لماذا عارض البابا غريغوريوس الكبير استعمال لقب “البطريرك المسكوني”

لماذا عارض البابا غريغوريوس الكبير استعمال لقب “البطريرك المسكوني”

جون نيشيبوروك

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في القرن السادس، صار أسقف القسطنطينية يُعرف رسميًا للمرة الأولى باسم “البطريرك المسكوني”. ما معنى هذا اللقب الذي يحمله رئيس كنيسة القسطنطينية حتى يومنا هذا؟ لماذا عارض القديس غريغوريوس الكبير، المعروف في البلاد السلافية باسم القديس غريغوريوس الذيالوغوس، هذا الاسم بشدة؟

لقب “البطريرك المسكوني”

بدأ كل شيء في مجمع القسطنطينية عام 588 الذي انعقد حول قضية البطريرك غريغوريوس الأنطاكي. الحق في أن يُدعى “البطريرك المسكوني” [1] أُعطي في حينه لأسقف روما الجديدة. في الواقع، لم يكن هذا اللقب جديدًا على الإطلاق إذ قد تمّ استخدامه من قبل، ليس فقط لبطريرك القسطنطينية فحسب، بل للإشارة أيضًا إلى رؤساء الكنائس الأخرى. لذلك، أول مرّة استُخدم لقب “المسكوني” كان للأسقف ديوسقورس الإسكندري، الذي لعب دورًا محزنًا في مجمع أفسس الثاني عام 449، المعروف أيضًا باسم “المجمع اللصوصي”. في وقت لاحق أُعطي هذا اللقب لمتقدّم روما الجديدة في مجمع 518، لذا استخدمه الإمبراطور يوستنيانوس لمخاطبة ميناس بطريرك القسطنطينية. تذكر بعض النسخ اللاتينية من أعمال المجمع المسكوني الرابع أيضًا اقتراحًا للتوجّه إلى القديس لاوون بابا روما  بصفة “مسكوني”. في المراسلات بين الأساقفة، كعلامة على التبجيل الخاص، كان باباوات روما هرمسداس وأغابيتوس وبونيفاس الثاني يخاطبون بعضهم البعض أحيانًا بهذه الصفة. والجدير بالذكر أن باباوات روما المذكورين أعلاه لم يطلقوا أبدًا هذا الاسم الفخري على أنفسهم [2].

ومع ذلك ، عندما أصبح هذا اللقب رسميًا لأسقف القسطنطينية، احتجّ البابا بيلاجيوس على هذا القرار ونهى مبعوثه إلى القسطنطينية عن الاشتراك في الخدمة مع البطريرك البيزنطي ما عنى في الواقع قطعًا في الشركة الإفخارستية. في حينه كان مبعوث روما غريغوريوس، بابا المستقبل العظيم المعروف باسم الذيالوغوس (المحاور). بعد اعتلاء عرش روما القديمة الرسولي، امتنع غريغوريوس لبعض الوقت عن معارضة اللقب الجديد لبطريرك القسطنطينية. لكن نفد صبره عندما انتهك بطريرك وإمبراطور القسطنطينية بشكل صارخ سلطة روما الكنسية، ورشحا مرشحهم لمنصب رئيس أساقفة سالونا (سبليت في كرواتيا الحالية) بعد طرد مرشح البابا غريغوريوس. ما كانت حجج البابا الروماني ضد اللقب الجديد؟

“المسكوني” بمقابل المزاملة

قد تكون إحدى الحجج الرئيسية عند بابا روما مماثلة لما يمكن سماعه عادة من شفاه المدافعين الأرثوذكس عن المجمعية، إذ يجادلون ضد المفهوم الكاثوليكي للسيادة البابوية الشاملة. أكد القديس غريغوريوس أن لقب “المسكوني” قد رفع حامله بشكل غير لائق، وبذلك أذلّ أساقفة آخرين لهم نفس السلطة الأسرارية. بحسب غريغوريوس، حتى الرسل لم يجرؤوا على اتّخاذ مثل هذه الألقاب النافرة. بالأحرى هم كانوا رؤساء الجماعات المسيحية التي أنشأوها وفي نفس الوقت استمروا “أعضاء متساوين تحت رأس واحد” (المسيح). في رسالته إلى الإمبراطور موريس، نادى غريغوريوس أنه حتى الرسول بطرس، الذي أُعطي “رعاية ورئاسة الكنيسة بأكملها”، لم يجرؤ على أن يُدعى رسولًا مسكونيًا. عبّر البابا عن أفكار مماثلة في رسائله إلى البطاركة الشرقيين الآخرين، مؤكداً حقيقة أن جميع البطاركة هم رعاة وإخوة

مسكوني بمقابل مَلَكي

ومع ذلك، لم يجد غريغوريوس أيّ دعم في هذا الأمر عند الرئاسات الشرقية، ولا حتى بين أولئك الذين جمعتهم صداقة شخصية مع البابا. اعتاد رؤساء الكنائس الشرقيون على الألقاب الطنانة ولم يهتّموا بها كثيرًا. كان التفسير التقليدي للقب “المسكوني” مرتبطًا بالقسطنطينية باعتبارها المدينة الرئيسية والأكبر في الإمبراطورية الرومية المسيحية، مدينة بالفعل، مركز الكون [3]  والعالم الروماني [4] معاً. هذا أهّل بطريرك القسطنطينية أيضًا لأن يستحق أن يُدعى مسكونيًا. كان لبطاركة القسطنطينية بلا شك وزنٌ وتأثير كنسيٌ أكبر من إخوتهم الشرقيين، بطاركة الإسكندرية وأنطاكية والقدس. وعلى الرغم من ذلك، فإن لقب البطريرك المسكوني لم يحوّل حامله إلى رأس الكنيسة المطلق، كما صار البابا بعد تبني الفاتيكان لهذه العقيدة

لم تقبل الرئاسات الشرقية تحذيرات أخيهم الروماني، وصار لقب “البطريرك المسكوني” جزءًا من تقليد الكنيسة الأرثوذكسية. ومن المفارقات أن ما خشاه القديس غريغوريوس الكبير بالتحديد عادت وتبنّته كنيسة روما. فالإكليسيولوجيا الكاثوليكية تفترض مسبقًا الحاجة إلى وجود رأس كامل السلطة [5] في الكنيسة الجامعة. في المقابل، بالمنطق الأرثوذكسي، البطريرك المسكوني الأرثوذكسي هو رئيس كنيسة القسطنطينية الكبرى، لكنه الأول بين متساوين [6]، ما يمنحه صلاحيات وحقوق خاصة منصوص عليها في تقاليد الكنيسة والقانون الكنسي دون أن يجعل سلطته مسكونية. بهذا يتم الحفاظ على التوازن بين المجمعية والأولوية

[1] οἰκουμενικὸς

[2] Dudden F. Homes. Gregory the Great. His Place in History and Thought

[3] Ecumene

[4] Pax Romana

[5] Pontifex Maximus

[6] primus inter pares

Source:https://blog.obitel-minsk.com/2020/09/why-pope-gregory-the-great-opposed-using-the-title-ecumenical-patriarch.html

أزمة أوكرانيا وحال الأرثوذكسية في العالم

أزمة أوكرانيا وحال الأرثوذكسية في العالم

الأب أنطوان ملكي

بعض التاريخ

عرفت أوكرانيا المسيحية منذ القرون الأولى. يحكي التقليد عن أن الرسول أندراوس الذي تنقّل على شواطئ البحر الأسود في بلاد الإسكيثيين وصل إلى أوكرانيا وعلّم على بعض التلال وزرع صليباً وتنبأ بأن هناك سوف تنشأ مدينة مسيحية عظيمة، هي ما صار لاحقاً كييف. نشأ في المنطقة التي تشكّل اليوم أوكرانيا عدد من الأبرشيات، وكان من بين أساقفتها مَن شارك في المجامع المسكونية بدءً من الأول. هذه الأبرشيات تبع بعضُها روما والبعض الآخر القسطنطينية، بحسب منشئيها.

القديسان كيرللس ومثوديوس خرجا من القسطنطينية مبعوثَين إلى تبشير الخزر بطلب من ملكهم مورافيا الكبير. توقّف القديسان في أوكرانيا حيث وضعا الأبجدية الغلاغوليتية، التي صارت لاحقاً السلافونية، والتي منها استُنبِط الخط الكيرللي. هذه اللغة أتاحت ترجمة الإنجيل والكتب الطقسية من اليونانية إلى السلافونية لاستعمال المؤمنين المنضمّين إلى المسيحية على يدي القديسَين. على ما يظهر من التاريخ أن القديسَين وجدا بعض الكهنة اللاتين في أوكرانيا ونشأ بعض التوتر بينهم ما استدعى أن يستنجد القديسان بأسقف روما الذي قدّم لهما الدعم.

الوضع القائم

اليوم يوجد في أوكرانيا 3 مجموعات أرثوذكسية. الأولى والأقدم هي التابعة لبطريركية موسكو، وهي الأكبر من حيث عدد الرعايا والمؤمنين وتضمّ حوالي السبعين بالمئة من الرعايا والمؤمنين الأوكرانيين، اي ما يزيد عن العشرة آلاف كنيسة. وجود هذه الكنيسة شامل في الشرق ويضعف في الغرب أما في كييف فهي الأكبر ولكن بفرق قليل عن بطريريكية كييف (الثانية من حيث الحجم). تتمتّع هذه الكنيسة باستقلال ذاتي ضمن الكنيسة الروسية وتمارس علاقات طبيعية مع كل الكراسي الأرثوذكسية. على رأسها الميتروبوليت أونوفريوس منذ 2014.

الثانية هي كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية، بطريركية كييف. هذه نشأت في 1992، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا عن موسكو. هذه لا تعترف بها أي من الكراسي الأرثوذكسية، وهي تتمتّع بدعم من الحكومة الأوكرانية. يرأسها (البطريرك) فيلاريت الذي كان قبلاً رئيس أساقفة كييف وهو اليوم محروم من الكنيسة الروسية. تضمّ هذه المجموعة ما أقلّ من الثلاثين بالمئة من الرعايا الأوكرانية ولها امتداد في أميركا الشمالية وأوستراليا.

المجموعة الثالثة هي كنيسة أوكرانيا الأورثوذكسية المستقلة. هذه نشأت في 1921 ودعمها الحكم السوفياتي ثم عاد فاضطهدها ثم أحياها الوجود النازي في الحرب العالمية الثانية ما دفع السوفيات إلى نفي رؤسائها بعد الحرب. عاد السوفيات واعترفوا بها في 1980 مع بقاء بطريركها في المنفى. بعد وفاة البطريرك في 1993 حصلت على اعتراف رسمي من الدولة بأنها كنيسة مستقلة من بعد وحدةٍ قصيرة مع بطريركية كييف. ومن بعد هذه المرحلة تطوّر الحوار مع الكنيسة الروسية دون أن يصل إلى نتيجة إلى اليوم. في داخل أوكرانيا هي المجموعة الثالثة من حيث الحجم، لكن قوتها كانت في المهاجر حيث أنشأت في 1990 الكنيسة الأوكرانية في كندا والكنيسة الأوكرانية في الولايات المتحدة الأميركية، اللتين ضمّهما البطريرك المسكوني في 1995 إليه مستنداً إلى نصوص نقل كرسي كييف إلى كنيسة موسكو في 1686، معتبراً أن النص لا يحكي عن نقل كامل. هذه الفذلكة أنتجها يوحنا زيزيولاس، مطران برغامون في الكرسي القسطنطيني، وهو لاهوتي معروف في العالم، وهو صاحب فذلكات عديدة أدّت إلى مشاكل مع كنائس أخرى، كاليونان مثلاً.

في أيلول 1997، التقى في أوديسا (اوكرانيا) البطاركة المسكوني برثلماوس والروسي ألكسي والجيورجي إيليا. في حديث مع الصحفيين كان البطريرك المسكوني واضحاً في إدانته للمجموعات المنشقة عن الكنيسة القانونية التابعة لمجمع كنيسة موسكو. كان المفترض أن ينتهي اجتماع البطاركة الثلاثة ببيان يوزعونه في مؤتمر صحفي، ما لم يحدث. حيث تبيّن أن البيان والمؤتمر الصحفي أُلغيا بطلب مباشر وضغط من السفير الأميركي في كييف الذي اتصل بكل واحد من البطاركة مؤكّداً دعم بلاده لبطريركية كييف المنشقّة.

في الحرب الداخلية الأخيرة في أوكرانيا، وخاصةً من بعد انفصال القرم عنها وانضمامها إلى روسيا، ارتفعت حدة العلاقات بين المجموعات الثلاثة وصار تدخّل الدولة الأوكرانية ضد الكنيسة التابعة لبطريركة موسكو واضحاً. فالعديد من الكنائس تعرّضت لوضع اليد حيث كانت المجموعات التابعة لبطريركية كييف تهاجمها أثناء الصلاة فتطرد الكهنة وتعيّن مكانهم، مدعومة من الشرطة الأوكرانية. وأثناء المعارك التي دارت في السنوات الأخيرة، تعرضت العديد من الكنائس التابعة لموسكو إلى القصف المباشر ومنها أثناء الصلاة. في الأصل لم يكن الشعب الأوكراني مبالياً بالانقسامات، حيث أن الغالبية كانت تمارس عبادتها في الكنيسة القريبة منها بغض النظر عن انتمائها. اليوم ما زال هذا الأمر قائماً في المناطق التي لم تتعرّض لهزات أمنية، إجمالاً في الوسط. أظهرت بعض الإحصائيات أن غالبية الأوكرانيين لا يعرفون بالضبط الخلفية الحقيقية لتعدد الكنائس في بلادهم.

في كانون الثاني 2017 كتب فيلاريت بطريرك كييف إلى بطريرك موسكو داعياً إلى الاتفاق، لكن الضغط السياسي ألزمه على سحب رسالته في اليوم التالي ما استدعى توقف الإعلام عنده.

ما أجج الخلاف مؤخراً هو ارتفاع وتيرة التواصل بين القسطنطينية وبطريركية كييف، واستقبال المطران يوحنا زيزيولاس، ممثلاً البطريرك برثلماوس، وفداً من الأوكران حيث أعلن أمامهم أن نقل متروبوليتية كييف إلى بطريركية موسكو، في 1686، كان ذا طبيعة مؤقتة. ما زاد من حدة الخلاف هو موقف الدولة الأوكرانية حيث أن رئيسها بترو بوروشينكو أيضاً قام بزيارة القسطنطينية وطلب من البطريرك الاعتراف بكنيسة أوكرانية مستقلّة تضمّ كل المجموعات.

موسكو اعتبرت، على لسان الميتروبوليت إيلاريون رئيس قسم العلاقات الخارجية، أن كلام القسطنطينية عن أن نقل متروبوليتية كييف إلى بطريركية موسكو كان مؤقتاً كلاماً غير مؤكّد ولا وثائق تظهره. إيلاريون أكّد أن حجم الوثائق الموجودة يفوق 900 صفحة من السلافونية واليونانية ولا يوجد أي إشارة فيها إلى أنّ النقل كان مؤقتاً، وأن أياً من البطاركة المسكونيين لم يشكك بانتماء كييف إلى كنيسة موسكو خلال كل هذه السنوات. كما ركّز على أن حجم الميتروبوليتية عندما تمّ ضمها إلى موسكو كان دون الحجم الحالي بكثير، حيث أن أوديسا أو دونتسك والقرم لم يكونا جزءً منها.

توقّع العديد أن يتطرق مجمع كنيسة القسطنطينية، في جلسة عقدها في أول حزيران 2018، إلى استقلال أوكرانيا، والمتحمسون توقعوا إعلانه. لم يكن هناك أي إشارة إلى هذا الأمر. بالمقابل أرسلت القسطنطينية موفدين إلى الكنائس الأرثوذكسية الأخرى لمناقشة الأمر معها. في عيد الرسول برثلماوس، اعلن البطريرك المسكوني أن الكلام عن انشقاق يعني أن الملايين من الإخوة هم خارج الكنيسة، لهذا نحن مدعوون إلى يقظة روحية رسولية، وهذا ما تقوم به الكنيسة الأم (القسطنطينية) في حالتَي أوكرانيا ومقدونيا، حيث أن مسؤوليتنا هي جلب كل الأمم إلى الحق وقانونية الكنيسة“. هذه الحادثة تلاها كلام على لسان أحد أرشمندرية القسطنطينية بأن أحد عباقرة اللاهوت في جامعة أثينا قد كتب قراراً بشأن أوكرانيا والقرار ينتظر توقيع البطريك المسكوني.

