الأب أنطوان ملكي

جاء في خبر من وكالة سبوتنيك الكلام التالي: “أعلن مدير مجموعة الصداقة بين البرلمانيين الروس والسوريين، دميتري سابلين، أن الرئيس السوري، بشار الأسد، تحدث عن محاولات لفصل كنيسة أنطاكية في لبنان وسوريا من خلال مطرانية لبنانية مستقلة، مؤكدا ضرورة منع ذلك.” [1] أثار هذا الكلام المنقول عن لسان الرئيس السوري سلسلة من ردود الفعل، غير الرسمية، والتساؤلات خاصة لدى الأرثوذكس اللبنانيين حول معنى هذا الكلام ودواعيه ومندرجاته.

هذه الدراسة هي محاولة لوضع هذا الكلام في مكانه الدقيق على ضوء قراءة المتغيّرات الجيوسياسية التي سمحت في نشوء “الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة في أوكرانيا”، وما لهذا الأمر من تأثير على أوضاع الأرثوذكس في العالم، وخاصةً في المناطق التي تشهد تجاذباً بين الروس والأميركيين، كما في الشرق الأوسط تحديداً.

نشاط الدبلوماسية الأوكرانية

بدايةً، لا بدّ من الإشارة، من دون الخوض بالتفاصيل، إلى دور الدولة الأوكرانية في نشوء هذه الكنيسة، حيث أن الرئيس الأوكراني زار بنفسه القسطنطينية طالباً هذا الاستقلال مستنداً إلى تصويت قام به مجلس النواب الأوكراني. ولا بدّ من الإشارة إلى الدور الذي لعبته الدبلوماسية الأميركية على أعلى المستويات دعماً للأوكرانيين بالتصريحات والموفدين.

من جهة موضوع هذا البحث، تلعب الدبلوماسية الأوكرانية دوراً رئيسياً لتأمين اعتراف الكنائس الأرثوذكسية المحلية بالكنيسة المستقلّة في أوكرانيا، من دون أن توفّق بالضرورة إلى ذلك. فحتى الآن لا يعترف بهذه الكنيسة أي من الكنائس المحلية، ما عدا القسطنطينية التي أعطت الاستقلال مدّعية الحق الحصري بإعطائه.

ذكرت وكالة أخبار ريا نوفوستي في الثامن من تشرين الثاني 2018 أن الكنيسة الأرثوذكسية الفنلندية أصدرت بياناً تنكِر فيه ما جاء على لسان الرئيس الأوكراني حول دعم كنيسة فنلندا للكيان الكنسي الناشئ جديداً في أوكرانيا. وما جرى هو أن الرئيس الأوكراني أثناء زيارته لفنلندا قام أيضاً بزيارة رئيس الأساقفة، فأصدر مكتبه الإعلامي بياناً قال فيه أن الكنيسة الفنلندية تدعم إنشاء كنيسة في أوكرانيا مستقلّة عن الكنيسة الروسية. وقد استدعى هذا البيان ردّ رئيس الأساقفة [2].

في التاسع من كانون الثاني 2019، وبحسب وكالة رومفيا اليونانية التي تهتمّ بأخبار الكنيسة الأرثوذكسية، أصدر مكتب رئيس الأساقفة القبرصي بياناً رفض فيه ما ورد على صفحة سفير أوكرانيا في قبرص بأن كنيسة قبرص مستعدة للاعتراف باستقلال كنيسة أوكرانيا واستقبال رئيس أساقفتها الجديد أبيفاني. فقد زار السفير الأوكراني رئيس الأساقفة خريسوستوموس الثاني، ومن ثمّ أصدر بياناً حول الزيارة ذكر فيه هذه المعلومات التي نفاها مكتب رئيس الأساقفة وأكّد أن كنيسة قبرص لن تعترف بما جرى في أوكرانيا. [3]

وفي لبنان أيضاً، كتب سفير أوكرانيا مقالة نشرها في جريدة النهار في 9 كانون الثاني، ونفسها بالإنكليزية نشرتها الدايلي ستار في العاشر من الشهر نفسه، عنوانها “أوكرانيا تعود إلى حضن الكنيسة الأم الأرثوذكسية”. [4] تورِد المقالة سلسلة من المغالطات التاريخية والكنسية التي لا تعني هذه المقالة. أما قمة المغالطة في رسالة السفير الأوكراني فهي في المقطعين الأخيرين حيث يتحدّث السفير عن الكنيسة اللبنانية، ويتوجّه مكلّماً الأرثوذكس اللبنانيين طالباً اعترافهم بالكنيسة الأوكرانية، وكأنّ اللبنانيين هم غير الأنطاكيين الذين صدر عن مجمعهم وعن بطريركهم كلام واضح، في أكثر من مناسبة، يستبعد الاعتراف بالجماعة الناشئة. من جهة أخرى، الأكيد أنّ كلام السفير عن الكنيسة اللبنانية لا ينطبق على الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، وهي الأقدم في لبنان، كما أن الكلام السياسي عن الجيران الكبار لا يعكس موقف الأرثوذكس اللبنانيين تاريخياً وهم الذين عايشوا كل القوى التي مرّت على لبنان من يوم عرف لبنان الأرثوذكسية.

