تلميذه يوحنا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يقول الآباء القديسون أن الإنسان على طريق الخلاص يُجرِّبه الشيطان من ثمانية جهات: الأمام، الخلف، اليسار، اليمين، فوق، أسفل، من الداخل ومن الخارج.

1. يُجرَّب الإنسان من الخلف عندما يتذكّر بشكل مستمر الخطايا والأفعال الشريرة التي ارتكبها في الماضي، ويسترجعها من جديد في ذهنه، ويعيد ترتيبها، ويشركها، ويقنط بسببها، ويتأمّل بها حسياً. إن استذكار كيف أخطأنا في الماضي هو تجربة شيطانية.

2. عادةً يُجرَّب الإنسان من الأمام بالخوف من فكرة ما يخبئه المستقبل: ما سيحدث لنا أو للعالم؛ كم سنعيش؟ ماذا لدينا للأكل؛ إن كانت ستقع الحرب أو أي نوع آخر من الأحداث الخطيرة والمخيفة؛ وبشكل عام، عن طريق الزرع فينا لكل أنواع التخمينات والتقديرات والنبوءات وكل شيء آخر يثير الخوف من المستقبل.

3. يُجرَّب الإنسان من الشيطان من اليسار من خلال الدعوة لارتكاب خطايا واضحة، والسلوك والتصرّف بطرق معروف أنها خاطئة وشريرة، لكن الناس يقومون بها رغم ذلك. هذه التجربة هي دعوة مباشرة للخطيئة بشكل مفتوح وواعٍ.

4. هناك طريقتان يجرّب بهما الشيطان من اليمين. الأولى هي عندما ينفّذ المرء أعمالاً حسنة ولكن بنيّة وغرض سيئين أو ضارين. على سبيل المثال، إذا كان المرء يعمل بشكل حسن أو يتصرف بشكل جيد بسبب المجد الباطل، أو لكسب المديح، أو الحصول على منصب، أو تحقيق الشهرة، أو من أجل تحقيق بعض المنفعة لنفسه، يتبع ذلك أن الإنسان يقوم بالعمل الجيد بدافع الغرور، الجشع، أو الطمع. إن القيام بالأعمال الصالحة لأغراض سيئة هو خاطئ وعبثي. يشبّه الآباء القدامى هذا الأداء للأعمال الصالحة (كالصيام والصدقة) بجسد بلا نفس، طالما أن الغرض من إنجاز الفعل هو نفسه، بينما الفعل نفسه هو الجسد. لذلك، فإن أداء الأعمال الصالحة لأغراض شريرة هو في الأساس تجربة من اليمين، أي تحت ستار الخير. التجربة الشيطانية الثانية من اليمين تأتي من خلال العديد من الظهورات والرؤى، عندما يتلقى المرء رؤى الشيطان بشكل الله أو ملاك الله. يسمّي الآباء القديسون الوثوق بهذه الأطياف الشيطانية، أو قبول هذه الظواهر الشيطانية، الوهم أو الخداع.

5. علاوة على ذلك، يجرّب الشيطان الإنسان من الأسفل عندما يكون قادرًا على أداء الأعمال الصالحة أو الفضائل المقدّسة ولكنه كسول جدًا للقيام بذلك؛ أو عندما يعلم المرء أنه ينبغي بذل المزيد من الجهود والإعمال في جهادات النسك (في الفضائل والأعمال الصالحة)، ويكون قادرًا على القيام بذلك، لكنه لا يفعل ذلك بدافع الكسل، أو بأن يبحث عن أعذار للكسل. بالنتيجة يرفض الإنسان روحياً هذه الفضائل عندما يقوم بأقل بكثير مما يمكنه في الواقع القيام به.

كان الشيخ كلاوبا، من أجل شرح أفضل لنا، يحرّك يديه بالاتجاه الذي تجيء منه كل تجربة؛ ثم يكرر باختصار ما كانت التجربة التي وصفها للتو.

6. التجارب من الأعلى تأتي أيضًا بطريقتين. الأولى هي عندما يحمّل الإنسان نفسه جهادات نسكية تتجاوز قوته، وبالتالي يجهد نفسه بتهور. يحدث هذا، على سبيل المثال، عندما يكون الإنسان مريضًا فيفرض صيامًا يفوق قوته؛ أو عمومًا عندما يتغلب الإنسان على أي جهاد نسكي يتجاوز قدرته الروحية والبدنية. هذا العناد يفتقر إلى التواضع وهو اجْتِراء بشكل غير معقول.

