نتائج المؤتمر الدولي الثاني

حول الإعلام الرقمي والرعاية الأرثوذكسية

في كوليمباري ، كريت

الدكتور نيكولاوس كويوس ، مراقب المحتوى، Pemptousia

صَوْتُ الرَّبِّ عَلَى الْمِيَاهِالرَّبُّ فَوْقَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ…الرَّبُّ يُبَارِكُ شَعْبَهُ بِالسَّلاَمِ” (مزامير 3:28، 11).

تم اختيار آخر نقطة في غرب مياه بحر كريت الزرقاء، تحت حماية ورعاية سيدة الملائكة، حيث الورع الذي لا ينضب في هذا النتوء الصخري في جزيرة كريت، مسقط رأس القديسين والأبطال، لاستضافة المؤتمر الدولي الثاني حول الإعلام الرقمي والرعاية الأرثوذكسية.

تحت رعاية قداسة البطريرك المسكوني بارثولوميوس، بالمحبة غير المحدودة للراعي المحلي صاحب السيادة أمفيليوخيوس، وبالبركة الأبوية واهتمام الجزيل الاحترام رئيس دير الفاتوبيذي المقدس، الشيخ أفرام، اجتمع 103 متحدثون من 17 دولة، إكليروساً وعلمانيين، يمثّلون جميع جوانب الحياة الكنسية. تركيز المؤتمر بشكل خاص كان على وظيفة الإعلام الرقمي وانتشاره في المجتمع المعاصر وفي التطورات داخل الكنيسة.

تم ّ عقد 25 جلسة في أربعة أيام ، من 17 إلى 20 حزيران 2018، إما كجلسات عامة أو بالتوازي. هذا لم يكن عملاً فذاً وحسب! إن جهود المنظمين وانضباط المشاركين الذاتي، وقبل الكلّ النعمة الإلهية، ساهموا جميعًا في المناقشة المثمرة للقضايا الجادة جدًا، ضمن نطاق زمني مقيّد بشكل خاص، نظرًا لحجم الموضوع الذي شمل موقف الكنيسة من العصر الرقمي ومقاربتها له.

في المؤتمر الأول، في أيار 2015 في أثينا، تمّ البدء بالعمل ووضع الأسس. الهدف، في المؤتمر الثاني هنا في كوليمباري، كان أن نبدأ في تركيب البنية من خلال مقاربة منتجة للمشاكل، بحيث تظهر الحلول للمشاكل والإجابات على الأسئلة.

لقد وضع المتحدثّون الرئيسيون أنثروبولوجيا الكنيسة الأرثوذكسية كأساسٍ للعلاج الرعائي لتحديات النظام الإيكولوجي الرقمي.

في هذا المؤتمر أيضاً، في الجلسات والطاولات المستديرة، تمّ تحليل المخاطر التي ينطوي عليها استخدام الوسائط الرقمية، ولكن هذه المرة بشكل أكثر تخصصاً. غالبًا ما تركّز الاهتمام على حالة الشباب الخاصة نظراً لقلة خبرتهم ونزعتهم الطبيعية نحو الإدمان. إن الخطوط الرئيسية التي قُدِّمَت على أساسها الاقتراحات هي إنشاء إطار للتعليم يعزز التمييز، فضلاً عن تنمية الشخصية، بدلاً من أي قمع عشوائي لاستخدام وسائل الإعلام الرقمية. في هذا المجال، تمّ التوافق على أنّ التعاون مع العائلة والمرشد الروحي جوهرِيين، كما هو اهتمام الكنيسة بالتربية الدينية. تمّ تقديم اقتراحات مثيرة للاهتمام حول استخدام التكنولوجيا الرقمية بهدف خلق ظروف تربويةنفسية مؤاتية لمساعدة الشباب على فهم وقبول المفاهيم الأساسية للحياة في المسيح. حتّى الملاحظات المتعلقة باستخدام الكنيسة للإعلام تمّت بنفس الروح.

عدد كبير من المتحدثين والحضور عَرَض لممارسة الصوم كوسيلة للتحكم الذاتي بأهوائنا وعاداتنا كطريقة لتحرير وتوسيع إدراكاتنا الحسية بهدف التعامل نسكياً مع استخدام الوسائط الرقمية. إن فضائل لوم الذات وفحصها، المستمدة من خزانة تقليد اليقظة الأرثوذكسي، قُدِّمَت كأسس لبناء شخصية مستخدمي الوسائط الرقمية كطريقة للتعامل مع شتى أنواع الإغراءات. عالج المتخصصون أسلوب التعامل مع الخدمات والتقارير الإخبارية الكنسية، والأخطار التي تكمن فيها، والطريقة التي بها ينبغي تقديمها، فضلاً عن القضايا الأخلاقية والمعنوية. كما وردت تعليقات جادّة بشأن العلاقة بين الكنيسة الرسمية والمبادرات الشخصية / المستقلّة في وسائل الإعلام الرقمية.

