دواءٌ للإدانة

أثناسيوس متروبوليت ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

لننظرْ في الفصل 45 من كتاب الحرب اللامنظورة للقدّيس نيقوذيموس الأثوسي حيث يتكلَّم على إدانة الآخرين.

الإدانة انشغالٌ نستسيغه. إلاّ أنّنا يجب أن ننتبه إلى هذه المشكلة، لأنّ الإدانة تجلٍّ لأنانيّتنا. إذا أدنّا إخوتنا بقساوةٍ ومن دون رحمة، فهذا يعني أنّنا ممتلئون من الأنانيّة، ويجب أن نباشر عملاً روحيًّا جدّيًّا. قال المسيح: “لا تدينوا، لكي لا تُدانوا” (مت 7: 1). ويتكلَّم الكتاب المقدَّس في مواضع عدَّة على الإدانة، ودائمًا ما يحذّر الآباء من خطرها.

إليكم ما يقوله القدّيس نيقوذيموس الأثوسي حول الإدانة: “من الغرور والزهو، يتولَّد شرٌّ آخر فينا، مسبِّبًا لنا الأذى، أعني الحكم على الآخرين وإدانتهم بقساوة، اللذَين بوساطتهما نحسبهم لا شيء، ونحتقرهم، وإذا سمحت مناسبةٌ، نذلّهم. هذه العادة السيّئة المتفرّعة من الكبرياء، تتغذّى وتنمو من هذه الأخيرة، لأنّ الكبرياء تزيد بعد كلّ إدانة، بسبب الإرضاء الذاتيّ الذي يرافقها”.

الكبرياء أُمّ الإدانة – هي الأنانيّة، والأنانيّة تَمركزٌ للشرّ في داخلنا، وبالتالي تقود الإدانة إلى انفصال الإنسان عن الله وتُسبّب تجارب عدّة. الإدانة تُدمّر الإنسان.

ذات مرّةٍ، أخبرنا الشيخ أفرام الكاتوناكي أنّ راهبًا عاش معه في إسقيط كاتوناكيا كان يقرع أجراسًا صغيرةً قبل صلوات الغروب والسَّحَر، كما يقرعون من أجل الخدم في الأديار، لكي يكسر نوعًا ما رتابة العيش في القفر. حين سمع أخٌ ناسكٌ يعيش في الجانب الآخر قرعَ الأجراس، أخذ يدينه. ثمّ عندما رأى الراهب الأوَّل نفْسَ أخيه تسقط بعيدًا عن نعمة الله بسبب الإدانة، حزن كثيرًا. حقًّا، إنّ الإدانة تُبعد عنّا النعمة والعناية الإلهيَّتين. تبدأ الإدانة بالكبرياء، والكبرياء ليست سوى غياب المحبّة. الإنسان المتكبّر لا يحبّ قريبه. وحين ندين إخوتنا، فهذا يعني أنّنا لا نحبّهم. فإذا أحببنا أخينا، لن ندينه. حتّى ولو رأينا عيبًا جليًّا في قريبنا، سوف نجد تبريرًا له ونستره. والمسيح ذاته، حين كان على الصليب يتهيّأ لتسليم روحه للربّ، فكّر بصالبيه. لم يتكلّم بالسوء عليهم ولم يَدِنهم، بل بالعكس، قال: “يا أبتاه، إغفر لهم؛ لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو 23: 34). لقد برَّر لهم.

رجم القدّيس استفانوس بالحجارة

إلى ذلك، قال استفانوس أوّل الشهداء والشمامسة، مع نَفَسه الأخير بعد أن رجمه اليهود: “يا ربّ، لا تُقم لهم هذه الخطيئة” (أع 7: 60). اهتمّ القدّيس استفانوس بألاّ تكون للناس خطيئةٌ أمام الربّ. تصرُّفُ القدّيسين هذا يشهد لمحبّتهم للآخرين. في النهاية، يسوع المسيح محبّةٌ حقّة، ومثالٌ لحياتنا، وكمالٌ لنا. لم يدِن قدّيسو الله حتى الشرّير نفسه.

قال القدّيس باييسيوس: لا يكفي أن أذهب إلى الجحيم بسبب خطاياي. سأذهب إلى الجحيم لأنّ حياتي الخاطئة تجربةٌ للآخرين، إذ إنّني أحرّض الشيطان نفسه. لو لم أكُن قد أعطيته سببًا، لَما أغواني، ولما تسبَّبتْ سقطاتي بسقطة هذا التعيس. أي أنّ القدّيس حسِبَ نفسه مذنبًا بخطيئة الشيطان، بأنّ الشيطان كان يزعجه ويقوده إلى الخطيئة، وبهذا كان الشيطان يَخطأ أكثر.

لم يَدِنِ القدّيسون قطّ، لا لأنّهم راقبوا ذواتهم عن كثب، بل لأنّهم امتلكوا محبّةً عظيمة. مثل أمٍّ لا تدين أولادها مهما فعلوا، بل تبرّر لهم. أتذكّر أمَّ ولدٍ مشاكسٍ كان قد اقترف بعض التصرّفات السيّئة، هي فعليًّا جرائم. جاءت هذه وأخبرتني عنه، باكيةً ومبرّرةً له: “يا أبتِ، أنا أمّ في النهاية. لا يمكنني أن أتركه”. فعلاً، لا يمكن لأمّ أن ترفض ابنها، أو أن تدينه، لأنّها أمّه وتحبّه. يجب أن نملك حبًّا والديًّا كهذا لأقربائنا وألاّ ندين أحدًا.

حين نتنبّه إلى أنّنا ندين قريبنا، علينا أن نفهم أنّنا نعاني من عدم النضج الروحيّ. فنحن لم نَصِرْ بعد أناسًا روحيّين وبالتالي نرفض الآخرين وندينهم بسهولة.

يقول القدّيس نيقوذيموس الأثوسي أيضًا: “عندما نمنح أنفسنا قيمةً عاليةً ونُعظّمها، نزدري طبعًا بالآخرين، مُدينين ومحتقرين إيّاهم، لأنّنا نخال أنّنا بعيدون عن النواقص التي نظنّها موجودةً في الآخرين”. نحن نعظّم أنفسنا. نظنّ أنّنا لا نملك أيًّا من نواقص أقربائنا. على سبيل المثال، يدين أحدهم إنسانًا مدمنًا على الكحول، قائلاً عنه أشياء كريهةً متنوّعة، وحاسبًا نفسه أعلى منه لأنّه لا يملك هذا الهوى. بالطبع، قد لا تكون مدمنًا يُسيء استعمال الكحول، ولكنَّك مدمنٌ عبر أهوائك وخطاياك الأخرى، التي قد تكون أسوأ من ذلك. في النهاية، كلُّ مَن يعظّم نفسه مذنبٌ أمام الله. إنّ الإنسان الذي يعي نواقصه الكثيرة لن يدين غيره. وبالعكس، كلُّ مَن يظنُّ أنَّه نقيٌّ، يشرع بسهولةٍ بإدانة الآخرين، ظانًّا أنّه حرٌّ من خطيئةٍ معيّنة. هو، منطقيًّا، يبدو نقيًّا، ولكن من وجهة نظرٍ روحيّة، ليس كذلك. هذه جريمةٌ ضدَّ وصايا الله.

في الواقع، هذا كلّه عمل عدوّ البشريّة، كما يكتب القدّيس نيقوذيموس قائلاً: “وهنا أيضًا، عدوّنا الكلّي الشرّ، حين يرى استعدادًا سيّئًا كهذا، يقف يقظًا بقربنا، ويفتح أعيننا معلّمًا إيّانا كيف نتابع بانتباهٍ ما يفعل الآخرون ويقولون”. تعبّر ملاحظة القدّيس نيقوذيموس هذه عن حقيقتنا بدقّة. ثمّة أناس، وغالبًا ما نجد أنفسنا من بينهم، يلاحظون باستمرارٍ نواقص الآخرين. هم مثل الذباب الذي يطير في الجوّ بحثًا عن القذارة. إلاّ أنّ القدّيس باييسيوس يقول إنّنا “يجب أن نملك مصنعًا للأفكار الجيّدة في داخلنا”، أي أن تنتج عقولنا أفكارًا حسنة، إذ حين تُنتج أفكارًا شرّيرة، يتشوّه كلّ شيء في داخلنا، وتعاني نفسنا وقلبنا وعيوننا وكلّ ما في داخلنا.

كيف يمكن لأحدهم أن يتعلّم إنتاج الأفكار الحسَنة؟ قبل كلّ شيء، يجب أن يجلس مفكّرًا: “يا ربّ، كم لديّ من أخطاء!” أتذكّر كيف كانت تتحوّل الحوارات مع الإخوة إلى كلامٍ حول أحدهم، فيقول لنا الشيخ يوسف الفاتوبيذي المغبوط الذكر: “يا إخوة، ألا تكتفون بخطاياكم؟ هل نحتاج إلى الانشغال بالآخرين؟ يجب أن نبكي خطايانا، وألاّ ننشغل بخطايا إخوتنا”. حَسِبَ القدّيسون أنفسهم خطأةً كبار. إنّ رؤية خطايانا وضعفاتنا تساعدنا على تجنّب الإدانة، فتهبط نفوسنا وأذهاننا وقلوبنا في مطار تواضع ربّنا يسوع المسيح، الذي سيضع أفكارًا رائعةً فينا.

أوّلاً، ينبغي أن ندرك أنّ كلاًّ منّا لديه خطايا عديدة. قد تختلف خطايانا عن خطايا قريبنا الذي ندينه، ولكنّ هذا لا يهمّ. ما يهمّ فقط هو أنّنا خطأةٌ أمام الله، وبعض خطايانا أسوأ بكثيرٍ من خطايا قريبنا. وقد يحدث أنّ أخانا الذي أخطأ تابَ عن خطيئته. عبر الإدانة، لا نتوب، وبالتالي نَخطَأ أكثر.

بعد ذلك، حين نشعر بعمق سقطاتنا وندرك مدى إثمنا، نتحسَّر بشدّة. وعندما نبدأ بالتحسُّر على خطايانا، نلتجئ إلى الصلاة ويبدأ العمل الروحي. حينها، تختفي كلُّ رغبةٍ في التفوّه بكلمةٍ ضدّ الآخر، لأننا بإدانته ندين فعليًّا أنفسنا ونُقصي عنّا نعمة الله.

القدّيس نيقوذيموس من الجبل المقدَّس (الأثوسي)

إلى ذلك، يقول القدّيس نيقوذيموس إنّك حين تنوي أن تدين، يجب أن تتذكّر “أنّكَ لم تُمنح السُّلطة وأنّكَ حين تعطي نفسَك هذه السُّلطة، تجعل نفسك مستحقًّا الدينونة في تلك اللحظة”. يتّضح أنّنا لا نملك حتّى الحقّ في الحكم، فكيف الإدانة، لأنّ سُلطة الإدانة هي فقط بيَد الديّان العادل – ربّنا، لأنّه وحده يعلم الأمور على حقيقتها الفعليّة. نحن نرى الأشياء من خارح. مثلاً، نرى شخصًا غاضبًا يصرخ ويلوّح بيديه، ولكنّنا لا نرى سبب تصرّفه على هذا النحو. لا نعلم أين وُلد، في أيّة أوضاعٍ تربّى، ما نوع الصفات الموروثة التي لديه، وما في نفْسه. ولا يمكننا أن نعرف عن توبته اللاحقة. وكما قال القدّيس باييسيوس: مَن كان سيرتكب عشرين جريمة ولكنّه ارتكب تسع عشرة فقط، تقدَّم خطوةً إلى الأمام. وبالعكس، قدّيسٌ سنحت له الفرصة ليصنع عشرين معجزة ولكنّه صنع تسع عشرة، هو أقلّ إرضاءً في عينيّ الله، مع أنّ معجزاته التسعة عشرة لها قيمة عظمى عند الناس. إذًا، حكم الله وحكم الإنسان مختلفان. يقول لنا الربّ في الإنجيل: لا تحكموا بحسب الظاهر، بل احكموا حكمًا عادلاً (يو 7: 24). ينبغي أن يكون حكمنا صالحًا، ولكنّنا لا نحكم كذلك.