خلفية كلام الأسد

يقسّم هانتنغتون العالم في “صراع الحضارات” إلى عدة معسكرات ومن بينها المعسكر السلافي-الأرثوذكسي الذي يضمّ بشكل عام أوروبا الشرقية، ويحكي عن صراع الأرثوذكس مع المعسكرات الأخرى. بالاستناد إلى هذا التقسيم، يكون تدخّل الأميركيين في أوكرانيا، سياسياً وكنسياً، تأجيجاً لهذا الصراع. في حديث مع المغبوط الذكر الأب يوحنا رومانيدس أواخر تسعينيات القرن الماضي، حول صراع الحضارات، أكّد أن هذا الصراع قائم لكن جغرافيته تختلف قليلاً عمّا رسمه هانتغنتون. واعتبر الأب رومانيدس أن صراع الأرثوذكس مع الغرب حتمي، لأن الغرب بكل أجنحته وفروعه لم يخرج من العقلية الصليبية. وأبدى الأب تخوّفه من عدم صمود القسطنطينية أمام الضغوط والإغراءات الأميركية، كما ذكر بالأسماء والتواريخ والأماكن أشكال تغلغل الأميركيين في صفوف جماعات التقويم القديم، متخوّفاً من تحوّلهم في وقت ما إلى قوة تعمل على فرط الكنيسة الأرثوذكسية من الداخل مستغلّة تسميتها بالأرثوذكسية ومستفيدة من الدعم الأميركي.

من جهة أخرى، يتّفق الدارسون على أن ما كتبه هانتغنتون لم يكن اجتهاده الخاص، بل قراءته للرؤية الغربية لما سوف يكون العالم عليه [7]. ولتوضيح الرابط بين الأمور، ينبغي الانتباه إلى أن التعاطي مع الأرثوذكس في العالم ككيان جيوسياسي يؤدي حتماً إلى إعطاء الأولية للروس وليس للقسطنطينية صاحبة أولية الشرف، من حيث أن الكنيسة الروسية تشكل حوالي سبعين بالمئة من أرثوذكس العالم. من هنا، أن النظرة الغربية التي لا تفهم المجمعية فعلياً، تعتبر أن كسر الكنيسة الروسية هو كسر للمعسكر الأرثوذكسي، غير الغربي، خاصةً في ظل هذا التناغم الكبير بين الكنيسة والدولة. ومن هنا يُفهَم كلام ميتروبوليت بيريا سيرافيم، وهو لاهوتي وصاحب اختصاص في القانون والاقتصاد والعلوم السياسية، عن أن الأوكرانيين يزجّون بلادهم في ألعاب جيوسياسية بين روسيا والناتو. [5]

إن كلام رومانيدس النبوي في أواخر التسعينيات يظهر واضحاً اليوم في مجريات الأمور في أوكرانيا حيث عبّر الأميركيون على لسان وزير خارجيتهم [6] عن دعمهم لقيام الكنيسة المستقلّة بما تضمّ من جماعات منشقّة واتحاديين اجتمعوا تحت مظلة القسطنطينية، وتجري الآن محاولات فرضهم على العالم الأرثوذكسي، حتّى إذا ما مرّ هذا النموذج يُصار إلى تعميمه بشكل أو بآخر.

كلام الرئيس السوري

يتّضح مما أوردنا أنه فيما تسعى القسطنطينية وأوكرانيا اليوم إلى تأمين اعتراف الكنيسة الأرثوذكسية في العالم بالكنيسة التي أنشؤوها في أوكرانيا، يواكبهم الدعم الأميركي بهدف كسر علاقة الكنائس المحلية بالكنيسة الروسية حتّى ولو استدعى الأمر إنشاء كيانات مشابهة للكنيسة المستقلّة في أوكرانيا، بغضّ النظر عن القوانين الكنسية والوثائق التي تنظّم علاقات الكنائس فيما بينها. فأمام هذا الامتزاج غير الصحي بين السياسة والإدارة الكنسية ينبغي قراءة كلام الرئيس السوري على أنه سياسي استراتيجي صادر عن أعلى سلطة مقاومة للمشاريع الأميركية في الشرق الأوسط.

مندرجات هذا التصريح

إن أهمية هذا التصريح لا تأتي من مصدره وحسب بل من رمزية كنيسة أنطاكية كأقدم وأوسع وحدة في هذه المنطقة التي عانت التقسيم خاصةً منذ الحرب العالمية الأولى. لهذا، المعنى الأول لكلام الأسد هو وجوب التعاطي مع أي انقسام جديد على أنه تطوراستراتيجي، وضروري أن يُجابَه على هذا المستوى.