ردّ الروس أتى على لسان الميتروبوليت إيلاريون الذي ذكّر بوثيقة اتفق عليها ممثلو الكنائس الأرثوذكسية في اللجنة التحضيرية في اجتماعهم في شامبيزي سنة 1993 ومن ثمّ أُقرَّت في 2009، عنوانها الاستقلالية وسبل إعلانها“. أهمّ ما في الوثيقة أمران: الأول هو أن الاستقلالية تُعطى إلى كنيسة محلية بموافقة الكنيسة التي سوف يتمّ الاستقلال عنها. والثاني هو أن الاستقلالية تُعطى على أساس إجماع أرثوذكسي.

في الأول من تموز الحالي، أجج البطريرك المسكوني الخلاف بقوله بأن القسطنطينية لم تعطِ أوكرانيا لأحد وبأنها ما زالت ضمن سلطتها. ودعماً لكلامه استشهد بقرار إعطاء الاستقلال لكنيسة بولونيا في 1924، حيث الشرط هو انتخاب رئيس الأساقفة م مجلس يضمّ إكليروساً وعلمانيين على أن توافق القسطنطينية، وفي حالت أوكرانيا، تقوم موسكو بالسيامة.

ماذا بعد؟

لا بشائر حلول في الأفق بالنسبة لأوكرانيا. التناغم القوي بين الكنيسة الروسية والدولة ممثلة بالرئيس فلاديمير بوتين، يزيد من الضغط الغربي لخلق انقسامات في المجتمعات الأرثوذكسية المرتبطة بشكل أو بآخر بالروس. على هذا الضوء تُفهم المشاكل القائمة اليوم حول كنيسة مكدونيا والتي تطال كنائس صربيا وبلغاريا والقسطنطينية. وكونه لا يمكن فصل قضية كنيسة مكدونيا عن أزمة اسم مكدونيا، فإن كنيسة اليونان تصير معنية أيضاً.

أغلب رؤساء الكنائس الأرثوذكسية عبّروا عن مواقفهم والتي لا تبدو في صالح المجموعتين المنشقتين عن الكنيسة الأم، أي كنيسة موسكو في أوكرانيا. أول موقف أنطاكي عبّر عنه الأسقف قيس صادق في كانون الأول 2016، حيث أعرب عن رفض تدخل السياسيين في أمور الكنيسة. البطريرك الأنطاكي يوحنا العاشر عبّر عن موقف واضح رافض لللانشقاق الحاصل وداعماً للكنيسة القانونية الروسية. بطريرك الاسكندرية ثيوذوروس الثاني كان واضحاً أيضاً في دعوته فيلاريت إلى التوبة والعودة إلى الكنيسة التي انشق عنها. روستيسلاف ميتروبوليت كنيسة تشيكيا وسلوفاكيا طلب من السياسيين عدم التدخل في أمور الكنيسة متحدثاً عن الدولة الأوكرانية. مجمع الكنيسة الأرثوذكسية البولونية دعا المنشقين إلى التوبة والعودة عن انشقاقهم حتى تكون الكنيسة الواحدة واحدة بالفعل. ييرونيموس رئيس اساقفة اليونان تلافى الإجابة على سؤال حول أوكرانيا بعد اجتماعه بالبطريرك المسكوني.

حال الأرثوذكسية اليوم

بالمقابل، على المقلب الآخر، أزمة أنطاكية مع القدس صارت من الماضي. لا أحد مهتمّ بها في العالم الأرثوذكسي إذ إن أوكرانيا أخذت كل الاهتمام وإليها تشخص الأنظار اليوم.

إن هذا الواقع المشحون خطير ومؤذٍ للكنيسة الأرثوذكسية حيث أن الخلاف الذي كان حول الشتات، أوروبا الغربية وأميركا وأوستراليا، انتقل اليوم ليصير داخل الكنائس. فقد أُهمِل الخلاف حول إنشاء كنائس مستقلة في الأميركيتين وأوستراليا، لينتقل إلى مناطق هي بالأصل من ضمن كنائس محددة.

من جهة أخرى، وهنا الخطر الأكبر، إن هذا الواقع معثِر للمؤمن الذي يرى الرئاسات الأرثوذكسية تختلف مع بعضها البعض على السلطة، بشكل يستنفد طاقتها وموارد الكنيسة. فيما المؤمنون يواجَهون يومياً بأسئلة كثيرة يطرحها هذا العصر وتستدعي إجابات سريعة غير متوفّرة. فاللاهوتيون في الكنائس مشغولون بتلبية طلبات الرؤساء من الدراسات التي تبرهن سلطتهم أو تدعمها في وجه الكنائس الأخرى، بدلاً من التفرّغ لمجابهة الأفكار والدعوات والتيارات الدهرية التي تهاجم الكنيسة وتستفرد بالمؤمنين.

العثرة الأخرى، خاصةً بوجود وسائط التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، هي في أن يرى المؤمن أن رؤساءه يتهافتون على الحوار واللقاءات مع غير الأرثوذكس ويصدِرون البيانات التي تطفح بالمحبة وبالكلام عن الوحدة والتغنّي بها، بينما يتقاتلون ويتجافون ويقاطعون ويقطعون بعضهم البعض.

يا رب يا رب اطلع من السماء وانظر وتعهّد هذه الكرمة وأصلحها لأن يمينك غرستها. لا شكّ عندنا أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها وأن مَن يصبر إلى المنتهى يخلص. نحن نؤمن يا رب فأعِن ضعف إيماننا.

الكوليفية وتجديد الهدوئية

الكوليفية وتجديد الهدوئية

اﻷب أنطوان ملكي

الكوليفيون (Kolyvades – Κολλυβάδες) هو اسم اﻵباء الهدوئيين، منذ القرن الثامن عشر. في كنيستنا اﻷرثوذكسية أكثر من حالة اُعطيَت اسماً من باب الهزء ومن ثمّ صار الاسم ثابتاً ومعروفاً. أهم هذه الحالات هو القديس سمعان اللاهوتي الحديث الذي سمّاه أعداؤه، إكليريكيو البلاط، ﻻهوتياً من باب السخرية، لكن الكنيسة عادت لاحقاً وثبّتت الاسم جاعلة هذا القديس واحداً من ثلاثة فيها. أمّا الحالة الثانية فهي الآباء الكوليفيون، وقد سمّاهم أعداؤهم بهذا الاسم نسبة إلى الكوليفا وهي القمح المسلوق الذي يقدّم في تذكارات الموتى أو أعياد القديسين مزيّناً وممزوجاً بعدة أشياء.

قصة الكوليفيين تعود إلى سنة 1754 في دير القديسة حنة في جبل أثوس. فقد كانت كنيسة الدير تخضع لبعض التصليحات ولم ينتهِ العمل بها قبل يوم سبت، فلم يقَم قداس واقترح بعض الرهبان نقل ذكرانية الموتى (التريصاجيون) إلى اﻷحد. سبب آخر أيضاً استدعى بالنسبة إلى البعض نقل الذكرانية إلى اﻷحد وهو أن السوق الكبير كان يُقام في كارياس عاصمة الجبل يوم السبت. فكان من اﻷنسب لرهبان دير القديسة حنة بسبب بعد الدير عن العاصمة أن ينتهوا من القداس باكراً ليلحقوا السوق. رفض أغلب الرهبان نقل الذكرانية ﻷن يوم اﻷحد، بحسب التقليد الشريف، هو يوم قيامة السيد بينما يوم السبت مخصص للأموات. تطوّر الخلاف بين المجموعتين وامتدّ إلى خارج جبل أثوس وطال مختلف أوجه الحياة الروحية. أطلِق اسم الكوليفيين على الذين رفضوا الذكرانيات يوم اﻷحد. فيما بالمقابل انطلق الكوليفيون إلى التغيير أو المطالبة بالتغيير والعودة إلى التقليد في كل اﻷمور التي لحقها الخروج عن التقليد أو الضعف.

فاستعمال الاسم بالشكل الهزئي المذكور كان للتعمية على أعمالهم اﻷخرى التي دعت وأدّت إلى التجديد والتنوير على أساس التقليد اﻵبائي والفيلوكاليا التي يعتَبَر جمعها أحد إنجازاتهم. عدد من الكوليفيين تعرّض للاضطهاد من قبَل اﻷرثوذكس أنفسهم بسبب التأثير الغربي الذي كانت كنيسة القسطنطينية تحته سواء بسبب حركات الاقتناص أو بسبب تأثير العلوم والتربية الغربية على الذين كانوا ينضمون إلى الجامعات الموجودة في الغرب والمفقودة في الشرق. لكن اﻷمر لم يبقَ على ما هو إذ إن الكنيسة في وقت ﻻحق كانت تعيد إلى هؤﻻء الآباء حقهم، على غرار ما جرى مع القديس غريغوريوس بالاماس، ﻷن تعليمهم كان ينتشر وكانت النعمة تجد مَن يحمله.

فصار من الكوليفيين نيوفيطوس الكافسوكاليفي الذي يُعتَبَر منشئ التيار، والقديسون نيقوديموس اﻷثوسي جامع الفيلوكاليا وقوزما اﻹيتولي ونيكوﻻ بلاناس ونكتاريوس أسقف المدن الخمس وخريستوفوروس أرتا، أغابيوس القبرصي الذي نقل التعليم إلى جزيرته، يعقوب البيلوبونيزي، بارثانيوس كاتب سير القديسين، باييسيوس الخطاط، ديونيسيوس السياتيستي مجدد دير الفاتوبيذي، وييروثيوس اﻷب الروحي للبروتاتون في الجبل المقدس، وباييسيوس فيليشكوفسكي الذي حمل هذا الفكر إلى رومانيا، وتليمذه جاورجيوس تسارنيكا الذي حمل هذا الفكر إلى أديار مولدافيا، وصوفرونيوس فراتسيس في بوخارست، وأنتيباس المولدافي الذي أوصل هذا التعليم إلى دير بلعام في فنلندا.

يظهر في اﻷيقونة المرفَقَة العديد من القديسين اللاحقين كنيكولاس بلاناس ونكتاريوس أسقف المدن الخمس وسلوان اﻷثوسي، حتّى أن بعض النسخ الحديثة من هذه اﻷيقونة تضمّ القديسين بورفيريوس وباييسيوس وذلك ﻷن الكوليفية صارت صنو الهدوئية وكل الذين اهتمّوا بالحفاظ على التقليد وإحيائه هم من الكوليفيين.

إن الكوليفية هي كبرى الهزّات التي أصابت الجبل المقدس أثوس من بعد البالاماسية في القرن الرابع عشر. وفي اﻹطار نفسه كانت هي أيضاً معركة بين فكر التنوير الغربي والتقليد اﻷرثوذكسي. وفي كلا الحالتين بدا وكأن فكر الابتداع انتصر إذ انعقد مجمع برئاسة صوفرونيوس الثاني في سنة 1785، وانتهى بإدانة فكر الكوليفيين وحُكم على تعليمهم بأنه مسبب للفتنة والفضائح في الكنيسة، وتجريد بعضهم ونفي البعض اﻵخر. فمكاريوس نوتاراس أسقف كورنثوس وأثناسيوس أسقف باروس انتُزِعا من كرسييهما ونُفيا. لكن انتشار تلاميذهم وأصالة الخبرة التي علّموا عنها وأثرها في الشعب المؤمن أدّت إلى انعقاد مجمع جديد برئاسة البطريرك الشهيد غريغوريوس الخامس في 1819 حيث أعاد إلى مكاريوس وأثناسيوس اعتبارهما وضمهما إلى ﻻئحة القديسين وتبنّى تعليم الكوليفيين الذي يمنع إقامة الذكرانيات في اﻵحاد، على ما كان عليه الحال، ويشجّع على تواتر المناولة، ويدعو إلى الالتزام بالخبرة الهدوئية التجريبية وضحد التأمل الماورائي والعقلانية. من هنا صار استعمال اسم الكوليفيين دليلاً على التزام المسمّى بالهدوئية وفخراً له.

ختاماً، يلاحظ المراقب أن الكثير من الظروف تتكرر في تاريخ الكنيسة، لكن القديسين لا يتكررون، وهذا ما يثبّت الضعف والانحلال. لكن كنيسة المسيح لا تقوى عليها أبواب الجحيم.

Kollyvades Fathers - Large

من تاريخ الكنيسة: ابجارا الحاكم ويسوع

من تاريخ الكنيسة: ابجارا الحاكم ويسوع

إعداد راهبات دير مار يعقوب، دده-الكورة

كتب ابجارا الحاكم رسالةً إلى يسوع وأرسلها إليه في أورشليم بيد حنانيا الساعي الخفيف. يقول الناشرون للترجمة الإنكليزيّة أن حنانيا هذا كان فنّاناً وقد حاول رسم صورة للمسيح ولكن طلعته بهرته. على أنّ المسيح إذ غسل وجهه ومسحه بمنشفة انطبعت صورته عليها. فأُخذت هذه الصورة إلى أدسا وحفظت المدينة من أعدائها.

نص الرسالة

السلام من ابجارا حاكم أدسا إلى يسوع المخلّص السامي، الذي ظهر في مملكة أورشليم. لقد سمعت أنباءك وأنباء آيات الشفاء التي صنعتها بدون أدوية أو عقاقير. لأنّه يقال إنّك تجعل العمي يبصرون والعرج يمشون، وإنّك تطهّر البرص وتخرج الأرواح النجسة والشياطين، وتشفي المصابين بأمراض مستعصية وتقيم الموتى.

وإذ سمعت كلّ هذه الأمور عنك استنتجت أنّه لا بدّ أن يكون أحد الأمرين صحيحاً، إمّا أن تكون أنت الله، وإذ نزلت من السماء فإنّك تصنع هذه الأمور، أو تكون أنت ابن الله إذ تصنع هذه الأمور.
لذلك كتبت إليك لأطلب أن تكلّف نفسك مؤونة التعب لتأتي إليّ وتشفيني من المرض الذي أعانيه. لأنّني سمعت أن اليهود يتذمّرون عليك ويتآمرون لإيذائك. ولكنّني لديّ مدينة جميلة جدّاً مع صغرها، وهي تتّسع لكلينا.

إجابة يسوع على الحاكم ابجارا على يد الساعي حنانيا

طوباك يا من آمنت بي دون أن تراني. لأنّه مكتوب عنّي أنّ الذين رأوني لا يؤمنون بي أمّا الذين لم يروني فيؤمنون ويخلصون. أمّا بخصوص ما كتبت إليّ عنه لكي آتي إليك فيلزمني أن أتمّ هنا كلّ الأشياء التي من أجلها أرسلت، وبعد إتمامها أصعد ثانية إلى من أرسلني. ولكنّني بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك من مرضك ويعطي الحياة لك ولمن لك.

وقد أضيف لهاتين الرسالتين الوصف التالي باللغة السريانيّ:

وبعد صعود يسوع فإنّ يهوذا، الذي يدعى أيضاً توما ( لم يُعرف توما باسم يهوذا إلاّ في كتاب تعاليم الرسل السريانيّ) أرسل إليه تدّاوس الرسول أحد السبعين. ولمّا أتى سكن مع طوبيّا بن طوبيّا. ولمّا ذاع خبره قيل لإبجارا إنّ أحد رسل يسوع أتى كما سبق أن كتب لك.