قد تقول إنّ ثمّة أوقاتٌ نُرغم فيها على الحكم. هذا صحيح. الحُكم عمليّة عقليّة. أكنّا نرغب في ذلك أم لا، لدينا حُكمنا على الناس الآخرين أو الأشياء الأخرى، ولكن من الضروريّ أن نتأكّد من عدم تحوُّل حُكمنا إلى إدانة. على سبيل المثال، يأتي إلينا أحدهم عارضًا أن يبيعنا مخدّرات. وإذ لنا موقفٌ سلبيّ تجاه المخدّرات، نرفض. رفضي يعني أنّ الأمر غير مقبول بالنسبة لي. نحتاج إلى هذا النوع من التمييز. الأمر يختلف عندما أشرع بإدانة أحد بائعي المخدّرات، ناعتًا إيّاه بالنذل وما إلى ذلك. هذه إدانةٌ بالفعل. أمّا الحُكم الخالي من الهوى والخبث، فجيّدٌ لنا. لكي أفهم أنّ الواحد جيّدٌ والآخر سيّئٌ، يجب أن أحكم. الحُكم خاصيّةٌ طبيعيّةٌ للعقل – معيارٌ يساعدنا على تمييز الصواب من الخطأ.

ثمّ يقول القدّيس نيقوذيموس: “ومن الفعّال جدًّا أيضًا، ألاَّ تصرف من ذهنك تذكُّرَ شرّك الخاصّ، وأهوائك وأفعالك غير الطاهرة والشرّيرة…” العديدة والمختبئة، حتّى أنّ حياةً بكاملها لا تكفي لمعرفتها وشفائها – ولن يبقى وقتٌ كافٍ لتفحُّص خطايا الآخر.

يقول القدّيس نيقوذيموس أيضًا: “حين تحكم بقساوةٍ على العمل الشرّير الذي صنعه قريبك، اعلم أنّ جذرًا للشرّ ذاته موجودٌ في قلبك، وبحدّته يلقّنك كيف تتبصّر في الآخرين وتدينهم”. عندما يملك الإنسان هوًى، يراه في الناس كلّهم. وكما قال اليونانيون القدماء: “لا تحكموا على الجميع بحسب معياركم”. لنضرب مثلاً أنّ لدى أحدهم هوى السرقة، وحين يدخل غرفةً، يهمّ بالنظر إلى ما حوله وملاحظة أشياء متنوّعة. ثمّ عندما يرى إنسانًا آخر يتصرّف على هذا النحو، يقول إنّه سارق. فبقدر ما هو سارق، يشتبه بأنّ الآخرين كذلك. أو مثلاً، حين يرى شخصٌ شهوانيٌّ أناسًا يتواصلون بعضهم مع بعض ويتسلّون، يفكّر فيهم بابتذال. أمّا الروحيّون فيملكون نظرةً مختلفةً كليًّا. حتّى ولو رأوا عملاً شرّيرًا، لن تلاحظ أذهانهم أيّ سوء. تذكّروا مشهدًا من حياة المغبوط الشيخ يعقوب الذي من إيفيا، المعاصر لنا، الذي حين التقى بشابّ وفتاة يتبادلان القبل في الشارع، قال إنّهما إخوةٌ على الأرجح. لم يستطع ذهنه التفكير بأيّ شيء آخر، لأنّه كان إنسانًا نقيًّا. هذا ما تكلّم عليه المسيح قائلاً: “سراج الجسد هو العين، فمتى كانت عينك بسيطةً فجسدك كلّه يكون نيّرًا، ومتى كانت شريرةً فجسدك يكون مظلمًا” (لو 11: 34). إذًا، تُعلّمنا الكنيسة تجنُّب مراقبة الآخرين، لأنّنا بذلك ندمّر نظرنا ونرى قريبنا بعدسة الشرّ. نحن ننظر إلى الآخرين بعينين جسديّتين شهوانيّتين، أمّا عينا القدّيسين، فكانت مقدّسة ونقيّة، وحتّى عندما كانوا يرون عدم الطهارة، لم يلاحظوه.

“بفعلك هذا، ستوجّه نحوك السلاح الذي يدفعك الشرّير إلى استعماله ضدّ الآخر؛ وبدلاً من إصابة أخيك ستضمّد جراحاتك أنت”، يكتب القدّيس نيقوذيموس. إنّ فكرًا شرّيرًا يحثّك على إدانة أخيك وإذلاله وإقصائه، يجب أن يوجَّه باتّجاهك، وينبغي أن تقول في نفسك إنّني السبب في كلّ شرّ، ويجب أن أوجّه بصري إلى خطاياي وسقطاتي، لكي أواضع نفسي وآتي أمام الله.

“إذًا”، يقول القدّيس نيقوذيموس، “قِف دائمًا بخوفٍ ورعدة، خائفًا على ذاتك أكثر من خوفك على أحدٍ آخر. وكُن متأكّدًا من أنّ كلَّ كلمةٍ حسَنةٍ على آخر، وكلّ فرحٍ من أجله، هما فِعل الروح القدس فيك وثمره، وبالعكس، كلّ كلمة سوءٍ عليه والإدانة المحتقِرة إيّاه تصدر عن فسادك واقتراحات الشيطان”. هذا سرٌّ جيّد جدًّا قاله لنا القدّيس نيقوذيموس – أن نتعلّم التكلُّم بالخير على أقربائنا. عندما نُسأل عن الآخرين، يجب أن نقول فقط أقوالاً حسَنة، ولو بالغنا قليلاً. مَن يمدح أخاه يملك فضيلةً عظيمة. ثمّة قصّةٌ رائعةٌ في كتاب الآباء الشيوخ، كيف أتى بعض السائحين إلى شيخٍ في إحدى المرّات قائلين: “نحن نبحث عن الأنبا بيمن”. كان الشيخ ناسكًا عظيمًا. شرع بمدح الأنبا بيمن، قائلاً إنّه يجدر بهم حتمًا أن يلتقوا به، وحين يرونه يجب أن يطلبوا منه أن يصلّي لأجله. حين التقى السائحون بالأنبا بيمن، قالوا له: “أنبا، قبل أن نجدك، ذهبنا لنرى شيخًا يعيش بالقرب من هنا، وقال لنا أشياءً جيّدةً كثيرةً عنك”. فابتسم الأنبا وقال: “مَن يمدح أخاه هو أعظم من الممدوح”. للأسف، غالبًا ما يصعب علينا أن نمدح الآخرين في الحياة. من الأسهل أن نقذف بضعة جُملٍ مهينة. أو قد نقول: طبعًا، إنه جيّد، ولكن… ثمّ نبدأ بإخبارك لماذا “لكن”. لقد سلك القدّيسون على نحوٍ مغاير – مدحوا إخوتهم. كان القدّيس باييسيوس مثالاً حيًّا جدًّا على ذلك – لقد مدح الناس باستمرار، حتّى أولئك الرهبان الذين لم يكونوا الأمثلة الأفضل عن الحياة الرهبانيّة. دائمًا ما وجد القدّيس باييسيوس سببًا أو اثنين ليمدحهم، ويبرّر لهم، ويقول أمرًا حسَنًا لهم.

عندما تتعلّم مدح الآخرين، تعتاد تدريجيًّا على اقتناء أفكارٍ حسَنةٍ عن الناس. هذه العادة دواءٌ للإدانة، لذلك من النافع أن نتعلّمها ونستخدمها. ثمّة أشخاصٌ استطاعوا النموّ في هذه الفضيلة. أتذكّر أنّه كان لنا في المدرسة أستاذٌ اسمه الأب ديوجينيس، علّمنا ناموس الله. تكلّم هذا الأستاذ على الجميع بصيغة التفضيل. حين كان أحدهم يسأله: “أبونا، هل هذا رجلٌ صالحٌ؟”، كان يجيب: “صالحٌ جدًّا!”. “ولكن يا أبانا أنتَ دائمًا تقول هذا”. “كلاّ، هذا صحيح، هو رجلٌ صالحٌ جدًّا جدًّا”. “كلاّ أبونا، أنا لا أصدّقك. أنتَ تقول هذا عن الجميع”. “صدّقني، إنّه رجلٌ رائع”. بالفعل، كان الأب ديوجينيس نفسه رجلاً صالحًا جدًّا جدًّا. ولأنّه كان رجلاً صالحًا رأى الصلاح في الآخرين. لم أسمع منه قطّ كلمةً سيّئةً على الآخرين، لا لأنّه لم يلاحظ الشرّ، فهو لم يكن أحمقًا، كان متعلّمًا ذا ذكاءٍ وتمييزٍ عظيمَين. كان شخصًا نقيًّا، ولهذا رأى الناسَ أنقياء. ينظر الربُّ إلى العالم بمحبّة، لأنّه هو نفسه محبّة. وللكنيسة أيضًا هذه الخاصّية. انظروا كيف يُصوَّر في الأيقونات المُعذِّبون الذين عَذَّبوا الشهداء القدّيسين. لا خُبث على وجوههم، بل هدوءٌ معيَّن، مشابهٌ لهدوء القدّيسين. لماذا؟ لأنّ الكنيسة لا تريد أن ترى تصويرًا للأهواء في داخل الكنيسة. الكنيسة تريد أن ترى كلّ شخصٍ على صورة الله، حتّى ولو كان أسوأ الخطأة. الشيطان نفسه صالحٌ بحسب الطبيعة – أعماله هي السيّئة.

في الصوم الكبير، نقول باستمرارٍ صلاة القدّيس أفرام السريانيّ: “هَبْ لي أن أعرف عيوبي وألاّ أدين إخوتي”. من أجل تجنُّب الإدانة، علينا أن نرى خطايانا، وأخطاءنا، ونواقصنا. لنتمرَّنْ، نحن الذين نميل إلى إدانة الآخرين، على رؤية أخطائنا، ونتوقّف عن ملاحظة أخطاء الآخرين. وبذلك نجتذب نعمة الله ونُعتق أنفسنا من خطايا ثقيلة.

من ثمار الروح: الصلاح

من ثمار الروح: الصلاح

كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

نقلتها إلى العربية ماريا قبارة

أمّا ثمر الروح فهو…. الصلاح

الصلاح هو المحبّة العاملة. والإنسان الصالح هو الذي يحمل هموم الآخرين، فيقدم دواءً للمريض، وطعاماً للجائع، وكساءً للعريان، وعزاءً للحزين. هو الشخص الذي يعتني بالآخرين عناية ماديّة وروحية أيضاً. هو الشخص الذي يسير في خطوات المسيح؛ الذي كان يجول يصنع خيراً. فيسمع هذا الإنسان الصالح في اليوم الأخير، مع سائر المؤمنين الذين فعلوا الصلاح، القول: “تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت المعدَّ لكم منذ تأسيس العالم، لأنّي كنت جائعاً فأطعمتموني. وعطشاناً فسقيتموني. كنت غريباً فآويتموني. عرياناً فكسوتموني. مريضاً فزرتموني. محبوساً فأتيتم إليَّ. فيجيبه الأبرار حينئذٍ قائلين: يا ربّ متى رأيناك جائعاً فأطعمناك، أو عطشاناً فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريباً فآويناك، أو عرياناً فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟ فيجيب الملك: الحقّ أقول لكم، بما أنّكم فعلتموه بأحدِ إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم” (متى 34:25-40).

  1. الصلاح والاهتمام بالآخرين

يتحدث العهد الجديد عن سيدة فاضلة اسمها طابيثا: “كان في يافا تلميذة اسمها طابيثا (ومعنى اسمها غزالة) هذه كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحسانات كانت تعملها“. امتلأت هذه السيّدة من الروح القدس، فأثمر فيها روح الله ثمرة الصلاح. ومرضت طابيثا، فصلَّت الكنيسة من أجلها كثيراً، لكنّها ماتت، فغسَّلوها ووضعوها في عليَّة، وأرسلوا يستدعون الرسول بطرس. وعندما دخل الرسول بطرس حيث كانت ترقد طابيثا، وقفت لديه جميع الأرامل يبكين ويُرينه أقمصة وثياباً مما كانت تعمل طابيثا وهي معهنّ. فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلّى، ثمَّ التفتَ إلى جسد طابيثا الميت وقال: “يا طابيثا قومي“. ففتحتْ عينيها، ولمّا أبصرتْ بطرس جلست. (أعمال 36:9-43).

