الأب أنطوان ملكي

في نص رسالة أحد الدينونة، وهي من الرسالة الأولى إلى كورنثوس التي فيها يناقش الرسول الأكل من ذبائح الأوثان، نقرأ عن فكرتين مهمتين هما العلم والمحبة. فالعلم الذي يقصده الرسول هو ما نعتبره اليوم بديهية بأنه لا يوجد إله سوى الله، وليس العلم بالمعنى المعاصر للكلمة. أما المحبة فهي تلك المراعاة لمشاعر الآخرين خاصةً الذين ليس لهم علم. ويخرج الرسول بولس بنتيجة أن المحبة أهم من العلم حتى لا يكون المؤمن أي العالِم عثرةً لأحد. وفي هذا الكلام مفهوم روحي أساسي في سلوكنا اليومي المعاصر. فبيننا عديدون يتصرّفون بحسب قناعتهم وهواهم دون مراعاة لمشاعر الآخرين مفتكرين “بما إننا على حق فلا يهمنا أحد” وبهذا يكونون سبب عثرة للآخرين. فبولس يقول أن هذا ضد المحبة. ذاك لأن العلم بدون محبة ينفخ ويملأ النفس غرورًا وكبرياء. فيفقد العلم قيمته عندما يدفع الإنسان إلى عدم مراعاة مشاعر الآخرين. وهنا تنفع الإشارة إلى أن كل الذين نادوا بالهرطقات كانوا علماء متكبرين، أي لهم علم دون محبة فسقطوا وأعثروا كثيرين

وعلى أساس هذا الفهم يستنتج الرسول أن الطعام لا يقدّمنا إلى الله أي أن الأكل لن يزيد فضائلنا. والله لن يكافئنا على علمنا بل على محبتنا للآخرين. ومثله أننا لا ننقص إن لم نأكل أي أن رضى الله علينا لن ينقص إذا امتنعنا عن الأكل، إلا إذا كان امتناعنا مراعاة لئلا نعثر إخوتنا. فملكوت الله ليس أكلًا وشرابًا (رو 14: 17) بل هو برّ وسلام وفرح

وهنا لا بد أن نلاحظ أن الكثيرين في زماننا، والجميع اليوم يعلمون، يكررون الكلام أعلاه أي أن الأكل أو الصوم لا يزيد الإنسان، وعليه هم يمتنعون عن الصوم بحجة أن الله يعرفهم ويعرف ما في قلوبهم. إنهم بهذا يهملون أن الصوم مع الصلاة طريق رسمه السيد لنهزم به الشياطين (مت 17: 21)، وأنه هو نفسه قد صام أربعين يومًا ومثله الرسل ومنهم بولس الذي صام كثيرًا (2كو 11: 27). كما أن السيد نفسه قال أننا نصوم حين يُرفع العريس عنا (لو 5: 35). لهذا يقول الرسول بولس”ولكن انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء”. السلطان هو العلم. بالمسيح قد صارت لنا حرية أن نأكل أي شيء دون أن نتنجس كما عَلّمَ السيد بأن ما يدخل الفم لا ينجّسه، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجّس. هذا الكلام يأخذه الكثيرون حجةً للامتناع عن الصوم من دون أن يكون معناه ذلك. فوائد الصوم كثيرة ,ابسطها تطبيق الوصية. لكن الذين يمتنعون عنه ويوردون الآيات لدعم آرائهم فبهذا يكونون معثرة للضعفاء الذين إذ يرون مَن يتقدّمون عليهم في العلم لا يصومون يفتكرون بأن هؤلاء العالِمين على حق فيمتنعون عن الصوم أيضاً

“وهكذا إذ تخطئون إلى الاخوة وتجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح.” أي أن التصرف الخاطئ يعثر الأخ الذي مات المسيح لخلاصه، ما يجعل الإساءة للأخ إساءة للسيد. لهذا يعلنها صراحة الرسول: “لذلك إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخي”. هذا الإعلان ليس عن أكل اللحم بل هو مبدأ هام في المسيحية: على المسيحي أن يمتنع لا عن الخطأ وحسب، بل عن كل ما يجعل الآخر يتعثر لكونه مسئولاً عن حياة الآخرين الروحية. ما يريد الرسول قوله لنا هو إن جوهر الصوم هو محبة الإخوة

* عن نشرة الكرمة