مختارات من معنى الخصام والمصالحة

الأرشمندريت سيرافيم الكسييف

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

لقد تمّ لي أن أستبين ماهيّة النضال المعيب المستميت: الرجل الذي يحمل حقداً في صدره يخفي حيّة في قلبه. تعلمون، أيها القراء الأعزاء، من تجربتكم الخاصة، كم تكون نفسكم مُثقلة عندما تتخاصمون مع أحدهم. يكون الأمر كما لو أن جبلاً يدفعكم بثقله للأسفل. تعجزون عن التنفس بسهولة وحرية. تشعرون أنكم مقيّدون، لا بل وأسوأ من ذلك، لأن الأسير الذي يكون جسده مقيّداً تكون روحه حرّة. أما في حالتكم، فإن الروح تكون مقيّدة بسلاسل الخصام الشيطانية، فيكون الجسد ضعيفاً بسبب ذلك. من يتخاصم مع جاره يكون عبداً للشيطان. هل هناك عبيد سعداء؟ إذا كان العصفور المسجون في قفص سعيداً، فإن البؤساء المقيّدين في الخطيئة يكونون سعداء مثله. كلا، لا يزهر أي فرح بين أعشاب الخطيئة، وحتى أقل من ذلك بين أشواك الحقد والخصام. عندما تكُنّ الضغينة لأخيك، فإن السلام لا يسكن قلبك.
من ناحية أخرى، كم تشعر روحك بالنور إذا ما تصالحت مع عدوّك! فإنك سترغب، كما العصفور المُحرّر من القفص، أن تطير الى السماء لشدّة فرحك. إنك تسرّ بالمصالحة أكثر مما لو وجدت كنزاً. بالتأكيد، فإنك قد وجدت ما هو أثمن من الكنوز. إنك قد وجدت المحبة وتغلّبت على عدوّك محوّلاً إياه من خصم الى أخ. يعبّر الناس البسطاء عن ذلك بشكل جيّد: “الخصام عمل الشيطان”. هذا هو سبب جلبِه الظلام إلى النفس ليوقعها في الغم والعذاب كما لو أنها في الجحيم. إن نعمة الله التي تجلب السلام والفرح للقلب، تهرب من الحاقد. إذا كان “الخصام عمل الشيطان” فالمصالحة عمل الله. من أثمن عطايا الله السلام. عندما توجد المصالحة فإن الظلام يتلاشى من نفوس مَن كانوا لا يزالون في الحقد ويستقرّ هناك سلام الله، نور الله وفرح الله. إن نعمة الله تحلّ على من وجدوا المصالحة، وهم يشعرون كما لو أنهم في الفردوس.

إليكم نموذجا حياة من روسيا. خَدم في إحدى القرى كاهن كان دائم الشجار مع قارئ الكنيسة. لم يكن القارئ قد أنهى دراسته اللاهوتيّة، لذا لم يستطع أن يصير كاهناً، فكان حلمه أن يصبح، على الأقل شماساً. لسوء الحظ، لم يكن بإمكانه الاعتماد على دعم الكاهن الذي يكرهه ويتشاجر معه بفظاظة. في إحدى المرّات تشاجر الكاهن والقارئ خلال إحدى الخدم. فعلا صوت الكاهن ولم يتراجع القارئ بل ردّ عليه بكلمات مُهينة. غضب الكاهن وهمَّ بضرب القارئ بالمبخرة. فقام الأخير برمي الكتب على الكاهن، وانتهى بهما الأمر الى العراك بكل معنى الكلمة والناس في اضطراب وغمّ. انتشر خبر عراك الكاهن والقارئ في هيكل الله في كلّ القرية، ونُقل الأمر الى الأسقف في المدينة. كان ذلك الأسقف رجلاً بالغ الحكمة. فأرسل في طلب الكاهن والقارئ للإستفسار منهما واكتشاف الشخص المُلام. نادى على الكاهن أولاً وسأله:
– أخبرني كيف حدث الأمر. إعترفْ بالحقيقة بكلّ صدق.
راح الكاهن الخائف يبرر نفسه
– أيها السيّد القديس، كنت أقوم بالخدمة في الكنيسة وطلبت من القارئ أن يقرأ ببطء أكثر، لكنه هاجمني بإهانات وبدأ برمي كتب الخِدم عليّ، حتى أنّه لكمني بقبضته. ففتّشت على المبخرة لأدافع عن نفسي، لكنني لم أفعل له أي شيء.
– إذاً فهو المُلام؟ سأل الأسقف.
– نعم أيها السيّد القديس، إنّ اللوم يقع عليه.
– إذاً فهو الذي بدأ بالعراك؟
– نعم أيها الأسقف، هو من بدأ بالعراك.
– إذاً فأنت شهيد. أيها الرجل المسكين كم عانيت مع هذا القارئ الحاقد ولم تشتكِ أبداًّ! هذا ما فكّرت به كمكافأة تعوّض عليك: سوف أُرفِّعُك، غداً، الى رتبة المتقدِّم في الكهنة. هل سمعت يا بنيّ، وكن جاهزاً غداً.
تأثّر الكاهن بخطورة الأمر غير المتوقّع فقال: “لكن، أيُها الأسقف، لستُ مستحقاً أن أكون متقدّماً في الكهنة. إنني مذنب بسبب العراك، ويبدو أن ذنبي أكبر من ذنب القارئ، فأنا من بدأ بالعراك.”
– إذاً، لديك ضمير حي؟ المجد لله، المجد لله!
قالها الأسقف بفرح وتابع: “لذلك، فأنت مستحقّ كلياً درجة المتقدّم في الكهنة”.
بدأ الكاهن بالبكاء، شعوراً منه بالندم.
ثم أرسل الأسقف في طلب القارئ. دخل هذا الأخير مُضطرباً فرأى الكاهن يبكي والأسقف غير متجهم بل مبتسماً كأب. سأله الأسقف:
– ماذا تقول، من بدأ الشجار؟
– لم يكن أنا، بل الكاهن
قال القارئ الخائف مبرراً نفسه.
– لقد قال الكاهن الشيء نفسه بأنه هو المُلام. هذا يعني أنك بريء لأنك تحمّلت، كما يفعل الشهداء، مضايقات وإهانات الكاهن لمدّة طويلة. لقد قررت رسامتك شماساً في الغد، ها أنت جاهز؟
لقد كان القارئ يتوقّع عقاباً، لكنّه الآن يتلقّى عرضاً برفعه لرتبة الشموسية وهو ما كان يحلم به منذ زمن. إلا أن نفسه كانت مضطربة. لم يكن يشعر بأنه مستعد للشموسية بسبب خلافه مع الكاهن. فجأة… انطرح على قدميّ الأسقف قائلاً، من خلال دموعه: “أيها السيّد القديس، لستُ مستحقاً أن أكون شماساً. إن اللوم يقع عليّ أكثر من الكاهن”.
فما كان من الأسقف إلا أن أنهضه عن الأرض واحتضنه قائلاً: “لقد أصبحت الآن أكثر استحقاقاً لأنّك تُبتَ كما تاب الكاهن. لهذا السبب بالضبط سأقوم برسامته متقدّماً في الكهنة أما أنت فشماساً. سلّما على بعضكما”.
تعانق مَن كانا عدوّين سابقاً طالبَين الغفران كلٌّ من الآخر بندم عميق. وفي اليوم التالي، خلال القداس الإلهي، قام الأسقف بمكافأة كلّ منهما بالرتبة التي وعده بها، ثم أرسلهما بسلام الى قريتهما.
عادا مُتصالحَين مسرورَين وذلك أمام دهشة كل أهل القرية. ومن ذلك اليوم عاشا كما يعيش الإخوة الحقيقيون دون أن يتخاصما أبداً.