عندئذ بدأ تداوس يشفي كلّ مرض وكلّ ضعف بقوّة الله، حتّى تعجّب الجميع. ولمّا سمع ابجارا بالأعمال العظيمة والعجيبة التي صنعها، وآيات الشفاء التي أجراها، بدأ يشتبه بأنّه هو الذي كتب إليه عنه يسوع قائلاً: بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك.
لك استدعى طوبيّا الذي كان يسكن معه تداوس وقال: قد سمعت أنّ شخصاً ذا سلطان أتى وهو يسكن في بيتك. أحضره لي. فأتى طوبيا إلى تداوس وقال له: استدعاني الحاكم ابجارا وأخبرني أن آخذك إليه لكي تشفيه. فقال تداوس: سأذهب لأنّني أرسلت إليه بسلطان.
ومن ثمّ قام طوبيا مبكراً في اليوم التالي، وأخذ تداوس وأتى إلى ابجارا ولمّا أتى كان الأشراف حاضرين وقائمين حول ابجارا. وحالما دخل ظهرت رؤيا عظيمة لابجارا في وجه الرسول تداوس. ولمّا رآها ابجارا انطرح أمام تداوس بينما تعجّب كلّ الواقفين، لأنّهم لم يروا الرؤيا التي ظهرت لابجارا وحده.
ثم استعلم من تداوس إن كان هو حقّاً تلميذاً ليسوع ابن الله الذي قال له سأرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك ويعطيك الحياة. فقال تداوس: لأنّك آمنت بمن أرسلني إيماناً قويّاً فقد أرسلت إليك. وأكثر من هذا إن كنت تؤمن به يمنح لك سؤل قلبك حسب إيمانك.
فقال له ابجارا: لقد آمنت به حتى أنّني وددت أن أجرّد جيشاً وأهلك أولئك اليهود الذين صلبوه لو لم يؤخرني عن ذلك سلطان الرومانيّين. فقال تداوس: لقد تمّم ربّنا إرادة أبيه، وإذ تمّمها صعد إلى أبيه. فأجاب ابجارا: وأنا أيضاً آمنت به وبأبيه. فقال له تداوس: ولذلك أضع يدي عليك باسمه. ولمّا فعل ذلك شفي ابجارا في الحال من المرض والآلام التي كان يعانيها.

الميتروبوليت أرنيوس حداد

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرنيوس حداد

ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على ساأنطاكية

إعداد: ميلاد جبارة – فادي بشور

نتابع اليوم ما بدأناه في مشوارنا مع آباء الكرسي الأنطاكي في النصف الأول من القرن العشرين، فسنتحدث عن سيادة المطران أرسانيوس حداد راعي أبرشية اللاذقية، وبطريرك أنطاكي منتخب، آملين أن تسهم هذه السيرة في المساهمة في نهضة الكرسي ووجود أناس ساعين إلى تكريس ذواتهم للرب الإله. (المعدان)

ولد سيادة المطران أرسانيوس (أسعد حداد) في قرية عبي منطقة الشحار الغربي في قضاء بحمدون، وهو ابن عم البطريرك غريغوريوس الرابع حداد.

خدمته الكهنوتية

كان شماساً إنجيلياً في خدمة المطران غفرائيل شاتيلا راعي أبرشية بيروت ولبنان، وسيم كاهناً يوم عيد الميلاد من السنة 1898 وأرشمندريتاً في 30 كانون الأول من السنة ذاتها، ورفع إلى درجة الأسقفية في 2 كانون الثاني من العام في 1899 في احتفال كنسي ضخم ترأسه غبطة البطريرك ملاتيوس الثاني بمشاركة السادة المطارنة: نيقوديموس (عكار)، غريغوريوس (حماة)، غريغوريوس (طرابلس)، أثناسيوس (أداسيس). وخطب المطران الجديد متوجهاً إلى البطريرك معلناً أنه يدرك عدم كفاءته البشرية للعمل المنوط به لكنه يتقوى بالسيد له المجد وسيحاول إتمام واجباته على أحسن وجه ويطلب أن يساعده الشعب بالصلوات ليحافظ على الآثار التي خلفها غبطته في كرسي اللاذقية واختتم خطابه بالشكر للدولة العثمانية وبالدعاء للسلطان العثماني فرد غبطة البطريرك بالشكر على ما أبداه نحوه من محبة وشغف للعمل في حقل الرب.

في اللاذقية

يعرف عن المطران أرسانيوس أنه الوحيد الذي رافقه البطريرك ملاتيوس الثاني ليسلمه أبرشيته، وكان مهتماً بحل خلافات نشبت في اللاذقية بين آل مرقس وآل كومين وكان البطريرك ملاتيوس منحازاً لآل كومين عندما كان مطراناً على اللاذقية فاستولى آل مرقس على كنيسة مار جرجس وأصلحوها فهي كانت خربة واستقدموا كاهناً عليها ورفعوا الرئاسة للبطريرك اليوناني احتجاجاً على تصرف مطرانهم. ومن آثار تفاقم هذه المشكلة تشكيل حارتين في اللاذقية عرفتا بالعامية بالحارة الفوقانية (وهي المنطقة الممتدة من القلعة شمالاً وحتى شارع القوتلي جنوباً) والحارة التحتانية (وهي الممتدة من شارع القوتلي وحتى منزل آل سعادة وآل نصري قرب كنيسة مار ميخائيل حالياُ). فكان من أوائل مهام الميتروبوليت أرسانيوس هي وضع حد للخلافات بينهما فبعيد وصوله مع البطريرك ملاتيوس إلى مرفأ اللاذقية ذهب إلى منزل حبيب مرقس فقال صاحب هذا البيت: “اليوم صار الخلاص لأهل هذا البيت” وتم الصلح. ثم ذهب إلى كاتدرائية القديس نيقولاوس وأقيمت صلاة الشكر. وقام المطران الجديد بشراء البيوت المجاورة لكنيسة مار جرجس وسورها تمهيداً لترميمها مع الكنيسة. وجددت في عهده كنيسة مار سابا في اللاذقية حيث تبرع آل نصري بمبلغ500 ليرة ذهبية

وفي أول وصوله تم انتخاب مجلس ملي جديد، وألف محكمة روحية للنظر في جميع القضايا الدينية، وأسس جمعية باكورة الإحسان لمساعدة الفقيرات، ولما كان شماساً في بيروت أسس مجلة المنار وتابع مهمته هذه لما صار ميتروبوليتاً على اللاذقية، عرف عنه أنه كان يقوم بعمله على أكمل وجه تجاه الأساقفة الآخرين، فكان أول الوافدين إلى مطرانية بيروت، لتهنئة المطران جراسيموس الميتروبوليت الجديد عليها، وشارك في انتخاب البطريرك غريغوريوس سنة 1906 وشارك في حفلة تنصيبه وعين قائمقاماً بطريركياً بعد وفاة البطريرك غريغوريوس

صفاته

بالرغم من أنه لم يكن متعلماً إلا أنه كان أرثوذكسياً لا غش فيه، أدار الأبرشية بحنكة لم يكن لها مثيل يحب الشباب ويجمعهم لكي يروي لهم سير القديسين. وكان حافظاً جميع الخدم الطقسية وكان يصحح كل أخطاء كهنته التيبيكونية دون الرجوع إلى نصوص مكتوبة. جعل من مطرانيته ديراً للرهبان، فعاش معه أربعة أرشمندريتية هم: الأرشمندريت نيفن سابا، الأرشمندريت تريفن غريب، الأرشمندريت جبرائيل دميان، الأرشمندريت ألكسندروس جحا. والكاهن ميخائيل خلوف. وأرسلهم إلى معاهد اللاهوت فقد أرسل الأرشمندريت تريفن (الذي صار مطراناً على اللاذقية) إلى معهد خالكي، والأرشمندريت جبرائيل (الذي صار مطراناً على اللاذقية أيضاً) إلى كييف، والأرشمندريت ألكسندروس (الذي صار مطراناً على حمص) والأب ميخائيل إلى موسكو، وأما الأرشمندريت نيفن إذ لم يكن متعلماً كفاية بقي معه في دار المطرانية. وكان مهتماً بالوعظ لدرجة أنه كان يستقدم الأرشمندريت فوتيوس خوري واعظ الكرسي الأنطاكي آنذاك (لاحقاً مطران بغداد والكويت) لإلقاء محاضرات روحية خلال فترة الصوم الكبير. كان محبوباً من الأوساط الإسلامية وكان شيوخها يزورونه في دار المطرانية وبشكل خاص شيخ الطائفة المولوية.

أمور تذكر

كان خلال الانتخابات النيابية، يغادر مدينة اللاذقية مركز الميتروبوليتية ليبتعد عن الأجواء الانتخابية ويطلب من الوجيهين اسحق نصري ووديع سعادة ألا يتصلا به إلا بعد انتهاء الانتخابات فيزور بيت الفائز ليهنئه وبيت الخاسر أيضاً. فرز الشماس فوتيوس ياسمين للاهتمام بالتعليم الديني في مدرسة الروم للشباب وعين الأب ميخائيل خلوف مديراً لها ومن بعده الأرشمندريت جبرائيل دميان، واستقدم الراهبة ماريا من دير زهرة الإحسان في بيروت للتعليم في مدرسة الروم للبنات.

ببركته وإشرافه قام الشماس ثيوذوسيوس مطلق وهو فلسطيني الأصل بالتعاون مع الأب أيوب خوري كاهن قرية المزيرعة بإصدار كتب للتعليم الديني ينشرها المطران فور جهوزيتها، ومنها كتاب السواعي الصغير

من حبه للسلام وعدم رغبته بالذهاب لا إلى المحاكم الروحية ولا المدنية كان يحاول حل المشاكل التي تحدث بين أبناءه فكان يظهر قسوة مصطنعةً ويحكى أنه في مدينة اللاذقية كانت هناك عائلة (رباحية) وأحد أفرادها يدعى عبدو يملك فرساً يركبها لكي يتاجر ببعض الحاجيات خارج اللاذقية، فأخذ أحد أعيان الطائفة من آل (صابور) المتمتع بمقام كبير في الطائفة هذه الفرس ولم يردها إلى عبدو فذهب الأخير إلى المطران أرسانيوس وشكا الأول، فجلب المطران الوجيه ولما سأله عن فعلته، أجاب:” أدفع له ثمنها وأزيد لأني أريدها” فأمره بإعادتها فرفض وازداد عناداً فما كان من المطران أرسانيوس إلا أن أمر بجلده قائلاً: “لا يهمني من يكون” فرضح وأعاد الفرس لصاحبها

عرف عن المطران أرسانيوس أنه قضى العمر في مطرانية اللاذقية يصالح بين الأزواج فلم يعثر في سجلاته إلا على حالة طلاق واحدة لاستحالة العيش المشترك.

في عام 1924 إثر الأزمة الناشئة في أبرشية نيويورك الأنطاكية للروم الأرثوذكس، انتخب المجمع الأنطاكي المنعقد برئاسة غبطة البطريرك غريغوريوس الرابع، قدس الأرشمندريت فكتور (أبو عسلي) ميتروبوليتاً على الأبرشية، واتفق أن يرسل وفداً إلى الأبرشية لمصالحة الأنطاكيين الذين تخاصموا حول مرجعيتهم الروحية إلى ثلاث فرق، أنطاكية وروسية وأمريكية، فأرسل غبطته مطران حوران زخريا لكي يسيم المنتخب بدون علم المجمع فاتفق أرسانيوس (اللاذقية) وباسيليوس (عكار) وألكسندروس(طرابلس) على رفض العمل وأبرقوا لغبطته ولغبطة بطريرك أورشليم آنذاك دميانوس لكي يمنع السيامة حيث كان من المقرر أن يشترك مطرانان من الكنيسة الأورشليمية في السيامة ( القوانين المقدسة تحدد أنه لشرطونية الأسقف يجب وجود ثلاثة أساقفة على الأقل) ونشئت أزمة طويلة انتهت بأن خرج أرسانيوس منها بعد سيامة فكتور ومن ثم تصالح باسيليوس وألكسندروس مع غبطته طالبين بركته

انتخابه بطريركاً على أنطاكية والحوادث التي رافقته

لقد كان القانون البطريركي يعطي أصواتاً لعلمانيي مدينة دمشق عددها عشرة وصوت لكاهن عن مدينة دمشق وصوت لكل من الوكيلين البطريركين في دمشق وأنطاكية، ضماناً لفوز المطارنة الوطنيين بعد استعفاء البطريرك اسبيريدون آخر البطاركة اليونان

ولكن عدد الأصوات المعطاة للدمشقيين يفوق عدد مطارنة الكرسي الأنطاكي آنذاك فيتحكمون بمصير المرشحين إلى المنصب البطريركي فجرت عدة محاولات لتغيير القانون باءت بالفشل بسبب رفض الدمشقيين التنازل عن حقهم وفي المجمع الأخير حيث توفي البطريرك غريغوريوس الرابع في 1928 المنعقد في سوق الغرب انتخب المطارنة بالإجماع أرسانيوس قائمقاماً بطريركياً فأجرى عدة محاولات لتغيير رأي الدمشقيين ونجح في ذلك ولكن خلال الاجتماع الأخير معهم عادوا عن موقفهم ووقف إلى جانبهم المطرانان ألكسندروس (طحان) وثيوذوسيوس (صور وصيدا) طمعاً برضاهم، فلما دعا أرسانيوس إلى مجمع ترشيحي لترشيح 3 مطارنة أبى الدمشقيون المشاركة إن لم يكن المرشحون هم (ألكسندروس: المسجل عليه دعاوى قانونية من رعيته)، (وملاتيوس: مطران سابق لديار بكر ولا يحق له لا أن ينتخب ولا أن ينتخب لأنه لم يكن من المطارنة العاملين)،( وثيوذوسيوس) وهددوا المطارنة، فقام أكثرية المطارنة من دمشق إلى دير مار الياس شويا حيث عدلوا نظام الانتخابات. والتأم المجمع في 20/1/1930 في دير مار جرجس الحميراء في جلسة انتخابية بمشاركة: روفائيل (حلب)، إغناطيوس (حماة)، أبيفانيوس (حمص)، زخريا (حوران)، جراسيموس (بيروت)، باسيليوس (عكار)، فكتور أبو عسلي(أمريكا) والأرشمندريت بولس خوري ممثلاً المطران بولس (جبيل والبترون) وانتخب أرسانيوس بطريركاً في 24/1 وأبلغ العالم كله بالنبأ المفرح بأن فترة ترمل البطريركية الأنطاكية قد انتهت. ولكن المطارنة الثلاثة المتخلفين وهم ألكسندروس وثيوذوسيوس ونيفن (زحلة) قد انتخبوا ألكسندروس بطريركاً

عاد البطريرك أرسانيوس إلى اللاذقية ومشى من دار المطرانية إلى كنيسة مار سابا يتقدمه ثماني مطارنة وأربع أرشمندريتية وعدد من الشمامسة وفرق الكشاف وعناصر الجيش الفرنسي. واكتظت الشوارع بالمسيحيين والمسلمين وحضر الجنرال شيفر وحاكم الحكومة العلوية في اللاذقية فكان شيئاً لم تشهده اللاذقية من قبل.

ولكن الدمشقيين هددوا البطريرك أرسانيوس ومنعوه من دخول دمشق، فمنعاً لتفاقم المشكلة آثر البطريرك المنتخب أرسانيوس البقاء في اللاذقية. أرسل البطريرك المسكوني مندوباً عنه ليحاول حل المشكلات ففوضه البطريرك أرسانيوس للتوقيع باسمه على أي اتفاق مع المطران “البطريرك الثاني” ألكسندروس، ولكن أرسانيوس لم يكن يتقن اليونانية عكس ألكسندروس الذي كان يتقنها وقوي الحجة ومتعلماً فتأثر خريسنثوس المندوب بألكسندروس وآثره عوضاً عن أرسانيوس فوضع اتفاق بنص على أن أرسانيوس هو البطريرك وألكسندروس بطريرك سابق وله الوكالة الدائمة لأرسانيوس وفي حال استقالة أرسانيوس أو وفاته يصبح هو البطريرك دون أي انتخاب. والسلطة الفرنسية التي أرادت أن تساند الوطنيين فبعد أن ساندت أرسانيوس تراجعت ودعمت ألكسندروس لأنها رغبت في أن يكون البطريرك من دمشق، مركز التجمع الأول للوطنيين. تاريخ 30/4/1931 يصل إلى مسمع المجمع أن بطاركة القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم أرسلوا صكوك الاعتراف بألكسندروس بطريركاً شرعياً (وكانت هذه محاولة لإعادة السيطرة اليونانية على البطريركية الأنطاكية) وهذا ما حصل. منعاً لتفاقم الأمور، آثر الميتروبوليت أرسانيوس أن يكمل عمله كمطران على اللاذقية وانسحب من السدة البطريركية على أن يصبح هو البطريرك في حال وفاة أو اعتزال البطريرك ألكسندروس (عكس الاتفاق السابق)

وفاته

حزن المطران أرسانيوس كثيراً للمؤامرات التي أحيكت ضده فما لبث أن أصيب بداء السكري، وأصابته دملة كبيرة في رقبته فآثر الأطباء أنه يجب أن تشق فذهب إلى مشفى مار جرجس (مشفى الروم) في بيروت وبسبب السكري تسممت الدملة حيث عاجلته المنية هناك في حزيران 1932. ووافاه البطريرك ألكسندروس والمطرانان ثيوذوسيوس ونيفن فصرخ المطران إغناطيوس حريكة: “مات البطريرك أرسانيوس، عاش البطريرك ألكسندروس!” فبكى الجميع عليه ووعد البطريرك بأنه سيجعل اسم أرسانيوس نظامياً ضمن لائحة البطاركة، لكنه لم يحقق كلامه بل ذهب أدراج الرياح.

