بعض الإفتراضات المسبقة المتعلقة باللاهوت الخلاصي

في المجامع المسكونية السبعة

الأب يوحنا رومانيدس

ملاحظة

توصل الإفرنج وحلفاؤهم التيوتونيون إلى تسمية أنفسهم إفرنج. نحن نسمي هذا الحلف ذا الطابع التيوتوني بإسم الفرنكو لاتين لكي نميزهم عن اللاتين الحقيقيين في التاريخ الروماني.

أ. صياغات العقيدة وسر الله

1) يجب أن نميز بين صياغات العقيدة حول أسرار الثالوث القدوس والتجسد والحياة في مجد ملاك المجلس الأعظم قبل وبعد تجسده وحياة المؤمنين في جسده، الكنيسة. فالصياغات العقائدية هي موجهات وسط الحيرة التي تسببها الإنحرافات الهرطقية عن درب الشفاء الضيق الذي يوصل إلى التمجيد/ الصلب في المسيح.

من أجل ذلك، ما يوصل إلى الشفاء هو أرثوذكسي وما يبعد عنه هو هرطوقي. طريقة أخرى لقول هذا هو أن العقيدة ليست ماورائية بالطبيعة وأرثوذكسية العقيدة يحددها نجاح العلاج التي توصل إليه، لأنها ليست نهاية بحد ذاتها. وفي نهاية المطاف يكمن “مجيء الكامل” (1كو 13 :10) حين نرى رب المجد في هذه الحياة “وجهاً لوجه” (1 كو 13 :12) حيث الكلمات والمفاهيم عن الله تبطل.

خبرة التمجد/ التأله هي ما أنتج أنبياء العهد القديم والرسل وأنبياء العهد الجديد والتقليد الآبائي وصياغات العقيدة هي فقط مؤشرات على هذا الطريق الضيق. ولكنها لا تصف مجد “الكامل” غير المخلوق كما أنها لا تكشف جوهره أو طبيعته التي لا يعرفها إلا هو نفسه أي أفراد الثالوث القدوس.

2) الCredo ut intellegam هي إفتراضات بأن الإنسان يصل بالإيمان، على الأقل، إلى فهم جزئي لمادة أو جوهر الله خلف الصياغات العقائدية وهذه الإفتراضات هي مسبقة في اللاهوت الفرنكو – لاتيني ولم يعرفها آباء المجامع المسكونية الروميين. نقطة الإنطلاق الفرنكو – لاتينية هذه ظهرت مع انسلم كانتربري وارتكزت على التأملات الأوغسطينية الموروثة، مثل الخلاص وغيرها…. يجد المرء في هذين المسعيين (مسعى اوغسطين ومسعى السكولاستيين) خلطاً بين صياغات العقيدة وأسرار الإتحاد بالله التي إليها فقط تشير هذه الصياغات. فكرة أن المرء يؤمن بتعاليم الكنيسة لكي يفهم عقلياً الأسرار، هي إلى حد ما ميزة الهراطقة أمثال بولس سموزاتا والآريوسيين والأفنوميين والنساطرة.

3) موقع الصياغات العقائدية المذكور أعلاه معروف فقط من خبرات الذين تمجدوا في العهد القديم، اقله من ابراهيم حتى يوحنا، حيث لا يوجد أي تشابه بين الله غير المخلوق ومخلوقاته. وبسبب ذلك لا يكون التعبير عنه فقط مستحيلاً إنما أيضاً يستحيل تخيله. نكرر أن هذه الحقيقة تعرف فقط بالتمجيد/ الصلب/ المصالحة/ التأله لدى بطاركة وأنبياء العهد القديم وبرسل وأنبياء العهد الجديد وخلفائهم في جسم المسيح.

4) الفرق بين العهدين القديم والجديد هو تجسد الرب ملاك المجد وإلغاء موتهم في قيامة المسيح مع مؤمني العهد الجديد. لقد مات الذين تمجدوا قبل تجسد ملاك المجمع الأعظم ولكن أرواحهم أقيمت مع هذا الملاك لكي يصبحوا أعضاءً في جسده الكنيسة. المستنيرون والمتمجدون بالملاك المتجسد يشاركون في القيامة الأولى لأرواحهم التي لا تموت مع أجسادهم (يو 8 :51) ويستمرون كأعضاء في جسد المسيح مع مؤمني العهد القديم بإنتظار قيامة الأجساد العامة.

5) الهدف الوحيد في صياغات العقيدة في المجامع المحلية والمسكونية هو حماية المؤمن من أفكار الذين قد يقودونه بعيداً عن العلاج بالتمجد/ الصلب/ المصالحة في رب المجد. كل الحقيقة المعلنة في العنصرة المستمرة في كل من التمجدات التاريخية غير قابلة للزيادة أو التحسن.