لقد ترجمت طابيثا صلاحها أقمصةً وثياباً، لم تعملها لأرملة واحدة، ولا لمجموعة أرامل قريباتٍ إلى قلبها، بل إلى كلّ الأرامل، لأنّ ثمر الروح فاضَ من شجرة حياتها، ليطعم ويُشبع كلّ من يقترب منها.. فإذا امتلأ قلبك بالروح القدس ستعمل الصلاح مع الجميع، مهما اختلفوا معك، لأنّ الروح القدس يملأك أعمالاً صالحة وإحسانات.

  1. الصلاح والاهتمام بخدمة المسيح

عندما يملأ الروح القدس قلوبنا ويسيطر على تصرفاتنا، نقوم بعملٍ صالح للربّ نفسه، ونقدّم عملاً صالحاً لخدمته. ويقدّم لنا الكتاب المقدّس مثالاً في هذا عن سيدةٍ سكبت قارورة طِيبٍ كثير الثمن على رأس المسيح وهو متكئ. وعندما رأى تلاميذ المسيح الطِّيب المسكوب اغتاظوا وقالوا: “لماذا هذا الإتلاف؟ لأنّه كان يمكن أن يُباع بكثير ويُعطى للفقراء“. فدافع المسيح عن المرأة وقال: “لماذا تزعجون المرأة؟ فإنّها قد عملت بي عملاً حسناًلأنّها قدَّمت تقدمتها، ولم يهمّها استحسان الموجودين أو انتقادهم. ولم يكن حكمهم عليها يغيّر شيئاً مما عزمت أن تفعله، فقد امتلكت محبة المسيح عقلها وقلبها، فلم يعد هناك شخصٌ آخر يستولي على تفكيرها أو مشاعرها إلاّ يسوع وحده. ولما أحبّته عملت به عملاً حسناً (متى 7:26-13).

إنّ الإنسانّ يميل بطبيعته وبعمله إلى الشرّ. قلبه خالٍ من كلّ صلاح لأنّ نفسه تأمره بالسوء، وهو لا يقدر أن يفعل أيّ صلاح إلاّ إذا غيَّر المسيح قلبه بعمل الروح القدس. أمّا الإنسان الطبيعي فلا يطلب الله ولا يُسرُّ بشريعته، كما هو مكتوب: “ليس بارٌّ ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً. ليس ولا واحد” (رومية 10:3-12). ومن واجب كلّ إنسان أن يقبل خلاص المسيح فيولد ولادةً روحية ثانية، من فوق، بعمل الروح القدس. وسيجازي الله من يولدون من فوق، لأنّهم سيثمرون ثمر الروح. “سيجازي كلّ واحدٍ حسب أعماله. أما الذين بصبرٍ في العمل الصالح، يطلبون المجد والكرامة والبقاء (سيجازيهم) بالحياة الأبديةمجد وكرامةٌ وسلام لكل من يفعل الصلاح” (رومية 6:2 و7 و10).

العفة، من ثمار الروح

العفة، من ثمار الروح

نقلتها إلى العربية ماريا قبارة

ماهي العفة؟

أمّا ثمر الروح فهو ….تعفف“.

إنّ العفة هي ثمرة الروح القدس الأخيرة، والتي تأتي كسقف للفضائل الأخرى. العفة بتعريفها البسيط هي الاستطاعة في ضبط كلّ شيء. الضبط في الطعام والشراب، في اللباس والنوم، في الضحك والسرور، وأخيراً ضبط الجسد على كلّ الدوافع غير المنتظمة.

العفة هي قهر الروح للجسد وتغلبها عليه. هي سيطرة الروح على المادة، وسيطرة الإرادة ضدّ الأهواء. هي السيطرة على ضعفاتنا وأذواقنا وحاجاتنا ورغباتنا الشرعية وغير الشرعية. فالعفة هي سيطرة الإرادة الصالحة على الإرادة الخاطئة. العفة هي تلك القدرة الرائعة التي تعطينا قوة استجماع الذات الداخلية في حدود المنطق والشرعية، وتجعلنا قادرين أن نحفظها من التطرف والمغالات والانهيارات غير المتوقعة.

العفة كثمرة الروح القدس، هي عفة على كلّ ما هو قذر“. بمعنى آخر ليس فقط عن كلّ ما ينتج عن الطعام، بل على كلّ شيء شرير“. فالعفة ثمرة طاهرة لتجديد روحنا الداخلية، وهي سقف كلّ الفضائل. فمن دونها لا قيمة لباقي الفضائل، ولن نستطيع أن تنمو وتثمر.

ما القول: عن إنسان لديه قدرٌ من المحبة، وفي الوقت نفسه هو مدمن للخمر؟ أو إنسان وديع وعنده طول أناة وقدرة احتمال، ولديه رغبة في فعل الخير والإحسان لكنّه عبدٌ للجسد ورغباته الخاطئة؟ فهل يوصف هؤلاء الناس من آخرين بأنهم للروح القدس؟ بالطبع لا. لأنهم لا يستطيعون أن يثمروا بفضيلة كاملة من دون قدرة السيطرة على الذات. لهذا تأتي العفة كفضيلة مكملة وجامعة وشاملة للكل، والتي من دونها وإن تواجدت الفضائل الأخرى تفقد قيمتها. فمن يُحرم من هذه الفضيلة الأساسية لا يستطيع امتلاك أخرى بالكلية، ولا يمكن أن يسكن الروح القدس في نفس تحيا تحت عبودية الجسد.

العفة في الطعام

نحتاج إلى عفة في الطعام تأتي تدريجياً. فالطعام له هدف وهو تغذية الجسد، زرع فينا الله غريزة الجوع لكي تعمل بنا بشكل أفضل، كما أنّه أعطانا لذّة التذوق لنأكل ونشكر بفرح في طعامنا. فهدف الطعام ليس التذوق وإنما تقوية وتغذية الجسد والمحافظة على صحته. إنّ لذة التذوق هي وسيلة تحريض للأكل. من سيأكل، إن غابت هذه الحاسة؟ اللذة في الطعام لذةٌ بريئة وهبها الخالق لأحبائه، وملأ حياتنا بلذّات وتنعمات كثيرة وهذا ما يجعل حياتنا مليئة فرحاً وبهجة، وهو بذلك يحرك فينا اهتماماً لنشتاق لتذوق حلاوات السماء التي تنتظرنا في الدهر الآتي.

إذا أكلنا بانتظام فإننا سنفرح في طعامنا شاكرين. وعلينا أن نطبق العفة في الطعام، ونأخذ ما يحتاجه جسمنا للعيش نأكل لنعيش، أم نعيش لنأكل، وإذا عكسنا شروط الأكل سيكون لدينا مشكلة فيزيولوجية أساسها الطعام، بحيث لا نفكر إلا فه ونسقط في خطيئة الشراهة التي هي غياب العفة في الطعام.

هناك مثل هؤلاء الناس كثيراً في المجتمعات. يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيليبي الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم…”(فيليبي19:3). ويقول في رسالته إلى أهل رومية لأن مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم“(روم18:16). من إلهه الطعام فهو يفتكر به ويعبده ليلاً ونهاراً . ويطلق عليه الجميع لقب الشَرِهونو عابدي بطونهم“.

يصوّر القدّيس يوحنا الذهبي الفم من يهتمّ بطعامه وبطنه دوماً بشكل دقيق لا نظير له فيقول: ” تشرق الشمس وتبسط أشعتها البرّاقة في كلّ مكان، ويخرج كلّ واحد إلى عمله. فالمزارع إلى محراثه، والنحاس إلى مطرقته، والمرأة إلى نسيجها وحياكة الثياب. أمّا ذاك المتعبد لبطنه فيشبه الخنزير حالما يطلع النهار يبحث عن شيء لاجتراره ليعيل به بدنه، ويطلب ليجد مائدة غنية ليعّدها لنفسه“(Migne 60, 255 ).

عزيزي القارئ، بالتأكيد تجد كثير من هؤلاء الناس حولك، فهم يتواجدون أيضاً في الطبقات المثقفة. همهم الرئيس هو الطعام، هو محور نقاشاتهم وبلسم قلوبهم. وعندما يجلسون إلى المائدة يأخذون بالتهام الطعام دون أدنى أدب في الطعام، يأكلون بأيديهم لكي يلحقوا أن يكلوا أكثر فأكثر، يفرغون الصحن تلو الآخر ولا يشبعون. وما أن ينهون طعامهم حتى تبدأ الاضطرابات المعوية من جراء عبء الطعام في البطن؛ فهم عابدي البطون. وهكذا نمط من الناس يثيرون ردات فعل نفسية لمن يراهم، فالناس الشرهين يدينهم الكلّ ولا يكنّون لهم أيّ اعتبار أو كرامة حتى من من شغل مناصب رفيعة، ويسقطون من عيون الرأي العام. والشعب عادةً يطلق عليهم ألقاباً مزخرفة ويكنّون لهم أسماء مزركشة ليميزونهم . يذكر القدّيس نيقوذيموس الآثوسي في كتابه نصائح في كتابأمثلة عديدة من التاريخ عن أناس كانوا عبيداً للشراهة (….ص201)

الاستعباد لشهوة اللذة التي لا تعود فقط إلى النهم والشراهة، وإنما إلى كلّ ما هو يعود إلى عدم القدرة على ضبط الذات. (ص202).

تتكبّد النفس إساءات كثيرة في تحديقها في الطعام، ويكون سهلاً لسقوط الإنسان في تجارب كثيرة يستغلها الشيطان يقول الآباء الشيوخ: “إذا لم تخرج الاستمتاع بالشهوة من النفس، فذهننا سينسحق في حربه مع الشيطان” (ص63).

الأمر الأسوأ هو عدم ضبط النفس في الطعام والذي يقودنا حتماً إلى الشهوات واللذات الخاطئة. يقول القدّيس سمعان المترجم أنّ الشراهة والنهم في الطعام هما مصدر وجذر الخطيئة الجسديّة. فمن السهل ضبط النفس والجسد إن كان المرء عفيفاً في طعامه وضابطاً لذاته، فبهذا يتجنّب الخطايا المتوَّحِلة. لأنّه حيث لا جذر، لا يكون هناك فرع أو غصن. وحيث لا يوجد نبع، لا ينحدر نهر. وهكذا عندما يبطل وجود الشراهة سيتوقف الخطر الذي يهدّدنا من السقوط في الخطايا الجسديّة. ” ابتعد عن الشراهة؛ فهي أمّ وجذر ونبع كلّ فجور. الشراهة صنبور الفسق النتن، والعهر العفن. اعتقل واهرب من الشراهة حتى لا تكون جذراً وجوهراً للنتانة، فمن دونها لن ينحدر أيّ نهر أو نبع غير معروف المنشأ. بطل الفجور ببطلان الشراهة (سمعان المترجمص92).

إنّ الشراهة أهلكت كثيرين كما يقول الكاتب الكنسي نفسه موضحاً بأنّ الشراهة والنهم هما صنبور يجري منه الوحل والطين، وهما نهر يجري بالأهواء والخطايا الموحلة، وهما رأس كلّ فجور، وولادة كلّ الشرور“. (سمعان المترجمص99).

يشبّه القدّيس باسيليوس الكبير وفرة الطعام وغناه بالدخان الكثيف المتبخر بالرائحة الكريهة، وكمثل سحبٍ داكنة تواري في طياتها إشراقات الروح القدس. (مقال للقدّيس باسيليوس الكبير حول الصوم).

وكما أشرنا سابقاً، لا يمكن زرع الصالحات بغياب الروح القدس عن النفس، بل تنبت الأشواك والطفيليات. فالشراهة وكثرة الطعام تقتل الجسد كما أنّه تقتل النفس. يقول إيباكراتوس: ” البدين يموت أسرع من النحيف“. بمعنى آخر، البدين بسبب كثرة الطعام يتجه أسرع إلى الموت من النحيف. ويؤكّد الأطباء بأنّ الغذاء المعتدل مع ما يحتويه من طاقة حيوية أمّ الصحة. “أمّ الصحة هي غذاء معتدل، وبها لا آلام ولا كسل“. يؤكّد القدّيس سمعان المترجم على حقيقة هذا الأمر ويضيف عندما تكون الأمعاء مليئة ومنفوخة بالطعام، يخف النوم وتتدهور الصحة” (سمعان المترجم، ص95).

هناك مثل رائع يقول: “إنّ الشراهة والنهم تقتل أكثر ممّا يقتل السيَّاف“. يقول الجرّاح الشهير لا مبالٍ: “لنعيش سعداء يكفينا ثلث كمية الطعام فقط من كلّ ما نأكل“.

