الخورية سميرة عوض ملكي

الميثولوجيا، بحسب قاموس أوكسفورد، هي قصة تقليدية متعلّقة بالتاريخ المبكر لشعب ما أو بشرح لظاهرة اجتماعية او طبيعية، مستخدمة لذلك عادةً مخلوقات وأحداث فوق طبيعية. فهل قصة الخلق في الكتاب المقدس ميثولوجيا؟

إن موضوع الخلق شغل فكر الإنسان في كل العصور. وقد كان العنصر الرئيس في كل الديانات القديمة التي حاولت، كل منها بأسلوبها الخاص، أن تعطي جواباً عن مسألة مبدأ الكون والإنسان وعن الظواهر الطبيعية

لكن ما يميّز الروحانية الأرثوذكسية هو أن “جوهرها كتابيّ” كما يذكر اللاهوتي الروسي بول نيكولايفيتش أفدوكيموف في كتابه “الأرثوذكسية”. فدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية ليست عملاً عقلياً محضاً، لكنها مشاركة أسرارية في كلمة الله داخل إطار الكنيسة. من هنا، فإن خبرة الجماعة التي عاشت الكشف الإلهي هي التي تعطي الحجة القوية للسِّفر، وليس شخصية كاتبه أو الأسلوب العلمي في عرض الأحداث. إذاً، فتفسير الكتاب المقدس ليس عملَ أحد الحكماء، بل عمل أعضاء الكنيسة الذين يتعرّفون على المسيح في مشاركتهم في الأسرار، كما حصل في لقاء يسوع القائم مع تلميذيه على طريق عمواص، إذ لم يعرفاه إلا بعد كسر الخبز

مع هذا، فقد كان لكل عصر طرقه التفسيرية الخاصّة به، بغية الوصول إلى فهم كلمة الله على أكمل وجه. وقد ساهم تطوّر العلوم في السنوات الأخيرة في إيجاد طرق تفسيرية جديدة حتى غدا التفسير فرعاً علمياً خاصاً. إلا إن هذا لم يمنع تضارب الآراء باستمرار وبشكل جذري ناتج عن الخلفيات المختلفة التي بها تمت قراءة النصوص الكتابية، لأنه وبالرغم من أن كل الجماعات المسيحية تستند إلى الكتاب المقدس نفسه، إلا إنها لا تملك الفهم عينه

ويأتي سوء الفهم، حتى في الأوساط الأرثوذكسية، فكثيراً ما سمعنا أن بعض قصص الخلق في الكتاب المقدس هي قصص رمزية، لا بل ويذهب البعض أبعد من ذلك فيقولون إنها مجرد أسطورة، وليس بالضرورة أنها حدثت، ومنهم أساتذة في مدارسنا الأرثوذكسية على ما ينقل تلاميذهم عنهم

هذا قد يكون ناتجاً عن الخلط في أن الكتاب المقدس هو عمل موحى به من الله، إلا أن لاهوتنا لا يقول إن هذا الكتاب “نزل من السماء”، بل على العكس يصرّح علناً بأنه عمل بشري كُتِب بلغة بشرية موجّهة إلى البشر. وقد كان الكتّاب الذين أنارهم الروح القدس أدوات الله وحاملي الكشف الإلهي، قد تلقّوه لينقلوه إلى الناس لا بشكل آلي لا دور لهم فيه، بل بأسلوب حمل معه شخصياتهم بشكل كامل. لكنهم حاولوا أن يضعوا الحقائق الإلهية في متناول البشر مستخدمين أنواعاً أدبية تعبيرية. وهذا ما فعله الكاتب بتصويره قصة الخلق وغيرها من القصص بشكل أدبي معروف عند قرائه، ليجرّده من أسطوريته. وهنا ننوّه إلى موضوعٍ خَلَق مشاكلاً كبيرة في تفسير الكتاب المقدس، خاصةً بعد اكتشاف نصوص بالكتابة المسمارية تتناول ميثولوجيا بلاد ما بين النهرين تتشابه مع بعض النصوص الكتابية. هذا الأمر قاد الكثير من المفسّرين في بدايات القرن الماضي إلى الاعتقاد بأن العهد القديم ليس أكثر من نشرة إسرائيلية للميثولوجية البابلية، مما ولّد ردّات فعل عنيفة لدى مفسّرين آخرين

إن الاختلاف في الموقف لا يمنع من وجود براهين جديّة لوجود مادة ميثولوجية في الكتاب المقدس. كما أن وجود هذه المادة لا يتيح رفض الحقيقة الكتابية. لأن الميثولوجيا استُعمِلَت في النصوص الكتابية كتدخّل لغوي دوماً للإعلان، وبأسلوب قصصي، حقيقة أن الله واحد فريد، خلق العالم تاماً، وجبل الإنسان على صورته ومثاله، وهو يدين البشر وما إلى ذلك

إن هدف كتّاب الكتاب المقدّس، إذاً، لم يكن أبداً إخبار القرّاء عن أحداث تمّت في الماضي، الخلق والفردوس والسقوط والموت وشجرة المعرفة والحيّة وغيرها، بل بشكل رئيسي، أن يمرّروا عبر هذه الروايات الحقائقَ اللاهوتية الأبدية عن الله والإنسان والكون والمواضيع التي لن تتضاءل أهميتها طالما هناك بشر على الأرض

* عن نشرة الكرمة