ب. اللاهوت الخلاصي

6) الكتاب المقدس هو سجل الأعمال الخلاصية المجيدة التي عملها الرب بملاك المجد خاصته قبل وبعد تجسده. هذا الملاك أرشد وخلص شعبه وبطاركته وأنبياءه في العهد القديم وهو يرشد ويخلص مؤمنيه من خلال رسله وأنبيائه في العهد الجديد منذ العنصرة حتى المنتهى. أفراد شعب الله ليسوا مخلَّصين كأنفس نيوبلاتونية تبحث عن حياة مغبوطة beata vita وبالتالي بدون الجسد. بخلاف المسلمين، لم يستطع السكولا ستيكيون الفرنكو – لاتين تصور سبب ضرورة الجسد في حالة الـ beata vita المقبلة. بعكس هذا، أعضاء شعب الله هم أعضاء مجتمعهم بأجسادهم. البشر ليسوا أجسادهم وحدها ولا نفوسهم وحدها ولكن الإثنين معاً وبالفعل، في مجتمعهم حيث هم شعب الله المؤمن.

7) الترانيم الأرثوذكسية تمدح بتكرار المسيح ما قبل المتجسد، أي رب المجد، لأنه خلص إسرائيل من أعدائه الجسديين والروحيين ودمجه بجسده في الكنيسة.

8) هناك وجهان للخلاص: الأول بالتمجد في جسد المسيح أي الكنيسة، والثاني هو رؤية نفس هذا المجد – مجد المسيح – غير المخلوق كأنه نيران الجحيم والظلمة الخارجية. الإثنان هما نتيجة محبة الله لكل الخليقة إذ أنه يحب الملعون والممجد بالتساوي. (أنظر 1 تيم 4 :10). الجميع مخلَّصون، لكن المؤمنين هم مخلَّصون بالفعل لأنهم اختاروا أن يُشفوا من خلال تمجدهم وصلبهم مع المسيح وبعضهم البعض.

9) إن الأمر هكذا لأن المجد ليس مفروضاً على البشر والملائكة على غير إرادتهم. فهو عطية من الله على الناس أن يختاروها ويعملوا لها. عند اختيارها يُعطى المؤمن القوة للعبور في التطهر واستنارة القلب والوصول إلى التمجد الذي قد يدوم لفترات مختلفة في هذه الحياة. أما في الحياة المقبلة فينتقل الممجَد من مجد إلى مجد إلى غير نهاية.

10) إنتقاء الملائكة لمجد الله او لا، كان في الأزمنة المخلوقة (الأزل) وقبل خلق الوقت. وقد قبِل الملائكة طريقة المجد هذه أو رفضوها بقدر قدرتهم الزمنية(dimension) . ولأن هذا حدث كان في الأزل وليس في الوقت فلم يكن هناك من ندامة. الملائكة الذين قبلوا هذه الطريقة في الزمن هم كاملون إلى ما لا نهاية وهم مدموجون مع أعضاء جسد المسيح الممجَدون من مجد إلى مجد ومن جيل الى جيل. وعلى عكس هذا الخلاص فالجحيم الذي يختاره الشخص يتحول الى مجرد ركود، أي إلى الحياة المغبوطة التي لدى بعض الأديان الوثنية والتقليد الأوغسطيني.

11) بخلاف إله النيو افلاطونيين والسكولا ستيكيين، إله ال،بياء هو نفسه ليس محرِكاً وغير متحرك إنما هو متحرتك لأنه ولا بأي شكل مقارن بمخلوقاته.

12) إذاً الرؤية الفرنكو – لاتينية المبهجة إلى الله في الحقيقة الكاملة والجنة الجامدة، هي في الواقع كل ما هو الجحيم. هذا الجحيم في الحياة المغبوطة هو المكافأة الطبيعية للذين أبقوا كل حياتهم للسعادة، الأرضية أو السماوية. هذه المكافأة من السعادة هي نتيجة محبة الله للذين رفضوا عطيته من التمجيد/ الصلب أي المحبة المفرغة ذاتها. الله يعطيهم السعادة التي ناضلوا لها في حياتهم الأنانية ليس للمعاقبة بل بسبب المحبة.

(قرر الأرثوذكس حذف المقطع السابق من النسخة النهائية)

ج. رب المجد، طبيب نفوسنا وأجسادنا

12) يشير الآباء والصلوات الأرثوذكسية بشكل دائم إلى الرب المتجسد كطبيب نفوس وأجساد المؤمنين والسبب أنه هو بالتحديد هذا الطبيب. ليس من باب المجاز أن الرسول بولس يتكلم إلى اولئك الذين “يأكلون” و “يشربون” من الكأس “بدون استحقاق” بتسلسل تنازلي على أنهم “ضعفاء ومرضى” و “أموات” (1 كو 11 : 27 – 30). هذه المجموعات الثلاث هي “الأشخاص العاديين (العلمانيين)” الذين يقولون “آمين” في الصلوات المشتركة (الجماعية). هم إما “ضعفاء” وهي حالة من التطهر، أو “مرضى” وهي لا تعني بالحقيقة أنهم على درب الشفاء، و “الأموات” هم الذين لا يختلف اشتراكهم في مجد المسيح عن غير المؤمنين. إنهم لم يصبحوا بعد “أعضاء في جسد المسيح” و “هياكل للروح القدس” لأنهم لا يصلّون بعد ولا يرددون المزامير في نفوسهم على خلاف الصلوات والمزامير التي يرددونها في أفكارهم.