  • عندئذٍ سأله صديقه الذي شكَّ في كلامه: “وماذا ينفعنا الثِلثين الباقيين؟.

  • هذين الثِلثين ليعيش الأطباءأجاب الطبيب.

قيل قديماً: “أطباقاً كثيرة، أمراضاً كثيرة“.

يُحكى أنّ طبيباً فرنسياً مشهوراً عندما كان يزور مرضاه الأغنياء في بيوتهم، كان له عادة زيارة المطبخ أيضاً ليسلّم على الطباخ أو الطباخة بابتسامة والقول: “نحن الأطباء لكم ممنونون، فأكثرنا سيموت من الجوع من دون مهنتكم الرائعة“.

إنَّ الشراهة والنهم يهلكان ويدمران النفس وصحة الجسد معاً. فعدم الانضباط في الطعام يسبب الأمراض والبلايا. بأسناننا نحفر حفرة الموت. ينقصنا السيطرة والتحكّم على الذات وتغيب عن حياتنا العفة والتقشف، والاهتمامات والنمو الروحي إذ ذاك متوقف تماماً، أمّا دواخلنا فمليئة من رغد العيش فلا فرامل تلجمه ولا حدود تسيطر عليه. ونحن بحديثنا عن العفة في الطعام، لا يعني أن نأكل كثيراً أو قليلاً، أو نكون جائعين باستمرار ونقهر تركيبة الجسم. فالعفة وضبط النفس أن نأكل ما هو ضروري للجسم لا أن نبالغ ونفرط في الطعام فنقع في شراهة لا تنتهي. مع العلم أنّ الطعام البسيط والغذائي هو صحيّ اليوم أكثر من تنوع الأطعمة وكثرتها.

في المسيحيّة، العفّة في الطعام ليست قانون صحيّ بل قانون في الحياة الروحية. فالعفّة في الطعام تفيد النفس. ولهذا نظَّمت الكنيسة فترة الأصوام كتدريب على العفة والتي تجعل قوّة النفس جبّارة تكبح كلّ هجمات للجسد. يقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتي إنّ شرور وعيوب الجسد كافية، ومن الصعب السيطرة عليها. فالشعلة تحتاج إلى حطب أكثر ليبقى مشتعلاً. والوحش الضاري يطلب المزيد والمزيد من الطعام“.

إنّ خيرات الأرض التي أعطانا إياها الله للتمتع بها ضمن حدود المنطق، لا أن تكون غير مضبوطة. وعلينا عدم الالتصاق بالخيرات الأرضية لئلا تصبح بمثابة الجلّاد لنا. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: “إذا لم يمتنع المرء عن التلذذ وأكل اللحم مساءً، فالخطيئة ستتجذّر“. هوى الشراهة والنهم خطيئة عظمى.

العفّة في شرب الخمر

إنّ الإنسان الممتلئ من حضور الروح القدس إنسان عفيف تجاه شرب الخمور . فهو لا يشرب من دون ضبط، ولا يجعل من بطنه خزاناً للخمر، ولن يصل إلى حالة البؤس التي يعيشها الإنسان السّكير. فهو يعرف كيف يضبط شربه للخمر دون إفراط به.

يقول القدّيس باسيليوس الكبير الاعتدال في شرب الخمر أمرٌ ممتاز، يتوافق مع حاجة الجسد“. الخمر ليس بالأمر السيء إطلاقاً، فيكفي المرء أن يشربه بقدر معتدل لما يحتاجه الجسم. فمن يعمل أعمالاً يدوية وعضلية متعبة، الخمر يقوّي أجسادهم السابحة في التعب وعرق العمل. أمّا الذين يجتهدون فكرياً فهم يحتاجون إلى الخمر بنسبة أقل من أولئك العضليين. في كلّ الأحوال، كلّ الناس تستطيع أن تشرب الخمر القليل مع طعامهم، فهو غير محرّم من الشريعة الإلهية. إنّ بولس الرسول ينبّه تلميذه تيموثاوس بشرب القليل من الخمر ليساعده في أمراضه الكثيرة لا تكن في ما بعد شرَّاب ماء بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” (1 تيمو23:5). يقول داود النبي وخمر تفرّح قلب الإنسان” (مز15:104). ويقول سليمان الحكيم الخمر يفرّح الأحياء” (الجامعة 19:10).

إنّ الرب يسوع المسيح في عرس قانا الجليل حوّل الماء إلى خمر. فلو كان الخمر ممنوعاً لما صنع يسوع هذه المعجزة.

الخمر لا يمنع بالكليّة وإنما استخدام الإنسان له يجب أن يكون معتدلاً. ينصح الكتاب المقدّس لا تكن بين شريبي الخمر بين المتلفين أجسادهم” (أم20:24). فمن يشرب الخمر باعتدال يكون إنساناً عفيفاً في الشراب، أمّا من يشرب ويشرب من دون وعي أو حدود يكون غير ضابط لنفسه وهو بالتالي غير عفيف تجاه الشراب، وبالتالي هو يرتكب خطيئة. فالإفراط في استخدام المشروبات الروحية خسارة كبيرة للنفس والجسد تقود الإنسان للإدمان والسكر وهذا خطيئة مميتة.

لا تشرب الخمر إلى درجة السكر. “لا تنظر إلى الخمر” (أم31:23). و لا تكن بين شريبي الخمر” (أم20:23). غياب العفة في الشراب يجلب للإنسان هلاك حقيقي. من يفرط كثيراً في استعمال المشروبات الروحية يظلم ذهنه ويصبح قادراً في تلك اللحظة على ارتكاب جرائم مختلفة. فهناك جرائم حدثت من جرّاء السكر.

(ص:210 حكمة سليمان)

إنّ كثرة الخمر يقود إلى الفجور وإلى خطايا رهيبة، كما يقود إلى الكبرياء الأحمق، وإلى الوقاحة وقلة الاحترام والتهذيب. (حكمة سيراخ ص210).

يقول الحكيم سليمان: هناك أمران يبعدان عن الله وعن علاقتنا مع الآخرين، الأول هو الخمر، والثاني هو العلاقة غير الشرعية مع النساء الخمر والنساء تجعلان العقلاء أهل ردة” (حكمة سيراخ2:19).

إنّ الإفراط والإكثار في استخدام المشروبات الروحيّة من (خمر وبيرة وعرف وويسكي…) هو جريمة تقودنا إلى جرائم أخرى منها قلّة الأدب والفحشاء. ويؤكد القدّيس باسيليوس الكبير بقوله: “السكر يقود إلى الفجور“. يشدّد القدّيس بولس الرسول بأنّ الإفراط في المشروبات الروحية تفسد وتضلّ لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة” (أف18:5). فالسكر يقود إلى الهذيان واستخدام الكلمات غير اللائقة، وإلى الشتم والتعدّي والصراخ. يقود إلى الشماتة والقتل، فبه يُحَقّر الشخص تماماً ويلغي وجوده بين الآخرين.

يقول سينيكاس: “إنّ السكر تحقير إرادي وطوعي للإنسان“. يتوجّه سليمان الحكيم إلى الإنسان السكّير بقوله: من تناسبه الحسرة؟ أليس ذاك الإنسان المضطرب، المحبّ للنزاع، المداوم في المحاكم والرازح تحت وطئ القضايا!. من يهيّج الكراهة بالإقياء والكلام الأحمق البذيء، ويضيّع وقته في الثرثرة والغباوة؟ من يبقى وجهه شاحباً وعينيه متورمتين من قلة النوم؟ أليسَ ذاك الذي يمضي وقته بجانب الخمر! أليس أولئك الناس الذين يلتقون مجتمعين حول الخمر للشرب واللهو والتسلية! “لمَن الويل لمَن الشقاوة لمَن المخاصمات لمَن الكرب لمَن الجروح بلا سبب لمن ازمهرار العينين. للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج” (أم29:23-30).

يوبّخ النبي إشعيا مسرفي شرب الخمر بقوله: “ويلٌ للمبكرين صباحاً يتبعون المسكر. للمتأخرين في العتمة تلهبهم الخمر” (إش11:5). الويل لأولئك الذين ما أن يستيقظون من نومهم في الصباح يطلبون الشراب المسكر، ويبقون إلى أوقات متأخرة في الليل سكارى الخمر. هذا الخمر الذي يشربونه يحرقهم.

الإسراف في شرب الخمر شرٌّ مدمّر للإنسان بكليته؛ للنفس والجسد، فكثرة الخمور مسيئة لكرامة وجسد الإنسان، فهي تسمّمه وتقوده إلى الموت المبكّر.

يروى أنّه في مقبرة إحدى المقاطعات، ذهب حارس المقبرة لقضاء عمل ما. ويبدو أنّه قد ذهب إلى إحدى الخمّارات بعد أن كان قد أَوصد باب المقبرة ونسي المفتاح في الحانة التي لم تكن بعيدة عن المقبرة كثيراً، ومن شدّة سكره لم يستطع العودة ليسترجع المفاتيح، فكتب ملاحظة على ورقة وعلّقها على باب المقبرة تقول: “مفتاح المقبرة في الحانة“. وفيما بعد اعترف أنّه لم يستطع إيجاد عبارة مناسبة أكثر من تلك التي كتبها.

يقول القدّيس باسيليوس الكبير أنّ السكر يطرد الروح القدس كما يطرد الدخان النحل. فمن يسرف في المشروبات الروحيّة لا يستطيع أن يكون يوماً إنساناً يسكنه الروح القدس.

العفة في الرغبات الشريرة

نتيجة الخطيئة الجدّية لأول الجبلة ورثنا الميل للهوى والخطيئة. يميل الإنسان دوماً إلى الشرّ، فالشرّ يعجبه ويجذبه. “لأنّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك21:8). الجسد يتمرّد والرغبات الشريرة داخلنا تثور. إنّ هدف الغريزة الجنسيّة فينا إنشاء نسلٍ من خلال سرّ الزواج. وهذه الغريزة تتولد فينا مبكراً وتخلق مشاكل كثيرة تجعلنا نخالف قوانين الأدب والأخلاق. وإن نحن توّجهنا وراء ميولنا وأهوائنا سننجرف ووندمّر حياتنا، ونصبح كما الحيوانات غير العاقلة التي ترزح تحت غريزتها فقط من دون لجام. “الإنسان في كرامة لا يبيت. يشبه البهائم التي تباد” (مز12:49).

من يستسلم لشهواته وميوله الشريرة من دون ضبط للنفس، فهو يقلّل من قيمته وكرامته ويشوّه صورة الله فيه ويلغيها ويحقّر مشيئته، ويدنّس نفسه ليشبه الخنزير الذي ينجذب إلى خرنوبه. علينا أن نلتزم العفة وضبط النفس ولا ننجرّ وراء رغباتنا الشريرة. “لا تكن تابعاً لشهواتك، بل عاصٍ أهواءك” (سيراخ30:18). إنّ العفة هي الفضيلة البطولية التي تضع لجاماً لرغباتنا الشريرة وثورات ووثبات جسدنا غير المنضبطة، وتعطّل الفسّق والفجور وتجعل الإنسان عاقلاً مهذباً، نقيّاً وهادئاً وطاهراً ، مرضياً أمام الله.

إنّ العفة بالنسبة لأولئك الناس المتجدّدين بالروح هي فضيلة محببّة لديهم، فهي تمنحهم حياة لائقة كريمة، طاهرة وسعيدة. أمّا بالنسبة لأولئك الناس الجسدانيين، فالعفّة تدخلهم في الخوف، لذا يحاربونها ويكرهونها جداً. وهم يمقتونها ويشتكون منها بحجّة أنّها فضيلة مستحيلة التطبيق؛ وهم بذلك أناس ضالين.

العفّة ليست فضيلة مستحيلة التطبيق، وإلاّ لم يكن ليطلب الله منّا أن نكون مسؤولين عن علاقاتنا الأخلاقية، لم يكن ليهدّد في يوم الدينونة أنّه سيعاقب أولئك الذين يتركون ذواتهم تحت رزح الرغبات الشريرة وينجرفون وراء متطلبات أجسادهم. إنّ الله ليس ظالماً ليطلب منّا أن نحافظ على أمر فوق طاقتنا، والأهم هو أنّ الله نفسه يساعد ويقوّي ذاك الذي يريد أن يبقى نقياً طاهراً، فيعطيه نعمته ليجعله دائماً قوياً، أمّا في عيون الآخرين من ليس لديهم نعمة الله يرونه ضعيفاً.

