ما هي الكنيسة؟

بندلايمون تومازوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ما هي الكنيسة؟ كيف نعرّفها؟ من الصعب تعريف الكنيسة والحياة، لأن ما يُحدَد يُقيَّد. يمكن وصف الكنيسة فقط من خلال لغة الصور، كالكرمة، جسد المسيح، أو قطيع من الأغنام العقلية. عندما نسمع هنا كلمة كنيسة، عادة ما تتبادر إلى الذهن صورة الكهنة بشكل تلقائي وغريزي. عن وعي أو لاوعي، نحن نساوي سرياً الكنيسة بالأساقفة والكهنة فيما نقبل في الوقت نفسه دوراً دون ذلك للشعب الذين يخضعون لهيمنة سلطة الكاهن أو الرؤساء. لا يدرك الذين يقبلون هذه المفاهيم المشوّشة أنها نتاج اللاهوت الغربي وأنها أبعد ما يكون عن تقاليدنا الأرثوذكسية. بالنسبة للتقليد الأرثوذكسي، فإن أي فصل من هذا القبيل بين الإكليروس والعلمانيين إلى فئتين داخل الكنيسة الواحدة غير القابلة للانقسام أمر لا يمكن تصوره. لا تتكوّن الكنيسة من الكهنة بمفردهم، ولا من العلمانيين وحدهم، بل إن كلتا المجموعتين معاً متحدتان في جسد واحد مع الرب يسوع المسيح كرأسه.

ليست الكنيسة منظمة، أو جمعية للناس ذوي العقول المتديّنة، أو مجموعة من الناس أصحاب الاهتمامات الماورائية، طائفة من المختارين الذين في وقت ما في المستقبل سوف يفرحون لهلاك المُدانين بالجحيم، ولا هي نادٍ اجتماعي يهدف إلى الرضا المادي وأعمال الخير. الكنيسة هي شركة كائنات عقلانية وذكية مع الله، جسد أولئك الذين يقبلون ألوهية يسوع الناصري. يكتب القديس مكسيموس المعترف أن الكنيسة هي نموذج وصورة الله ، لأن لها نفس مهمته“. كما أن الله يجمع كل العناصر في الطبيعة معًا، ليخلق عالماً من الوئام الكامل والجمال الذي لا مثيل له، هكذا تقوم الكنيسة بتوحيد أعداد لا حصر لها من الناس تحت أنظار الله الفائق القدرة. تقوم الوحدة والسلام اللذين يمنحهما الله على الإيمان. “بهذه الطريقة يتحد جميع الناس وينمون معاً في نعمة الإيمان البسيطة وغير القابلة للتجزئة“. الكنيسة هي شركة فعلية بين الله وبيننا، ليست مؤسسة، بل وسيلة تقود إلى الاشتراك في الله. بالطبع، للكنيسة جانبها المؤسساتي، لكن هذا ليس كل شيء.

الكنيسة واحدة، إنها جامعة ورسولية، ما يعني أن جذورها في ظهورات وإعلانات الثالوث الأقدس. “إن الكنيسة هي الخلق نفسه، ما يعني أن الله يُعرف فقط في الخلق والتاريخ، لأنه هناك يستعلن. من المستحيل أن يتغلب الناس على حدود طبيعتهم المخلوقة وأن يقتربوا من مجالات فوق الأرضي وفوق السماوي. أولاً، يأتي الله إلى العالم ثم يتحوّل البشر إليه بإرادتهم الحرة. لذلك، بما أن هناك حقيقة واحدة وخلق واحد فيتبع وجود كنيسة واحدة. من الناحية اللاهوتية، من غير المقبول القول بأن هناك العديد من الكنائس التي تدرك الله بطرق مختلفة. إن قبول وجود عدّة كنائس يعني قبول عدّة حقائق، ما هو غير منطقي وعاقّ وسخيف. للحقيقة دائماً الأولوية، لا لتمثيلها أو تفسيرها. الخلاص موجود فقط داخل الكنيسة؛ أي أننا فقط عندما نتبع طريقة حياة الكنيسة نخلص. بهذه الطريقة ، الأشخاص الذين لا يعرفون المسيح ولكن يتبعون مسار المحبة المسيحية سيتم الحكم عليهم بحسب ضميرهم وسيخلصون.

هناك بعض اللاهوتيين المعاصرين الذين، بحجة الاهتمام بخلاص العالم كله، يصفون الكنائس بأنها انحرافات عن المسيحية (آلاف الفروع والشيع البروتستانتية والكاثوليكية). فهم غير قادرين على فهم حقيقة أن الكنيسة هي الحقيقة بحد ذاتها الخلق والعلاقة والشركة بين الثالوث الإلهي والبشرية. ليست الكنيسة قبول بعض الكائنات المجردة المتعالية الإلهية والمقدسة التي نحن مدعوون للدخول في شركة معها بطرق ووسائل متنوعة. يجب أن نلاحظ أن حصرية الحقيقة توازي قبول الكنيسة الوحيدة الواحدة. جميع الطوائف المسيحية لديها شكل من التنظيم المؤسساتي، لكن هذا لا يجعلها كنائس. فقط أولئك الذين يحددون الكنيسة بالكهنة والسلطة الإدارية (غير المواهبية) هم بشكل عام قادرون على قبول وجود العديد من الكنائس“.