13) يوجد ضمنياً في هذا التسلسل المرضي عملية بيولوجية أو عصبية أو قوة في القلب مريضة. يسمي بولس هذه القوة “روحاً بشرية في القلب حيث يفحص الروح القدس أن الإنسان أصبح إبناً لله عندما يمتلك على الأقل أنواعاً من الألسن”. لأسباب أشرحها في مكان آخر توصل الآباء إلى تسمية روح بولس بعبارةnoera energeia التي ترجمتها “ملكة النوس”. إذاً العبادة الجماعية تسمى “العبادة العقلية” والصلاة في القلب تدعى “صلاة النوس.

د. إستثناءات

14) لا داعي للقول أن المواقف التالية لا مكان لها في السياق السابق:

أ – بأن البشرية ورثت خطيئة آدم وحواء وبالتالي هي تستحق الدينونة الأبدية.

ب – إن الله اختار البعض من اولئك المذنبين ليخلصوا بدون استحقاق شخصي.

ج – إن المسيح مات على الصليب فقط من أجلهم.

د – إن المسيح يحب فقط اولئك الخطأة المتجهين إلى النعيم.

ه – أنه كان على المسيح أن يصلب ليصالح الله مع البشر.

15) عبارة “من أجل ذلك” في رومية 5 :12 لها تاريخ مستمر وغير منقطع وتظهر في الرسائل البابوية القانونية حتى اليوم. هنا لدينا الشكل المذكر. الكلمة الوحيدة التي قد تشير إليها العبارة هي الكلمة المذكر موت التي تسبقها (طبعاً الكلام عن النص اليوناني). الترجمة الصحيحة هي إذاً “بسبب ذلك الموت أخطأ الجميع”. هنا لا يستعمل بولس الموت كنهاية لحياة الإنسان بل كمرض الإنسان الحي لأنه محروم من مجد الرب وهذا جذر الخطيئة. بكلام آخر “الكل أخطأوا وحرموا من مجد الله”. هذا هو مرض الإنسانية الأساسي الذي يحتاج إلى الشفاء بالتمجيد. ما فعله الفرنكو – لاتين للمسيحية بهذه العبارة “من أجل ذلك” هو بالتالي صاعق مذهل.

16) في كتابة التقرير عن تطور الحوار اللوثري – الأرثوذكسي، في اللقاء السابع في تموز 1993 ، رسمنا بعض خطوط المواضيع الأكثر أهمية للمعالجة بما يتعلق الإعتبارات المسبقة الخلاصية في المجامع المسكونية. بالطبع، الأكثر أهمية هو مماثلة (مطابقة) المسيح مع ملاك الرب في العليقة المحترقة، الخ. هذه المطابقة هي العالقة بين الأرثوذكس والهراطقة في مجادلات المجمعين المسكونين الأول والثاني. يبدو أنه على المرء أن يميز بين آرائه الشخصية حول إن كان الآباء محقون في هذه النقطة أو إن كانوا بالفعل يفعلون هذه المماثلة. كل المجامع المسكونية تعتمد هذه المماثلة. لهذا السبب أشارت الكتابة إلى أن لا اوغسطين ولا أي من أتباعه قبلوا أياً من المجامع المسكونية الرومانية.

17) إشارة أخرى من الإشارات الأكثر أهمية إلى أن الفرنكو – لاتين لم يقبلوا بالحقيقة المجامع المسكونية السبعة هو إضافتهم الفيليوك إلى دستور الإيمان. في خبرة التمجد، يبقى ما هو شخصي (اقنومي) في الثالوث يخص واحد من الأقانيم وما هو مشترك يخص الثلاثة.

ه. قبول المجامع

18) المجامع المحلية والمسكونية مقبولة لأنها تدافع عن طريقة رب المجد في شفاء الشخصية البشرية منذ العهد القديم إلى اليوم. لم تكن الكنيسة مهتمة يوماً بوحدتها كنهاية بحد ذاتها إنما اهتمامها فقط في إطار شفاء المؤمنين بالتطهر – الإستنارة – التمجيد – وعلينا تحديد معنى قبول المجامع المسكونية السبعة في هذا الإطار.

قُدِّمت في اللقاء التحضيري اللوثري-الأرثوذكسي، 5-10 تموز 1994، البندقية-ايطاليا

Leave a Reply