إنّ نعمة الله تقوّي إرادة الإنسان المؤمن وتجعله قادراً على السيطرة على جسده أستطيع كلّ شيء في المسيح الذي يقوّيني” (في13:4). من يشعر بقدرة الله معه سيظفر بالعفّة ويعيش حياة نقاء روحيّة وبارّة.

من لا يعيش في علاقة حميمية مع الله ولا يطلب إلاّ الشهوّة واللذة في الحياة، يجرف نفسه من خلال رغباته غير المنضبطة ليكون عبدأ للذات الدنيا، ولهذا تغيب عنه فضيلتا العفة والسيطرة على الذات بالكليّة. ويحكم على الآخرين معتقداً أنّهم أيضاً يعيشون في عدم انضباط مثله. مثل هذا يثير الشفقة لأنّ جسدانيته لا تدعه يرى الأمور بوضوحها، ولا يستطيع مشاهدة السعادة الحقيقية عند الذين يعيشون حياة الروح القدس، ولا يدرك أهمية وعظمة ضبط النفس إلى جانب العفة التي تؤدّي إلى حياة سامية.

من ثمار الروح: اللطف

من ثمار الروح: اللطف

كالينيكوس، ميتروبوليت بيريا
نقلته عن اليونانية ماريّــا قباره

أمّا ثمر الروح فهو…. اللطف“.

إنّها فضيلة صعبة الاقتناء. تعطي الإنسان حياة جديدة ومحبة لا متناهية بالروح القدس. يقول بولس الرسول: “المحبة تتأنى وترفق“(1كور4:13)

لا يوجد إنسان لا يلاقي الإساءات من الآخر، فهناك من يسيؤون فهمنا أو لا يفهموننا بالمرّة، وهناك من لا يقدّرون خدماتنا. وعندما نفعل معهم خيراً يجازوننا بالشرّ. وهناك من نتوقّع منهم العَون فلا نجد إلاّ التحطيم. فلا تتضايق عندما تتوقَّع خيراً من الناس ولا تجد. وعندما يسيطر الروح القدس على سلوكنا يعلّمنا اللطف مع الذين يسيئون إلينا. “فالبسوا كمختاري الله القدّيسين المحبوبين أحشاء رأفاتٍ ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة، محتملين بعضكم بعضاً، ومسامحين بعضكم بعضاً إن كان لأحدٍ على أحدٍ شكوى. كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضاً” (كولوسي 12:3 و13).

قال بولس الرسول: “ظهر لطف مخلِّصنا الله وإحسانه، لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا، بيسوع المسيح مخلِّصنا” (تيطس 4:3-6). قال هذا وهو يذكر جيداً لطف الله عليه هو شخصياً، فقد أدركه وهو في الطريق إلى دمشق ليلقي القبض على المؤمنين بالمسيح هناك، فلم يتركه في شرِّه بل أدركه وخلَّصه. وكان بولس، حتى ذلك الوقت، يعتقد أنّه بار، لأنّه في غيرةٍ جسدانية كان يقاوم الكنيسة، ولكن لطف الله فتح عينيه على الحق، فجاهد في سبيل نشر الإنجيل،

وقال: “أسعى لعلّي أُدرك الذي لأجله أدركني المسيح يسوع” (فيلبي 12:3).

الإنسان اللطيف هو الذي يعامل كلّ الناس معاملةً رقيقة، وهو الذي ينفِّذ الوصية الرسولية: “معتنين بأمورٍ حسنة قدام جميع الناس” (رومية 17:12).

قال أحد الرواة: ” حدثت منافسة بين الشمس والريح، مَن منهما يستطيع أن يجعل المسافر يخلع معطفه. فأخذت الريح الفرصة الأولى وهبَّت بشدّة وعنف. ولكن كلّما اشتدَّ هبوبها تمسَّك المسافر بمعطفِه أكثر. وعندما فشلتْ الريح أخذت الشمس الفرصة وأشرقت بدفئها اللطيف، بغير عنفٍ ولا ضوضاء ولا إثارة أتربة، فخلع المسافر معطفه“. وهذا يعلّمنا أنّ الطريق لربح الآخرين هو اللطف. فإن كنّا نريد أن نربح أهل بيوتنا، وجيراننا، وزملاءنا، وأعداءنا، فلنأسِرهم بلطفنا ومعاملاتنا الرقيقة.1

لو أعطينا الروح القدس فرصة السيطرة على حياتنا، سيعلّمنا أن نكون لطفاء شفوقين متسامحين كما سامحنا الله في المسيح. وعند ذلك فقط سنقدر أن نربح قلوب الكثيرين كما كسب الله قلب يعقوب وداود وسائر المؤمنين.

1المترجم

طول الأناة

الفصل الخامس

طول الأناة

كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

نقلتها إلى العربية ماريا قبارة

الفضيلة الصعبة والثمينة

أمّا ثمر الروح فهو…. طول الأناة“.

إنّ طول الأناة من الفضائل النادرة. فالمرء لا يقتنيها بسهولة. وهناك حاجّة ماسّة اليوم لوجودها في عالمنا، وحاجة كبرى ليقتنيها الإنسان، فهي ستغيّر وجهة نظره، ستفتح أمامه أبواباً لفرص كثيرة، ستخلصه من معارك وتنهدات وأحزان متنوعة.

إنّ فضيلة طول الأناة نافعة جداً للحياة، فهي تعطي نعمة للنفس، ونعمة وفائدة لقلوب الآخرين. تطفئ نيران الغضب وتسكّن الألم، تبعد الخصومات والمشاحنات وتروّض التصرفات البريّة.

إنّها تلك الفضيلة التي تعطي قوّة نفسية تجعل الإنسان يحتمل الأمور بوداعة، ويصبر على الجور والظلم والإهانات والمضايقات من قبل الآخرين. يحتمل ويصبر من دون اضطراب أو بلبلة، من دون غضب أو سخط أو احتواء روح انتقام. فماهية طول الأناة في الإنسان نفس قوية، وقلب شجاع. عالمنا اليوم يتقدّس بثمر وبهاء الروح القدس.

إنّها فضيلة صعبة الاقتناء، يهبها الروح القدس للنفس المتجددّة الممتلئة من المحبّة والطيبة. فمن يحبّ يستطيع أن يتخطّى أخطاء الآخرين وهفواتهم، ويبررها وينساها المحبّة تحتمل كلّ شيء وتصدّق كلّ شيء” (1كور7:13).

طول الأناة قوة للنفس

تظهر طول الأناة الإنسان ذو عقل راجح، متزن مع رؤية واضحة لأموره. “بطيء الغضب كثير الفهم“(أمثال29:14). من يتحلى بفضيلة طول الأناة يكون هادئاً رزيناً بعيداً عن الضوضائية والصخب.

إنّ سريع الغضب يخلق النزاعات والمخاصمات والطعنات. أمّا طويل الأناة فيطفئ نيران المخاصمات ويهدئ الأرواح. طول الأناة قوة كبيرة للنفس، تجعل الإنسان أقوى من القوي والصلب البطيء الغضب خيرٌ من الجبار ومالك روحه خيرٌ ممّن يأخذ مدينة” (أم32:16).

إنّ هذه الفضيلة ضرورية الاقتناء للجميع، فهي ثمرة رائعة للروح القدس ووصية الله. على المرء أن يحتمل أخطاء وضعفات الآخر مطبقاً فضيلة طول الأناة.

بكل تواضع ووداعة وطول أناة محتملين بعضكم بعضاً في المحبة” (أفسس2:4). علينا أن نخرج الثوب الوسخ؛ ثوب حبّ الانتقام، وأن نلبس زيّ طول الأناة. “البسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفاتٍ ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناةٍ” (كولوسي12:3). مثالنا هو الانبياء والقديسون الذين شتموا واضطهدوا وانساقوا إلى السجون لأنّهم تكلّموا باسم الربّ، فصبروا واحتملوا من أجل الربّ بطول أناة.

طول الأناة تريد قلوباً منسحقة

لنكون طويلي الأناة علينا أن نتعلّم الغفران، وأن نكون مستعدين لنغفل عن أخطاء الآخرين، وأن نقبل باستمرار أخطاءهم.

الآخر يخطئ تجاهنا؟ ونحن أيضاً كم من المرات في اليوم نخطئ تجاههم. فكما نريد أن يكون الآخر طويل الاناة مع أخطائنا وعثراتنا، هكذا نحن أيضاً علينا أن نحتمل الآخرين. هل نريد من الآخر مسامحتنا؟ فلنفعل نحن ايضاً كذلك. أنريد ألاّ ينتقموا منّا ، وألاّ يغضبوا من عيوبنا ورذائلنا؟ فلنحتمل ونفعل نحن هذا أولاً، ولنتعلّم ان نسامح ونغفر للآخرين.

نحن أمام الله خاطئين باستمرار. ننغصّ الخليقة من حولنا بقساوتنا اليومية. نهين ونشتم صلاحه بخطايانا. لكنّ الله طويل الاناة لا يدمرنا مباشرة على أفعالنا، بل يحتملنا وينتظر توبتنا . وهو مستعد أن يغفر لنا ويسامحنا إن طلبنا رحمته. “فالربّ رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة“(مز8:103).

الربّ لا يعمل ضدّنا، ولا يرد عقوباته متوافقة مع مقياس خطايانا. يقول روح الله بلسان داود الرب طويل الروح كثير الإحسان“(عدد18:14). طالما أنّ الله يطيل أناته بشكل لا يحدّ.

السّلام، من ثمار الروح القدس

السّلام، من ثمار الروح القدس

كالينيكوس، ميتروبوليت بيرياس

نقلته عن اليونانية: ماريّــا إلياس قباره

السّلام، عطية الله: “أمّا ثمر الروح فهو، السّلام

السّلام هو الثمرة الحلوة الثالثة التي تتوّلد في نفوسنا من الروح القدس. وترتبط مباشرة بالثمرتين السابقتين وخاصّة بالثانية ألا وهي ثمرة الفرح. فلا يكون هناك سلامًا من دون فرح ولا فرحًا من دون سلام. فالإنسان الفرح هو سلاميٌ والإنسان المسالم ذو روح مرحة.

ما هو السّلام؟

هو سكون عالمنا الداخليّ، وراحة ضميرنا، وتصافي نفوسنا. السّلام هو عطية الرب القائم من بين الأموات الأولى لتلاميذه جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم: السلام لكم” (يوحنّا 19:20)، وهو سلام الله الذي يفوق كلّ عقل” (فيلبي7:4). أي أنّ السّلام هو كمال كلّ عقل، سواء للبشر أو للملائكة، إنّه عطية إلهيّة وقد تركه الرب لتلاميذه قبل الآلام سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب” (يوحنّا 27:14)، وبه تمنّى الرسول بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس أن يملك في قلوبكم سلام الله” (كولو15:3).

هذا السّلام وهبه رب السّلام وربّ السّلام نفسه يعطيكم السلام دائمًا من كلّ وجه” (2تسالونيكي 16:3)، مشيرًا عجيبًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السّلام” (اشعيا6:9). والذي جاء فبشركم بسلامٍ أنتم البعيدين والقريبين“(أفسس 17:2). وهبه مسيحنا والذي هو سلامنا” (أفسس14:2)، ورتّل ومجّد به الملائكة ميلاد الرب بالجسد المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي الناس المسرة” (لوقا 14:2).

هذا السّلام الذي تتمناه الكنيسة، دومًا، للمؤمنين في كلّ طلبة وخدمة مقدسة السّلام لجميعكم“.
السّلامُ هو حاجتنا للصلاة لله بسلام من الرب نطلبوالذي يقبله المؤمن ليطلب من الله العيش بقربه. هذا المؤمن يحبّ ناموس الله الذي يقوده في حياته فيُخضع الجسد للروح ولا يجعل قلبه يميل لاهتمام الجسد بل لاهتمام الروح لأنّ اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام” (رومية 6:8) فيأخذ سلامًا المبشر المخبر بالسّلامالمخبر بالخلاصقد ملك إلهك” (اشعيا7:52)

ويكون السّلام صلاحًا كبيرًا عندما نتمناه، فنشعر بالراحة والشكر وبحلاوة عذبة ونفرح في الحياة ونعيش جزءًا من الفردوس فيها. لأن ماذا سيأخذ المغبوطون في السّموات إلاّ السّلامَ الذي يولّد البهجة باستمرار؟ لكن عندما يغيب عن قلوبنا، عندئذٍ، نكون أناس غير محظوظين ونكون تافهين وسوداويين. تثقل الحياة علينا ونقاسي فيها ونتعذب ونعيش بجحيم بشع مشؤوم.