نقل الراحل الكبير إلى اللاذقية وتمت جنازته في كنيسة مار سابا ثم ووري الثرى في مقبرة الكنيسة ولكن بعد هدم الكنيسة وطمر المقبرة لبناء مدرسة الكلية الوطنية الأرثوذكسية نقل جثمانه إلى مدفن رؤساء الكهنة في المقبرة بالفاروس.

ولم يسجل اسم البطريرك أرسانيوس في اللائحة النظامية لبطاركة الكنيسة الأنطاكية إلى يومنا هذا ولكن يبقى في قلوب الأنطاكيين راعياً وأباً وبطريركاً منتخباً على أنطاكية هكذا شاء الروح القدس حامي الكنيسة الأرثوذكسية

المراجع

1. د. أسد رستم، تاريخ كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج 3 ، منشورات النور

2. عماد ربيز، أرسانيوس حداد: مطران اللاذقية وبطريرك منتخب على أنطاكيا، دراسة في معهد البلمند، غير منشورة.

3. د. علي خليل، اللاذقية في مطلع القرن العشرين، ط1، 2007

4. غيد الياس بيطار، اللاذقية عبر الزمن، الجزء الأول: التاريخ، ط 1 ، 2001

5. جورج منصور (حالياً سيادة المطران باسيليوس)، الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة، أطروحة لنيل إجازة في اللاهوت، غير منشورة

6. الأب نايف اسطفان، الأزمة البطريركية الأنطاكية الأرثوذكسية 1930-1933، 2006

7. الأب نايف اسطفان، أزمة أبرشية نيويورك وما يليها للروم الأرثوذكس 1924، 2006

المثلث الرحمات المطران غريغوريوس جبارة

المثلث الرحمات المطران غريغوريوس جبارة

مطران حماة وتوابعها للروم الأرثوذكس

إعداد ميلاد ديب جبارة

هو جبرائيل بن نقولا بن يوسف جبارة ولد في دمشق عاصمة سوريا في 19نيسان 1839 وتلقى تعليمه في مدارس الآسية الابتدائية اضطر وهو في العاشرة إلى ترك المدرسة وتعلم مهنة الحياكة ليساعد أخاه يوسف في نسج الأقمشة لكن شغفه بالعلوم جعلَهُ ينكب ليلاً على مطالعة الكتاب المقدس وكتابات الآباء القديسين كالذهبي الفم والدمشقي وغيرهم…. وفي العشرين من عمره سافر إلى القدس ليتابع دراسته اللغوية والدينية وشكل في دمشق بعد عودته جمعية تعني بتعليم اللغة العربية وقواعد الإيمان ومطالعة الكتاب المقدس صارت نواة لجمعية القديس يوحنا الدمشقي وقد ثابر جاهداً على قيادتها لخمس سنين بصدق وتفان. وخلال ذلك الوقت عادت بدعة آريوس للظهور فقد أصدر أحد الشباب الأرثوذكس في دمشق كتاباً جحد فيه ألوهية السيد وادعى أن الكتاب المقدس محرف فما كان من جبرائيل جبارة إلا أن تصدى له داحضاً آراءه معتمداً على ما كتبه القديس أثناسيوس الكبير في المجمع المسكوني الأول عام 325م وعلى الكتاب المقدس خلال اجتماعات دورية كان ينظمها كل أحد في منزل أحد المسيحيين.

انتقاله إلى اللاذقية:

في عام 1867م زار ميتروبوليت اللاذقية ملاتيوس الدوماني[1] دمشق فأعجب بشخص جبرائيل وبنشاطه وثقافته الواسعة فطلب منه المجيء إلى اللاذقية ليكون مدرساً للعربية والتعليم المسيحي والتاريخ والجغرافيا في مدرسة الرشدية الأرثوذكسية باللاذقية فرد بالموافقة. وفور وصوله باشر بالعمل الموكل إليه ومكث في الرشدية عشرين سنة متولياً إدارتها بعناية فائقة ونشاط قل نظيره في تغذية النفوس بالتعاليم الروحية والآداب وكان يعلم لا بالقول وحسب بل وبالفعل أيضا فقد كان تعليمه مقروناً بالأعمال الخيرية وكانت فترة إدارته العصر الذهبي للمدرسة فتخرج منها العديد من الشخصيات الأرثوذكسية البارزة ونذكر منها الميتروبوليت جراسيموس مسرة ميتروبوليت بيروت.

غريغوريوس الشماس والكاهن والأرشمندريت:

في 25/3/1872 سامه الميتروبوليت ملاتيوس شماساً إنجيلياً وأسماه غريغوريوس وفي عيد رفع الصليب عام 1884 سامه كاهناً وفي مطلع نيسان 1885 رقي إلى رتبة الأرشمندريتية ونظراً لنشاطاته ومعرفته العلمية الواسعة وتقواه عينه راعي الأبرشية رئيساً للجمعية الخيرية باللاذقية في تشرين الأول 1885 كان يقضي نهاره في التعليم والتدريس ويمضي ما تبقى منه لزيارة المرضى والمحتاجين ومواساة الحزانى. وكان ينزوي إلى غرفته لكتابة مراسلات المطرانية والمنشورات الروحية والعظات الكنسية. وقام بإصلاحات عدة في الأبرشية وأعطى منحاً للعديد من الطلاب المحتاجين فذاع صيت فضيلته ومعرفته الحقَّة مما أهله لدرجة الأسقفية.

ترقيته إلى درجة الميتروبوليتية:

في عام 1886 رقد بالرب المثلث الرحمات مطران حماة جرمانوس زيوت فرفع الأهالي عريضة إلى البطريرك يطلبون فيها الأرشمندريت جبارة راعياً لهم فالتئم المجمع الأنطاكي المقدس في 23/12/1886 وانتخب الأرشمندريت غريغوريوس جبارة ميتروبوليتاً على حماة.

ونزولاً عند رغبة أهالي مدينة اللاذقية تمت شرطونية المنتخب في الأحد الأول من الصوم الواقع في 22/2/1887 في كاتدرائية القديس سابا باللاذقية[2] برئاسة البطريرك جراسيموس والمطارنة ملاتيوس (اللاذقية) وغفرائيل (بيروت) وفي نهاية الخدمة وعظ صاحب الغبطة وزود المطران الجديد بتوجيهاته ورد سيادته بكلمة أظهر فيها أهمية الأسقفية وأعبائها وشكر غبطته وسيادة مطران اللاذقية أباه الروحي وأقام قداسي السبت والأحد في اللاذقية ودع فيهما أبناءها فبكى واستبكاهم.

خدمته في حماة:

غادر سيادته اللاذقية إلى حماة في 4 آذار 1887 فجرى له استقبال رسمي وشعبي كالعادة فمنذ تسلمه الأبرشية سعى لإنهاضها من الجمود الذي كانت تعيشه فأعاد لها الحياة بالوعظ والتعليم والتنظيم وباشر ببناء الكنائس حيث يلزم وسد النواقص في الكنائس المشادة قبل انتخابه من سيامة كهنة وتوفير البذلات الكنسية والأواني الطقسية ولم يتوان عن مساعدة أبناءه في مشكلاتهم مع السلطات من حيث تخليصهم من الضرائب المرهقة وإخراجهم من السجون. وأسس جمعية تعنى بمساعدة الفقراء وهي جمعية عضد الفقير الأرثوذكسية التي صارت نواة لأخوية السيدة الموجودة حالياً في حماة وأخرى نسائية تدعى جمعية نور الهدى وهي تعنى بمساعدة الفتيات اليتيمات وتدريبهن على الأشغال اليدوية وعرف المطران غريغوريوس بأنه رجل علم فبنى أربع مدارس للذكور ولإناث عرفت في عهده الازدهار وازداد عدد طالبي العلم فيها واستمرت حتى عهد خلفه المثلث الرحمات المطران أغناطيوس حريكة ولكن بعده عرفت انتكاسة كبيرة وغابت عن الحياة باستثناء روضة نور الهدى.

أدهش سيادته أبناء أبرشيته بتقشفه وزهده في العيش وقناعته بالقليل وقضائه الليل بكامله في الصلاة والتأمل. فقضى سيادته ربع قرن مجاهداً الجهاد الحسن بصبر وتفان. فقرَّر المثلث الرحمات غبطة بطريرك إنطاكية وسائر المشرق غريغوريوس الرابع حداد [3] تكريمه بإقامة يوبيل فضي له.

مؤلفاته:

كان سيادته كما قلنا سابقاً رجل علم ومعرفة وأتقن العربية واليونانية التي سهلت له دراسة الكتاب المقدس ومؤلفات الآباء القديسين وسيرهم ومن تأليفه كتاب التعاليم السنية وهو مؤلف من 18 فصلاً يبحث فيه العقيدة المسيحية الأرثوذكسيةواعتمد فيه اللغة البسيطة السهلة والسلسة لأن كتابه كان موجهاً لجميع أبناء الشعب ليفهموا إيمانهم [4] ويتعمقوا فيه ويضع حقائق الإيمان في متناول الجميع ويلاحظ أنه اتبع المنهج العلمي في كتابه وهذا ما يشير إلى المستوى العلمي الرفيع الذي وصل إليه وعرضه للعقائد يدل على معرفة عقائدية كتابية وآبائية واسعة وعلى أرثوذكسيته الحقة بالطبع. وبسبب معرفته القانونية الواسعة كان المساعد القانوني للبطريرك ملاتيوس في تعديل القانون الأساسي للبطريركية الأنطاكية.

سنيه الأخيرة:

3/أيار شرقي/1919 أشرف المطران غريغوريوس على الثمانين فصارت شيخوخته تعيقه في الخدم الروحية فطلب من غبطة البطريرك إرسال وكيل له في الأبرشية ليساعده في شؤون المحكمة الروحية وغيرها فتم إرسال قدس الأرشمندريت نيفن سابا في 13/8/1920 وطلب من المجمع المقدس إعفاءه من الاشتراك في جلساته وبعد المناقشات قرر المجمع إبقاء المطران غريغوريوس على سدة الأبرشية والاعتناء به في دار المطرانية.

ونذكر مقتطفات مما كتبه الأرشمنريتان سابا وحريكة فالأول يقول عن لسان المطران لخادمته الخاصة: ” مسكينة أنت يا أم برهان الآن كان عندي جوق من القديسين وها نورهم يسطع في الغرفة فأطفئي القنديل لأن نوره ضئيل…” وأنهيسترجع ماضيه ويرتل القوانين بألحانها. أما الثاني فيقول: “إنه يمضي أوقاته في مطالعة الكتاب المقدس والصلوات وقد سألني باهتمام عن غبطتكم وكلفني بتقبيل يديك وقد أعجبت بهذه الشيخوخة المكللة بالصبر والتعزية وراحة الضمير خير ما تختم به أيام خائفي الرب” ونجد في أقوالهما تلميحاً إلى الاعتقاد بقداسته.

وقد انتقل الميتروبوليت غريغوريوس جبارة إلى جوار ربه يوم الأربعاء 26/2/1925م عن عمر ناهز 86عاماً. فنعاه الوكيل الأرشمندريت نيفن إلى سائر الأبرشيات ودعاهم للصلاة لراحة نفسه في كاتدرائية السيدة ثم سجي جثمانه الطاهر في ديوان المطرانية وغصت دار المطرانية بالألوف من أبناء حماة وسوريا على مختلف مذاهبهم وطوائفهم وبعد خدمة الجنازة ووري الثرى مع أسلافه في مدفن مطارنة حماة تحت قبة جرس الكنيسة القديمة.

من حياته:

– عندما هطلت الثلوج عام 1906 شلت كل حركة ومنعت كل عمل فشعر الناس بالضيق والحاجة فأوعز المطران لوكيله ميخائيل حزوري بأن يعطي الناس المحتاجين من المؤونة الموجودة في العنبر فامتثل الوكيل لطلب المطران حتى فرغ المستودع وظل الفقراء منتظرين فنادى سيادته الوكيل وأمره مجدداً بالتوزيع فأخبره بنفاذ المؤون وعندما تحقق المطران من ذلك للتو ركع وصلى وطلب من الله المساعدة وإذ بالمستودع يمتلئ من جديد فعاد الوكيل للتوزيع.

– يروى أنه في أحد الأيام وبينما كان جالساً في السقيلبية وإذ بامرأة تدخل عليه شاكية باكية وقصت عليه حكايتها: أولادها صغار وزوجها أخذ إلى الحرب ولم يعد وليس لها من معيل فلم يتمالك سيادته نفسه وأجهش بالبكاء ومد يده إلى جيبه وأعطاها كل ما معه فدعت هي له بطول العمر وقبل أن تغادر قالت له: يا سيدنا أنا مسلمة. فقال لها: لم أسألك من أنت ولا من أية ملة؟ فالرغيف عنده لا هوية له فهو لكل المحتاجين على حد سواء.

– أيام الحرب العالمية الأولى اشتهرت مطرانية حماة بأنها كانت تطبخ بكميات كبيرة لإطعام المحتاجين لأية ملة انتموا. ويقال أنه لكثرة عطائه أفلست المطرانية وحتى أنه لم يتردد في إعطاء متاعه الشخصي بل وأثاث المطرانية فمرة أتاه شخص يستعطي فأعطاه أحد أغراض المطرانية فذهب به ذلك الشخص إلى سوق الدلالة ليبيعه وهناك رآه أحد وكلاء الكنيسة فسأله:” من أين لك هذا؟ إنه من المطرانية وهو ملك للمطران.” فأجابه بأن المطران هو من أعطاه إياه, وبعد أن بيعَ الغرض ذهبا كليهما إلى المطران وهناك سأل الوكيل سيادته فأجاب: أنا أعطيته إياه فهو بحاجة له أكثر مني, ولعل ثمنه يساعده ليسد به رمقه.

– وهناك الكثيرون ممن كانوا يشاهدون وجهه يشع نوراً خلال وقت الصلاة ولشدة تأثرهم به كانوا يرونه وكأنه يرتفع عن الأرض.

هناك أشخاص كثيرون من طوائف مختلفة يشهدون بقداسته وبعطفه على الفقراء حتى أن بعضهم يقول أنهم رأوه في الحلم يطير إلى السماء كملاك ونذكر منهم شهادة المثلث الرحمات المطران روفائيل نمر مطران حلب: (مطرانكم قديس وقد شاهدته في نومي يحلق إلى السماء)

المطران غريغوريوس جبارة عاش قديساً ومات قديساً

فبشفاعته اللهم ارحمنا وخلصنا آمين



[1] وهو البطريرك الأنطاكي ملاتيوس الثاني (1899-1906) أول بطريرك عربي منذ عام 1725 .

[2] هذه الكنيسة غير موجودة الآن فقد هدمت في أربعينيات القرن الماضي وشيدت مكانها مدرسة الكلية الوطنية الأرثوذكسية في عهد المثلث الرحمات المطران تريفن غريّب اللاذقي مطران اللاذقية وكان هدمها خطأً من السلطات الكنسية لأن الأراضي التي كانت حولها فارغة وزهيدة الثمن ولا تزال أيقونة القديس سابا المتقدس موجودة فوق المدخل الرئيسي للمدرسة شاهدة على صاحب المدرسة الحقيقي والذي يجب أن يكون مرشد طلابها و مدرسيها وإدارتها على حد سواء.

[3] وهو البطريرك العربي الثاني (1906-1928) وكان مطراناً على طرابلس في لبنان وكان مثالاً يحتذى به في القداسة والسيرة الحسنة وسيرته موجودة في كتاب القديسون المنسيون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار – منشورات النور 1995

[4] وكم نحن بحاجة لأن يعاد طبع هذا الكتاب خاصة في وقتنا الحاضر حيث يجب علينا أن نفهم إيماننا بدقة لكي نواجه الهجمات الشرسة التي نتعرض لها في حياتنا اليومية من قبل الجماعات المسيحية المتهوِّدة.

