التي هدف إلى الإجابة عنها: كيف يمكن للكنيسة أن تجمع المعرفة والإمكانيات والخبرة في الإعلام الرقمي لتقديس النفوس والأجساد؟ كيف يمكن حماية الإنسان في بيئة تنطوي على مثل هذا الإسراف في الصور الرقمية؟ كيف يمكن نقل سلام المسيح ووداعته في عالم يسوده الاستهلاك؟ كيف يُستفاد من هذه الوسائط كوسيلة لتقديم أفضل صفات الروح البشرية؟ وبأي وسيلة يستطيع الكاهن والراعي، الذي هو وريث تقليد يعود إلى ألفي عام، أن يستجيب لتحديات إعادة تبشير الناس في العصر الرقمي، مع تجنب خطر تلويث الخطاب والأخلاق المسيحية؟

ليست هذه المرة الأولى التي يتعين على الكنيسة فيها مواجهة تحدي استخدام اللغة العالمية لنشر كلمة الإنجيل. فمنذ أيام رسول الأمم القديس بولس الذي تبنّى لغة الثقافة اليونانية الرومانية ورموزها لجعل الحقيقة الإنجيلية، التي هي شخص المسيح، متاحة ومألوفة لكل العالم المعروف في حينه، والكنيسة تجاهد في هذا الميدان. وعملية البشارة هذه عملية مؤلمة ترافقها أحياناً ردود فعل سلبية واضطرابات. لكن التغيير في التاريخ تم تحقيقه وتأسس مرة واحدة وإلى الأبد في أن كلمة الإنجيل لا تُقيَّد“. من هنا أن الكنيسة تستخدم لغة كل جيل لأن لغتها هي الماء الحي“.

استعمل منظمو المؤتمر عبارة النظام البيئي (ecosystem) لوصف الإنترنت وشبكات التواصل، وهو وصف دقيق يعكس مقدار تفاعل مكونات هذا النظام وتأثيرها على بعضها البعض، كما يظهر تحوّل الانترنت والشبكات إلى بيئة ذات مواصفات محددة وشروط حياة.

فكرة المؤتمر أتت من كون النظام البيئي الرقمي قد أخذ أبعاداً عالمية لدرجة أن الناس الذين لا يرتبطون به بطريقة أو بأخرى اليوم قليلون جداً. لقد أصبح هذا النظام المكانوالزمانالذي يتم فيه التعبير عن النشاط البشري والتفاعل معه. بعد العنصرة، لم يبحث القديس لوقا عن الرسل في عالم مختلف عن العالم الذي عاشوا فيه. لهذا، استغلّ الرسل وخلفاؤهم جميع الوسائل التي توفّرت لهم في ذلك الوقت لإيصال رسالة الخلاص والقيامة إلى كل ركن من أركان العالم. عِبر النظام الرقمي، لا يوجد ركن واحد في الأرض لا يمكن أن تصل إليه كلمة الله. الركن الوحيد المتبقي غير المستكشف في كل أنحاء العالم هو قلب الإنسان. من هنا أتى المؤتمر تعبيراً عن التزام الكنيسة بمهمتها الدائمة: إعادة التعبير عن تجربة العنصرة والكلمة الحيةمن خلال العديد من الفرص التي يوفرها العالم الرقمي الجديد.

شارك في المؤتمر آباء وعلمانيون، أكاديميون ومسؤولون في مؤسسات تتعاطى الرقمنة، ومن بينهم أشخاص معروفون لامعون في الأرثوذكسية نعرفهم في الأبرشية كالميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيون في اليونان، الأرشمندريت زخريا من دير أسكس، الأرشمندريت أفرام رئيس دير الفاتوبيذي، وجان كلود لارشيه، وعدة آباء متميّزون من العالم الأرثوذكسي. من الكرسي الأنطاكي شارك الآباء أنطوان ملكي، موسى شاطرية وبسام ناصيف والدكتور زياد قبطي.

تضمّن المؤتمر محاضرات وندوات وجلسات نقاش مفتوحة طاولت كل أوجه استعمال الإنترنت وشبكات التواصل في البيت المسيحي كما في مكان العمل والكنيسة والرعاية والبشارة والمدرسة، من وجهات نظر مختلفة تقنية وتربوية ونفسية واجتماعية ورعائية، كما من مواقع مختلفة تعكس مسؤوليات أصحابها من كهنة وآباء روحيين ومعرّفين ومربّين وتقنيين وأهل.

من أهم النقاط التي أضاء عليها المؤتمر الجوانب السلبية لاستخدام الوسائط الرقمية، والأخطار التي تهدد الإنسان والعلاقة بين المؤمنين والله ومع الكنيسة، كما التحدي التبشيري ومهمة الكنيسة في تشكيل وعي مسيحي حقيقي من خلال وسائل الإعلام الرقمية، الحاجة إلى الإعداد الملائم والدعم الروحي والمسؤولية الرعائية لاستعمال هذه الوسائل ومواجهة الرقمنة السريعة للحياة على جميع المستويات، كما التعاطي مع الأنثروبولوجيا الجديدة التي خلقها هذا التطور السريع خاصةً وأن ما من مكوّن كنسي معزول عن هذا التطور بما فيه الرهبنة الأرثوذكسية المضطلعة بمسؤولية تقديم التقليد النسكي بشكل مسؤول ولائق على وسائط الإعلام الرقمية.

سلّط المؤتمر الضوء، ليس فقط على المشاكل الناتجة عن سوء استعمال الوسائط الرقمية، بل أيضاً على الفرص التي يمكن أن يُستفاد منها في العمل الرعائي، كما في حياة المؤمن الشخصية. نوقشت المشاكل التي تسببها طبيعة الإنترنت المعولمة والتي تحمل إلى الكنيسة الاتجاهات الشائعة في العالم وتفرض عليها مواجهتها. إلى هذا، كان المؤتمر شهادة ملموسة على الوحدة الكنسية وقدرة الكنيسة بتنوع لغاتها وخصوصيات مكوناتها على العمل معاً بوعي واستنارة، بالرغم من تعدد الإثنيات واختلاف الشخصيات الجماعية، إلا إن وحدة الإيمان والتقليد ووجود الجبل المقدّس أثوس كواحة روحية جامِعة، كلها تساهم في تجسيد الوحدة وإيجاد قنوات العمل المشترَك الذي يحمل الخلاص للجميع.

المقالات في هذا العدد هي مختارات من أعمال المؤتمر، تمّ اختيارها على أساس تقديم نموذج عن ما كان يناقَش وما تمّ الاتفاق عليه، علماً أن الرغبة كانت بنقل كل الأعمال لو أمكن.