تجربة أخرى من الأعلى تكون عندما يسعى المرء إلى تعلم أسرار الكتاب المقدس (وأسرار الله بشكل عام)، ولكن بشكل يفتقد للنضج الروحي. أي عندما يريد المرء أن يلج إلى أسرار الله في الكتاب المقدس (أو في القديسين والعالم والحياة عمومًا) لكي يشرح لاحقًا هذه الأسرار ويعلّمها للآخرين فيما هو غير ناضج من الناحية الروحية بما يكفي لفعل ذلك. يقول الآباء القدّيسون أن مثل هذا الشخص يريد مضغ العظام بأسنان طفل. يتحدث القديس غريغوريوس النيصي عن هذا في “حياة موسى”. يقول إنه لهذا السبب أمر الله الإسرائيليين، الذين كان ينقصهم الكمال، أن يأكلوا اللحم (الذي يشبه الحليب للأسنان) فقط من حمل الفصح ومع أعشاب مرّة من دون تقطيع أو أكل العظام، بل أن تُحرق في النار (أنظر خروج 8:12 و10 و46). هذا يعني أننا، نحن أيضًا، يجب أن لا نفسّر من الألغاز الموجودة في الكتاب المقدس (وفي إيماننا بالله عمومًا) إلا التي تتوافق مع نضجنا الروحي وأن نأكلها (نستوعبها) مع الأعشاب المرّة، أي مع كل ما تجلبه لنا الحياة (المعاناة والحزن)؛ لا ينبغي لنا أن نعضَ على أسرار الكتاب المقدس والمعرفة الإلهية وعناية الله، مثل الكثير من العظام الصلبة بأسناننا الصغيرة؛ هذه تكون عرضة للنيران فقط، أي أنها تصبح واضحة فقط في النضج الروحي البالغ وفي النفوس المتمرسة التي تم اختبارها بالنار الإلهية المفعمة بالنعمة.

7. يُجرَّب الإنسان من الداخل بما يمتلكه من قلبه وبما ينبع من القلب. صرح الرب يسوع المسيح بوضوح أنه من الداخل ، أي من قلب الإنسان، تخرج الأفكار والرغبات والشهوات الخاطئة وغير النقية (راجع متى 15: 19) وتجرّبه. لا تأتي التجارب فقط من الشيطان، بل أيضًا من الناحية الإنسانية، من النوايا والمهارات الشريرة والشهوات والرغبات والمحبة الداخلية للخطيئة التي تنطلق من قلب نجس.

8. أخيرًا، يفتح الباب الثامن للتجربة الشيطانية من الخارج، من خلال الأشياء والمناسبات الخارجية، أي من خلال كل شيء يدخل من الخارج عبر حواس الإنسان التي هي نوافذ النفس. هذه الأشياء الخارجية ليست شريرة في حد ذاتها، ولكن عن طريقها، يمكن الإيقاع بمشاعر الإنسان وتحريضه على الشر والخطيئة.

هذه هي إذاً الوسائل الثمانية التي بها تتمّ تجربة كل إنسان، بغض النظر عمّا إذا كان في العالم أو في عزلة.

بعد أن ينهي الشيخ كلاوبا سرد السبل الثمانية التي بها يُجرَّب الإنسان، يعيدها الشيخ كلاوبا باختصار ويضيف السبل والمناهج التي بها تُواجه كل تجربة. ففي وجه كل من هذه التجارب، من الخلف، من الأمام، من الشمال، من اليمين، من فوق، من أسفل، من الداخل ومن الخارج، على الإنسان أن يقاتل باليقظة أي بالانتباه والاهتمام ويقظة النفس والجسد، يقظة الروح وسهرها، الاتزان والتمييز، الانتباه للأفكار والأعمال، أو بكلمة أخرى الدينونة. من جهة أخرى، من خلال الصلاة الثابتة التي تستدعي اسم الرب يسوع المسيح والصلاة غير المنقطعة.

(هنا أضاف الأب بترونيوس العبارة اليونانية προσοχή και προσευχή”” أي كما يعبر عنها الآباء القديسون “بالانتباه والصلاة”)

بتعبير آخر، يضيف الشيخ، الآباء القديسون قالوا أن المعركة ضد الأهواء والتجارب تتألف مما يلي: حفظ فكر الإنسان وروحه وجسده من التجارب- هذا هو جهادنا النسكي من وجهة نظرنا الإنسانية؛ أما من الجانب الإلهي، يجب على الإنسان أن يستدعي بصلاة متواصلة معونة الرب الكلي الرحمة السيد يسوع المسيح، وهذه هي صلاة الهدوئيين الأساسية غير المنقطعة أي صلاة يسوع: “يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ!”