ملاتيوس باكورة عربية

ملاتيوس باكورة عربية

سامر عوض

مقدمة:
تتطلخ الكنيسة بدماء أبنائها، وشجون خلافات رجالاتها من بداياتها وحتى اليوم، إذ أنشق الكلدان سنة 497، والموارنة 681، و….. ويعتبر شقاق طائفة الروم الملكيين الكاثوليك سنة1724 تقريبا آخر حدث تاريخي هام على مستوى الشقاق الأنطاكي الكنسي، فعندها انشطرت الكنيسة بين ملكيين مع البطريرك كيرلس طاناس (1724– 1759)، وأرثوذكس بتولي سلفستروس القبرصي (1724– 1765) السدة، ومن حينها ضغط الشعب، والإكليروس، وطلب من القسطنطينة بطريرك يوناني لئلا يمتد المذهب الكاثوليكي إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، مدعماً بالجهل السائد؛ بسبب الإحتلال العثماني. إلا أنه وبعد حوالي  175 سنة رجعت الحقبة العربية للكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية فأصبح ملاتيوس الثاني الدوماني أول بطريرك عربي حينها، فكانت بطريركية ثمرة جهود دؤوبة وسموحة شارك في ترسيخها  عدد كبير من مطارنة المجمع الأنطاكي المقدس، من عرب وغير عرب.، وبعد 103 سنوات وإلى اليوم، ونحن نعيش كإمتداد له فيتبوأ الكرسي الأنطاكي بطريرك عربي مما يبرهن على صدق نية الشعب والإكليروس حينها، وطيب مشاعرهم، واليوم نعيش ونشكر الله على توابع هذا الإنتصار.
سيرة حياته:

النشأة، والولادة:

ولد ميخائيل موسى الدوماني في دمشق 8 تشرين الثاني سنة 1837، ونشأ فيها والتحق بالمدرسة البطريركية فدرس مبادئ اللغة: العربية، والتركية، واليونانية، والإيطالية. شعر بالميل نحو الحياة الكهنوتية، فأنتقل إلى المدرسة الإكليركية البطريركية، التي كانت حينها بإدارة الخوري يوسف مهنا (القديس يوسف الدمشقي) فتلقى علومها. وقد قدّم نذوره سنة 1857، وكان من خواص حاشية البطريرك عند زيارته القسطنطينية 17 ايلول 1858، ونال من البطريرك إيروثيوس (1850 – 1885) التفاتاً وعناية، وكذلك الأمر من يطاركة:  (القسطنطينية، الإسكندرية، أورشليم) عند قيامهم بتنظيم الكنائس على ضوء الخط الهمايوني.
سام البطريرك الأورشليمي كيرلس ملاتيوس شماساً بإدارة إيروثيوس البطريرك الأنطاكي، وذلك في أحد العنصرة (22 أيار 1860)، ومن ثم عاد مع البطريرك إلى بيروت سنة 1861، وقد قدَّر إيروثيوس أتعاب ملاتيوس فرقاه في درجات الكهنوت إلى أن سيم مطراناً على اللاذقية في 19 تشرين الثاني 1965، خلفاً لأرتاميوس، ولكنه لم يدخلها حتى 5 كانون الثاني 1866.

أسقفيته:

بدأ بجمع الكنائس إلى قلم واحد، وأسس مدرسة للذكور سنة 1867، التي تعلم مبادىء اللغة: العربية، والفرنسية، والتركية، وأحياناً لغات آخرى وذلك من خلال الجمعية الإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية التي أسستها الدوقة إليزابيت (أليصابات) أميرة روسيا الكبرى وزوجة القيصر، وخصص واردات الأوقاف للمدرسة، وجدد سبع كنائس في الأبرشية منها: كنيسة القديس نيقولاوس (الكاتدرائية حينها)، وقد بنى تربتين: واحد للكهنة، وآخرى لرؤساء الكهنة سنة 1878. وفي سنة 1869 منحتة السلطان الوسام المجيدي من الدرجة الرابعة، وملك اليونان جورج وسام المخلص الذهبي الخاص بالكافالرية الملوكية. كما وأرسل على نفقته الأرشمندريت جراسيموس مسرة (مطران بيروت لاحقاً)، والأستاذ باسيل جبارة (غريغوريوس مطران حماه لاحقا)، إلى مدرسة خالكي اللاهوتية التي نالا شهادتها.
في صيف 1873 ذهب بإذن غبطة البطريرك إيروثيوس كلاً من أثناسيوس عطاالله مطران حمص، وملاتيوس مطران اللاذقية إلى مرسين؛ لإقناع الأبرشية بقبول مطرانها الجديد جرمانوس، وبعدإصلاح ذات البين عادا كلاهما إلى اللاذقية التي مكث فيها فترة من الزمن، ثم ذهب إلى دمشق…
وفي عيد البشارة سنة 1872 سام ملاتيوس غريغوريوس جبارة شماساً، وفي عيد رفع الصليب 1884 سامه كاهناً، وفي مطلع نيسان 1885 رقاه إلى رتبة الإرشمندريتية؛ ونظراً لنشاطه ومعرفته العلمية الواسعة عينه رئيساً للجمعية الخيرية في اللاذقية. ومن الجدير بالذكر أن للمطران ملاتيوس دفترين يجمعان رسائله الرعائية الموجهة إلى أبناء الأبرشية. ولا بد من الإشارة إلى أن ملاتيوس قد رشح لسدة البطريركية سنة 1885 عقب وفاة البطريرك ايروثيوس (1850_1885)، وقد انتخب مجلساً لإدارة شؤون الطائفة دعي (جمعية المطرانية).

أزمة التعريب:
نشبت مشاكل عدة على الصعيد الإنطاكي ومما أدى إلى تفاقم هذه الأوضاع والمهاترات ازدياد التعسف من قبل آحر البطريرك اليوناني اسبيريدون (1891– 1898) وحاشيته من جهة، بما عرف بالفريق اليوناني، اسوة بالضفة الآخرى من إكليروس وعلمانيين وبما عرف بفريق الوطنيين، وقد ازدادت المشاحنات بين الفريقين؛ بسبب تدخل البطريرك في شؤون الشعب بطريقة غير شرعية، وما رافقه من تدخل للأحتلال العثماني لصالح اليونان؛ لأسباب سياسية، وقومية تتعلق في إمعان، وإزكاء الشرخ والاصطدام بين البطريرك اليوناني الغريب من جهة، والمؤمنين العرب من جهة آخرى، كما  وتدخل بطاركة: القسطنطينية، والإسكندرية، وأورشليم، والهيئات الثقافية والدينية اليونانية، والجالية اليونانية في سوريا. إلا أن الكنيسة الروسية قد تعاطفت مع الوطنيين إلا أنه لايوجد إثبات على تدخل رجال الدين الروس في القضية.
ورغم تكاتف هذه القوى إلا أنه إذا أراد المؤمنين شيئاً، فلابد أن يستجيب القيمون فكان ذلك.
أثناء وجود المطران رافاتئيل هواويني في الأمطوش الأنطاكي في موسكو نشر العديد من المقالات شارحاً وضع الأنطاكيين الأرثوذكس في وطنهم تحت ظل السيطرة اليونانية مبيناً أن الضغط اليوناني يخالف القانون الكنسي والتشريع الرسولي، وقد طالب بإعادة الكرسي الأنطاكي إلى الوطنيين من إكليروس، وعلمانيين. وقد لاقت دعوات هواويني صدى كبير عند عظماء الروس، وقد كان يسمي الوجود اليوناني في الكرسي الأنطاكي بنير الاستبداد. ففي 6 آذار 1898 التأم المجمع الأنطاكي، الذي نحىّ جرمانوس القائمقام البطريركي وجعل ملاتيوس قائمقاماً في تلك الجلسة، وقد أنتخب عندها انتخاباً قانونياً، وفي 13 نيسان 1899 انعقد المجمع برئاسة القائمقام البطريركي ملاتيوس كجلسة إنتخاب بطريرك جديد، وفي 16 نيسان اجتمع المطارنة مرة آخرى، وقدموا أسماء مرشحيهم لشغل السدة، وقد جرى ترشيحهم في 6 آيار 1898 بصرف النظر عن جنسياتهم، وقد قدمت بلادهم اللائحة للحكومة العثمانية التي طالبت أن تحوي اللائحة أسماء من كافة البطريركيات حسبما طلب البطاركة الثلاثة اليونان: (القسطنطينية، والإسكندرية، وأورشليم)، والذين لم يخفوا عدم اعترافهم بالمرشحين من تلك اللائحة، إلا أن المجمع قد اشتكى من هذه التدخل غير القانوني فطالب البطاركة بالحياد، وطلب من الحكومة معرفة ملاحظاتها على الإدعاءات فلم يُرَد الطلب، فأرسل المجمع برقية للحكومة؛ تبرر ضرورة الإسراع في الانتخابات، وانعقد بعد ذلك المجمع وبعد مشادات بين من يريد التأجيل أو الإسراع في الإنتخابات إلى أن حصل ملاتيوس على أكبر عدد من الأصوات (سبعة من أصل ثمانية)، وذلك في 5 نيسان. إلا أنه وبعد إنتهاء مراسم الأنتخاب عبرت الحكومة العثمانية عن عدم إعترافها بقانونيتها، إلا أن إصرار المطارنة على خيارهم، واعتراف روسيا بالانتخاب أدى إلى رجوع الحكومة، واعترافها بالبطريرك الجديد، فقد عانى الوطنيون من مخاض عسير؛ لإعادة النفس العربي إلى المجمع. ونحن إلى اليوم مازلنا نعيش تبعات هذه النهضة المباركة التي من خلالها أصبح إكليريكيينا من أتباع وأبناء جنسنا، فالعرب يرعون العرب، وهذه كلها تسمى (عملية تعريب الكرسي الأنطاكبي). فكان مطران اللاذقية الدمشقي العربي الأول بعد أثناسيوس (الرابع) دبّاس (1720–1724).

بطريركيته:

جرى حفل تنصيب البطريرك ملاتيوس في صباح الأحد 31 تشرين الأول سنة 1899، وصدَّق الباب العالي على انتخابه في 3 تشرين الثاني، ومن ثم حدثت أعمال شغب عدة من قبل المطارنة اليونان، إلا أنه استقر الوضع بعد ذلك وقد زار أبرشيات الكرسي الأنطاكي سنة 1900، عقب توليه السدة. وقد جرَّد نكتاريوس مطران حلب؛ لثورته عليه وتعكزه على القائمقام المفروز جرمانوس، وبنيامين متروبوليت ديار بكر.
في أوائل شباط سنة 1900 رفع الشعب الانطاكي عريضة الى المجمع الانطاكي، وأخرى للباب العالي التمس بموجبها نيل أذن للكرسي الانطاكي ليضع نظاماً على غرار النظام القسطنطيني، فاستجاب الباب العالي لهذا الطلب، وأمر والي سوريا أن يساعد على اتمامه، فقرر المجمع في 16 آذار، أن يصار للاهتمام بوضع النظام المرغوب، وشكلت لجنة مؤلفة من أربعة مطارنة: أثناسيوس(حمص)، وغريغوريوس (حماه)، وغريغوريوس (طرابلس)، وجراسيموس (سلفكياس)، برئاسة البطريرك ملاتيوس مع اشتراك بعض أصحاب الخبرة من الشعب، وقد عقدت اللجنة اجتماعات عدة ضمن جلسات متتالية وأنجزت عملها سنة 1901، وقد صدَّق المجمع على القرار دون أن يعرضه على الحكومة، وشكل هذا القانون نواة للقانون الذي صدر سنة 1906 بعد تصديق الحكومة حينئذ.
وانعقد المجمع برئاسة البطريرك ملاتيوس في 8 تشرين الثاني 1899، وقد ناقش أوضاع الأديار البطريركية، والأبرشيات الشاغرة، وشؤون البطريركية عامة، وعلى رأس تلك القرارات مشروع افتتاح المدرسة في البلمند، وفي 13 تشرين الثاني عقد المجمع خصيصاً لدراسة هذا المشروع، ونتج مايلي:
1- أنشاء مدرسة بدير البلمند البطريركي.
2- مصروفات التلامذه من طعام، وغسيل …. من الدير.
3- عدد التلاميذ في السنة الأولى من 12 – 15.
4- عدد سنوات الدراسة ست سنوات.
5- يقبل من كل أبرشية تلميذ واحد، وواحد من دمشق، ومن أنطاكية واحد، وكذلك من حوران.
6- مادة العلوم تكون بحسب لائحة مدرسة بيروت الإكليريكية متوزعة على ست سنوات على أن تستبدل اللغة الفرنسية بالروسية.
7- بدء افتتاح المدرسة سنة 1900.
وقد افتتحت بقيادة، وإشراف البطريرك ملاتيوس مدرسة البلمند في 3 كانون الثاني (تقدمة عيد القديس يوحنا الدمشقي) سنة 1900، وأٌوكل أمر الاشراف عليها إلى غريغوريوس مطران طرابلس، وعيُّن الأستاذ غطاس قندلفت الدمشقي مديراً لها، ورئيس الدير إيوانيكوس حايك، ووضع الأستاذ قندلفت نظام المدرسة مستوحى من نظام مدرسة خالكي، ويقع في 29 صفحة من كراسة غير مجلدة ويحوي سبع عشرة فصل، وخاتمة، وفصول تتناول مسؤوليات لجنة المدرسة، والمدير، و الأساتذة، والخدام، والدروس، والمكتبة، ووسائل الإيضاح، وناظر، وطبيب يأتي أسبوعياً من طرابلس أو غيرها؛ للإشراف على صحة الطلاب، ووجوب تعيين البطريرك ثلاثة كهنة؛ لتأدية الصلوات، والقداديس، وتقبل الأعترافات، وقد وافق البطريرك على هذا النظام وحدد الواجبات اللازمة لهذه العملية. كما وحدد واجبات وحقوق كل من المدرسة والدير أما المواد التي درست فيها فهي: العربية بفروعها، وآدابها، والرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ. واللغات: التركية، واليونانية، والروسية. والموسيقى الكنسية، ومطالعة الكتاب المقدس، وتفسيره، والخطابة، والوعظ، والإرشاد، وقد تخرجت الدفعة الأولى من المدرسة سنة 1905، ومن الطلاب المتخرجين حينها: الشماس ثيوذوسيوس أبو رجيلي الذي أعتلى سدة البطريركية بين عامي (1958-1969). وفي حفلة التخرج قدَّم مدير المدرسة الأستاذ غطاس قندلفت تقريره عن أنجازات العام الدراسي، وعقبه خطابات عدة اثنى المتكلمين من خلالها على جهد المدرسة التي لاقت اعتناءاً كبيراً من البطريرك، وقد خَرَّجت كبار رجالات الكرسي الأنطاكي كما وضمت كبار الأساتذة، والمعلمين، ومن الجدير بالذكر أن مدرسة البلمند بنيت عام 1833 على عهد البطريرك مثوديوس (1832 – 1850 )، وأعيد بناؤها سنة 1872، ومن الأساتذة الذين درَّسوا فيها سنة 1903 المرتل الكبير متري المر كأستاذ للموسيقى.

وفي سنة 1902 أرسل المجمع كلا من اثناسيوس، وأرسانيوس مطران اللاذقية لحل الخلاف في بيروت جراء رغبة اللبنانيين (جبال لبنان) في الانفصال عن بيروت فأنتهى الأمر بسيامة الإرشمندريت بولس أبا عضل مطراناً للبنان، وبذلك حلَّ الخلاف.
كان ملاتيوس أول من وافق على الابرشية الروسية في أميركا، والتي كانت تضم تحت لوائها حينئذ كل العرب الموجودين هناك بعد أن ردَّ البطريرك ملاتيوس على إجباره بإستلام الأسقفية طالباً من الأخير الإهتمام بأحوال العرب في أميركا، سنة 1903-1904. رسم باسيليوس الدبس مطراناً لعكار سنة 1903، وقد أوفد غبطته أثناسيوس مطران حمص، وغريغوريوس مطران طرابلس لحل مشاكل جرت بعد التنصيب مثبتاً انتخاب الدبس وقد حلا المشاكل.
زار حمص  في 17 آيار سنة 1905، واُستقبل فيها بحشود كبيرة شعبية، ورسمية، وفي 27 منه زار حماه فخرج أهل المدينة كلها لاستقباله. وفي الثاني من حزيران ذهب إلى طرابلس فاُستقبل في العبدة من مطراني طرابلس، وعكار، وقيصر نحاس ممثل متصرف طرابلس، وجورج كانستيس قنصل روسيا، ووفد من كهنة الكنيسة المارونية، وعدد كبير من أرباب المناصب، ووجهاء القوم، وواكبه كوكبه من الفرسان، ثم دخل الكاتدرائية، وبارك ودعى للسلطان، وكانت الزيارة حافلة باللقاءات، والمواقف ثم توجه غبطته للبلمند ليتفقد مدرسته الاكليريكية، فأشرف بنفسه على الامتحانات فيها ووزع شهادات التقدير لمستحقيها، ثم توجه من دير البلمند إلى طرابلس فدير مارجنرجس (الحميراء) في تلكلخ، وترأس قداس عيد رفع الصليب صباح الأربعاء 14 أيلول، بحضور جمع غفير ثم نظر في شؤون الدير فأنشأ سوقاً تشمل على 150 دكاناً بما يعرف بالسوق الغربي (العرضي)، والذي انفق عليه أكثر من 1000 ليرة عثمانية، ثم عرَّج إلى دير مار الياس (ضهور شوير) وقد عيّن الأب نقولا خشة ملاحقاً لاعمال البطريركية في الدوائر الرسمية ووكيلاً عنه خلال زياراته التثقيفية لبعض النواحي، والابرشيات، والاديار في الكرسي الانطاكي كبيروت، وزحلة، وجبال لبنان، واللاذقية، وانطاكية، ولواء اسكندرون، كما وانتدبه لمعالجة اشكالات، وازمات رعوية مختلفة كانت تطرأ بين الحين والآخر في أرجاء الكرسي الإنطاكي (حاصبيا، وبيروت، ودير عطية).