في مجال العمل التبشيري، تمّ تسليط الضوء على الفرص الجديدة التي تولّدها الوسائط الرقمية، بالنظر إلى أنها أحدثت تغييرات هائلة في الممارسات التي تم تطبيقها حتى الآن. وقد تمّ الأخذ بالمخاطر الناجمة عن المجموعات ذات التسمية الدينية أو الكنسية والتي تعزّز مصالحها الخاصة على حساب الإسم. كما قُدِّمَت اقتراحات لمبادرات من جانب الكنيسة تتعلق بمسائل ملحّة أخرى، كأخلاقيات علم الأحياء، التي ستشمل إنشاء لجان ومؤتمرات وبرامج خاصة.

أُثيرَت مسألة إذاعة الخدم الكنسية على وسائل الإعلام الرقمية، وتمّت الإشارة إلى واقع أن حالات معينة تخلق مشاكل كنسية ورعائية. لذلك ينبغي إعادة النظر في المسألة بروحِ معالجةٍ أكثر تبصراً من شأنها الحفاظ على قدسية الأسرار وحماية مستخدم الوسائط الرقمية من غواية هذا الشكل الضارّ من الاستهلاك الروحي الإعلامي.

أحد القواسم المشتركة التي يرتكز عليها وضع قواعد سلوكية صحفية كنسية أصيلة، من أجل استخدام تبشيري للوسائط الرقمية ونقل أعمال العبادة، هو تحقيق الحقيقة واحترام الحياة الأسرارية، دائمًا مع حماية الأفراد وحريتهم.

في روح ما سبق، تمّ الإعراب عن الحاجة إلى إنشاء وكالة أنباء للكنيسة تلبّي حاجة موجودة في المجال الأرثوذكسي. ولذلك أُعلن أنه، اعتبارًا من الخريف المقبل، سيتمّ تشكيل وكالة معلومات دولية جديدة تابعة للكنيسة، تحت اسم الأرثوذكسية“.

قُدِّمَ عدد من الأوراق التي تناولت وجود الكنيسة الرسمية على الإنترنت من خلال مواقع مختلفة لكلٍ من الكنائس. كان لهذه الأوراق قيمة خاصة. فقد لوحظ أنه على الرغم من الجهد الشجاع عموماً، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به لتستجيب هذه المواقع بشكل صحيح على المستويين الرعائي واللاهوتي. الملاحظات المقدّمة، حول عدم كفاية المصادر المتوفّرة بشكل رقمي لأبناء الكنيسة، الكتابية واللاهوتية منها على وجه الخصوص، كانت معبّرة. وقد تمّ تقديم اقتراحات قيّمة عملياً وجديرة بالثناء.

وفيما يتعلق بالترتيل، فقد لوحظ أنه تمّ تقبّل واستعمال كلّ التطورات التقنية عبر التاريخ: الكتابة والطباعة والإذاعة والتلفزيون. الوسائط الرقمية الحديثة تقدّم عدداً من طرق التواصل والأدوات الجديدة. إن الرد الرعائي على الأخطار المترصّدة باستمرار، تماشياً مع المقاربة المتبعة في كنيستنا، هو وجوب إيجاد حماية ضد التجاوزات المحتملة والحفاظ على التوازن المطلوب، بشكل يؤمّن أفضل استعمال لهذه الإمكانيات الهائلة.

أعطي وزن خاص في هذا المؤتمر لموضوعَي الذات والشخص في النظام البيئي الرقمي، سواء من الناحية النفسية وأيضاً، بشكل رئيسي، من وجهة النظر اللاهوتية والرعائية. الكثير من الأوراق المقدّمَة عالجت مفهوم الشخص/الذات كما تطرقت إليه مناقشات الطاولة المستديرة من خلال مجموعة متنوعة من المواضيع. لقد أُشير إلى أن التطرف في المحاكاة الافتراضية يمكن أن يؤدي إلى خلع الأشخاص أنفسهم وليس طبيعة الأشياء والحواس وحسب. يمكن أن يؤثر هذا التطرف على الفهم الأرثوذكسي لكينونة الشخص ويتسبب بتغييرات مؤلمة في الهوية. في وضعنا المعاصر، تنطوي المحاكاة الافتراضية المسرِفة على خطر الإنسانية المتحوّلة (trans-humanism)، ومن ثمّ ما بعد الإنسانية (post-humanism)[1]. إذا كان للكنيسة أن تستخدم إمكانيات وسائل الإعلام الرقمية الهائلة في عملها الرعائي، فإن صمام الأمان الذي يجب أن تلجأ إليه هو التقليل المتوازنمن استخدام وإنتاج التصوير الافتراضي (virtual imaging).