وأيضًا، في حين أنّنا نطلب السّلام من الله ليعطينا إيّاه نمنعه بشكلٍ كبير عندما لا نفهم أنّه علينا أن نبتعد عن شرورنا وأهوائنا وضعفاتنا ولا مبالاتنا الروحيّة التي تفصلنا عن إله السّلام” (1تسالونيكي 23:5). وقد صرخ إلينا الروح القدس بفم الرسول بطرس ليعرض عن الشرّ ويصنع الخير ليطلب السّلام ويجدَّ في إثره” (1بطرس 11:3). عندئذٍ فقط، نستطيع أن نقتني السّلام مع الله؛ ومع قريبنا، وأيضًا، نقتني سلامنا الداخليّ، فنبتعد عن الشرّ ونصنع الخير المرجو. فيعمل الإنسان الفضيلة مع المؤمنين والمحبّة لله.

الإيمان الحيّ والثقة بالله هو الدواء العظيم للحياة، ولكنّه يتطلب تعبًا، ويشّدنا ويجعلنا أقوياء في صعوبات الحياة الكثيرة التي لا مناصَ منها، ويجعلنا متفائلين ننظر إلى المدى البعيد للمستقبل فنرى السّماء وردية ونتغلب على لحظات الأحزان المريرة وعلى تجارب الحياة اليوميّة.

الإيمان بالله المحبّة والثقة في اهتمامه الحنّان يعمل فرحًا وسلامًا في قلوبنا. إنَّ أحمال ومرورة حياتنا كبير، ومن دون إيمان سنغرق في بحر القنوط واليأس، لكنّ الإيمان يولّد داخلنا الرجاء والصبر، والصبر يبزر فينا السّلام والفرح. لهذا، وإن كان المؤمن في وادي البكاء سيتذوّق الخيرات السماويّة ويهدأ ويتسالم وإن هبت من حوله ريح شديدة سيكون هادئًا مرتاحًا. المؤمن المسالم فقط من يحفظ السكون أمام مواقف الآخرين وتصرفاتهم المؤذية من يفرغون السّم والسوء أمام غيرهم.

دواء الحياة الأعظم هو الإيمان بالله، إنّه بلسم التعزية. فهو يثبّت خطواتنا وعكاز خلاصنا. الإيمان العميق بالمخلص الفادي يتطلب سلامًا داخليًا وفرحًا عظيمًا، به نجاهد ونقهر شكوكنا ونبتعد به عن القلق والاضطراب. يخلّصنا من الشكوك القويّة التي حولنا، ويذيب غمام اضطرابنا ويعتقنا من كلّ إدانة ويهدئ ضمائرنا. يخفّف أحمالنا ويمحي ديجور عتمتنا وينير خطواتنا. فنعمل باطمئنان في مسيرة حياتنا ونصبح قادرين على البقاء في السّلام حتّى في الصعوبات الكثيرة التي تعثرنا في هذه الحياة.

الحســـــــــد

الحســـــــــد

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

          مرض الحسد هو أحد أسوأ أمراض النفس. إنه يسبب عطباً كبيراً لنفس الشخص الحسود، كما أنه يسبب ضيقاً شديداً للآخرين. الشخص الواقع في قبضة الحسد لا يهتمّ لا بالأصدقاء، ولا بالأقارب، ولا بمقدمي الإحسان. عدم السعادة هي السمة المميزة للشخص الحسود. يقول القديس باسيليوس الكبير أن الصعوبة في هذا المرض هو أن الشخص الحسود “لا يستطيع حتّى التعرّف على مرضه، لكنه ينكس رأسه وينحني مضطرباً وينتحب ويفسده الشرّ بالكلية”. في الغالب لا يريد الشخص الحسود أن يعترف بمرضه أو أن يظهر جرح نفسه، وبالتالي يكون بائساً على الدوام.

         سوف نتناول باختصار هذا الموضوع المهمّ الذي هو، كما ذكرت، خطيئة بشعة تصيب المجتمع، حتى مجتمع المؤمنين. يوجد حسد في العالم وحسد في الكنيسة، حسد بين عامة الناس وحسد بين الإكليروس، حسد شخصي وحسد عام.

 1- ما هو الحسد

          الحسد هو بصورة رئيسية الحزن من سعادة القريب والفرح لتعاسته. يشير القديس باسيليوس قائلاً أن الحسد هو “غذاء المرض وألم إضافي للشخص الحسود”. عادة ما يكون الشخص الحسود قلقاً ومغلوباً بحزن لا يحتمل، ليس لأن أمراً سيئاً أصابه، لكن لأن أمراً سعيداً حدث لقريبه الإنسان. إنه لا يلتفت إلى بركاته الشخصية، ولا يشكر الله على الخيرات الممنوحة له كل يوم. لكنه بدلاً من ذلك، يتعذب بسعادة أخيه. إنه حزين لأن أخاه سعيد ويمتلك أشياء أكثر منه.

         الحسد هو جرح خطير، لأنه لا يوجد أي هوى آخر “يحطم نفوس الناس بهذه الدرجة”. إنه مرض خطير لأنه يولد من جذر كل الأهواء، أي من الكبرياء. يشير القديس ثالاسيوس إلى أن السمة المميزة لتقدير الذات هي الرياء والكذب، على حين أن السمة المميزة للكبرياء هي الوقاحة والحسد. بالتالي عندما نكون مغلوبين من الحسد، يكون من المؤكد أننا واقعون في قبضة أمه، أي الكبرياء. قد نبدو متواضعين، لكن كوننا حسودين فنحن متكبرون.

         يوجد أيضاً ارتباط قوي بين الحسد ومحبة المديح. إننا عادة ما نغار من الآخرين لأنهم يُمدحون بينما لا نُمدَح نحن. يقول القديس مرقس الناسك أنه أمر مميز أن الشخص الذي يمتدح شخصاً ما على شيء ما وينتقد شخصاً آخر على نفس الشيء يكون بلا شك مغلوباً بهوى الكبرياء والحسد. عادة ما يحاول مثل هذا الشخص أن يخفي الحسد في قلبه بتقديم المديح. هذا الأمر مميّز للخبث الذي يظهر به هوى الحسد نفسه. قد يسكن هوى الحسد خفية داخل أولئك الذين يمدحون الآخرين باستمرار.

2- كيف يظهر الحسد نفسه

          عادة ما يفحص الشخص الحسود حياة الآخرين ويحاول مقارنة حياته الخاصة بحياتهم.وهو عندما يدرك أن أخاه متفوق عليه، فإنه يَدَع هوى الحسد الرهيب يظهر ذاته. عادة ما تكون أول علامة على الهوى هي الاكتئاب، والضيق، والبؤس. “لا يفارق الحزن والقنوط الشخص الحسود أبداً”. تصبح المميزات البدنية والروحية للآخرين مصدراً للحزن والكآبة، بل وحتى ممتلكاتهم المادية تزعجه. يكون الشخص المصاب بالاكتئاب “مثل رجل عريان يُجرح من كل أحد”. إنه يتأذى بشدة بجرح نافذ. “تخترق كل هذه الجراح والإصابات أعماق قلبه” (القديس باسيليوس الكبير).

         عادة ما تجول عينا الشخص الحسود في كل مكان. إنه يراقب بعناية مستمرة لكي يجد أسساً يبني عليها اتهاماً. فهو يلاحظ كيف يتكلم الآخر ويتصرف. إنه مستعد دائماً لعمل تعليقات عليه، خصوصاً أمام الآخرين، بهدف التقليل من شأنه والزهو بنفسه في نفس الوقت. عندما يُمدح ضحية الشخص الحسود فإنه يكون مستعداً للاعتراض. إنه مستعد لقول: “قد يكون ذلك صحيحاً إلا أن …..”، ثم بعد ذلك يظهر الجوانب الخفية المحتملة في حياة الشخص الآخر مع نية واضحة لإهانته.

         يعطي أيضاً القديس باسيليوس الكبير وصفاً فصيحاً للمظهر الخارجي للشخص الحسود. إنها حقيقة أن أهواء النفس عادة ما تظهر نفسها في الجسد أيضاً طالما أنه يوجد ارتباط وثيق بين النفس والجسد. يقول القديس باسيليوس أن الأشخاص الحسودين معروفون جيداً من تعبيرات وجوههم. “تكون نظرتهم حادة كئيبة، ووجههم معبس، وجبينهم مقطب، ونفسهم مضطربة بهذا الهوى. وهم ليس لديهم مواصفات للحكم على ما هو صائب”. لا يجد الأشخاص الحسودون أي شيء جيد أو يستحق المديح في الآخرين. إنهم مثل الطيور المفترسة التي تطير فوق المروج الخضراء باحثة عن جثث الحيوانات، أو مثل الذباب الذي يترك ما هو نظيف ويتجه نحو ما هو ملوث. يرى الأشخاص الحسودون في الآخرين ما هو قبيح فقط، ويبحثون باجتهاد عن أسباب لانتقادهم، على حين أنهم في نفس الوقت يتغاضون عن الجوانب الجيدة في حياتهم.

         عادة ما يُظهر الغضب نفسه من خلال البؤس والحزن الذي يحرق قلب الشخص الحسود، وهو عادة ما يخفي ذاته خلال الجسد أيضاً. إنه يعبر عن نفسه أيضاً من خلال تصيد الأخطاء ويظهر ذاته من خلال استعدادنا لإدانة ولوم الآخرين. قد يكون هوى الحسد مختفياً بعناية وراء الحزن والميل للنقد. إنه مختفي أيضاً وراء مدح الآخرين.

 3- نتائج الحسد

          للحسد نتائج مروعة. قد نكون مبطئين في إدراك وجود هذا الهوى فينا. إنه قد يحزننا بنفس المقدار الذي تسببه باقي الأهواء، لكنه يشوه كل كياننا الروحي. نستطيع سرد قائمة نتائجه الأليمة.

         الحسد هو علامة على الحياة الجسدانية. إننا عادة ما نفكر في الحياة الحسية الجسدية على أنها تخص بعض الخطايا الجسدية التي نهتم بها كثيراً متغافلين عن الخطايا الأخرى. على كل حال، يعني أي هوى يتسبب في أن نفقد نعمة الله أننا جسدانيون في أذهاننا. أعمال الجسد هي عكس ثمار الروح القدس. يسرد القديس بولس أعمال الجسد ذاكراً الحسد أيضاً: “وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنا، عهارة، دعارة، نجاسة، دعارة، عبادة أوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزب، شقاق، بدعة، حسد، قتل، سكر، بطر، وأمثال هذه”(غل5: 19-21). يشدد القديس غريغوريوس السينائي على نفس النقطة قائلاً: “يكون المأخوذون تماماً بطرق الجسد، والمملوئون بمحبة الذات عبيداً للذة الحسية والباطل على الدوام. يكون الحسد أيضاً متأصلاً فيهم”.

         يكون كل أولئك المستعبدين للانغماس في الملذات وتقدير الذات، المتأصل فيهم الحسد، جسدانيين. من الواضح أن الروح القدس غائب عنهم.

         يكون الشخص الحسود أعمى روحياً. تكون عينا نفسه، أي النوس، عمياء ولا تستطيع تمييز الجيد من الرديء. إنها لا تستطيع حتى إدراك نعمة الله. النوس هو عين النفس التي ترى بها مجد الله. فإذا كانت هذه العين عمياء، فإننا نكون غير قادرين على معاينة الله لدرجة أن نكون أمواتاً. يقول القديس باسيليوس ببراعة: “يعمي الرب النوسَ الحسود لأنه يكون ممتعضاً من خيرات قريبه”.

         ينتهي الحال بالشخص المغلوب من الحسد بعدم الإيمان. ألم تكن هذه حالة اليهود المعاصرين للمسيح الذين أعماهم الحسد فأنكروه وبالتالي فقدوا إيمانهم؟ عادة ما يكون للحسد هذا التأثير على نفس المرء ويقوده لفقدان إيمانه. يقول القديس نيكيتا ستيثاتوس: “نقص الإيمان هو شر، وهو أسوأ مواليد البخل الشرير والحسد”. لو كان نقص الإيمان شراً بهذا الحجم، فلا بد أن يكون الحسد الذي يلده أسوأ بكثير. يضل الشخص الحسود بسبب هوى الحسد “ويقولون بافتراء أن الجيد رديء، مسمّين إياه ثمرة الخداع. إنه لا يقبل أمور الروح ولا يؤمن بها، وبسبب نقص إيمانه لا يستطيع أن يرى أو يعرف الله” (القديس غريغوريوس السينائي).