توعكه الصحي، وموته:
في مساء الأربعاء 25 كانون الثاني 1906 شعر البطريرك ملاتيوس بتوعك صحي بسيط فأفاد حاشيته بذلك، وتناول بعض الادوية ثم استدعى أحد الأطباء فاسعفة ببعض العلاجات، وفي صباح الخميس بقى راقداً حتى الضحى فدخل عليه بعض من حاشيته فلاحظو تنفسه الشديد، فاستدعوا الأطباء، فقرروا أنه مصاب بسكته دماغية شديدة الوطأة، هائلة الخطر. فعُقِدَ المجمع البطريركي بصورة طارئة برئاسة مطران اداسيس أثناسيوس أبو شعر، فقرروا إعلام الوالي، والسادة المطارنة القريبين من دمشق، فأرسل الوالي طبيبين ثم حضر بنفسه وشاهد البطريرك بحاله الخطرة جداً. وبعد ساعات فاضت روحه من يدي الاطباء، فعقد قوميسيون الطائفة جلسة ثانية، وقرر إخبار اساقفة المجمع الأنطاكي النائب البطريركي في مدينة أنطاكية، ثم نُقِلَ نعشه مزيناً بالزهور والرياحين إلى صحن الكتدرائية المريمية، وفي العاشرة من قبل ظهر يوم السبت 28 كانون الثاني 1906، بدأت مراسم الدفن بحضور الوالي، والمشير، وقناصل الدول، والرؤساء الروحيين للكنائس الشقيقة، وممثلوا الجمعيات، والوجوه، والأعيان. وقد تولى التأبين جراسيموس يارد ميتروبوليت بيروت، ثم حُمِلَ البطريرك على أكتف المطارنة وسير به إلى دار الكنيسة، وأُودِعَ اللحد بصحن الدار، وفي أول آذار صدرت أيرادة سنية سلطانية؛ لتصديق قائم مقامية الذي انتخبه المجمع، وبلغت من نظارته العدلية إلى والي الولاية.
إلا أنه قد قرر بعض أعيان الطائفة في بعض الأبرشيات إرسال عرائض إلى المجمع الأنطاكي المقدس مطالبين بتأجيل انتخاب البطريرك الجديد إلى أن يعود السلام إلى احضان الكنيسة، وأرسلوا نسخاً عن عرائضهم إلى بطاركة: القسطنطينية، والأسكندرية، واورشليم وحينها كتب البطريرك الاسكندري الى البطريرك القسنطيني يعلن له عن أسفه؛ لخروج الكرسي الانطاكي عن جادة الصواب، وقد اقترح عليه إعادة النظر في المشكة الانطاكية، وتمهيد السبيل لاعادة المطارنة المنبوزين الى الكرسي الانطاكي في انتخاب البطريرك الجديد، إلا أن السينودس القسطنطيني آثر الحياد درءاً لتفاقم الشقاق واتساعه، إلا أنه وفي 20 نيسان ألتأم المجمع، وبعد أخذ ورد صدرت الأوامر السنية بالتصديق على انتخاب غريغوريوس (حداد) مطران طرابلس بطريركاً جديداً لأنطاكية وسائر المشرق في 6 آب، وقد نُصِب في 13 منه.
دوره، وأهميته:

للبطريرك ملاتيوس الفضل في تعزيز الآداب، وإنشاء مكتبة ضمت حوالي4000 كتاب، كما واعتنى بمطبعة الدار البطريركية، وقد عُنِيَ بتهذيب الشبيبة من أبناء الكنيسة، وأنشأ الجمعيات الخيرية في سنة 1900. ريجوز لنا القول بأنه على رأس سلم أولوياته، ومن أبرز ماجرى على عهده إعادة السلام إلى ما كان عليه بين الكرسي الأنطاكي من جهة، والكراسي البطريركية الآخرى: (القسطنطينية، والإسكندرية، والأوراشليمية) من جهة أخرى، بعد أن اكفهرت وانقطعت العلاقات بين الطرفين بعد أن تمكن الوطنيون من إيصال الدمشقي ملاتيوس الدوماني إلى سدة البطريركية سنة 1899، وبعد أن استمرت العلاقات طيبة من سنة 1724، واستلام اليونانيين سدة أنطاكية. وبهذا انطوت صفحة من الجهاد المرير لرجل الكنيسة التي عمَّدها المسيح بدمه ويكللها المؤمنون بتفانيهم.

المراجع:
1-الكتب:
1-اثناسيو، الأب الدكتور متري هاجي: موسوعة بطريركية انطاكية التاريخية والاثرية، الجزء 9/1، 2001.
2-رستم، الدكتور أسد: كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، الجزء 3، 1966.
3-عثمان، هاشم: تاريخ اللاذقية، منشورات وزارة الثقافة، 1996.
4-قربان، المطران الياس: الازمة البطريركية الانطاكية الارثوذكسية .
5-ادارة مجلة النعمة، تقويم النعمة 1964، 1964.
7-خير الله، ابن الظاهر: الأرج الزاكي في تهاني غبطة البطريرك الانطاكي، 1899.
8-دبس، ماري مالك: غريغوريوس ( الرابع ) حداد، 2003 (أطروحة).
9-نصور، الشماس الكسي: بناء وترميم الكنائس في اللاذقية من القرن الخامس عشر وحتى بداية القرن العشرين، 2000 (اطروحة).
10-سمعان، نهاد منير: من يوميات مطران حمص للروم الارثوذكس أثناسيوس عطا الله 1888 ـ 1891، .
11- مرقص، ادوار: ديوان ادوار مرقص، 1935.
12-ديك، الاشمندريت الدكتور اغناطيوس: الحضور المسيحي في حلب خلال الألفين المنصرمين، الجزء الثاني من المجلد الثاني، 2004.
13-شيخو، الأب لويس: تاريخ الاداب العربية الجزء ثالث (1892-1900).
14-اثناسو، الأب الدكتور متري هاجي: موسوعية بطريركية أنطاكية التاريخية والآثرية الغرب والشرق يتلاقيان، الجزء 8 .
15-طراد البيروتي، عبد الله بن: مختصر تاريخ الاساقفة الذين رقو مرتبة رئاسة الكهنوت الجليلة في مدينة بيروت، دار النهار، 2002 .
16-أثناسيو، الأب الدكتور متري هاجي: موسوعة بطريركية انطاكية التاريخية والأثرية، الجزء 9/2، 2002.
17- كومين، جاد: التذكار الطيب لمطرانية السيد تريفن غريب
18- نحاس، الشماس أرسانيوس جرجي: البطريرك الطحان للعبرة والتاريخ، .1938 .
19- عيسى، الأب أندريه: سيرة رفائيل هواويني1860-1915ترجمة الأب ميشيل نجم .
20-عبود، رزق الله نعمة الله: تذكار اليوبيل لسيادة الميتروبوليت الجليل أثناسيوس عطا الله.

المخطوطـــات:
1- صالح، الياس: أثار الحقب في لاذقية العرب.
مواقع على الانترنيت :

-1 http://church-history.info (http://church-history.info1-/)
-2http://web.orthodoxonline.org/saints/Ain-2-%20Ghain/pt.GregoryIVHaddad.htm)
-3http://ar.orthodoxwiki.org

-4http://ar.orthodoxwiki.org/)
-5 http://www.orthodoxlegacy.org/NicolasKhasheh.htm)
-6 http://www.orthodoxlegacy.org/NicolasKhasheh.htm

-7http://www.ortmtlb.org.lb/raiati/2005/2805.htm (http://www.ortmtlb.org.lb/raiati/2005/2805.htm)
-8http://vb.orthodoxonline.org/showthread.php?t=2060 (http://vb.orthodoxonline.org/showthread.php?t=2060)
-9http://www.serafemsarof.org/st_life/st_yousef.htm (http://www.serafemsarof.org/st_life/st_yousef.htm) http://www.churchvoice.net/Orthodox%20Publication/Orthodox%20Legacy/2005/08/11-JebaraBishop2.htm

-10 http://www.churchvoice.net/Orthodox%20Publication/Orthodox%20Legacy/2005/08/11-JebaraBishop2.htm)

-11http://www.dai3tna.com/nuke/modules.php?name=News&file=print&sid=3618 (http://www.dai3tna.com/nuke/modules.php?name=News&file=print&sid=3618)
-12http://www.safitaclub.com/vb/safita8133.html (http://www.safitaclub.com/vb/safita8133.html)
-13http://www.qenshrin.com/church/church.php?id=24 (http://www.qenshrin.com/church/church.php?id=24)
-14http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_docman&task=cat_view&gid=126&Itemid=290 (http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_docman&task=cat_view&gid=126&Itemid=290)


vBulletin® v4.0.6, Copyright ©2000-2010, Jelsoft Enterprises

من تاريخ الكنيسة: ابجارا الحاكم ويسوع

 

 

السلام من ابجارا حاكم أدسا إلى يسوع المخلّص السامي، الذي ظهر في مملكة أورشليم. لقد سمعت أنباءك وأنباء آيات الشفاء التي صنعتها بدون أدوية أو عقاقير. لأنّه يقال إنّك تجعل العمي يبصرون والعرج يمشون، وإنّك تطهّر البرص وتخرج الأرواح النجسة والشياطين، وتشفي المصابين بأمراض مستعصية وتقيم الموتى.
وإذ سمعت كلّ هذه الأمور عنك استنتجت أنّه لا بدّ أن يكون أحد الأمرين صحيحاً، إمّا أن تكون أنت الله، وإذ نزلت من السماء فإنّك تصنع هذه الأمور، أو تكون أنت ابن الله إذ تصنع هذه الأمور.
لذلك كتبت إليك لأطلب أن تكلّف نفسك مؤونة التعب لتأتي إليّ وتشفيني من المرض الذي أعانيه. لأنّني سمعت أن اليهود يتذمّرون عليك ويتآمرون لإيذائك. ولكنّني لديّ مدينة جميلة جدّاً مع صغرها، وهي تتّسع لكلينا.

إجابة يسوع على الحاكم ابجارا على يد الساعي حنانيا

طوباك يا من آمنت بي دون أن تراني. لأنّه مكتوب عنّي أنّ الذين رأوني لا يؤمنون بي أمّا الذين لم يروني فيؤمنون ويخلصون. أمّا بخصوص ما كتبت إليّ عنه لكي آتي إليك فيلزمني أن أتمّ هنا كلّ الأشياء التي من أجلها أرسلت، وبعد إتمامها أصعد ثانية إلى من أرسلني. ولكنّني بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك من مرضك ويعطي الحياة لك ولمن لك.

وقد أضيف لهاتين الرسالتين الوصف التالي باللغة السريانيّ:

وبعد صعود يسوع فإنّ يهوذا، الذي يدعى أيضاً توما ( لم يُعرف توما باسم يهوذا إلاّ في كتاب تعاليم الرسل السريانيّ) أرسل إليه تدّاوس الرسول أحد السبعين. ولمّا أتى سكن مع طوبيّا بن طوبيّا. ولمّا ذاع خبره قيل لإبجارا إنّ أحد رسل يسوع أتى كما سبق أن كتب لك.
عندئذ بدأ تداوس يشفي كلّ مرض وكلّ ضعف بقوّة الله، حتّى تعجّب الجميع. ولمّا سمع ابجارا بالأعمال العظيمة والعجيبة التي صنعها، وآيات الشفاء التي أجراها، بدأ يشتبه بأنّه هو الذي كتب إليه عنه يسوع قائلاً: بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك.
لك استدعى طوبيّا الذي كان يسكن معه تداوس وقال: قد سمعت أنّ شخصاً ذا سلطان أتى وهو يسكن في بيتك. أحضره لي. فأتى طوبيا إلى تداوس وقال له: استدعاني الحاكم ابجارا وأخبرني أن آخذك إليه لكي تشفيه. فقال تداوس: سأذهب لأنّني أرسلت إليه بسلطان.
ومن ثمّ قام طوبيا مبكراً في اليوم التالي، وأخذ تداوس وأتى إلى ابجارا ولمّا أتى كان الأشراف حاضرين وقائمين حول ابجارا. وحالما دخل ظهرت رؤيا عظيمة لابجارا في وجه الرسول تداوس. ولمّا رآها ابجارا انطرح أمام تداوس بينما تعجّب كلّ الواقفين، لأنّهم لم يروا الرؤيا التي ظهرت لابجارا وحده.
ثم استعلم من تداوس إن كان هو حقّاً تلميذاً ليسوع ابن الله الذي قال له سأرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك ويعطيك الحياة. فقال تداوس: لأنّك آمنت بمن أرسلني إيماناً قويّاً فقد أرسلت إليك. وأكثر من هذا إن كنت تؤمن به يمنح لك سؤل قلبك حسب إيمانك.
فقال له ابجارا: لقد آمنت به حتى أنّني وددت أن أجرّد جيشاً وأهلك أولئك اليهود الذين صلبوه لو لم يؤخرني عن ذلك سلطان الرومانيّين. فقال تداوس: لقد تمّم ربّنا إرادة أبيه، وإذ تمّمها صعد إلى أبيه. فأجاب ابجارا: وأنا أيضاً آمنت به وبأبيه. فقال له تداوس: ولذلك أضع يدي عليك باسمه. ولمّا فعل ذلك شفي ابجارا في الحال من المرض والآلام التي كان يعانيها.

