الأب أنطوان ملكي

أساس الموضوع الجواب على السؤال إن كان صومنا إماتة أو نسك؟

للإجابة يجب أن نفهم معنى كل كلمة لا أن نكتفي بالمعاني الشعبية التي مع الوقت تتبدل حتى لا تعود تعكس معناها الأصلي

يعني على سبيل التوضيح نسمع كثيراً من الناس يقولون أنهم عندما يمتنعون عن بعض المآكل يعملون إماتة أي أنهم يضحّون بشيء ما ويسمّونه إماتة. أو أن فلان ناسك لأنه يعيش وحيداً

ما معنى كلمة إماتة؟

نقرأ ايضاً عند بولس الرسول: ﴿ حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع ﴾ ( 2كو 4 : 10). بالعودة إلى النص اليوناني نجد أن الكلمة المستعملة هي νεκρωσιν التي تعني الموت وليس أي شيء آخر

أو نرنّم في المديح أن العذراء هي إماتة الجحيم، وهنا أيضاً نتكلم عن فعل الموت. إذاً في المعنى العام الكلمة تعني القتل. هل المسيحيون يمارسون القتل؟

لكن كلمة إماتة في المعجم الرائد تعني “عند بعض المسيحيين… عبادة الله بالامتناع عن بعض الأطعمة وبقمع الشهوات والأهواء”. هذا الكلام يعكس اعتقاداً شعبياً منتشراً يدور حول فكرة أن قمع الجسد هو اقتراب وإرضاء لله

أكثر من فكرة خطيرة ترد هنا: 1) أن عبادة الله تكون بالامتناع عن بعض الأطعمة وبقمع الشهوات والأهواء و2) صحيح أننا نريد قمع الشهوات والأهواء لكن الامتناع عن الأكل ليسس العبادة بل عمل مساعد على العبادة، كما هي الشهوات والأهواء. نحن نحوّل الشهوات والأهواء إلى اشتهاء وهوى وعشق لله

في بعض القواميس الطبية كلمة إماتة تعني بالإنكليزية devitalization التي تعني بالعربية بدقة إِزالَةُ الحَيَوِيَّة. هذا المعنى يشبه المعنى الآبائي لإماتة الأهواء أي: إزالة حيوية الأهواء. من الضروري أن نفهم معنى الأهواء، وهي عبارة نستعملها تكراراً في يومياتنا الكنسية: الأهواء في الأساس هي قوى النفس، يهبنا إياها الله لتعمل مفاعيلها من أجل الخير، لهذا نهتم برعايتها

أما عندما نُهمل الاهتمام بها: يستغلها الفكر الشرير الناتج عن ضعف دور الله في حياتنا، فتنحرف عن دورها الإيجابي. أول ثمار استغلالها أن أعمالها ضد الله، القديس يوحنا السلمي يسترسل في شرح هذا الأمر ويعطي مثلاً الغضب: من دون الغضب يستسلم الإنسان لسقوطه ولا يتوب. نأخذ مثل الابن الشاطر: عندما غضب قال أقوم وأرجع لأبي

إذاً، إماتة الأهواء هي سحب الاتجاه السلبي منها وإبقائها دوماً تحت السيطرة، وهذه عملية لا تتم بحبة دواء، أو بمجرد قرار، بل هي تحتاج لنَفَس طويل: هذا ما نسمّيه الجهاد. ويقول عنه الرسول بولس: انتبه ألا تسقط، لهذا هو يتطلب اليقظة. وهنا نصل إلى المعادلة جهاد + يقظة = نسك

النسك في الواقع هو حفظ وصايا المسيح في حياتنا اليومية، على الرغم من مقاومة إنساننا العتيق بأهوائه وشهواته. لقد أصبحت الحياة الساقطة طريقة حياة بالنسبة للإنسان، بالتالي يوجد احتياج لولادة جديدة. يقول القديس باسيليوس أنه ينبغي على الناسك أن يدرك أنه لا يستطيع تجنب الحرب ضد الشيطان وأنه لا يستطيع هزيمته “ما لم يبذل مجهوداً كبيراً في حفظ تعاليم الإنجيل

نوعان من النسك، نسك الجسد ونسك النفس. يرتبط النسك الجسدي بتطهير الحواس، والشدائد الجسدية، وضبط الطعام، والحذر من جهة الملابس، وجعل المرء كل حياته في خضوع. يعني نسك النفس التوبة، وإدانة الذات، والشعور بعدم الاستحقاق

سكوتيريس: النسك طريقة حياة كلّ الذين نالوا بركة الانتماء إلى الأسرة الجديدة في الكنيسة

إنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحمٍ ودمٍ، بل ضدّ الرئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر، ضدّ أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات. فلذلك احملوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا المقاومة في اليوم الشرّير، حتى إذا تمّمتم كلّ شيء تثبتون. فاثبتوا إذن، ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البرّ، وأنعِلوا أقدامكم باستعداد إنجيل السلام، واحملوا علاوة على كلّ ذلك ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة، واتخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أفسس6: 10-18)

ليست الحياة النسكيّة غاية بحدّ ذاتها في الكنيسة، النسك موقف من الحياة. غياب الذهنيّة النسكيّة عن الإنسان يرميه في بحر من الشكوك والقلق الشخصيّ

الحياة النسكيّة ليست إطلاقاً انكفاءًا عن الحياة، ولا ازدراءً بالخيرات المادّية. جهاد المؤمن حتى يبقى على مسافة منها، فلا يمسي ما يقدّمه له هذا الدهر جوهرَ حياته وغاية وجوده

النسك المسيحيّ ينظر نظرة إيجابية إلى الدنيا وإلى الخيرات المادّيّة، عندما لا تحيد بالإنسان عن التكريس لله وعن محبّة القريب. تراث آباء الكنيسة يفهَم النسك كعلاج لشخص الإنسان. فالإنسان يحيا حالةَ مرَضٍ منافية لطبيعته بسبب الخطيئة

النسك كوسيلة تمنح الإنسان التوازن والشفاء، النسك المسيحيّ يعمل ضمن إطار شركة الكنيسة

القديس ثيوذوروس الستوديتي: الفصح هو تطهير خطايانا، إماتة الأهواء وقيامة الفضائل. الفصح هو نهاية النسك. هذا يعني أن الصوم هو عمل نسكي بامتياز. بالتمييز كل واحد ينسك في الصوم بمقدار ما أعطاه الله

الخاتمة: للإجابة على السؤال الأول: الصوم ليس إماتة بالمعنى الشعبي بل هو تهذيب للأهواء والرغبات وقوى النفس حتى يستطيع الإنسان أن يبلغ الفصح

* مخطوطة كلام لحديث في رعية أنفه في الثلاثاء الأول من صوم 2020