         يظهر الشخص الحسود، بسبب حسده، أنه لا يقتني المحبة. من يقتني المحبة يكون قادراً على تمييز البار من خلال العلامات المميزة المتنوعة، لكنه في نفس الوقت يشارك محبته مع كل أحد بدون تمييز. لا يستطيع الحسود أن يحب، ولا يريد ذلك. لا تشتهي المحبة الشر لأي أحد. “الذي يحسد أخاه، ويمتعض من سمعته الحسنة، ويفسد اسمه الحسن بتعليقات ساخرة” يكون غريباً عن المحبة ومذنباً أمام دينونة الله (القديس مكسيموس).

          الشخص الحسود يدمر أيضاً مقتنياته. يقول القديس باسيليوس أنه تماماً مثلما ترتد السهام المطلقة من القوس إلى الرامي لو ارتطمت بشيء صلب، هكذا أعمال الشخص الحسود “تتسبب في إصابته” دون أن تؤذي الشخص المحسود. يذبل الشخص الحسود باستمرار بسبب الحسد. “إنه يدمر نفسه إذ يأكله الأسى”. مثلما تفنى النحلة بمجرد أن تقرص شخصاً ما، هكذا هوى الحسد يدمر الشخص الحسود. مثلما يدمر الصدأ الحديد أول كل شيء، هكذا يأكل الحسد الشخص الذي يأويه. يقال أن الأفاعي السامة تولد بأن تلتهم جدار بطن الأم من الداخل، وبنفس الطريقة “يحرق الحسد النفس التي تحمله”.

         إننا نجد نفس التعليم عن أن الشخص الحسود يدمره الحسد في كل كتابات آباء الكنيسة. أستطيع أن أنوه مثلاً للقديس نيكيتا ستيثاتوس الذي يقول أن الشخص الحسود “يحترق بالغيرة من أولئك الذين تلقوا نعمة الروح في صورة حكمة ومعرفة إلهية”. يذوب الشخص الحسود مثل الشمعة، لكن بدون أن يعطي ضوءاً لآخرين، لكنه على العكس يظلمهم بخبثه الشخصي.

         هوى الحسد يتسبب أيضاً في إيذاء الأشخاص الموجه إليهم. إنه يتسبب في أذى كبير، وخصوصاً لو كان ضحيته لا يمتلك القدرة والشجاعة الروحية للتعامل مع الموقف.

         ابتعد الإنسان عن الله وترك مصدر الحياة بسبب حسد إبليس. المعلم الأول للحسد كان الشيطان نفسه. لقد كان غيوراً من محبة الله الكبيرة للإنسان، ولأنه كان غير قادر على أن يتكلم ضد الله، اشتكى ضد خليقته الذي هو الإنسان. من خلال عمله ضد الإنسان، أصبح إبليس، واستمر، عدواً في حرب ضد الله (القديس باسيليوس الكبير). يعلِّم القديس مكسيموس أن الشيطان حثّ الإنسان على كسر وصية الله “بسبب حسده لله ولنا”. لقد حسد الله ولم يرد “أن تظهر قدرته المؤلهة للإنسان الأكثر مجداً”. لقد حسد الإنسان ولم يرده أن يكتسب الشركة مع الله.

         كان قايين أول تلميذ لإبليس في هوى الحسد. “لقد كان أول تلميذ للشيطان لأنه تعلم منه الحسد والقتل” ووصل إلى قتل أخيه هابيل البار (القديس باسيليوس الكبير).

         فيما بعد كان شاول مدفوعاً بالحسد فانقلب على داوود الذي أحسن إليه. فبينما كان داوود يسلّي شاول لكي ينقذه من الجنون، طلب شاول أن يقتله. لقد أصبح داوود طريداً وطارده شاول لكي يقتله. لأي سبب؟ لأن داوود كان يفعل الخير لشاول باستمرار وبالتالي أثار حسده. كما يقول القديس باسيليوس: الحسد “هو نوع من العداوة صعب جداً في التعامل معه”. تثير أعمال الصلاح الشخص الحسود أكثر. تهدأ الكلاب عند إطعامها، وتروض الأسود عندما يُعتنى بها، “إلا أن الحسود يصبح أكثر شراسة عندما يُعامل حسناً”. تجعله الأعمال الصالحة أكثر غضباً.

         يحلل القديس مكسيموس المعترف حالة شاول الذي اضطهد داوود على الرغم من معاملته الحسنة له. إنه يقول أن مَن يكره شخصاً ما ويذمّه حسداً لأنه يتفوق عليه في جهاد الفضيلة ولأنه أغنى منه في المعرفة الروحية، يكون مصروعاً بروح شرير كما كان شاول. إن ما يغضبه بالأكثر هو أنه لا يستطيع قتل من أحسن إليه. وتماماً مثلما نفى شاول ابنه المحبوب يوناثان، هكذا الشخص الحسود يطرد عنه “التعقل الفطري الذي لضميره” لأنه يوبخه على بغضته الخاطئة ويعطي بياناً حقيقياً عن إنجازات الشخص الآخر.

         بالمِثل، من خلال الحسد، بيع يوسف للمصريين من قِبَل إخوته وصار عبداً. يقول القديس باسيليوس: “هنا نتعجب من بشاعة المرض!”. لو كانت أحلام يوسف حقيقية، فمن كان يستطيع منعها من أن تتحقق؟ لو كانت أوهاماً خاطئة فلماذا الحسد؟ الأشياء التي فعلوها لإيقاف النبوة أعدت الطريق لتحقيقها. يشير تعليق القديس باسيليوس هذا إلى أن الحسد لا معنى له. في أغلب الأحيان عندما نغار من إخوتنا فإننا في الواقع نعد لهم، دون أن ندرك ذلك أو نريده، طريق مجدهم وخزينا.

         معاصرو المسيح أسلموه إلى بيلاطس حسداً. يقول القديس متى الإنجيلي عن بيلاطس: “لأنه علم أنهم أسلموه حسداً” (مت18:27). لقد كانوا يغارون منه لأنه صنع معجزات، وعمل الخير للناس بطرق عديدة متنوعة. فرح وخلاص الآخرين جلبا الحزن والقنوط للشخص الحسود. لقد وصل الحسد لدرجة ارتكاب أعظم جريمة في التاريخ بقتل المسيح. يكون الحسد ميالاً باستمرار للقتل. السبب الجذري للقتل هو الحسد، والقتل هو ثمرة الحسد. يكتب القديس غريغوريوس بالاماس عن هذا الموضوع قائلاً: “…الحسد يميل للقتل. لقد تسبب في أول جريمة قتل ومؤخراً في ذبح الله”.

         إذ يفكر القديس ثالاسيوس في اليهود الذين دعوا المسيح بعلزبول لأنهم افترضوا أنه صنع المعجزات بقوة الشيطان ينصح قائلاً: “أنظر إلى اليهود ولاحظ نفسك بعناية؛ إذ أن اليهود أعماهم الحسد وتعاملوا مع ربهم وإلههم خطئاً على أنه بعلزبول”.

4- كيف يُشفى هوى الحسد

          لا توجد فائدة من مجرد وصف خطورة هوى الحسد ما لم نتابع ونناقش كيفية الشفاء منه. إلا أنه ينبغي علينا أن نعترف أن العلاج صعب لأن الشخص الحسود “لا يطلب الطبيب من أجل مرضه ولا يستطيع أن يجد أي دواء يستطيع أن يشفي الهوى”. حتى عندما يُسأل، فإنه لا يريد الاعتراف “أنا حسود وممتعض. حُسنُ حظ قريبي يضايقني وفرح أخي يجعلني أنتحب. لا أستطيع تحمل رؤية بركات الآخرين وأعتبر أن صحة قريبي وسعادته هي تعاستي” (القديس باسيليوس الكبير).

مع ذلك نستطيع تحديد بعض العلاجات.

         إننا نحتاج لإظهار محبة خاص تجاه أولئك الذين نشعر أننا ميالون داخلياً لأن نحسدهم. ينبغي علينا أن نحبهم أكثر وأن نمدحهم بكل قلوبنا. ينبغي علينا على الأخص أن نصلي من أجل الهوى، ولكن أن نصلي أيضاً لأجل الذين نشعر من جهتهم بالحسد.

         ينبغي أن ننظر لكل شيء يقتنيه أخونا على أنه عطية من نعمة الله. إن الله هو واهب كل العطايا. من يستطيع كف النبع عن أن يدفق المياه؟ كل مواهب الروح والجسد يمنحها الله. لو تكلمنا ضد أخينا، فإننا نظهر أنفسنا كأعداء لله ومقاومين له. بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي علينا أن نعتبر أن الأموال والمقتنيات والخيرات المادية بوجه عام هي الأشياء الحسنة الوحيدة. إنها أدوات لتقودنا للفضيلة. يقول القديس باسيليوس: “لا يستطيع أحد أن يسد نبعاً جارياً، وعندما تسطع الشمس لا يغطي أحد عينيه”.

         يكون الإرشاد الروحي من قِبَل كاهن خبير في المنهج الأرثوذكسي للعلاج مطلوباً. إننا نستطيع، من خلال الوسائل المتاحة له ومن خلال توجيهاته، أن نتحرر من هوى الحسد المدمر وأن نحيا حياة مسيحية صالحة.

         السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ماذا ينبغي أن نفعل عندما يكون شخص ما غيراناً منا وعندما نكون ضحايا لحسد الآخرين؟

         قبل كل شيء نحتاج أن نظهر الصبر والاحتمال. ينبغي علينا أن نفرح لأن هذه التجربة وقعت علينا وأن نطلب من الله الصبر والاحتمال. من يحتمل هذه التجربة بفرح يتلقى تعزية من الله ويكتب التواضع المقدس. من الجدير بالذكر أن هذا النوع من الصبر عادة ما يوجد في أولاد الله الأكثر شجاعة الذين اقتنوا ثباتاً وشجاعة روحية. كل من يحتمل حسد أخيه بصبر سوف ينال إكليل شهادة.

         التوصية الثانية من التعليم الآبائي هي أنه ينبغي علينا أن نتجنب العيش مع، أو في نفس المكان الذي يعيش فيه الذين يحسدوننا لأن ضرراً كبيراً قد يحدث. مكتوب في سفر الأمثال: “لا تأكل مع رجل حسود ولا تشتهِ أطايبه. إنه يأكل ويشرب كمن سيبتلع شعراً. ولا تدعُه ليأكل خبزك معك لأنه سيتقيأه ويخرب كلماتك الحلوة ” (أم23: 6-8 عن الترجمة السبعينية). يقول القديس باسيليوس مشيراً لهذه المسألة أنه تماماً مثلما نحاول أن نبقي المواد القابلة للاشتعال بعيدة عن النار، هكذا ينبغي علينا أن نبتعد عن الصداقات مع الأشخاص الحسودين لأنه “تماماً مثلما تكون الآفة الحمراء مرضاً خاصاً بالقمح، هكذا يكون الحسد مرضاً يصيب الصداقة”.

         نصح الأنبا بيمن شخصاً قائلاً: “لا تحيا في مكان موجود فيه من يغار منك لأنك لن تتقدم”.

         بوجه عام، عندما نقتني نعمة الله داخلنا وعندما نكون في حالة روحية جيدة، فعندئذ لا تستطيع سهام الحسود أن تصيبنا ولا أن تضرنا. إلا أنه عندما لا تكون نفوسنا قوية وعندما نضطرب بسهولة ينبغي علينا، بمحبة ومن أجل المحبة، أن نقطع صداقتنا مع الشخص الحسود وأن نكف عن مصاحبته. بالطبع، لا يعني ذلك أنه ينبغي علينا أن نكف عن الصلاة من أجله أو عن الاهتمام بحياته. إننا نساعده ببساطة لكي نمنعه من إتيان أمر سيء.