الــيــاس بــطريــرك الـعـرب

الــيــاس بــطريــرك الـعـرب

سامر عوض

سيرته

البطريرك إيلياس الرابع (معوض) بطريرك مدينة الله إنطاكية العظمى وسائر المشرق، أنطاكية هي الكرسي البطريركي الثالث بعد القسطنطينية والإسكندرية، والبطريرك إيلياس هو البطريرك الـ 170 بعد بطرس الرسول أول أسقف إعتلى سدة أنطاكية بين عامي (45-53) والبطريرك العربي السادس بعد البطريرك ملاتيوس الثاني (1899-1906) والبطريرك غريغوريوس الرابع (1906-1928) والبطريرك أرسانيوس (1931) والبطريرك ألكسندروس الثالث (1931-1958) والبطريرك ثيوذوسيوس السادس (1958-1970)، ثالث عشر الرسل القديسين الأطهار بطريرك مدينة الله أنطاكية العظمى.
ولد إيلياس بن دياب معوض عام 1914 في مدينة أرصون (المتن الجنوبي – لبنان) وتلقى علومه الإبتدائية والثانوية في دير القديس جاورجيوس (دير الحرف) التابع لأبرشية جبيل والبترون (جبل لبنان)، وفي مدارس الطائفة في دمشق وحمص.
لبس الثوب الإكليركي عام 1927 على عهد البطريرك غريغوريوس الرابع (حداد) ولقد أرسله البطريرك ألكسندروس الثالث (طحان) عام 1934 إلى معهد خالكي اللاهوتي قرب استانبول، وحاز على شهادة اللاهوت عام 1939
عُيّن مديراً لمدرسة البلمند الإكليركية وسيم كاهناً ورقّي إلى درجة الأرشمندريتية عام 1941، ودرَّس الأدب العربي في المدرسة الآسية الأرثوذكسية بدمشق، وفي عام 1947 انتدب إلى البرازيل لرعاية الجالية العربية في ريو دي جانيرو، وبقي هنالك ثلاث سنوات إلى أن انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس راعياً لأبرشية حلب عام 1950 خلفاً للمثلث الرحمات المطران روفائيل نمر (1912-1950)
مثّل الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، في مؤتمرات أرثوذكسية عامة في رودس(1961-1963-1964) وفي جنيف في سويسرا (1968) كما واشترك في أعمال الندوة العالمية للمسيحيين من أجل فلسطين في بيروت (7-10 أيار 1970) وحينها ألقيت باسم الكنيسة الأرثوذكسية كلمتين واحدة بالفرنسية لسيادة المطران جورج (خضر) وأخرى بالعربية للمطران إيلياس (معوض) مطران حلب، عبر من خلالها عن مأساتين مرّتا بفلسطين بصلب المسيح منذ حوالي الألفي عام، وبإغتصاب الأرض وانتهاك المقدسات باحتلال الصهاينة لفلسطين، وقد أظهر المطران معوض في كلمته الجانب الإنساني لقضية فلسطين كما وبيّن حينها الموقف السلبي للغرب (المسيحي) من القضية الفلسطينية وأنهى كلمته بقول مؤثر: “فلسطين ستبقى لنا، وستبقى ما دمنا نؤمن بحقنا وندافع بأرواحنا عنها”.
ترأس المطران الياس عام 1969 نيابة عن البطريرك ثيوذوسيوس السادس الخدمة الإلهية لرسامة الأرشمندريت قسطنطين باباستيفانو مطراناً على بغداد والكويت، والأرشمندريت ألكسي عبد الكريم مطراناً على حمص.
وقد لعب المطران الياس قي حلب دوراً بارزاً على صعيد العلاقات مع الطوائف الشقيقة، وتبؤا مكانة كبيرة بين مطارنة حلب فجمع أواصر المحبة معهم، وكانت له في حلب علاقة طيبة مع مفتيها.
انتخب المطران إيلياس قائمقاماً بطريركياً عقب وفاة البطريرك ثيوذوسيوس السادس (أبو رجيلي) في 19/9/1970 وانتخب بعد ذلك بطريركاً في 25/9 وتم التنصيب في 27 منه، وإعتلى السدة البطريركية تحت إسم إيلياس الرابع بعد أن تعاقب على الكرسي الأنطاكي بطاركة تحت إسم إيلياس في القرون التاسع، الحادي عشر والثاني عشر
زار اليونان في عام 1971 وفي 1972 وبتاريخ 22 حزيران 1972 ترأس غبطته المجمع الذي وضع النظام الأساسي الجديد لكنيسة أنطاكية، وفي عام 1974 ترأس الوفد المسيحي المكون من أساقفة وكهنة ينتمون إلى طوائف عدة في لاهور (باكستان) كما وزار المملكة العربية السعودية في عام 1975 وإلتقى الملك الراحل خالد بن عبد العزيز وبحث معه قضايا عربية، واقترح على الملك عقد مؤتمر مسيحي إسلامي للبحث في مسألة القدس، إهتم غبطته بتشديد أواصر الأخوة في العالم الأرثوذكسي فزار الكنائس المستقلة والبطريركيات وكان العين الساهرة على أبرشيات المهجر ليعزز من إرتباطها بكنيستها الأم، فتفقد الكنيسة الأرثوذكسية في الأمريكيتين عام 1977 وزار أمريكا اللاتينية سنة 1978.
دافع البطريرك إيلياس عن قضية العرب الأولى فلسطين فاستحق بحق لقب بطريرك العرب، كل العرب من المحيط إلى الخليج، مسيحيين ومسلمين، فكان بطريرك إنسانية العرب، بطريرك الضمير العربي، وحمل هاجس فلسطين الأرض والشعب كل حياته
رقد البطريرك إيلياس بالرب في 21/6/1979 إثر نوبة قلبية حادة، وقد نعاه مطارنة المجمع المقدس، آباء الكنيسة الأنطاكية إلى العالم أجمع، وبذلك طويت صفحة رجل مرَّ من المتن إلى إستنبول فحلب مطراناً فمدينة الله أنطاكية بطريركاً
أجريت مراسم الدفن بحضور ممثلين عن الكنائس المسيحية من سوريا ولبنان والأردن ومصر، ورئيس الوزراء السوري محمد علي الحلبي ممثلاً الرئيس حافظ الأسد، ورئيس الوزراء اللبناني سليم الحص ممثلاً الرئيس الياس سركيس وممثل عن الزعيم الليبي معمر القذافي وممثل عن منظمة التحرير الفلسطينية، وعدد من الوزراء والنواب السوريين واللبنانيين وعدد من السفراء ممثلي عدد من الملوك والرؤساء وعقب انتهاء مراسم الدفن قلد الحلبي البطريرك وسام أمية الذي منحه إياه الرئيس الأسد كما قلده الحص وشاح الأرز الذي منحه إياه الرئيس سركيس وبعد ذلك وري البطريرك الثرى في مدفن البطاركة الأنطاكيين في دمشق بعد أن انتقل إليها مركز البطريركية عام 1342 على عهد البطريرك إغناطيوس الثاني وهو البطريرك الأول الذي أقام في دمشق
وخلف غبطته، مطران اللاذقية حينها إغناطيوس (هزيم) الذي انتخب بطريركاً في 2/7 وتم تنصيبه في 8/7 تحت إسم إغناطيوس الرابع (هزيم)

مؤلفاته

أ- الكتب:
1-      الآباء الرسوليون، كتاب صادر عن منشورات النور بالاشتراك مع رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط في عام 1970، نقله عن اليونانية المطران إيلياس (معوض)، ويضم بين دفتيه نصوصاً قديمة تعود إلى القرون الأولى مع تعليق ودراسة عنها وعن هوية كاتبها، بما يختص: إقليمس أسقف رومية، تعليم الرسل الإثني عشر، رسالة برنابا، رسائل إغناطيوس الأنطاكي، بوليكربوس أسقف أزمير، الراعي لهرماس بما يضم من رؤى ووصايا وأمثال
2-      في المعمودية، للقديس يوحنا الذهبي الفم، صدر في عام 1975، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع)، يتألف الكتاب من ثماني مواعظ في المعمودية، ففي الأولى يصف الذهبي الفم المعمودية بأنها زواج روحي بين النفس والمسيح ويبين كيفية عيش الحياة في المسيح بصورة عملية، أما في الموعظة الثانية فيسرد تعليمه للمدعوين مفصلاً عن مخطط الخلاص والرحمة الإلهية وأن عدل الله يظهر جلياً من خلال قصاص آدم، ويشرح طقس العماد وما يتبعه من مناولة جسد الرب ودمه الكريمين ومسح الجبين والجسد بالزيت المقدس، أما الموعظة الثالثة فتبين أن المعمودية فرح المؤمنين لتسربلهم بالنعيم الإلهي، بينما تبين لنا الموعظتان الرابعة والخامسة الواجبات الأخلاقية المفروضة على المستنيرين (فإذا كان أحدنا في المسيح فهو خلقة جديدة) فالمعمد نور يضيء قدام الناس من خلال أعماله التي تمجد الآب الذي في السماوات. فالمؤمن مصلوب على صليب أهوائه وما بعد الصلب إلا القيامة. أما في الموعظة السادسة فيحذرنا الذهبي الفم من ارتياد المسارح والملاهي وما يسببه ذلك من تأثيرات سلبية على المؤمنين، أما الموعظة السابعة فتتحدث عن بقايا القديسين ومدى فائدتها للمؤمنين. وفي الموعظة الثامنة يمدح القديس يوحنا المؤمن المتمسك بالخيرات السماوية ويرسم منهجاً للحياة المسيحية.
3-      بولس الرسول، للكاتب جوزيف هولزنر، نقله إلى العربية المطران إيلياس (معوض)، يبحث الكتاب في شخصية بولس ذا الثقافة اليهودية والهوية الرومانية وقصة اعتناقه المسيحية وإهتدائه على طريق دمشق وأسفاره التبشيرية ورسائله إلى تلاميذه والكنائس المنتشرة واهتمامه بالمسيحيين ورحلاته إلى روما وغير ذلك من التفاصيل. وفق إسلوب يعود بالقارئ إلى زمان ومكان بولس بما يحمله الكتاب من دقائق وتاريخ تساعد المؤمن على فهم لاهوت بولس وكيفية العيش وفق منطق وفكر المسيح بالإضافة إلى معلومات تاريخية وجغرافية تخص الأماكن التي زارها بولس. ويعد الكتاب الأوسع من ناحية التكلم عن الرسول بولس في لغتنا العربية فبولس لم يكن معلماً فحسب بل رسولاً نقل ما عند الله إلى بني البشر.
4-      الجبل المقدس آثوس، لبابانطونيو، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع)، ويتألف من فصول عدة تتحدث عن الجبل المقدس وعاصمته ومينائه وبعض أديرته ونمط النسك فيه وحياته الرهبانية ويسرد سير بعض الذين نسكوا في الجبل المقدس وتقدسوا ويشرح عن الهدوئية وسيكولوجيا الرهبان ويشرح الكتاب الفن الأيقونوغرافي في الجبل ويتحدث عن أقسام الجبل.
5-      مختارات من أدب آباء الكنيسة، ويتضمن خمسة أبحاث للقديس باسيليوس الكبير (القرن الرابع) وعشرة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث (القرن الحادي عشر) وذلك وفق صياغة آبائية تراعي القارئ وتطلعه على أمور لاهوتية من منظار آبائي.
6-      الحياة في المسيح، للقديس نيقولاوس كاباسيلاس، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع) وصدر عن منشورات النور عام 1982 أي بعد وفاته بثلاث سنوات وأعيدت طباعته عام 2002 ويتحدث الكتاب بخلاصات عدة عما يعيشه المؤمن من وسائل الخلاص ليس بالمفهوم العلمي فحسب بل بالمعنى الحياتي أيضاً الذي يتمكن المؤمن من خلاله للوصول إلى الله.
7-      طريق النعمة
8-      كتاب حول الشعر اليوناني الحديث

ب‌- المقالات:
1- الإتجاهات الجديدة في اللاهوت الأرثوذكسي، ويتكلم عن التقليد ومدى أهميته وتأثيره وكيفية فهمه والتعامل معه وقد ذكرت المقالة التعليم العقائدي من خلال المجامع المسكونية السبعة وتطور اللاهوت الأرثوذكسي على مر العصور من القرون الأولى حتى ظهور الإتجاهات اللاهوتية الحديثة.
2- أناشيد في يهوذا،للقديس رومانوس المرنم، ترجمها المطران إيلياس وهي عبارة عن سبع مقاطع تتحدث عن يهوذا وغشه وخيانته للسيد وتسليمه المسيح وتحوله من خروف إلة ذئب يهجم كالوحش على الراعي وتسرد الأناشيد حسرة يهوذا بأسلوب التأمل وتختم بتوسل إلى الله لكي يرحمنا ويهبنا أن نعرف دائماً طريق الحق لنسير عليه ونصل إلى المسيح.
3- التحرر من الأهواء، القديس إسحق السرياني، فالتحرر من الأهواء يتم عن طريق احتقار الذات وعدم القنية فهما أداتان للحصول على الصبر والانعتاق من سلطان الشرير فبالصبر يتحرر المؤمن من الأهواء وإن أحسن إستخدامه فالألم الشديد يطهر النفس من الخطيئة كما الدواء يزيل الداء من الجسد.
4- رسالة القيامة، وهي رسالة وجهها البطريرك إيلياس بمناسبة عيد القيامة عام 197 وبدأها بالقول: “القيامة هي الحدث العجيب الذي وضع حداً لحيرة الفكر”، بين غبطته المدى الكبير لتأثير القيامة على الكون من بشر ومخلوقات وأن هنالك حاجة كبيرة ليحيا البشر القيامة من خلال أفعالهم وأقوالهم وأشارت الرسالة إلى الشعب الفلسطيني وأن قضيته ليست قضية شعب بل قضية الإنسانية برمتها.
5- صياغة كياننا تجعلنا قوة تتحدى البطل، ويبين المقال أهمية معرفة الإنسان لذاته لكي يتمكن من صياغتها فحقيقة النفس الإنسانية هي المحبة التي تطبع الإنسان بفكر الله والمسيح هو المثال الأسمى للمحبة حين بذل ذاته على الصليب من أجل العالم، فبين الله والإنسان عهد محبة على المؤمن تحقيقه بأن يمارسها في حياته فيتغلب على الشرير فيتحرر المسيحيون وتتحرر الإنسانية جمعاء فتعيش الحق.
6- قيامة الرب في المجدلية، جزء من عظة إثنين الباعوث في الكاتدرائية المريمية لغبطة البطريرك وفيها يؤكد أن ما حدث للمجدلية هو صورة حية لما يمكن أن تجترح محبة المسيح لنا نحن البشر فالإنسان ذا مصدر إلهي ولذلك يحتوي في حياته أن يكون إلهاً مع أنه مخلوق والحرية هي جوهر التعبير عن الله، والمسيح يقف صامتاً صمت الله وصمته جمال يتكلم في الطبيعة من خلالها فكأن صمته يتكلم ويجترح العجائب في كيان المجدلية المغرورة فتحولها الداخلي قيامة عظمة تريك قيامة الإنسانية كلها فالمجدلية هي الرسم الأخير لما ستصير إليه الإنسانية وما يشتاق إليه الرب.
7- لماذا قبل الله أن يتألم، هذه المقالة نشرت عقب وفاة البطريرك إيلياس ويسأل فيها لمذا تألم الله ومات؟ ألم يكن من المستطاع أن يخلص العالم بدون العذاب والألم والموت لكن الله هو إله محبة وحرية ومن طبيعتهما أن يبقيا في ألم دائم لأن الألم هو الصفة الجوهرية التي ترافق جوهر الأزل المستمر في أزلية الخلق والإبداع الذاتية وعملية الخلق الدائم تفترض مخاضاً أبدياً وألماً أزلياً والمحبة الكاملة هي المنتهى الحتمي للذين يتعذبون.

المراجع:

1- الكتب
• أثناسيو، الأرشمندريت د. متري هاجي، موسوعة بطريركية أنطاكية التاريخية والأثرية،
• بيطار، الأرشمندريت توما، سير القديسين (السنكسار)، الجزء الأول
• بيطار، الأرشمندريت توما، سير القديسين (السنكسار)، الجزء الثاني
• إدارة مجلة النعمة، تقويم النعمة، 1964
• ديك، الأرشمندريت د. إغناطيوس، الحضور المسيحي في حلب في الألفين المنصرمين
• كاباسيلاس، القديس نيقولاوس، الحياة في المسيح، تعريب البطريرك الياس الرابع
• الذهبي الفم، القديس يوحنا، في المعمودية، تعريب البطريرك الياس الرابع
• معوض، البطريرك الياس، مختارات من أدب آباء الكنيسة
• هولزنر، جوزيف، بولس الرسول ، تعريب البطريرك الياس الرابع
• الآباء الرسوليون، تعريب البطريرك الياس الرابع
• أبو زيدان، مشيل، في الذكرى الخامسة لانتقال المثلث الرحمات المطران ألكسي عبد الكريم غلى الأخدار السماوية

2- المجلات
• مجلة النور، العدد 7،عام 1979
• مجلة النور، العدد 1،عام 1971
• مجلة النور، العدد 9،عام 1969
• مجلة النور، العدد 3،عام 1971
• مجلة النور، العدد 6،عام 1971
• مجلة النور، العدد 1،عام 1972 (يونان)
• مجلة النور، العدد 5،عام 1979 (روسيا)
• مجلة النور، العدد 7،عام 1978
• مجلة النور، العدد 9،عام 1964
• مجلة الكلمة، العدد 3، عام 1991

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرسانيوس حداد ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على أنطاكية

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرسانيوس حداد
ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على أنطاكية

إعداد: ميلاد جبارة – فادي بشور

نتابع اليوم ما بدأناه في مشوارنا مع آباء الكرسي الأنطاكي في النصف الأول من القرن العشرين، فسنتحدث عن سيادة المطران أرسانيوس حداد راعي أبرشية اللاذقية، وبطريرك أنطاكي منتخب، آملين أن تسهم هذه السيرة في المساهمة في نهضة الكرسي ووجود أناس ساعين إلى تكريس ذواتهم للرب الإله. (المعدان)

ولد سيادة المطران أرسانيوس (أسعد حداد) في قرية عبي منطقة الشحار الغربي في قضاء بحمدون، وهو ابن عم البطريرك غريغوريوس الرابع حداد.

