الميتروبوليت جاورجيوس، مطران نيكيا، أثينا

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

1. ما هي المواهب؟

المواهب هي الصفات المختلفة والهبات والودائع التي تلقيناها من الله. كل أنواع الأشياء، المختلفة في الجودة والكمية. شخص يتلقّى الكثير ، وآخر يتلقى أقل. هذا يتلقّى روحياً وفكرياً، والآخر مادياً.

الموهبة هي الثروة، الرتبة الكنسية أو المدنية، الموقع الاجتماعي، القدرات الروحية والفكرية المختلفة، الخطابة، الإنجاز الأكاديمي، التقنية الأدبية، كل أنواع الفنون، الصحة، الشباب، الصوت الجميل، المظهر الجذاب أو اللطف الفطري.

كما ذكرنا، لا نملك جميعًا المواهب نفسها. المهم أنه ما من أحد بدون أي “موهبة”. حتى ولو كانت واحدة فقط، فهي موهبتهم. حتّى ولو لم يكن عندهم أي شيء آخر، فلا تزال لديهم روحهم وهي لا تُقدر بثمن وخالدة.

إذاً، الله يمنحنا مواهبنا حتّى ننمّيها في حياتنا: حتى نستعملها لنمونا ولخير الآخرين. لكن هناك خطر ألا نضعها للعمل الحسن. هذا ما يخبرنا إياه المثل الإنجيلي. إثنان فقط من الخدام كانوا صالحَين والثالث أثبت أنه بلا قيمة لأن استعماله للمواهب لم يكن كالآخرَين.

2. كيف استُعملَت المواهب؟

أ. العمّال الصالحون اليوم

هناك أناس اليوم من نوع الخدام الصالحين ولكنهم للأسف قليلون ومتبدّلون، ولكنهم موجودون. الناس الذين يهبون المال لمساعدة المحتاجين، الذين يستغلون مواقعهم للخير العام، الخلّاقون والنافعون للمجتمع، الذين يستخدمون موقعهم الاجتماعي لجعل الأمور أكثر سهولة لمَن هم أقل يسراً، الذين يجعلون قدراتهم الفكرية في خدمة المجتمع ككل، الذين يسخّرون قدرتهم ونعمة الحديث عندهم بطريقة تنير الضالّ وتعيد الطائش إلى الاتجاه الصحيح وتقنع العنيد وتهدي غير المؤمنين، الذين يجعلون معرفتهم تقود إلى المزيد من الاختراعات التي تخدم المجتمع، وصحتهم تعبّر عن نفسها في الاهتمام بشؤون الجماعة، ووجودهم في واجهة أعمال المحبة والثقافة.

أي سعادة تجدها نفوسنا عندما نلتقي أشخاصاُ قادرين على إدارة هذه المواهب الإلهية بالشكل الصحيح. نحن نغار منهم ونفتخر بهم. إن مجتمعاً فيه مثل هذه الجواهر لهو مبارَك فعلاً.

ب. العمّال الفاسدون اليوم

لكن يا للأسف هناك المزيد من الفاسدين اليوم. العمّال الذين يدفنون مواهبهم هم الأغلبية. يلصقونها بالأرض وفي الوحل. أو أنهم لا يجدون أي منفعة فيها أو يوظفونها للشر. فقط انظروا! كم من المال يُنفق على الخطيئة؟ كم من الدموع يمكن تجنبها، وكم من الألم الناجم عن الحرمان يمكن تلطيفه؟ كم عدد المناصب الرسمية التي تستخدم لقمع الأقل حظاً، ووضع الفخاخ للأبرياء، وارتكاب جرائم فظيعة تتيح لغير الجديرين والوضيعين ممارسة السلطة؟ كم هي المقدّرات الأدبية التي وُضعت بتصرف الشيطان، لإغواء الشباب على الطريق الخاطئ، لتحطيم إيمانهم بالله وبمبادئ كنيستنا، لنشر الدعاية الكارثية المعادية للأرثوذكسية والملحدة، وللسماح بنشر سمّ الفساد والارتباك العام بحرية؟

كم هو عدد العروض الصادمة، والأغاني المنحلّة، والكتب التحريضية، والمجلات واللوحات غير الأخلاقية؟ كلها ثمار العقل البشري ونتيجة سوء استخدام “المواهب” التي منحنا إياها الله. وهكذا تضيع الكائنات الخالدة وتتسمم النفوس إلى الأبد، النفوس نفسها التي من أجلها ارتفع الربّ على الصليب.

إن أركان المجتمع تهتزّ، والأزمات اليومية تزداد، والناس يُدفَعون إلى حافة الهاوية، والأرض تمتلئ بالدموع والدماء والفواجع. يا له من عار رهيب!

ج. ماذا الآن؟

العقاب الرهيب “للخادم الشرير” يجب أن يعطينا وقفة للتفكير. الله يعطينا مواهبه، لكن في الوقت نفسه يضعنا تحت الالتزام. إنه يتوقع تعويضًا بأن نستجيب لكرمه، تمامًا كما سدّد جميع القديسين والشهداء في الكنيسة، وإلا فسوف يفرض علينا عقوبات فظيعة.

أنا مدين ببعض “المواهب” وانت أيضاً. إن كانت قليلة عدداً أو كثيرة هو سؤال آخر. ماذا فعلنا كلانا حتى الآن؟ كيف استعملنا الهبات والمواهب التي تلقيناها من يدَي المسيح الملك المقدسة؟ إذا ، لا سمح الله ، أثبتنا حتى الآن أننا “خدّام بطالون”، فمن الأفضل أن نفرز ذواتنا من دون المزيد من اللغط. أن نقوم بتغيير جذري فوراً ولمرة واحدة وإلى الأبد.

نرجو أن تكون بقية حياتنا مليئة بعبادة الله، والالتزام بكنيسته، ومحبة الفضيلة، والعناية والاهتمام بإخوتنا البشر. لا مزيد من التنازلات والالتزامات المذنِبة بل راسخون إلى النهاية حتى أبعد نقطة.

من ثمّ في يوم من الأيام سوف يسمع كلّ منا صوتَ الله قائلاً: “يا بنيّ، ماذا فعلت بموهبتك؟” ونكون قادرين أن نجيب: “يا رب ، لقد ضاعفتها”. بإذن الله.

* المثل الإنجيلي المذكور معروف باللغة العربية بإنجيل الوزنات. العبارة المستعملة في اللغة اليونانية القديمة هي Ταλέντο التي بحسب علم أصول الكلمات (Etymology) مشتقة من جذور هندية أوروبية لها علاقة “بالوزن”. Ταλέντο اليونانية قد تحمل أيضاً معنى الموهبة (بالإنكليزية talent ) أي نوع من البركات أو الغنى. هذا ونجد في أغلبية العظات والشروحات التي تتناول هذا المثل تركيزاً على المعنى الثاني أي “المواهب” بهدف الوصول إلى الاستنتاج التعليمي من وراء العظة أو التفسير. (المترجم)