بندلايمون تومازوس

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في التعليم العقائدي الأرثوذكسي أنّ الملكوت والجحيم ليسا مكانين محددَين حيث الأبرار يُكافؤون والأشرار يُعاقَبون بعد الموت، ولا أن الجحيم هو منطقة من آلات التعذيب الماديّة. إن الملكوت والجحيم هما حالتان وشكلان للعلاقة مع ربّنا المعطي الحياة. علينا أن نوضح أن في الله قوةً واحدة كما أن فيه جوهر واحد ومشيئة واحدة. هذه القوة الخالِقة والتي تعيد الخلق تتضاعف عبر العمليات المخلوقة. وهكذا، بسبب الاختلافات في التلقّي والإيمان، كما التنوع في قدرات الفهم عند البشر، البعض يفهم قوة الله الوحيدة كمحبة، آخرون كرحمة، أو كعقاب، أو عدالة أو كراهية.

في الجوهر، هناك قوة الله الخالقة، التي يفهمها المُدانون ككراهية أو عقاب، وذلك بسبب نفوسهم القاسية، بينما المبارَكون يرونها محبة وسعادة وقوة وتعزية. وهكذا، فإن أصدقاء الله (المقدّسين) ينظرون إليه وهم مغمورون بسعادة لا يمكن تخيّلها، بينما المُدانون لا يرونه ويعيشون ألماً لا يعبّر عنه.

يقارن القديس باسيليوس الكبير بين جمال الشمس المخلوق وجمال شمس البِرّ غير المخلوقة، أي ملكوت الله. يمكن للإنسان أن يفهم بسهولةٍ الفرح الذي يختبرونه أولئك الذين يتأمّلون الشمس النوسية، وأيَّ حزن هو نصيب الذين لا يفعلون ذلك. تماماً كالذين يرون الشمس المخلوقة في هذه الحياة يشفقون على العميان الذين يعجزون عن هذه الرؤية.

يخبرنا الكتاب المقدس عن ألم الفجّار الذي تسببه النار الإلهية. أهي نار فعلية، كما يدّعي أوغسطين، أو صورة حية رمزية مأخوذة من الواقع المخلوق؟ إنه لواضح بالنسبة للأرثوذكسية أن نار الجحيم غير مخلوقة كمثل قوة الله غير المخلوقة. بالطبع، كان تبنّى اللاهوتيون السكولاستيكيون نظرةً، ولربما ما زالوا يتبنون النظرة نفسها، مفادها الاعتقاد بأن نار الجحيم هي فعلية وبأننا في الفردوس نرى جوهر الله. توما الأكويني، في الخلاصة (Summa )، يقول بأن عيني الإنسان الممجَّد قادرة على رؤية جوهر الله. من البديهي أن تفسيرات اللاهوتيين الغربيين مختلفة جداً عن نظرائهم الأرثوذكسيين. إن أي مزج أو مساواة بين اللاهوتَين الأرثوذكسي والغربي يؤدّي إلى استنتاجات خاطئة ويقود إلى مواقف لاهوتية غير صحيحة. إلى هذا، من الممارسات العلمية الخاطئة إسقاط الآراء الغربية على أنها أرثوذكسية أو العكس.

ليس الفردوس مجرد بقاء للوجود البشري بعد الموت، ولا هو حالة من الرفاهية. نحن نكتسب عدم الموت من خلال الاشتراك في الله الثالوثي الذي لا ينضب ولا نهاية له، وهو فوق كل هذا عملية من التحرر وحركة نحو الله ثابتة ولامتناهية. إنه كمالنا وتمامنا وتقدمنا نحو الكينونة على شبه الله. أمّا اللامتناهي، عندما يتعلّق الكلام عنه بالله، لا ينبغي فهمه فلسفياً. بحسب الفلسفة، الله هو الكائن، والحقيقة الموجودة بذاتها التي لا بداية لها ولا نهاية.

من جهة أخرى، في اللاهوت، هذا التحديد لغير المتناهي ليس كافياً لأن الله ليس غير متناهٍ وحسب بل وغير مخلوق أيضاً. كغير مخلوق، هو أيضاً لا ينضب: إنه يخلق ويعطي بشكل ثابت المادة لخلائقه، وهو ناشط أبدياً نحو دعم الخليقة. وبسبب لانهائية الله وكونه غير مخلوق، ما من أحد يشترك في الله ويمكن أن يكون مكتفياً، على الأقل في هذه الحالة الملكوتية أو في حالة الصيرورة كاملاً. لهذا السبب، في الحالة الملكوتية، لن يكون هناك أي شعور بالتخمة ولا أيّ حالة ثابتة بل بالأحرى تقدّمٌ مستمر وكمالٌ للكائنات العقلية عبر اشتراكهم في الله. اللاهوت الآبائي لا يعتبر تقدّمَنا في معاينة المجد الإلهي كمثل شيئ سحري أو ميكانيكي. الله هو الخالق وربّ الحياة. إنه يحكم في كل ما يتعلّق بالطبيعة، ولكن بسبب احترامه لاستقلاليتنا، لا يسيطر على إرادتنا الحرة. لهذا السبب، لا تقتصر القيامة على طائفة من المختارين، بل هي حقيقة كونية عامّة. الله يمنحنا الكينونة والصلاح. الكينونة تُمنَح من دون أن يسألنا، لكن الصلاح مشروط بإرادتنا. كما أن الله لم يسأل أحداً عن الخلق كذلك هو لن يسأل عن إعادة الخلق، وإبادة الموت وقيامة الموتى. الله لا يقدّس الإرادة بالإكراه. لهذا، الجحيم موجود كحالة البشر الذين أقيموا لكن إرادتهم غير صحيحة. الملكوت، من جهة أخرى، هو حالة الذين أقيموا بإرادة متقدّسة. إن إرادة أولئك الذين في الجحيم لا يمكن أن يقدسها الله بالقوة، لأنه، كما يشير القديس غريغوريوس اللاهوتي “الصلاح ليس صلاحاً إن لم يأتِ بطريقة صالحة”. لأنّ الله يحترم حريتنا، هو لا يتدخّل باستقلاليتنا. في النهاية، إن استعادة الطبيعة هي مهمة الإله الثالوثي، بينما شفاء الإرادة هو نتيجة التعاون بين الجنس البشري والنعمة الإلهية.