خدمته الكهنوتية

كان شماساً إنجيلياً في خدمة المطران غفرائيل شاتيلا راعي أبرشية بيروت ولبنان، وسيم كاهناً يوم عيد الميلاد من السنة 1898 وأرشمندريتاً في 30 كانون الأول من السنة ذاتها، ورفع إلى درجة الأسقفية في 2 كانون الثاني من العام في 1899 في احتفال كنسي ضخم ترأسه غبطة البطريرك ملاتيوس الثاني بمشاركة السادة المطارنة: نيقوديموس (عكار)، غريغوريوس (حماة)، غريغوريوس (طرابلس)، أثناسيوس (أداسيس). وخطب المطران الجديد متوجهاً إلى البطريرك معلناً أنه يدرك عدم كفاءته البشرية للعمل المنوط به لكنه يتقوى بالسيد له المجد وسيحاول إتمام واجباته على أحسن وجه ويطلب أن يساعده الشعب بالصلوات ليحافظ على الآثار التي خلفها غبطته في كرسي اللاذقية واختتم خطابه بالشكر للدولة العثمانية وبالدعاء للسلطان العثماني فرد غبطة البطريرك بالشكر على ما أبداه نحوه من محبة وشغف للعمل في حقل الرب.

في اللاذقية

يعرف عن المطران أرسانيوس أنه الوحيد الذي رافقه البطريرك ملاتيوس الثاني ليسلمه أبرشيته، وكان مهتماً بحل خلافات نشبت في اللاذقية بين آل مرقس وآل كومين وكان البطريرك ملاتيوس منحازاً لآل كومين عندما كان مطراناً على اللاذقية فاستولى آل مرقس على كنيسة مار جرجس وأصلحوها فهي كانت خربة واستقدموا كاهناً عليها ورفعوا الرئاسة للبطريرك اليوناني احتجاجاً على تصرف مطرانهم. ومن آثار تفاقم هذه المشكلة تشكيل حارتين في اللاذقية عرفتا بالعامية بالحارة الفوقانية (وهي المنطقة الممتدة من القلعة شمالاً وحتى شارع القوتلي جنوباً) والحارة التحتانية (وهي الممتدة من شارع القوتلي وحتى منزل آل سعادة وآل نصري قرب كنيسة مار ميخائيل حالياُ). فكان من أوائل مهام الميتروبوليت أرسانيوس هي وضع حد للخلافات بينهما فبعيد وصوله مع البطريرك ملاتيوس إلى مرفأ اللاذقية ذهب إلى منزل حبيب مرقس فقال صاحب هذا البيت: “اليوم صار الخلاص لأهل هذا البيت” وتم الصلح. ثم ذهب إلى كاتدرائية القديس نيقولاوس وأقيمت صلاة الشكر. وقام المطران الجديد بشراء البيوت المجاورة لكنيسة مار جرجس وسورها تمهيداً لترميمها مع الكنيسة. وجددت في عهده كنيسة مار سابا في اللاذقية حيث تبرع آل نصري بمبلغ500 ليرة ذهبية
وفي أول وصوله تم انتخاب مجلس ملي جديد، وألف محكمة روحية للنظر في جميع القضايا الدينية، وأسس جمعية باكورة الإحسان لمساعدة الفقيرات، ولما كان شماساً في بيروت أسس مجلة المنار وتابع مهمته هذه لما صار ميتروبوليتاً على اللاذقية، عرف عنه أنه كان يقوم بعمله على أكمل وجه تجاه الأساقفة الآخرين، فكان أول الوافدين إلى مطرانية بيروت، لتهنئة المطران جراسيموس الميتروبوليت الجديد عليها، وشارك في انتخاب البطريرك غريغوريوس سنة 1906 وشارك في حفلة تنصيبه وعين قائمقاماً بطريركياً بعد وفاة البطريرك غريغوريوس

صفاته

بالرغم من أنه لم يكن متعلماً إلا أنه كان أرثوذكسياً لا غش فيه، أدار الأبرشية بحنكة لم يكن لها مثيل يحب الشباب ويجمعهم لكي يروي لهم سير القديسين. وكان حافظاً جميع الخدم الطقسية وكان يصحح كل أخطاء كهنته التيبيكونية دون الرجوع إلى نصوص مكتوبة. جعل من مطرانيته ديراً للرهبان، فعاش معه أربعة أرشمندريتية هم: الأرشمندريت نيفن سابا، الأرشمندريت تريفن غريب، الأرشمندريت جبرائيل دميان، الأرشمندريت ألكسندروس جحا. والكاهن ميخائيل خلوف. وأرسلهم إلى معاهد اللاهوت فقد أرسل الأرشمندريت تريفن (الذي صار مطراناً على اللاذقية) إلى معهد خالكي، والأرشمندريت جبرائيل (الذي صار مطراناً على اللاذقية أيضاً) إلى كييف، والأرشمندريت ألكسندروس (الذي صار مطراناً على حمص) والأب ميخائيل إلى موسكو، وأما الأرشمندريت نيفن إذ لم يكن متعلماً كفاية بقي معه في دار المطرانية. وكان مهتماً بالوعظ لدرجة أنه كان يستقدم الأرشمندريت فوتيوس خوري واعظ الكرسي الأنطاكي آنذاك (لاحقاً مطران بغداد والكويت) لإلقاء محاضرات روحية خلال فترة الصوم الكبير. كان محبوباً من الأوساط الإسلامية وكان شيوخها يزورونه في دار المطرانية وبشكل خاص شيخ الطائفة المولوية.

أمور تذكر

كان خلال الانتخابات النيابية، يغادر مدينة اللاذقية مركز الميتروبوليتية ليبتعد عن الأجواء الانتخابية ويطلب من الوجيهين اسحق نصري ووديع سعادة ألا يتصلا به إلا بعد انتهاء الانتخابات فيزور بيت الفائز ليهنئه وبيت الخاسر أيضاً. فرز الشماس فوتيوس ياسمين للاهتمام بالتعليم الديني في مدرسة الروم للشباب وعين الأب ميخائيل خلوف مديراً لها ومن بعده الأرشمندريت جبرائيل دميان، واستقدم الراهبة ماريا من دير زهرة الإحسان في بيروت للتعليم في مدرسة الروم للبنات.
ببركته وإشرافه قام الشماس ثيوذوسيوس مطلق وهو فلسطيني الأصل بالتعاون مع الأب أيوب خوري كاهن قرية المزيرعة بإصدار كتب للتعليم الديني ينشرها المطران فور جهوزيتها، ومنها كتاب السواعي الصغير
من حبه للسلام وعدم رغبته بالذهاب لا إلى المحاكم الروحية ولا المدنية كان يحاول حل المشاكل التي تحدث بين أبناءه فكان يظهر قسوة مصطنعةً ويحكى أنه في مدينة اللاذقية كانت هناك عائلة (رباحية) وأحد أفرادها يدعى عبدو يملك فرساً يركبها لكي يتاجر ببعض الحاجيات خارج اللاذقية، فأخذ أحد أعيان الطائفة من آل (صابور) المتمتع بمقام كبير في الطائفة هذه الفرس ولم يردها إلى عبدو فذهب الأخير إلى المطران أرسانيوس وشكا الأول، فجلب المطران الوجيه ولما سأله عن فعلته، أجاب:” أدفع له ثمنها وأزيد لأني أريدها” فأمره بإعادتها فرفض وازداد عناداً فما كان من المطران أرسانيوس إلا أن أمر بجلده قائلاً: “لا يهمني من يكون” فرضح وأعاد الفرس لصاحبها
عرف عن المطران أرسانيوس أنه قضى العمر في مطرانية اللاذقية يصالح بين الأزواج فلم يعثر في سجلاته إلا على حالة طلاق واحدة لاستحالة العيش المشترك.
في عام 1924 إثر الأزمة الناشئة في أبرشية نيويورك الأنطاكية للروم الأرثوذكس، انتخب المجمع الأنطاكي المنعقد برئاسة غبطة البطريرك غريغوريوس الرابع، قدس الأرشمندريت فكتور (أبو عسلي) ميتروبوليتاً على الأبرشية، واتفق أن يرسل وفداً إلى الأبرشية لمصالحة الأنطاكيين الذين تخاصموا حول مرجعيتهم الروحية إلى ثلاث فرق، أنطاكية وروسية وأمريكية، فأرسل غبطته مطران حوران زخريا لكي يسيم المنتخب بدون علم المجمع فاتفق أرسانيوس (اللاذقية) وباسيليوس (عكار) وألكسندروس(طرابلس) على رفض العمل وأبرقوا لغبطته ولغبطة بطريرك أورشليم آنذاك دميانوس لكي يمنع السيامة حيث كان من المقرر أن يشترك مطرانان من الكنيسة الأورشليمية في السيامة ( القوانين المقدسة تحدد أنه لشرطونية الأسقف يجب وجود ثلاثة أساقفة على الأقل) ونشئت أزمة طويلة انتهت بأن خرج أرسانيوس منها بعد سيامة فكتور ومن ثم تصالح باسيليوس وألكسندروس مع غبطته طالبين بركته

انتخابه بطريركاً على أنطاكية والحوادث التي رافقته

لقد كان القانون البطريركي يعطي أصواتاً لعلمانيي مدينة دمشق عددها عشرة وصوت لكاهن عن مدينة دمشق وصوت لكل من الوكيلين البطريركين في دمشق وأنطاكية، ضماناً لفوز المطارنة الوطنيين بعد استعفاء البطريرك اسبيريدون آخر البطاركة اليونان
ولكن عدد الأصوات المعطاة للدمشقيين يفوق عدد مطارنة الكرسي الأنطاكي آنذاك فيتحكمون بمصير المرشحين إلى المنصب البطريركي فجرت عدة محاولات لتغيير القانون باءت بالفشل بسبب رفض الدمشقيين التنازل عن حقهم وفي المجمع الأخير حيث توفي البطريرك غريغوريوس الرابع في 1928 المنعقد في سوق الغرب انتخب المطارنة بالإجماع أرسانيوس قائمقاماً بطريركياً فأجرى عدة محاولات لتغيير رأي الدمشقيين ونجح في ذلك ولكن خلال الاجتماع الأخير معهم عادوا عن موقفهم ووقف إلى جانبهم المطرانان ألكسندروس (طحان) وثيوذوسيوس (صور وصيدا) طمعاً برضاهم، فلما دعا أرسانيوس إلى مجمع ترشيحي لترشيح 3 مطارنة أبى الدمشقيون المشاركة إن لم يكن المرشحون هم (ألكسندروس: المسجل عليه دعاوى قانونية من رعيته)، (وملاتيوس: مطران سابق لديار بكر ولا يحق له لا أن ينتخب ولا أن ينتخب لأنه لم يكن من المطارنة العاملين)،( وثيوذوسيوس) وهددوا المطارنة، فقام أكثرية المطارنة من دمشق إلى دير مار الياس شويا حيث عدلوا نظام الانتخابات. والتأم المجمع في 20/1/1930 في دير مار جرجس الحميراء في جلسة انتخابية بمشاركة: روفائيل (حلب)، إغناطيوس (حماة)، أبيفانيوس (حمص)، زخريا (حوران)، جراسيموس (بيروت)، باسيليوس (عكار)، فكتور أبو عسلي(أمريكا) والأرشمندريت بولس خوري ممثلاً المطران بولس (جبيل والبترون) وانتخب أرسانيوس بطريركاً في 24/1 وأبلغ العالم كله بالنبأ المفرح بأن فترة ترمل البطريركية الأنطاكية قد انتهت. ولكن المطارنة الثلاثة المتخلفين وهم ألكسندروس وثيوذوسيوس ونيفن (زحلة) قد انتخبوا ألكسندروس بطريركاً
عاد البطريرك أرسانيوس إلى اللاذقية ومشى من دار المطرانية إلى كنيسة مار سابا يتقدمه ثماني مطارنة وأربع أرشمندريتية وعدد من الشمامسة وفرق الكشاف وعناصر الجيش الفرنسي. واكتظت الشوارع بالمسيحيين والمسلمين وحضر الجنرال شيفر وحاكم الحكومة العلوية في اللاذقية فكان شيئاً لم تشهده اللاذقية من قبل.
ولكن الدمشقيين هددوا البطريرك أرسانيوس ومنعوه من دخول دمشق، فمنعاً لتفاقم المشكلة آثر البطريرك المنتخب أرسانيوس البقاء في اللاذقية. أرسل البطريرك المسكوني مندوباً عنه ليحاول حل المشكلات ففوضه البطريرك أرسانيوس للتوقيع باسمه على أي اتفاق مع المطران “البطريرك الثاني” ألكسندروس، ولكن أرسانيوس لم يكن يتقن اليونانية عكس ألكسندروس الذي كان يتقنها وقوي الحجة ومتعلماً فتأثر خريسنثوس المندوب بألكسندروس وآثره عوضاً عن أرسانيوس فوضع اتفاق بنص على أن أرسانيوس هو البطريرك وألكسندروس بطريرك سابق وله الوكالة الدائمة لأرسانيوس وفي حال استقالة أرسانيوس أو وفاته يصبح هو البطريرك دون أي انتخاب. والسلطة الفرنسية التي أرادت أن تساند الوطنيين فبعد أن ساندت أرسانيوس تراجعت ودعمت ألكسندروس لأنها رغبت في أن يكون البطريرك من دمشق، مركز التجمع الأول للوطنيين. تاريخ 30/4/1931 يصل إلى مسمع المجمع أن بطاركة القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم أرسلوا صكوك الاعتراف بألكسندروس بطريركاً شرعياً (وكانت هذه محاولة لإعادة السيطرة اليونانية على البطريركية الأنطاكية) وهذا ما حصل. منعاً لتفاقم الأمور، آثر الميتروبوليت أرسانيوس أن يكمل عمله كمطران على اللاذقية وانسحب من السدة البطريركية على أن يصبح هو البطريرك في حال وفاة أو اعتزال البطريرك ألكسندروس (عكس الاتفاق السابق)

وفاته

حزن المطران أرسانيوس كثيراً للمؤامرات التي أحيكت ضده فما لبث أن أصيب بداء السكري، وأصابته دملة كبيرة في رقبته فآثر الأطباء أنه يجب أن تشق فذهب إلى مشفى مار جرجس (مشفى الروم) في بيروت وبسبب السكري تسممت الدملة حيث عاجلته المنية هناك في حزيران 1932. ووافاه البطريرك ألكسندروس والمطرانان ثيوذوسيوس ونيفن فصرخ المطران إغناطيوس حريكة: “مات البطريرك أرسانيوس، عاش البطريرك ألكسندروس!” فبكى الجميع عليه ووعد البطريرك بأنه سيجعل اسم أرسانيوس نظامياً ضمن لائحة البطاركة، لكنه لم يحقق كلامه بل ذهب أدراج الرياح.
نقل الراحل الكبير إلى اللاذقية وتمت جنازته في كنيسة مار سابا ثم ووري الثرى في مقبرة الكنيسة ولكن بعد هدم الكنيسة وطمر المقبرة لبناء مدرسة الكلية الوطنية الأرثوذكسية نقل جثمانه إلى مدفن رؤساء الكهنة في المقبرة بالفاروس.

ولم يسجل اسم البطريرك أرسانيوس في اللائحة النظامية لبطاركة الكنيسة الأنطاكية إلى يومنا هذا ولكن يبقى في قلوب الأنطاكيين راعياً وأباً وبطريركاً منتخباً على أنطاكية هكذا شاء الروح القدس حامي الكنيسة الأرثوذكسية

المراجع
1. د. أسد رستم، تاريخ كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج 3 ، منشورات النور
2. عماد ربيز، أرسانيوس حداد: مطران اللاذقية وبطريرك منتخب على أنطاكيا، دراسة في معهد البلمند، غير منشورة.
3. د. علي خليل، اللاذقية في مطلع القرن العشرين، ط1، 2007
4. غيد الياس بيطار، اللاذقية عبر الزمن، الجزء الأول: التاريخ، ط 1 ، 2001
5. جورج منصور (حالياً سيادة المطران باسيليوس)، الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة، أطروحة لنيل إجازة في اللاهوت، غير منشورة
6. الأب نايف اسطفان، الأزمة البطريركية الأنطاكية الأرثوذكسية 1930-1933، 2006
7. الأب نايف اسطفان، أزمة أبرشية نيويورك وما يليها للروم الأرثوذكس 1924، 2006