تمّ التطرّق إلى مسألة الذكاء الاصطناعي المحتدمة حول البحث عن ذكاء شكلي وحتمي من شأنه أن يتمكن من حل المشاكل الروتينية من خلال تعزيز قدرات الدماغ البشري المعرفية. يوجد اليوم أسئلة تتعلّق بطبيعة هذا المشروع، كما حول بعديه الروحي والأخلاقي. ركّز الاختصاصيون بشكل خاص على حقيقة أن القدرة الهائلة على معالجة البيانات ستنتِج قوة لكنها لن تُترجَم إلى معنى من دون البشر. إن مركز الثقل في أي اعتبار لهذه المسألة هو في الشبكة الدلالية، أي بعبارة أخرى في البشر أنفسهم. على هذا المستوى، لا يمكن استبدال الشخص البشري، وهو يحمل المسؤولية الكاملة عن إغداق المعنى على استخدام الذكاء الاصطناعي كما على استعمال كل الإنجازات المتقدمة الأخرى للتكنولوجيا الرقمية.

إن الفهم اللاهوتي والروحي والرعائي لكلّ ما سبق يتحقق من خلال العلاقة بين الله والناس. وبقدر ما تؤثّر هذه العلاقة على الشخص البشري وتلهمه وتوجهه، فسوف نجد طرقًا لاستخدام النظام البيئي الرقمي الذي سيكون مناسبًا لخلقنا على صورته ولدعوتنا لنكون على مثاله. في هذا المؤتمر، تمّ تسليط الضوء مرارًا وتكرارًا على حياة الكنيسة الأسرارية الصلاتية المُحِبّة، باعتبارها العنصر الأساسي في الاستخدام الصحي والأصيل والمنتِج لوسائل الإعلام الرقمية. في المقابل، احتُرِمَت قيمة معرفة الخبراء كما الحاجة إلى التحديثات المستمرة التي يقدمها الأشخاص المؤهّلون في مناصب المسؤولية.

أُشير إلى سر الاعتراف كمعيار لاستخدام الوسائط الرقمية من قِبَل جميع المسيحيين من كهنة وعلمانيين. إن فتح القلب في سر الأبوة الروحية يحمي مستخدم الإنترنت من ملذات الترويج الذاتي، وتنمية المواقف المثالية والتخيلية ورفض العلاقات الإنسانية الطبيعية. ولهذه الأسباب تم التعبير عن الموقف الموحّد بأن الوسائط الرقمية يمكن أن تقدم خدمات قيّمة للتوجيه الروحي، ولكن لا ينبغي أن تحلّ محل سر الاعتراف في أي حال من الأحوال.

لم تنتهِ اتصالاتنا ومناقشاتنا هنا. لقد قيل الكثير ولا يزال هناك الكثير الذي يتعيّن مناقشته في المستقبل. لذلك سنستمر تحت رعاية الاتحاد الدولي للإعلام الرقمي للرعاية الأرثوذكسية، الذي أعلن عنه مدير Pemptousia ، السيد نيكولاوس غوراراس في مقدمته.

خلال فترة وجودنا هنا، شهدنا حقيقةً أن العالم الرقمي هو محيط ذي مياه كثيرة. إذا كان الناس، وسطاء الخطاب في هذا العالم الرائع، يدركون أن هدفهم هو في التئام وتوحيد أقنومهم بالمسيح، فالربّ عندئذ سوف يبارك النظام البيئي الرقمي ويحوّله إلى زمان ومكان للسلام متمحوراً حول الملكوت الآتي.

هذا المعنى تَعَزّز على مدى الأيام الماضية من خلال سر اﻹفخارستيا الإلهية في دير غونيا، في بيت سيدة الملائكة، الذي احتفل به الشيخ أفرام الجزيل الاحترام رئيس دير الفاتوبيذي الكبير.

شكراً

[1] Transhumanism (يُشار إليها باختصار H + أو h +) هي حركة فكرية تهدف إلى تحويل الحالة البشرية من خلال تطوير وإتاحة تقنيات متطورة على نطاق واسع لتعزيز العقل البشري وعلم الأعضاء ووظائفها. يدرس مفكرو هذه الحركة الفوائد والمخاطر المحتملة للتكنولوجيات الناشئة التي يمكن أن تتغلب على القيود البشرية الأساسية كما القيود الأخلاقية لاستخدام هذه التقنيات. إن أهم نظريات هذه الحركة هي أن البشر قد يكونون قادرين في نهاية المطاف على تحويل أنفسهم إلى كائنات مختلفة بقدرات تمتد إلى حد كبير أبعد من الوضع الحالي فيستحقوا تسمية كائنات ما بعد الإنسانية post-humanism.