إليكم مثلاً آخر من روسيا.
كان كاهن وشماس إحدى الكنائس يكرهان للغاية أحدهما الآخر وكانا دائما المخاصمة. لا يجب أن تفاجأوا، أيها الأخوة والأخوات، بأنه من الممكن أيضاً أن يتخاصموا أحياناً. إنهم يذودون عن القلعة الروحيّة – أي الكنيسة – فكثيراً ما يقوم الشيطان بشنّ حربه عليهم. عاش الكاهن والشماس في نزاع لفترة طويلة، مما جعل هذا الخصام، في النهاية، يصل الى حد عدم تحمّل أحدهما النظر الى الآخر. لقد تسمّمت حياتهما. لم يستطع الكاهن، في نهاية الأمر، أن يتحمّل العيش على هذا النحو، فلجأ الى ناسك قدّيس طلباً للمشورة. أخبر الناسك كلّ شيء، كيف يختلف والشماس حول أبسط الأمور وكيف أن كرههما لبعضهما كان ينمو يومياً، كيف أن الشماس، رغم كونه في رتبة أقل من الكاهن، لا يحترم هذا الأخير الذي لم يعد يستطيع تحمله أكثر من ذلك، لذا فقد قرر ترك الرعية. سأل الكاهن: “بماذا تنصحني؟”
أعطى الناسكُ الكاهنَ أفضلَ وأصعب مشورة: “إلزم الصمت وتحلَّ بالصبر. تحمّل كلّ شيء باستمرار، والرب سوف يُساعدك على تغيير خصمك والتغلب عليه”. قرر الكاهن تجريب هذه النصيحة كفرصة أخيرة.
عندما عاد الى رعيّته، صدف أنّه كان عليه إقامة إحدى الخدم مع الشماس. خلال الخدمة، طلب من الشماس بلطف: “ناولني الصليب”.
– “خذه بنفسك”. أجاب الشماس بنزق وتابع: “لستُ خادمك”.
لم ينبس الكاهن ببنت شفة بل ذهب وجلب الصليب. كان الشماس متفاجئاً من أن الأمر لم يتطوّر الى الشتم والإهانات كما يحدث عادة. في المرة التالية، عندما كان على الإثنين أن يخدما معاً، قام الشماس بتعنيف الكاهن لسبب ما، إلا أن الأخير تحمّل كلّ شيء بصبر. استمرّ ذلك لفترة. كان الكاهن يتحمّل بهدوء الى أن بدأ الشماس ينتبه لتصرّفاته حتى أصبح يخجل مما يقوم به.
“كم أنا سيّئ” فكّر في نفسه “أنا أتنمر على الكاهن الذي هو أعلى رتبة مني. لكنه لا يعنفني بل يتحمل كل ما يبدر مني. سأذهب إليه طالباً الصفح.”
كم كان الكاهن الصبور متفاجئاً ومُتأثراً عندما رأى الشماس آتياً الى بيته ساجداً أمامه وطالباً منه المُسامحة بدموع. تعانق الإثنان وتصالحا. وبقدر ما كان يكره أحدهما الآخر سابقاً، أحبّ أحدهما الآخر بعد ذلك.
هكذا تكون ثمار الغفران المُتبادل.

Leave a Reply