من كتاب ثمار الروح – الفصل الثالث
كالينيكوس مطران بيريا
نقلته عن اليونانية: ماريّــا قبارة

“أما ثمر الروح فهو…،فرح”

الفرح الحقيقي

هناك نوع آخر من الفرح غير الفرح الذي تحدثنا عنه سابقاً وهو الفرح الحقيقي. هذا الفرح يعيشه ويتذوقه الإنسان المتجدد روحياً ويقدّمه الله له. إنّه فرح نقي ثابت ودائم، تخلقه في النفس محبة الله ومحبة المخلص، وكما يقول النبي حبقوق “أنا في الرب أبتهج، وأسرّ بالله مخلصي” (حبقوق18:3)، وفي هذا الشأن أيضاً يقول النبي إشعيا: “فرحاً أفرح بالرب، تبتهج نفسي بإلهي لأنّه ألبسني ثوب الخلاص” (اشعيا10:60). هذا الفرح يستحوذ على قلوب الصدّيقين وأصوات من فرح وابتهاج تُسمع في بيوت الأبرار هذا ما يرنمه داوود النبي في مزاميره الشريفة “صوت ترنم وخلاص في خيام الصدّيقين” (مز15:117). الفرح بالرب هو الفرح الحقيقي وبهذا بشّر ملاك الرب الرعاة الأطهار في عشية مولد المخلص “ها إنّي أبشركم بفرح عظيم، يكون فرح الشعب كلّه” (لوقا10:2). وقد تكلّم الرب يسوع كثيراً مع تلاميذه عن الفرح وقت آلامه الخلاصية “قلت لكم هذه الأشياء كلّها ليكون بكم فرحي فيكون فرحكم تاماً” (يوحنا11:15).
افرحوا بالرب! هذه هدية مخلصنا القائم من بين الأموات، الكلمة الأولى التي قالها المخلص عندما جمع تلاميذه بعد قيامته المجيدة: “افرحوا”: أي توقفوا عن الحزن، وأقصوا عنكم بعيداً كل تعب ومرارة، وكل ضيق وشدّة، فأنا قد سحقت الموت وحرقت كل زؤان سام، خلّصتكم من قدرة الخطيئة وفتحت لكم أبواب السموات، فطيروا بأجنحة الفرح دوماً
“آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلّى فينا” (رومية8:18)، ينتظركم مجداً سامياً في السموات، فهناك مسكنه الدائم المستديم، ففي الأرض ستتعبكم التجارب أمّا أنا فسأساعدكم بحمل أثقالكم. فلا تخافوا فأنتم أخصائي، وأحداً لن يستطيع أن يؤذيكم “ثقوا، إنّي قد غلبت العالم” (يوحنا33:16)
افرح بالرب! فالفرح أوكسجين النفس، فمن يفرح بالرب فهو ممتلئ بهجة روحية فائضة، لهذا يرشدنا الرسول بولس برسالته إلى فيلبي أن نفرح دوماً بهذا الفرح الذي بالرب “افرحوا في الرب دائماً، أكرر القول: افرحوا” (فيليبي4:4)، وهذا الكلام عن الفرح كتبه عندما كان سجيناً في رومية، ونعرف أن السجن يحطّم قوى الجسم، وبهذا يتابع ويقول: “يسرني والآن ما أعاني” (كولوسي24:1)، هذا هو الفرح الأعظم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “الفرح بالرب” هو الفرح الذي امتلكه الرسل، الفرح الذي يحمل ربحاً كبيراً للإنسان، ومن يعتبر أن نقاط الفرح الحقيقية تنبع من الله والأعمال البارّة فهو ذو رجاء ثابت غير متزعزع، هذا الفرح بالرب ثمرة حلوة جداً ويتولد في النفوس التقية المرتاحة بالروح القدس، لهذا هي فقط ملكية المؤمنين المسيحيين الأتقياء الصالحين، هؤلاء يتذوقون الفرح ويعيشون الإيمان الحقيقي للخلاص. والله بعنايته الإلهية يستودع عنده مشاكلهم ويغسل وحل نفوسهم بجرن الاعتراف، فهم يغتذون بخبز الملائكة؛ جسد ودم المخلّص، ويحتملون بفرح الرب تجاربَ الحياة، يعيشون برجاء ميراث الصالحات السماويّة ولهم أكاليل السماء، يقتنون عيوناً روحية ويشعرون بقوة ونعمة الروح القدس التي تقويهم وتشددهم، يفرحون ويفرحون بجوار ربّهم، غذاءهم المسيح وحضنهم الرب الذي يبتهجون وتطير قلوبهم به “شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني” (نشيد الأناشيد6:2)، قلوبهم دوماً هائمة من محبة المخلّص معشوقهم

Leave a Reply