         هوى الحسد خطير. وكما شرحنا من قبل، يكون الحسد ضاراً جداً للناس. إنه في الواقع يظهر وجود العديد من الأهواء داخلنا وتولد منه أهواء أخرى. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أن الحسد هو أكثر الخطايا ظلماً، لكنه أيضاً أكثرها عدلاً. إنه ظالم لأنه يهاجم البريء، لكنه عادل لأنه يهاجم أيضاً أصحاب المقتنيات والمذنبين. إننا نحتاج لبذل مجهود لكي نحرر أنفسنا من هذه الرذيلة الخبيثة.

         يحثنا القديس باسيليوس قائلاً: “يا إخوتي دعونا نفلت من هذا المرض الذي يعلِّم العداوة لله، والذي هو أم القتل، والذي يفسد الطبيعة، ويتغاضى عن الصداقة، والذي هو أكثر البلايا حماقة”. “دعونا نهرب من هذه الرذيلة غير المحتملة. إنه درس نتعلمه من الحية، واختراع للشياطين، وعقبة ضد التكريس، والطريق للجحيم، وخسارة الملكوت”.

الفرح الحقيقي

من كتاب ثمار الروح – الفصل الثالث
كالينيكوس مطران بيريا
نقلته عن اليونانية: ماريّــا قبارة

“أما ثمر الروح فهو…،فرح”

الفرح الحقيقي

هناك نوع آخر من الفرح غير الفرح الذي تحدثنا عنه سابقاً وهو الفرح الحقيقي. هذا الفرح يعيشه ويتذوقه الإنسان المتجدد روحياً ويقدّمه الله له. إنّه فرح نقي ثابت ودائم، تخلقه في النفس محبة الله ومحبة المخلص، وكما يقول النبي حبقوق “أنا في الرب أبتهج، وأسرّ بالله مخلصي” (حبقوق18:3)، وفي هذا الشأن أيضاً يقول النبي إشعيا: “فرحاً أفرح بالرب، تبتهج نفسي بإلهي لأنّه ألبسني ثوب الخلاص” (اشعيا10:60). هذا الفرح يستحوذ على قلوب الصدّيقين وأصوات من فرح وابتهاج تُسمع في بيوت الأبرار هذا ما يرنمه داوود النبي في مزاميره الشريفة “صوت ترنم وخلاص في خيام الصدّيقين” (مز15:117). الفرح بالرب هو الفرح الحقيقي وبهذا بشّر ملاك الرب الرعاة الأطهار في عشية مولد المخلص “ها إنّي أبشركم بفرح عظيم، يكون فرح الشعب كلّه” (لوقا10:2). وقد تكلّم الرب يسوع كثيراً مع تلاميذه عن الفرح وقت آلامه الخلاصية “قلت لكم هذه الأشياء كلّها ليكون بكم فرحي فيكون فرحكم تاماً” (يوحنا11:15).
افرحوا بالرب! هذه هدية مخلصنا القائم من بين الأموات، الكلمة الأولى التي قالها المخلص عندما جمع تلاميذه بعد قيامته المجيدة: “افرحوا”: أي توقفوا عن الحزن، وأقصوا عنكم بعيداً كل تعب ومرارة، وكل ضيق وشدّة، فأنا قد سحقت الموت وحرقت كل زؤان سام، خلّصتكم من قدرة الخطيئة وفتحت لكم أبواب السموات، فطيروا بأجنحة الفرح دوماً
“آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلّى فينا” (رومية8:18)، ينتظركم مجداً سامياً في السموات، فهناك مسكنه الدائم المستديم، ففي الأرض ستتعبكم التجارب أمّا أنا فسأساعدكم بحمل أثقالكم. فلا تخافوا فأنتم أخصائي، وأحداً لن يستطيع أن يؤذيكم “ثقوا، إنّي قد غلبت العالم” (يوحنا33:16)
افرح بالرب! فالفرح أوكسجين النفس، فمن يفرح بالرب فهو ممتلئ بهجة روحية فائضة، لهذا يرشدنا الرسول بولس برسالته إلى فيلبي أن نفرح دوماً بهذا الفرح الذي بالرب “افرحوا في الرب دائماً، أكرر القول: افرحوا” (فيليبي4:4)، وهذا الكلام عن الفرح كتبه عندما كان سجيناً في رومية، ونعرف أن السجن يحطّم قوى الجسم، وبهذا يتابع ويقول: “يسرني والآن ما أعاني” (كولوسي24:1)، هذا هو الفرح الأعظم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “الفرح بالرب” هو الفرح الذي امتلكه الرسل، الفرح الذي يحمل ربحاً كبيراً للإنسان، ومن يعتبر أن نقاط الفرح الحقيقية تنبع من الله والأعمال البارّة فهو ذو رجاء ثابت غير متزعزع، هذا الفرح بالرب ثمرة حلوة جداً ويتولد في النفوس التقية المرتاحة بالروح القدس، لهذا هي فقط ملكية المؤمنين المسيحيين الأتقياء الصالحين، هؤلاء يتذوقون الفرح ويعيشون الإيمان الحقيقي للخلاص. والله بعنايته الإلهية يستودع عنده مشاكلهم ويغسل وحل نفوسهم بجرن الاعتراف، فهم يغتذون بخبز الملائكة؛ جسد ودم المخلّص، ويحتملون بفرح الرب تجاربَ الحياة، يعيشون برجاء ميراث الصالحات السماويّة ولهم أكاليل السماء، يقتنون عيوناً روحية ويشعرون بقوة ونعمة الروح القدس التي تقويهم وتشددهم، يفرحون ويفرحون بجوار ربّهم، غذاءهم المسيح وحضنهم الرب الذي يبتهجون وتطير قلوبهم به “شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني” (نشيد الأناشيد6:2)، قلوبهم دوماً هائمة من محبة المخلّص معشوقهم

المحبة أولى ثمار الروح (4)

من كتاب ثمار الروح – الفصل الثاني
كالينيكوس مطران بيريا
نقلته عن اليونانية: ماريّــا قبارة

 

فلتكن محبتنا بالعمل والحق

المحبة ليست بالأقوال، بل هي حياة وتتوضح في العناية المستمرة مع الآخر، هذا الاهتمام الذي يفرض عملاً يتمه بالاحتياجات الماديّة والنفسية للقريب “يا بني لا تكن محبتنا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق” (1يو18:3). تحتاج المحبة أيضاً إلى اللسان عندما يكون القريب بحاجة إلى المشورة فيتعزى بالكلام، فهي تعلّم الجاهل وتصلح الشباب وتزامل الإخوة المتخاصمين المتعاركين…الخ، فتكون الأقوال هنا أفعالاً، وهي أعمال تضحية وتعب. لكن، عندما يجوع الآخر ويتعرى ويكون عاطلاً عن العمل أو مريضاً ولا يملك دواءً أو أجرة الطبيب ليتطبب لا تجد الأقوال لها مكاناً، فالمحبة بالأقوال في هذه الظروف سطحية باطلة، بل هنا تحتاج المحبة إلى أعمال، تحتاج تضحية بالمال أو تضحية بالراحة وهنا فقط نطبّق المحبة “فإن كان فيكم أخٌ عريان أو أخت عريانة ينقصهما قوتُ يومهما وقال لهما أحدكم: “اذهبا بسلام فاستدفئا واشبعا” ولم تعطوهما ما يحتاج إليه الجسد فماذا ينفع قولكم؟” (يعقوب15:2، 16).

القريب ليس فقط جسداً

محبتنا لا يجب أن تقتصر فقط على الاحتياجات الماديّة والدنيوية للقريب، بل أن تتحول أيضاً إلى احتياجات أخينا النفسية. قطعة صغيرة من الخبز الكل يقدر أن يعطيها، أمّا الاستنارة وخوف الله من يعلمّها؟ كم تثمر المحبة عندما تقود أحدهم للاعتراف من لم يتعلّم حتى اليوم غسل النفس، أو أن تحضر للمسيح شاباً زلَّ وعثر في متاهات الجهل وعدم المعرفة، أو أن تنير نفساً ماكثة في عالم ظلمة الخطيئة، أليس هذا عمل محبة، هو أفضل تقدمة وعمل للقريب.
كيف تقدر أن تحبّ وتبقى هادئاً عندما يعيش الآخر بعيداً عن حضن وحنان الله؟ عندما يتمرّغ في وحل الشرّ؟ كيف تقدر على الصلاة بهدوء وكلّ ما حولك يجهل الإنجيل، ويجهل هدف الحياة ومعناها، أو يجهل أسرار الكنيسة الصحيحة وهو مشتبكٌ بحبال الشرير؟ أتستطيع العيش في راحة البال أمام نفسٍ مخنوقة تحتاج لمحبة الإنسان القريب؟
– لكن ستقول لي: نحن لسنا مرشدين ولسنا إكليريكيين، فماذا نستطيع أن نقدّم لنفوس الآخرين؟
القلب المحبّ يقدر ويستطيع فعل الكثير، يستطيع إخراج أساليب لمساعدة النفوس التي تحتاج للمساعدة. فعندما نقلق ونضطرب للحالات الوضيعة الروحية التي تحيط بنا سنجد أساليب لنقدّم المحبة تجاه الآخر، كأن نرشده إلى من يعطيه خبرة روحية أو نضع بين يديه كتاب للبناء الشخصي أو ندعوه لإحدى الوعظات ونحثه على ارتياد الكنيسة ونصلّي له بحرارة لينيره أن يثمر في طريقه.
ممكن أن لا تنجح محاولاتنا. ولكن نكون قد أظهرنا محبتنا، وإن لم يفهم ثمن هذه التقدمة.
” فاعلموا أنَّ من ردَّ خاطئاً عن طريق ضلاله خلَّص نفسه من الموت وسترَ كثيراً من الخطايا” (يع20:5) يقول الرسول يعقوب. أيوجد محبة أعظم من الاهتمام والمحاولة لاقتراب نفوس إخوتنا للمسيح المخلّص والعتق من حكم الموت الأبدي.

بولس الرسول مثال المحبة

نموذج الإنسان الممتلئ من المحبة هو الرسول بولس “الممتلئ من الروح القدس”(أع9:13). أحبب الرب من كل قدرتك. عش من أجل الله. “فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيَّ” (غلا20:2)، يتحرك ويعمل ويحيا من أجل الله، إن الله عند الرسول الهدف المستمر. نفسه تلهج بالله فقط، ويشتاق إليه نهاراً وليلاً. “لأنّي مستعدٌ ليس أن أربط فقط بل أن أموت أيضاً في أورشليم لأجل اسم الرب يسوع” (أع13:21)، كان يقول هذا في قيصرية فلسطين عندما تلاميذه وكلّ المسيحيين حاولوا منعه من الصعود إلى أورشليم بعد نبوءة “أغابوس” كما يرويها لوقا الرسول في أعمال الرسل في الإصحاح الثاني والعشرون. ولأنّ الرسول يحبّ الرب من كلّ حرارة نفسه لهذا اشتهى “أن ينطلق ويكون مع المسيح” (فيلبي23:1)، أي اشتاق أن يترك هذه الحياة ويذهب إلى السماء ليكون مع الرب.
وهذا بالضبط لأنّ بولس الرسول يحبّ الله كثيراً، يحبّه أكثر من أيّ شخص آخر. ليلاً ونهاراً اهتمامه وجهاده وتعبه في سبيل خلاص الآخرين لا يعبّر عنه. عانى بولس الرسول عن الكثيرين لأنه ملك محبة في داخله. كتب في رسالة كورنثوس: “من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا أحترق؟” (2كور29:11)، أي مَن من المسيحيين يكون مريضاً جسدياً ونفسياً ولا أشعر أنا به؟ من سقط في الخطيئة وأظلمت نفسه ولا أحترق أنا في أتون الحزن والخجل؟
“فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأنّي تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس…صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكلّ كلّ شيء لأخلّص على كلّ حال قوماً” (1كور20:9-22).
بولس الرسول مثال المحبة بامتياز! وكان يقدّم هذه المحبة في المجتمع يومياً، في النهار وفي الليل.
يريد مجتمعنا مسيحيي القلب وليس مسيحيي مصلحة، يريد أناساً روحانيين متجددين في كلّ وقت وهم سيكونون “فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين” (رو15:12)، مجتمعنا فيه حلاوات كثيرة والمحبة تحتاج حناناً. ويجب أن نعيش هذه المحبة بعمق كبير “في محبة بلا رياء” (2كور6:6)، لهذا نلتمس من الروح القدس أن يزرع المحبة لتثمر في دواخلنا.