من جهة الأرثوذكس، من الممكن إهمال هذا التصريح على افتراض أنه لا يعنيهم بل قد يعني أي جماعة أخرى لأن في المنطقة أكثر من خمس جماعات تتخذ اسم كنيسة أنطاكية، على الرغم من حقّ كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية بهذا الاسم لكون كل الجماعات الأخرى قد انشقّت عنها. لكن البعض ىقد يرى أن هذا الكلام يعني الكنيسة الأرثوذكسية دون سواها لأنه صدر أمام الوفد الروسي الذي كان يضم رجال دين روس أرثوذكسيين. يبقى السؤال حول الكلام عن الأبرشية اللبنانية بينما في لبنان ستّ أبرشيات أرثوذكسية. وعليه يكون الكلام عن أن المعني هو أبرشية لبنانية محددة اجتهاداً غير دقيق، والقول بأن المقصود هو أبرشية بيروت كلاماً قاصراً، مع كل ما تبعه من تحليل يصنّف مطران بيروت في خانة السياسيين ويوصّف علاقته بهذا النظام أو ذاك.

في الوقت نفسه، لا بدّ من التوقّف عند بعض الأصوات التي وجدت في تصريح الأسد فرصةً للعودة إلى تكرار مقولة فصل الأرثوذكس في لبنان عن سوريا، وهي أصوات تعود إلى الظهور بين الحين والآخر لأسباب مختلفة. ففي السياسة، ينتمي بعض الأرثوذكس إلى خطوط سياسية موالية لأميركا فينادون بفصل لبنان عن سوريا في كل الأمور ومن بينها الكنسية. والبعض الآخر يؤمن بالقومية اللبنانية ويرى أن من حق اللبنانيين أن يكون لهم كنيسة لبنانية على غرار الكنائس القومية الأخرى. وأخيراً هناك مَن يقصّر في استيعاب أن للكنيسة وجهاً بشرياً فيسارع إلى تصنيف أحداث الكنيسة الداخلية ومؤسساتها على ضوء السوري-لبناني والكلام عن “البطرك السوري”، ما يولّد ردّات فعل يسهل استغلالها دعوات إلى الانقسام.

هل من خطر على أنطاكية؟

إذاً، ليس وارداً انقسام بطريركية أنطاكية الأرثوذكسية. هذا أمر واضح جداً في أذهان آبائها وأبنائها. كيف يقبل فصل لبنان عن سوريا مَن يعمل جاهداً على ربط أبرشيات أميركا وأوستراليا وأوروبا بالكنيسة المقيمة؟ لكن، هل يعني هذا أن قيام كنيسة مستقلة، تسمّى أرثوذكسية، غير وارد؟ هنا تكمن خطورة أن يقبل العالم بما جرى في أوكرانيا. فما سُمي كنيسة مستقلة في أوكرانيا هو ثمرة جهد سياسي محض، كما يظهر من كافّة الوقائع، ويؤكّد طبيعته ما تبعه من جهود تقوم بها الدولة الأوكرانية، وتصل حدّ اضطهاد الكنيسة الأصلية أحياناً. إن القبول بما جرى في أوكرانيا يعني أن إقامة كيانات دينية على أسس سياسية وبتدخل مباشر من السياسيين أمر مقبول، وهذا يهدد لا الكنيسة الأرثوذكسية وحسب بل كل المجموعات الدينية في العالم، خاصةً بوجود أنظمة كالبطريركية المسكونية مستعدة لخرق القوانين بمقابل شيء من السلطة أو المال. من هنا أن رفض الكنيسة الأنطاكية الاعتراف بالكنيسة الأوكرانية ليس تبعية ولا مراضاة للروس، بل هو، كما عبّر عنه المجمع الأنطاكي المقدّس في بيانه، وعياً لخطورة “التلاعب بالحدود التاريخية للكنائس” وما قد ينتج عنه ويتبعه من تفسّخ في العالم الأرثوذكسي، خدمة لمصالح سياسيين قصيرة المدى تخاطر بجسد الكنيسة الأبدي.

[1] https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201901171038327106

[2] https://ria.ru/20181108/1532325575.html

[3]https://www.romfea.gr/epikairotita-xronika/26319-arxiepiskopos-kuprou-auti-tin-stigmi-den-proexei-i-autokefalia-alla-na-min-dixastei-i-orthodojia

[4] https://www.annahar.com/article/923419

[5] http://www.romfea.gr/epikairotita-xronika/23908-peiraios-serafeim-i-ekklisia-den-prepei-na-ergaleiopoieitai-meso-geopolitikon-sxedion

[6] https://www.state.gov/secretary/remarks/2018/10/286795.htm

[7] Major Alex Osborn British Army (2005) The ‘Clash of Civilisations’ Thesis as a Tool for Explaining Conflicts in the Contemporary World, Defence Studies, 5:3, 394-400, DOI: 10.1080/14702430500492849