الأرشمندريت نيكن من دير أوبتينا

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

المسيح بيننا، أمّي الغالية

أطلب لك بحرارة السلامَ والفرح بالرب وأطلب صلواتك المقدسة وبركتك الوالدية

ماذا أكتب عن نفسي؟ أنا حيّ وبحال جيد، ولا احتياجات محددة عندي، أحصل على كل ما أحتاجه، أعمل قليلاً كأمين سرّ، ومنشغل بأمور مختلفة في الدير وبالغالب أمور تتعلّق بحياة الشركة بشكل عام: أرتّل مع الجوقة، وفي النهاية، أخدم واقفاً أمام مذبح الرب المقدّس

بالنسبة لحياتي الداخلية، قلايتي ونفسي، لا يستطيع أي كان أن يعرف ذلك. قلايتي طولها خمس ياردات وعرضها ثلاثة ونصف. هذه القلاية أعزّ عندي من كل البيوت والقاعات الفاخرة

أما عن الحياة المشتركة، فهذا أمر معقد لكنه في الوقت نفسه بسيط. معقّد لأن من الصعب أن نضع على الورق كيف تحول الدير السابق بالإضافة إلى كل ما نعمل ونختبر. لكنه بسيط لأنه إن لم يبنِ الرب البيت باطلاً يتعب البناؤون كما يقول المزمور (1:126). نعم على المرء، مدفوعاً بالفطرة السليمة، أن يتخذ التدابير الممكنة التي لا تخالف الروح المسيحية والحياة الرهبانية. لكن في اتخاذها عليه أن ينتظر النجاح بالكامل من يد الله

يقول التيه البشري: سوف نعمل، سوف نحقق، ونروح نبني برج بابل، نطلب من الله حساباً عن أعماله، نرغب في أن يكون الكون بتصرّفنا، نحلم بالعروش فوق الغمام، لكن ما من شيء أو أحد يخضع لنا، ويثبُت عجز الإنسان بجلاء كامل في الخبرة المرّة. وإذ قد لاحظتُ هذه الخبرة في تاريخ الأيام القديمة الغابرة كما في الأزمنة الحديثة، استنتجتُ أن طرق تدبير الله هي بالنسبة لنا كاكتشاف الماضي، لا نستطيع فهمها ولهذا علينا أن نستسلم بكل تواضع إلى مشيئة الله

من ثم ثانياً، لا يستطيع أي شيء أو أيٌّ كان أن يؤذي إنساناً إن لم يؤذِ هو نفسَه. وعلى العكس، إن لم يتحاشَ الإنسان الخطيئة فإن ألف وسيلةِ خلاص لن تسعِفَه. وبالتالي فإن الشر الوحيد هو الخطيئة: يهوذا سقط بحضور المخلّص، لكن لوط البارّ خلُص فيما كان يعيش في سدوم. هذه الأفكار ومثلها تأتي إلى رأسي أثناء تعلّمي من قراءة الآباء القديسين وعندما أتطلع فكرياً إلى ما يحيط بي

ماذا سوف يحدث؟ كيف سوف يحدث؟ متى سوف يحدث؟ إن حدث كذا وكذا إلى أين ينبغي أن يميل المرء؟ إن جرى كذا وكذا أين سوف يجد المرء القوة الروحية والتعزية؟ أيها الرب السيد! ويتملّك النفسَ ارتباك عاتٍ عندما تتمنين أن تري مسبقاً كل ما هو في فكرك، أن تلجي إلى سر المستقبل المجهول ولكن المرعِب. يُرهَق الفكر، والخطط والأساليب التي اجترحها هي وهم طفولي وحلم جذاب. يستفيق الرجل وقد اختفى كل شيء بعيداً بالواقع القاسي وكل مخططات الإنسان قد تدمّرت. أين هو الرجاء؟ إن رجاءنا هو في الله

الربّ رجائي وملجئي. في تسليمي ذاتي وكل شيء آخر لمشيئة الله، تتحقق مشيئة الله فيّ، وهي دوماً حسنة وكاملة. إذا كنتُ لله فالرب يدافع عني ويعزّيني. إذا أرسِل إلي بعض التجارب لخيري، فليكن الرب مباركاً لأنه رتّب لخلاصي. حتى في وسط الأحزان الرب قادر على أن يمنح التعزية العظيمة والمجيدة… هكذا أفكّر وهكذا أشعر وهكذا أراقب وأؤمن

لا تفتكري من هذا أني اختبرتُ الكثير من الأحزان والتجارب. لا، يبدو لي أنني لم أرَ اي حزن بعد. إذا كنتُ قد عبرتُ في بعض الأمور التي بدت لي من نظرة سطحية أنها محزنة، فإنها لم تسبب لي أي ألم كبير في القلب ولا سببت لي أي حزن وبالتالي أنا لا أسمّيها أحزان. لكني لا أغلق عيني عن ما يجري ولا عن المستقبل كما لتجهيز نفسي للتجربة، لكي أستطيع أن اقول بكلمات المزمور: هيأت نفسي ولم أرتبك

ـ…ولكن، من دون أي شك، لن يحصل شيء إلا بإرادة الله سواء لي أو لنا جميعاً، ولهذا أنا هادئ. وعندما تكون نفس الإنسان هادئة ماذا يطلب أكثر؟

لقد عدت لتوي من السهرانية وها أنا أنهي هذه الرسالة التي بدأتها قبل السهرانية. يا للسعادة يا إلهي! أي كلمات رائعة تُعلَن لنا في الكنيسة؟ يشعر الإنسان حسياً بالسلام والسكون وروح القداسة في الكنيسة. ينتهي القداس والكل يرجع إلى بيته، وأنا خرجت من الكنيسة

