الأب أنطوان ملكي

يتزايد عدد البلدان التي تسمح بحرق الأجساد أو تشجّع عليه، وهذا يطرح تحدياً لفكر المؤمن الأرثوذكسي. الواقع أنه من الصعب إيجاد آية إنجيلية محددة أو قول آبائي محدد يتناول عملية حرق أجساد الموتى بشكل تخصيصي، إنما موقف الكنيسة في رفضها لهذا الحرق ينبع بشكل اساسي من احترامها للجسد البشري، كما سوف يتبيّن من ما يلي عرضه.

رفض المسيحيون الأوائل حرق أجساد الموتى الذي كان عادة معروفة في بعض العالم الروماني واستمرّت في أوروبا العليا حتى وقت متقدّم. رفضُ المسيحيين الأوائل جاء من أن كل الذين يأتي الكتاب المقدس على ذكرهم قد دُفِنوا ولم يحرَقوا، حتّى حنانيا وسفيرة (أعمال 5). أول إشارة إلى الدفن في العهد القديم جاءت على لسان ابراهيم عند موت سارة، حيث توجّه إلى الحثيين قائلاً: “أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي” (تكوين 4:23). إذاً كان مستعداً لأن يشحذ مكان القبر ليدفن ميته وهذا يدل على أهمية أن يُدفَن الميت، حتى قبل أن يتعرّف البشر إلى القيامة. وفي العهد الجديد، مرتا ومريم دفنتا أخاهم الذي مات (يوحنا 11). يوحنا المعمدان أخذه تلاميذه ودفنوه. وأهم الذين دُفِنوا هو السيد نفسه الذي وضعه يوسف الرامي في القبر. إلى هذا، في العهد الجديد أكثر من قول للسيد .يؤكّد على اعتماد الدفن للموتى كما في قول السيد: “دع الموتى يدفنون موتاهم”…

من المعروف لدى مؤرخي الكنيسة أن المسيحيين الأوائل كانوا يعارضون بقوةٍ قتل الأطفال أو التخلي عنهم أو الإجهاض أو الانتحار لأنهم يؤمنون بقدسية الإنسان. وفي فكرهم، لا تنتهي قدسية جسد الإنسان عند موته. لقد نظروا إلى الإنسان كتاج خليقة الله، استناداً إلى تعليم كتاب التكوين عن أن الإنسان مخلوق على صورة الله (27:1)، وأنه ينقص قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ ويتكلل بمَجْدٍ وَبَهَاءٍ (مزمور 5:8)، وكما توجّه الرسول بولس إلى الكورنثيين بأنهم هياكل الله وأن روحه تعيش فيهم (1كورنثوس 16:3).

فبالاستناد إلى هذه النظرة الكتابية لجسد الإنسان، بالإضافة إلى الإيمان بقيامة الجسد، لم يكن المسيحيون الأوائل يرتضون تسليم الجسد، حتّى الميت، إلى أكثر الوسائل المعروفة دمارًا أي النار. لقد رأوا أن حرق الجثث ليس كتابياً، ولا يمكن تصوره إلا كعمل تدنيسي.

وقد استمرت هذه العقلية لقرون حيث حفظ المؤمنون المسيحيون حرمة جسد الإنسان، حياًً أو ميتاًً، وفوق هذا هم لم يروا أن جسدهم يخّصهم، وأنّ لهم الحربة في التصرف به.

أول كاتب كنسي عارض حرق الأجساد عن طريق الدفاع عن دفن الموتى هو فاليكس (Minucius Felix) الذي كتب حوالي عام 190 م: “نحن نلتزم العادة القديمة والفضلى أي الدفن في الأرض. انظروا إذأً كيف نتعزّى بأن كل الطبيعة تشير إلى القيامة في المستقبل” (الحوار 34). ترتليان هاجم حرق الأجساد معتبراً إياه عملاً قاسياً وعنيفاً (حول قيامة الجسد، 1). القديس إيرينايوس شدّد على الممارسة المسيحية للدفن في الأرض: “ولكن على الرغم من أن الجسد الميت يذوب في وقت محدد، بسبب معصيتنا في أول الزمان، فإنه يتم وضعه، كما كان في جوف الأرض…” (مقتطفات من كتابات إيرينيوس المفقودة، XII).

من الناحية القانونية لا يوجد قوانين تحدد موقفاً من حرق الأجساد ولم يتطرّق إلى هذا الموضوع أي من المجامع المسكونية. إنّما يوجد عدد من القرارات التي اتّخذتها مجامع لكنائس محلية في القرن العشرين في مواجهة مسألة حرق الأجساد التي تطرحها الدول عادة، منها كنيسة اليونان والروس خارج روسيا، إلى جانب عدد من الدراسات للاهوتيين معروفين. يرد في أكثر من واحد من هذه النصوص إشارة إلى القانون 87 للقديس باسيليوس الكبير حيث يحكي عن احترام الأشياء غير المكتوبة والتي لديها “قوة التقوى”، كمثل رسم إشارة الصليب أو اتجاه الكنيسة نحو الشرق أو التعميد بالتغطيس ثلاثاً، وعليه فإن دفن الموتى وإن لم يكن مكتوباً في نص صريح، إنما هو عادة لها قوة التقوى.

من هنا أن بالاستناد إلى القيمة التي تعطيها الكنيسة للدفن، بدءاً من خدمة الجناز، وصولاً إلى تبخير المدافن والاهتمام بها وبنائها بقرب الكنيسة، يُفهَم موقف الكنيسة الرافض للحرق. أمر آخر أيضاً تستند الكنيسة إليه في رفضها الحرق هو خبراتها مع الرفات أي أجساد القديسين، أمثال القديسين اسبيريدونوس العجائبي، جراسيموس كيفالونيا، باتابيوس المصري، أفرام الجديد، ديونيسيوس زاكنثوس، وعدد كبير من القديسين في دير الكهوف في كييف، وغيرهم. حيث أن هذه الأجساد ما زالت كاملة وما زالت تفيض بالعجائب.

يعلّم الرسول بولس بأن الأجساد هي هياكل الروح القدس، ما يعني أن الإنسان لا يملك جسده. ويقول القديس كيرللس الأورشليمي عن القيامة بالجسد: “تذكروا أن بهذه الهيئة سوف تُقامون من الموت للمحاكمة”. من هنا أن المسيحي ليس له أن يتصرّف بجسده بعد الموت، لا وهباً لأعضاء ولا حرقاً.

ختاماً، إن قيامة الأجساد هي حقيقة ثابتة في الإيمان الأرثوذكسي، ويعبّر عنها في دستور الإيمان: “تألّم وقًبِر وقام”. واضح من هذه العبارة أن القيامة تتبع القبر، لهذا لا مكان لحرق الأجساد في الكنيسة الأرثوذكسية، كما أن تجنيز الرماد غير ممكن.