إنها ليلة مدهشة مع برد خفيف. القمر بشعاعاته الفضية يخضل زاويتنا الصغيرة الهادئة. ذهبت إلى مدافن الشيوخ الراقدين، سجدت لهم، وطلبت معونتهم في الصلاة ولهم طلبت من الرب الغبطة الأبدية في الملكوت. هذه المدافن تقول الكثير لعقلنا وقلبنا. من هذه التدوينات الباردة يأتي نَفَسٌ من الدفء. أمام نظرة فكري العقلية تنتصب هناك الصور الرائعة لعمالقة الروح الراقدين

خلال هذه الأيام تذكرت الأب برصنوفيوس مرات كثيرة. تذكرت كلماته والإرشاد الذي أعطاني إياه مرة، وربما اكثر. لقد قال لي: “يحثنا الرسول: “جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟” (2كورنثوس 5:13)، ويتابع: “لاحظ ما يقول الرسول نفسه: قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ” (2تيموثاوس 7:4-8). نعم إن حفظ الإيمان وصونه لأمر عظيم. لهذا أقول لكم أيضاً: “امتحنوا أنفسكم إذا أنتم في الإيمان. إن حفظتم الإيمان فيمكنكم أن ترجوا الرجاء الحسن بحصتكم”ـ

عندما قال لي الشيخ السابق رقاده كل هذا، وقد تكلّم حسناً وبحماس، وكما أذكر كان الوقت مساءً، وعلى ضوء هادئ من قنديل على شكل أيقونة في قلايته العزيزة الدافئة، أحسست أنه كان يقول شيئاً رائعاً سامياً وروحياً. تمسّك فكري وقلبي بكلماته بشوق. لقد سمعتُ هذه الاقتباسات من الرسول قبلاً لكنها لم تحرّك فيّ هذا التفاعل ولا هذا الانطباع

لقد بدا لي أن “حفظ الإيمان” كان شيئاً مختلفاً. أنا أؤمن، وبطريقة أرثوذكسية، وليس لديّ أي شكوك في ما يتعلّق بالإيمان. لكن هنا شعرت بأن في هذا الاقتباس شيء عظيم، وفي الحقيقة أنه عظيم بالرغم من كل التجارب وكل خبرات الحياة وكل الأشياء المخيّبة، الحفاظ على الإيمان المقدس في قلب الإنسان غير منطفئ، وغير منطفئ حتى إلى الموت، إذ يُقال: لقد أتممت السعي، أي أن قد عشت كل الحياة الأرضية، وقد انتهت، قطعت ما كان عليّ قطعه، أنا الآن على حدود الحياة الأرضية، خلف القبر حياة أخرى سوف تبدأ، وهي الحياة التي تمّت تهيئتها لي بالإيمان الذي حفظته. لقد أتممتُ السعي وحفظت الإيمان. وقد أعطاني شيخي الرائع كعهد منه عليّ بأن أتفحّص نفسي بين الحين والآخر في حقائق الإيمان الأرثوذكسي حتى لا أكون عن غير انتباه قد انحرفت عنها. لقد نصحني، من بين جملة أشياء، أن أقرأ التعليم الأرثوذكسي للميتروبوليت فيلاريت وبأن أتآلف مع اعتراف الإيمان الأرثوذكسي لبطاركة الشرق

الآن، عندما اهتزّت أسس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، رأيت قيمة تعليم الشيخ هذا. الآن، يبدو أن وقت الامتحان قد أتى لنرى إن كنا في الإيمان أم لا. الآن على المرء أن يعرف أن مَن يستطيع الحفاظ على الإيمان هو مَن يؤمن بحرارة وبإخلاص والذي عنده الله أغلى من كل شيء، وهذا يثبت فقط عندما يحفظ نفسه عن كل خطيئة ومَن يحافظ على حياته الأخلاقية. أيها الرب، احفظني بالإيمان بنعمتك

إن فكرة أن الإيمان يُحفَظ فقط بالحياة الأخلاقية الحسنة ليست فكرتي؛ إنها تعليم الكتاب المقدس والآباء القديسين. هذا ما يقوله الكتاب المقدس بحسب القديس يوحنا 19:3-21: “إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئاتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ”ـ

المسيح يسمّي نفسه هنا النور. إنه يحاول أن يقنع يهود زمانه بترك طلب المجد من بعضهم البعض، فيما يعملون ما يعجز عن عمله إنسان الإيمان “كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟” (يوحنا 44:5)

ويشير الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف حول هذه الكلمات الإنجيلية قائلاً بأن هوى المجد الباطل، كغيره من الأهواء، يقضي على الإيمان في القلب البشري: “مثلها، إنه يجعل القلب البشري عاجزاً عن الإيمان بالمسيح والاعتراف بالمسيح…” لهذا أنا أنشد صلواتكم بحرارة لأن يحفظني الرب من كل شر، أي من الخطيئة بكل أشكالها، ومن ثمّ لن يقدر أي ظرف خارجي على إيذائي

لقد رغبت فقط بأن أخبركِ بأني حيّ وبخير وبأني ملتُ إلى كتابة هذه الرسالة أكثر من نيتي ذلك. في كتابتي، بالكاد كنت ألحق بأفكاري وأدوّن ما تمليه لي. كل هذا فاض من قلمي بشكل غير إرادي، وهو يعكس قناعاتي العميقة

فليحفظنا الرب جميعاً. إني أطلب صلوات الجميع، وأنا على حسب قدراتي الواهنة، سوف أذكر الجميع في صلواتي. سامحيني

نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس لتكن معكم جميعاً. آمين

ـ 15-16 تشرين الثاني 1922. دير أوبتينا. إنها الساعة الثانية ليلاً